← Адаб

Адаб · id 12848

بلاغات النساء

ابن طيفور

Полный текст (201 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

امرأة بعدما ملكت وصار الأمر لي ثم دعا كاتبه في الليل فكتب إلى عامله في الكوفة أن أوفد إلى الزرقاء ابنة عدي مع ثقة من محرمها وعدة من فرسان قومها ومهدها وطاء ليناً واسترها بسترٍ حصيف فلما ورد عليه الكتاب ركب إليها فأقرأها الكتاب فقالت أما أنا فغير زائغة عن طاعة وإن كان أمير المؤمنين جعل المشيئة إليّ لم أرم من بلدي هذا وإن كان حكم الأمر فالطاعة له أولى بي فحملها في هودج وجعل غشاءه حبراً مبطناً بعصب اليمن ثم أحسن صحبتها وفي حديث المقدمي فحملها في عمارية جعل غشاءها خزاً أدكن مبطناً بقوهى فلما قدمت على معاوية قال لها مرحباً وأهلاً خير مقدم قدمه وافد كيف حالك يا خالة وكيف رأيت مسيرك قالت خير مسير كأني كنت ربيبة بيت أو طفلاً ممهداً قال بذلك أمرتهم فهل تعلمين لم بعثت إليك قالت سبحان الله أنّى لي بعلم ما لم أعلم وهل يعلم ما في القلوب إلا الله قال بعثت إليك أن أسألك ألست راكبة الجمل الأحمر يوم صفين بين الصفين توقدين الحرب وتحضين على القتال فما حملك على ذلك قالت يا أمير المؤمنين أنه قد مات الرأس وبتر الذنب والدهر ذو غير ومن تفكر أبصر والأمر يحدث بعده الأمر قال لها صدقت فهل تحفظين كلامك يوم صفين قالت ما أحفظه قال ولكني والله أحفظه لله أبوك لقد سمعتك تقولين أيها الناس إنكم في فتنة غشتكم جلابيب الظلم وجارت بكم عن قصد المحجة فيالها من فتنة عمياء صماء يسمع لقائلها ولا ينظار لسائقها أيها الناس إن المصباح لا يضيء في الشمس وإن الكوكب لا يقد في القمر وإن البغل لا يسبق الفرس وإن الزف لا يوازن الحجر ولا يقطع الحديد إلا الحديد إلا من استرشدنا أرشدناه ومن استخبرنا أخبرناه إن الحق كان

стр. 37

يطلب ضالته فأصابها فصبراً يا معشر المهاجرين والأنصار فكان قد اندمل شعب الشتات والتأمت كلمة العدل وغلب الحق باطله فلا يعجلن أحد فيقول كيف وأنّى ليقضي الله أمراً كان مفعولاً إلا إن خضاب النساء الحناء وخضاب الرجال الدماء والصبر خيرٌ في الأمور عواقباً أيها إلى الحرب قدماً غير ناكصين فهذا يومٌ له ما بعده ثم قال معاوية والله يا زرقاء لقد شركت علياً ﵇ في كل دم سفكه فقالت أحسن الله بشارتك يا أمير المؤمنين وأدام سلامتك مثلك من بشر بخير وسر جليسه قال لها وقد سرك ذلك قالت نعم والله لقد سرني قولك فإني بتصديق الفعل فقال معاوية والله لوفاءكم له بعد موته أحب إليّ من حبكم له في حياته أذكري حاجتك قالت يا أمير المؤمنين إني قد آليت على نفسي أن لا أسأل أميراً أعنت عليه شيئاً أبداً ومثلك أعطى عن غير مسألة وجاد عن غير طلب قال صدقت فاقطعها ضيعة أغلتها في أول سنة عشرة آلاف درهم وأحسن صفدها وردها والذين معها مكرمين. كلام بكارة الهلالية حدثني عبد الله بن عمرو قراءة من كتابه عليّ قال حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن المفضل قال حدثنا إبراهيم بن محمد الشافعي عن محمد بن إبراهيم عن خالد بن الوليد عمن سمعه من حذافة الجمحي قال دخلت بكارة الهلالية على معاوية بن أبي سفيان بعد أن كبرت سنها ودق عظمها ومعها خادمان لها وهي متكئة عليهما وبيدها عكاز فسلمت على معاوية بالخلافة فأحسن عليها الرد وأذن لها في الجلوس وكان عنده مروان بن الحكم وعمرو بن العاص فابتدأ مروان فقال أما تعرف هذه يا أمير المؤمنين قال ومن هي قال هي التي كانت تعين علينا يوم صفين وهي القائلة: يا زيد دونك فاستثر من دارنا ... سيفاً حساماً في التراب دفيناً

стр. 38

قد كان مذخوراً لكل عظيمة ... فاليوم أبرزه الزمان مصوناً فقال عمرو بن العاص وهي القائلة يا أمير المؤمنين: أترى ابن هند للخلافة مالكاً ... هيهات ذاك وما أراد بعيد منتك نفسك في الخلاء ضلالة ... أغراك عمرو للشقاء وسعيد فارجع بأنكد طائر بنحوسها ... لاقت علياً أسعد وسعود فقال سعيد يا أمير المؤمنين وهي القائلة: قد كنت آمل أن أموت ولا أرى ... فوق المنابر من أمية خاطباً فالله أخر مدتي فتطاولت ... حتى رأيت من الزمان عجائبا في كل يوم لا يزال خطيبهم ... وسط الجموع لآل أحمد عائباً ثم سكت القوم فقالت بكارة نبحتني كلابك يا أمير المؤمنين واعتورتني فقصر محجني وكثر عجبي وعشى بصري وأنا والله قائلة ما قالوا لا أدفع ذلك بتكذيب فامض لشأنك فلا خير في العيش بعد أمير المؤمنين فقال معاوية أنه لا يضعك شيء فاذكري حاجتك تُقضى فقضى حوائجها وردها إلى بلدها " وحدثني " عيسى بن مروان قال حدثني محمد بن عبد الله الخزاعي عن الشعبي قال استأذنت بكارة الهلالية على معاوية فأذن لها فدخلت وكانت امرأة قد أسنت وعشيَ بصرها وضعفت قوتها فهي ترعش بين خادمين لها فسلمت ثم جلست فقال معاوية كيف أنت يا خالة قال بخير يا أمير المؤمنين قال غيرك الدهر قالت كذلك هو ذو غير من عاش كبر ومن مات قبر ثم ذكر الحديث على ما رواه سعد بن حذافة. في حديث عبد الله بن عمر ومن قول عمرو وسعيد ومروان ورواية في الحديث قالت ان عشى بصري وقصرت حجتي فأنا قائلة ما قالوا وما خفي عليك أكثر فضحك معاوية وقال ليس بما نعى من برك يا خالة غير عدم مجيئك قالت أمّا الآن فلا.

стр. 39

كلام أم الخير بنت الحريش البارقية حدثني عبد الله بن سعد قال حدثنا إبراهيم بن عبد الله المقدمي قال أخبرنا محمد بن الفضل المكي قال أخبرنا إبراهيم بن محمد الشافعي عن خالد بن الوليد المخزومي عن سعد بن حذافة الجمحي وحدثونيه عن العباس بن بكار عن عبيد الله بن عمر الغساني عن الشعبي قال كتب معاوية إلى واليه بالكوفة أن أوفد علي أم الخير بنت الحريش بن سراقة البارقية رحلة محمودة الصحبة غير مذمومة العاقبة واعلم أني مجازيك بقولها فيك بالخير خيراً وبالشر شراً فلما ورد عليه الكتاب ركب إليها فأقرأها إياه فقالت أم الخير أما أنا فغير زائغة عن طاعة ولا معتلة بكذب ولقد كنت أحب لقاء أمير المؤمنين لأمور تختلج في صدري تجري مجرى النفس يغلي بها غلي المرجل بحب البلسن يوقد بجزل السمر فلما حملها وأراد مفارقتها قال يا أم الخير إن معاوية قد ضمن لي عليه أن يقبل بقولك في بالخير خيراً وبالشر شراً فانظري كيف تكونين قالت يا هذا لا يطعمك والله برك بي في تزويقي الباطل ولا يؤسنك معرفتك إياي أن أقول فيك غير الحق فسارت خير مسير فلما قدمت على معاوية أنزلها مع الحرم ثلاثاً ثم أذن لها في اليوم الرابع وجمع لها الناس فدخلت عليه فقالت السلام عليك يا أمير المؤمنين فقال وعليك السلام وبالرغم والله منك دعوتني بهذا الاسم فقالت مه يا هذا فإن بديهة السلطان مدحضة لما يجب علمه قال صدقت يا خالة وكيف رأيت مسيرك قالت لم أزل في عافية وسلامة حتى أوفدت إلى ملك جزل وعطاء بذل فأنا في عيشٍ أنيق عند ملكٍ رفيق فقال معاوية بحسن نيتي ظفرت بكم وأعنت عليكم قالت مه يا هذا لك والله من دحض المقال ما تردى عاقبته قال ليس لهذا أردناك قالت إنما أجري في ميدانك إذا أجريت شيئاً أجريته فاسأل عما بدا لك قال كيف كان كلامك يوم قتل عمار بن ياسر

стр. 40

قالت لم أكن والله رويته قبل ولا زورته بعد وإنما كانت كلمات نفثهن لساني حين الصدمة فإن شئت أن أحدث لك مقالاً غير ذلك فعلت قال لا أشاء ذلك ثم التفت إلى أصحابه فقال أيكم حفظ كلام أم الخير قال رجل من القوم أنا أحفظه يا أمير المؤمنين كحفظي سورة الحمد قال هاته قال نعم كأني بها يا أمير المؤمنين وعليها برد زيبدي كثيف الحاشية وهي على جمل أرمك وقد أحيط حولها حواء وبيدها سوط منتشر الضفر وهي كالفحل يهدر في شقشقته تقول يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيءٌ عظيم إن الله قد أوضح الحق وأبان الدليل ونوّر السبيل ورفع العلم فلم يدعكم في عمياء مبهمة ولا سوداء مدلهمة فإلى أين تريدون رحمكم الله أفراراً عن أمير المؤمنين أن فراراً من الزحف أم رغبة عن الإسلام أم ارتداداً عن الحق أما سمعتم الله يقول ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم ثم رفعت رأسها إلى السماء وهي تقول اللهم قد عيل الصبر وضعف اليقين وانتشر الرعب وبيدك يا رب أزمَّة القلوب فاجمع إليه الكلمة على التقوى وألف القلوب على الهدى واردد الحق إلى أهله هلموا رحمكم الله إلى الإمام العادل والوصي الوفي والصديق الأكبر إنها إحن بدرية وأحقاد جاهلية وضغائن أحدية وثب بها معاوية حين الغفلة ليدرك بها ثارات بني عبد شمس ثم

стр. 41

قالت قاتلوا أئمة الكفر إنهم لا إيمان لهم لعلهم ينتهون صبراً معشر الأنصار والمهاجرين قاتلوا على بصيرة من ربكم وثبات من دينكم وكأني بكم غداً لقد لقيتم أهل الشام كحمر مستنفرة لا تدري أين يسلك بها من فجاج الأرض باعوا الآخرة بالدنيا واشتروا الضلالة بالهدى وباعوا البصيرة بالعمى عما قليل ليصبحن نادمين حتى تحل بهم الندامة فيطلبون الإقالة إنه والله من ضل عن الحق وقع في الباطل ومن لم يسكن الجنة نزل النار أيها الناس إن الأكياس استقصروا عمر الدنيا فرفضوها واستبطأوا مدة الآخرة فسعوا لها والله أيها الناس لولا أن تبطل الحقوق وتعطل الحدود ويظهر الظالمون وتقوى كلمة الشيطان لما اخترنا ورود المنايا على خفض العيش وطيبه فإلى أين تريدون رحمكم الله عن ابن عم رسول الله ﷺ لى الله عليه وزوج ابنته وأبي ابنيه خلق من طينته وتفرع من نبعته وخصه بسره وجعله باب مدينته وعلم المسلمين وأبان ببغضه المنافقين فلم يزل كذلك يؤيده الله بمعونته ويمضي على سنن استقامته لا يعرج لراحة الدأب ها هو مفلق الهام ومكسر الأصنام إذ صلى والناس مشركون وأطاع والناس مرتابون فلم يزل كذلك حتى قتل مبارزي بدر وأفنى أهل أحد وفرق جمع هوازن فيا لها من وقائع زرعت في قلوب قوم نفاقاً وردة وشقاقاً قد اجتهدت في القول وبالغت في النصيحة وبالله التوفيق وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته فقال معاوية والله يا أم الخير ما أردت بهذا الكلام إلا قتلي والله لو قتلتك ما حرجت في ذلك قالت والله ما يسوءني يا ابن هند أن يجري الله ذلك على يدي من يسعدني الله بشقائه قال هيهات يا كثيرة الفضول ما تقولين في عثمان بن عفان قالت وما عسيت أن أقول فيه استخلفه الناس وهم له كارهون وقتلوه وهم راضون فقال معاوية أيها يا أم الخير هذا والله أصلك الذي تبنين عليه قالت لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيداً ما أردت لعثمان نقصاً ولكن كان سباقاً إلى الخيرات وإنه لرفيع الدرجة قال فما تقولين في طلحة بن عبيد الله قالت وما عسى أن أقول في طلحة اغتيل من مأمنه وأوتي من حيث لم يحذر وقد وعده رسول الله ﷺ لى الله عليه الجنة قال فما تقولين في الزبير قالت يا هذا لا تدعني كرجيع الصبيغ يعرك في المركن قال حقاً لتقولن ذلك وقد عزمت عليك قالت وما عسيت أن أقول في الزبير ابن عمة رسول الله ﷺ حواريه وقد شهد له رسول الله ﷺ الجنة ولقد كان سباقاً إلى كل مكرمة في الإسلام وإني أسألك بحق الله يا معاوية فإن قريشاً تحدث أنك أحملها فأنا أسألك بأن تسعني بفضل حلمك وأن تعفيني من هذه المسائل وامض لما شئت من غيرها قال نعم وكرامة قد أعفيتك وردها مكرمة إلى بلدها. فلم يزل كذلك حتى قتل مبارزي بدر وأفنى أهل أحد وفرق جمع هوازن فيا لها من وقائع زرعت في قلوب قوم نفاقاً وردة وشقاقاً قد اجتهدت في القول وبالغت في النصيحة وبالله التوفيق وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته فقال معاوية والله يا أم الخير ما أردت بهذا الكلام إلا قتلي والله لو قتلتك ما حرجت في ذلك قالت والله ما يسوءني يا ابن هند أن يجري الله ذلك على يدي من يسعدني الله بشقائه قال هيهات يا كثيرة الفضول ما تقولين في عثمان بن عفان قالت وما عسيت أن أقول فيه استخلفه الناس وهم له كارهون وقتلوه وهم راضون فقال معاوية أيها

стр. 42

يا أم الخير هذا والله أصلك الذي تبنين عليه قالت لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيداً ما أردت لعثمان نقصاً ولكن كان سباقاً إلى الخيرات وإنه لرفيع الدرجة قال فما تقولين في طلحة بن عبيد الله قالت وما عسى أن أقول في طلحة اغتيل من مأمنه وأوتي من حيث لم يحذر وقد وعده رسول الله ﷺ لى الله عليه الجنة قال فما تقولين في الزبير قالت يا هذا لا تدعني كرجيع الصبيغ يعرك في المركن قال حقاً لتقولن ذلك وقد عزمت عليك قالت وما عسيت أن أقول في الزبير ابن عمة رسول الله ﷺ حواريه وقد شهد له رسول الله ﷺ الجنة ولقد كان سباقاً إلى كل مكرمة في الإسلام وإني أسألك بحق الله يا معاوية فإن قريشاً تحدث أنك أحملها فأنا أسألك بأن تسعني بفضل حلمك وأن تعفيني من هذه المسائل وامض لما شئت من غيرها قال نعم وكرامة قد أعفيتك وردها مكرمة إلى بلدها.

стр. 43

كلام عجوز من ولد الحارث بن عبد المطلب وحدثني عبد الله بن عمرو قال حدثني محمد بن أبي علي البصري قال حدثنا أمية بن خالد قال حدثني عبد الرحمن بن مالك الأنصاري عن أبيه أنه سمع شيخاً لهم يقول قدم إبراهيم بن محمد المدينة فأتته عجوز من ولد الحارث بن عبد المطلب فشكت إليه ضنك المعيشة قال ما يحضرني الكثير ولا أرضى لك بالقليل وأنا على ظهر سفر فاقبلي ما حضر وتفضلي بالعذر ثم دعا مولى له فقال ادفع إليها ما بقي من نفقتنا وخذي هذا العبد والبعير فقالت بأبي أنت وأمي أجزل الله في الآخرة أجرك وأعلى في الدنيا كعبك ورفع فيهما ذكرك وغفر لك يوم الحساب ذنبك فأنت والله كما قلت أم جميل بنت حرب بن أمية: زين العشيرة كلها ... في البدو منها والحضر ورئيسها في النائبات ... وفي الرحال وفي السفر ورث المكارم كلها ... وعلا على كل البشر ضخم الدسيعة ماجد ... يعطي الجزيل بلا كدر كلام لنساء متفرقات " كلام الجمانة بنت المهاجر " حدثني عبد الله بن شبيب قال حدثني الزبير بن أبي بكر عن محمد عن عبد الرحمن بن الحسن عن عمه أن الجمانة بنت المهاجر بن خالد بن الوليد نظرت إلى عبد الله بن الزبير وهو يرقأ المنبر يخطب بالناس في يوم جمعة فقالت حين رأته رقى المنبر أيا نقار أنقر يا نقار أما والله لو كان فوقه نجيب من بني أمية أو صقر من بني مخزوم لقال المنبر طيق طيق قال فانمي كلامها إلى

стр. 44

عبد الله بن الزبير فبعث إليها فأتى بها فقال لها ما الذي بلغني عنك يا لكاع قالت الحق أبلغت يا أمير المؤمنين قال فما حملك على ذلك قالت لا تعدم الحسناء ذاماً والساخط ليس براض ومع ذلك فما عدوت فيما قلت لك أن نسبتك إلى التواضع والدين وعدوك إلى الخيلاء والطمع ولئن ذاقوا وبال أمرهم لتحمدن عاقبة شأنك وليس من قال فكذب كمن حدث فصدق وأنت بالتجاوز جدير ونحن للعفو منك أهل فاستر على الحرمة تستتم النعمة فوالله ما يرفعك القول ولا يضعك وإن قريشاً لتعلم أنك عابدها وشجاعها ولسانها. حاط الله دنياك وعصم أخراك وألهمك شكر ما أولاك. حدثني أحمد بن جعفر بن سليمان الهاشمي قال كانت زينب بنت علي تقول من أراد أن يكون الخلق شفعاءه إلى الله فليحمده ألم تسمع إلى قولهم سمع الله لمن حمده فخف الله لقدرته عليك واستح منه لقربه منك. ذكر الرياشي عن الأصمعي عن أبان بن تغلب قال خرجت في طلب الكلاء فانتهيت إلى ماء من مياه كلب وإذا أعرابي على ذلك الماء ومعه كتاب منشور يقرؤه عليهم وجعل يتوعدهم فقالت له أمه وهي في خبائها وكانت مقعدة كبراً ويلك دعني من أساطيرك لا تحمل عقوبك على من لم يحمل عليك ولا تتطاول على من لم يتطاول عليك فإنك لا تدري ما تقربك إليه حوادث الدهور ولعل من صيرك إلى هذا اليوم أن يصير غيرك إلى مثله غداً فينتقم منك أكثر مما انتقمت منه فاكفف عما أسمع منك ألم تسمع إلى قول الأول: لا تعاد الفقير علك أن ... تركع يوماً والدهر قد رفعه قال أبان فقضيت العجب من كلامها وبلاغتها " وقال الرياشي " عن الأصمعي عن أبان بن تغلب قال جلست إلى أعرابية كانت تعرف بالبلاغة فمر بها رجل من قومها يسحب حلة عليه فقالت يا صاحب الحلة إن الكرم واللؤم ليسا في بردتك هذه ولكنها

стр. 45

تحتها فليحسن فعلك يحسن لباسك ولو لبست طمراً ما شأنك " حدثني " عبد الله بن أحمد بن حرب عن أسعد بن المفضل بن مهزم بن خالد عن مهدي قال قلت لولادة العبدية وكانت من أعقل النساء إني أريد الحج فأوصيني قالت أأوجز فأبلغ أم أطيل فأحكم فقلت بما شئت فقال ابن أخ لها الحلة لباس فاخلعي عليه فقالت جد تسد واصبر تفز قلت أيضاً قالت لا يتعد غضبك حلمك ولا هواك علمك وقِ دينك بدنياك ووفر عرضك بعرضك وتفضل تخدم واحلم تقدم قلت فمن أستعين قالت الله قلت من الناس قالت الجلد النشيط والناصح الأمين قلت فمن أستشير قالت المجرب الكيس أو الأديب ولو الصغير قلت فمن أستصحب قالت الصديق الملم أو المداجي المتكرم ثم قالت يا ابناه أنك تفد إلى ملك الملوك فانظر كيف يكون مقامك بين يديه " عمر بن شبة " قال حدثني أحمد بن معاوية قال حدثني محمد بن داوود بن علي وأبوه جعف اليمامي وأحمد بن الحارث عن محمد بن زياد الأعرابي قالا وقفت امرأة من الأعراب من هوازن على عبد الرحمن ابن أبي بكرة فقالت أصلحك الله أقبلت من أرضٍ شاسعة ترفعني رافعة وتخفضني خافضة بملحات من البلاد وملمات من الدهور برين عظمي وأذهبن لحمي وتركنني والها وأنزلنني إلى الحضيض وقد ضاق بي البلد العريض لا عشيرة تحميني ولا حميم يكفيني فسألت في أحياء العرب من المرجو سيبه المأمون غيبه المكفي سائله الكريمة شمائله المأمول نائله فأرشدت إليك وأنا امرأة من هوازن مات الوافد وغاب الرافد ومثلك من سد الخلة وفك الغلة فاصنع إحدى ثلاث إما أن تقيم من أودي أو تحسن صفدي أو تردني إلى بلدي قال بل أجمعهن لك وحباً وقال العباس بن الفرج الرياشي حدثنا محمد بن عباد المهبلي قال وقفت أعرابية فقالت

стр. 46

بعدت شقتي وظهرت محارمي وبلغ نسيسي والله سائلكم عن مقامي " وحدثني " هارون بن مسلم عن العتبي قال سألت أعرابية فقالت سائلتكم تسألكم القليل الذي يوجب لكم الكثير ورحم الله واحداً أعان محقاً " حماد " بن إسحاق عن أبيه قال حدثني النضر بن حديد عن العتبي قال وقفت علينا أعرابية فقالت يا قوم تغير بنا الدهر إذ قلَّ منا الشكر ولزمنا الفقر فرحم الله من فهم بعقل وأعطى من فضل وآثر من كفاف وأعان على عفاف. قصة أم معبد ووصفها النبي ﷺ لى الله عليه وسلم وبلاغتها في صفته حدثني عبد الله بن عمرو عن الحسن بن عثمان قال حدثني بشر بن محمد بن أبان بن مسلم قال حدثني عبد الملك بن وهب المذحجي الكوفي عن الحر بن التياح النخعي عن أبيه عن معبد الخزاعي أن رسول الله ﷺ لى الله عليه خرج ليلة هاجر من مكة إلى المدينة ومعه أبو بكر ﵀ وعامر بن فهيرة وفي رواية أخرى قال وحدثنا مكرم بن محرز بن المهدي بن عبد الرحمن بن عمرو بن خويلد الخزاعي قال حدثني أبي محرز بن المهدي عن حزام بن هشام وحبيش عن أبيه هشام عن جده حبيش بن خالد صاحبالنبي ﷺ لى الله عليه أنه صلى الله عليه حين أخرج منها مهاجراً إلى المدينة هو وأبو بكر ومولى أبي عامر بن فهيرة ودليلهما الليثي عبد الله بن أريقط فمروا على خيمة أم معبد الخزاعية وكانت امرأة برزة جلدة تحتبي بفناء الكعبة ثم تسقي وتطعم فسألوها لحماً وثمراً ليشتروه منها فلم يصيبوا عندها شيئاً من ذلك وكان القوم مرملين مسنتين فنظر رسول الله ﷺ لى الله عليه إلى شاة في كسر الخيمة فقال ما هذه يا أم معبد قالت شاة خلفها الجهد عن الغنم قال هل بها من لبن قالت هي أجهد من ذلك قال أتأذنين لي أن أحلبها قالت بأبي وأمي أنت نعم إن رأيت بها من حلب فاحلبها فدعا رسول الله ﷺ لى الله عليه بالشاة فمسح ضرعها وسمى الله ودعا لها في شاتها فتفاجت عليه ودرت واجترت

стр. 47

ودعا بإناء يربص الرهط فحلب فيه ثجا حتى غلبه الثمال ثم سقاها حتى رويت وسقى أصحابه حتى رووا ثم شرب آخرهم وقال ساقي القوم آخرهم فشربوا جميعاً عللاً بعد نهل ثم أراضوا ثم حلب فيه ثانياً عوداً على بدء حتى ملأ الإناء ثم غادره عندها وبايعها وارتحلوا عنها فقل ما لبثت حتى جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزاً حيلاً عجافاً هزالاً مخهن قليل ولا نقي بهن فلما رأى أبو معبد اللبن وقال من أين هذا يا أم معبد والشاة عازبة حيلها ولا حلوبة في البيت فقالت لا والله إلا أنه مر بنا رجلٌ مبارك كان من حديثه كيت وكيت قال صفيه لي يا أم معبد فقالت رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة أبلج الوجه حسن الخلق لم تعبه ثجلة ولم تزريه صقلة وسيما قسيماً في عينيه دعج وفي أشفاره وطف وفي صوته صحل وفي عنقه سطع وفي لحيته كثاثة أحور أكحل أزج أقرن إن صمت فعليه الوقار وإن تكلم سما وعلاه البها فهو أجمل الناس وأبهاه من بعيد وأحلاه وأحسنه من قريب حلو المنطق فصل لا نزر ولا هذر كان منطقه خرزات نظم يتحدرن ربعة ولا تشنؤه من طول ولا تقتحمه العين من قصر غصن بين غصنين فهو أنظر الثلاثة منظراً وأحسنهم قداً له رفقاء يحفون به إن قال أنصتوا لقوله وإن أمر تبادروا إلى أمره محفود محشود لا عابس ولا مفند صلى الله عليه

стр. 48

قال أبو معبد هو والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره بمكة ما ذكر ولو كنت وافقته لالتمست صحبته ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلاً قال وأصبح صوت بمكة عالياً بين السماء والأرض يسمعون الصوت ولا يدرون من يقوله وهو يقول: جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين قالا خيمة أم معبد هما نزلا بالبر وارتحلا به ... ففاز الذي أمسى رفيق محمد فاليقصي ما زوى الله عنكم ... به من فعال لا يجارى وسؤدده ليهن بني كعب مقام فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد سلوا أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد دعاها بشاة حائل فتحلبت ... له عن صريح ضرة الشاة مزبد فغادرها رهناً لديها لحالب ... يرددها في مصدر ثم مورد قال فأصبح الناس قد فقدوا نبيهم صلى الله عليه وأخذوا على خيمة أم معبد حتى لحقواالنبي ﷺ فأجابه حسان بن ثابت: لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم ... وقدس من يسري إليهم ويغتدي ترحل عن قوم فضلت عقولهم ... وحل على قومٍ بنور مجدد هداهم به بعد الضلالة ربهم ... وأرشدهم من يتبع الحق يرشد وهل يستوي ضلال قومٍ تسفهوا ... بهادٍ يقتدي به كل مهتدي وقال ابن أبو سعد في روايته بكسا عمى وهداه يقتدي كل مقتدي " كذا ورد ": وقد نزلت منه على أهل يثرب ... ركاب هدى حلت عليهم بأسعد

стр. 49

نبي يرى مالا يرى الناس حوله ... ويتلو كتاب الله في كلِ مشهد فإن قال في يوم مقالة غائب ... فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد ليهن أبا بكر سعادة جده ... بصحبته من يسعد الله يسعد ويهن بني سعد مقام فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد سمعت محمد بن حبيب مولى بن هشام يذكر عن أبي عبد الله محمد بن زياد الأعرابي قال قيل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ كيف لم يصف أحدالنبي ﷺ لى الله عليه كما وصفته أم معبد فقال لأن النساء يصفن الرجال بأهوائهن فيجدن في صفاتهن. قصة رؤيا رقيقة بنت نباتة وبلاغتها في قصصها حدثونا عن يعقوب بن محمد الزهري عن عبد العزيز بن ربيع وعن أبي حويصة قال تحدث مخرمة بن نوفل أن أمه رقيقة بنت نباتة وكانت لدة عبد المطلب قالة تتابعت على قريش سنون أقحلت الضرع وأرقت العظم فبينا أنا راقدة مهمومة إذا بهاتف صيت بصوت صحل يقول معشر قريش أن هذاالنبي ﷺ لمبعوث منكم وهذا أبان نجومه فحيَّ هل بالحيا والخصب إلا فانظروا منكم رجلاً طوالاً عظاماً أبيض بضاً أوطف الأهداب سهل الخدين له سنة تدعو إليه وفضل يدل عليه إلا فليدلف إليه من كل بطن رجل إلا ثم ليسنوا من الماء وليلتمسوا الركن وليرتقوا أبا قبيس إلا ثم ليدع الرجل وليؤمن القوم إلا فافعلوا إذا ما شئتم قالت فأصبحت على ذلك مفراة مذعورة قد قب جلدي ووله عقلي فقصصت رؤياي فنمت في شعاب مكة

стр. 50

فو الحرمة والحرم أن بقي بها أبطحي إلا قال هذا شيبة الحمد فتتامت عنده قريش وانقض إليه من كل بطن رجل فتسنوا والتمسوا الركن وارتقى أبا قبيس فطفق القوم يدفون حوله ما إن يستوسقهم مهلة حتى قر بذروته واستوكفوا جنابيه ومعه رسول الله ﷺ لى الله عليه وآله وهو يومئذٍ غلام حين أيفع أو هم أو كرب فقام عبد المطلب فقال اللهم ساد الخلة وكاشف الكربة أنت عالم غير معلم ومسؤول غير مبخل وهذه عبداؤك وإماؤك بعذرات حرمك يشكون إليك سنتهم التي أكلت الظلف والخف اللهم وأمطرنا غيثاً مريعاً مغدقاً قالت فما راموا والبيت حتى انفجرت السماء بمائها وكظ الوادي فأسمعهم بثجيجه فسمعت شيخان قريش وجلتها وهي تقول هنيئاً لك أبا البطحاء أي عاش بك أهل البطحاء وفي ذلك تقول رقيقة: بشيبة الحمد أسقى الله بلدتنا ... وقد فقدنا الحيا واجلوذ المطر فجاد بالماء جون له سيل ... فانتعشت به الأنعام والشجر منّ من الله بالميمون طائره ... وخير من بشرت يوماً به مضر مبارك الأمر يستسقي الغمام به ... ما في الأنام له شبه ولا خطر

стр. 51

كلام امرأة أبي الأسود الدؤلي أبو صالح زكريا بن أبي صالح البلدي قال قال أبو محمد القشيري كان أبو الأسود الدؤلي من أكبر الناس عند معاوية بن أبي سفيان وأقربهم مجلساً وكان لا ينطق إلا بعقل ولا يتكلم إلا بعد فهم فبينا هو ذات يوم جالساً وعنده وجوه قريش وأشراف العرب إذ أقبلت امرأة أبي الأسود الدؤلي حتى حاذت معاوية وقالت السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ان الله جعلك خليفة في البلاد ورقيباً على العباد يستسقي بك المطر ويستثبت بك الشجر وتؤلف بك الأهواء ويأمن بك الخائف ويردع بك الجانف فأنت الخليفة المصطفى والإمام المرتضى فاسأل الله لك النعمة في غير تغيير والعافية من غير تعذير لقد ألجأني إليك يا أمير المؤمنين أمرٌ ضاق علي فيه المنهج وتفاقم عليّ فيه المخرج لأمرٍ كرهت عاره لما خشيت إظهاره فلينصفني أمير المؤمنين من الخصم فإني أعوذ بعقوته من العار الوبيل والأمر الجليل الذي يشتد على الحرائر ذوات البعول الأجائر فقال لها معاوية ومن بعلك هذا الذي تصفين من أمره المنكر ومن فعله المشهر قال فقالت هو أبو الأسود الدؤلي قال فالتفت إليه فقال يا أبا الأسود ما تقول هذه المرأة قال فقال أبو الأسود هي تقول من الحق بعضاً ولن يستطيع أحد عليها نقضاً أما ذكرت من طلاقها فهو حق وأنا مخبر أمير المؤمنين عنه بالصدق والله يا أمير المؤمنين ما طلقتها عن ريبة ظهرت ولا لأي هفوة ولكني كرهت شمائلها فقطعت عني حبائلها فقال معاوية وأي شمائلها يا أبا الأسود كرهت قال يا أمير المؤمنين إنك مهيجها عليّ بجواب عتيد ولسان شديد فقال له معاوية لا بد لك من محاورتها فاردد عليها قولها عند مراجعتها فقال أبو الأسود يا أمير

стр. 52

المؤمنين إنها كثيرة الصخب دائمة الذرب مهينة للأهل موذية للبعل مسيئة إلى الجار مظهرة للعار إن رأت خيراً كتمته وإن رأت شراً أذاعته قال فقالت والله لولا مكان أمير المؤمنين وحضور من حضره من المسلمين لرددت عليك بوادر كلامك بنوافذ أقرع كل سهامك وإن كان لا يجمل بالمرأة الحرة أن تشتم بعلاً ولا أن تظهر لأحد جهلاً فقال معاوية عزمت عليك لما أجبته قال فقالت يا أمير المؤمنين ما علمته إلا سؤلاً جهولاً ملحاً بخيلاً إن قال فشر قائل وإن سكت فذو دغائل ليث حين يأمن وثعلب حين يخاف شحيح حين يضاف إن ذكر الجود انقمع لما يعرف من قصر شأنه ولؤم آبائه ضيفه جائع وجاره ضائع لا يحفظ جاراً ولا يحمي ذماراً ولا يدرك ثأراً أكرم الناس عليه من أهانه وأهونهم عليه من أكرمه قال فقال معاوية سبحان الله لما تأتي به هذه المرأة من السجع قال فقال أبو الأسود أصلح الله أمير المؤمنين إنها مطلقة ومن أكثر كلاماً من مطلقة فقال لها معاوية إذا كان رواحاً فتعالي أفصل بينك وبينه بالقضاء قال فلما كان الرواح جاءت ومعها ابنها قد احتضنته فلما رآها أبو الأسود قام إليها لينتزع ابنه منها فقال له معاوية يا أبو الأسود لا تعجل المرأة أن تنطق بحجتها قال يا أمير المؤمنين أنا أحق بحمل ابني منها فقال له معاوية يا أبا الأسود دعها تقل فقال يا أمير المؤمنين حملته قبل أن تحمله ووضعته قبل أن تضعه قال فقالت صدق والله يا أمير المؤمنين حمله خفاً وحملته ثقلاً ووضعه بشهوة ووضعته كرهاً أن بطني لوعاؤه وإن ثديي لسقاؤه وإن حجري لفناؤه قال فقال معاوية سبحان الله لما تأتين به فقال أبو الأسود أنها تقول الأبيات من الشعر فتجيدها قال فقال معاوية أنها قد غلبتك في الكلام فتكلف لها أبياتاً لعلك تغلبها قال فأنشأ أبو الأسود يقول: مرحباً بالتي تجور علينا ... ثم سهلاً بالحامل المحمول أغلقت بابها عليّ وقالت ... إن خير النساء ذات البعول

стр. 53

شغلت نفسها عليّ فراغاً ... هل سمعتم بالفارغ المشغول قال فأجابته وهي تقول: ليس من قال بالصواب وبالحمق ... كمن جار عن منار السبيل كان ثديي سقاءه حين يضحي ... ثم حجري فناؤه بالأصيل لست أبغي بواحدي يا بن حرب ... بدلاً ما علمته والخليل قال فأجابها معاوية: ليس من غذاه حيناً صغيراً ... وسقاه من ثديه بخذول هي أولى به وأقرب رحماً ... من أبيه بالوحي والتنزيل أم ما حنت عليه وقامت ... هي أولى بحمل هذا الضئيل قال فقضي لها معاوية عليه واحتملت ابنها وانصرفت. كلام صفية بنت هشام المنقرية حدثني أبو الحسن بن الأعرابي الكوفي قال حدثني أبو خالد يزيد بن يحيى الخزاعي عن محمد بن مسلمة عن أبيه قال توفى الأحنف في دار عبد الله بن أبي العصيفير بالكوفة وكان مصعب بن الزبير إذ ذاك أميراً على الكوفة من قبل أخيه عبد الله بن الزبير قال فشيع مصعب بن الزبير جنازة الأحنف فخرج متسلباً في قميص بغير رداء وكانت الأمراء تفعل ذلك بالسيد إذا مات قال فلما دفن الأحنف أقبلت صفية بنت هشام المنقرية على نجيب لها متخصرة وكانت بنت عم الأحنف حتى وقفت على

стр. 54

قبره فقالت لله درك من مجن في جنن ومدرج في كفن إنا لله وإنا إليه راجعون جعل الله سبيل الخير سبيلك ودليل الرشد دليلك أما والذي أسأله أن يفسح لك في مدخلك وأن يبارك لك في محشرك والذي كنت من أجله في عدة ومن الكآبة في مدة ومن الأثرة إلى نهاية ومن الضمار إلى غاية لقد كنت صحيح الأديم منيع الحرم عظيم السلم فاضل الحلم واري الزناد رفيع العماد وإن كنت لمسوّدا وإلى الملوك لموفداً وفي المحافل شريفاً وعلى الأرامل عطوفاً وكانت الملوك لقولك مستمعين ولرأيك متبعين ولقد عشت حميداً ودوداً ومت شهيداً فقيداً ثم أقبلت على الناس بوجهها فقالت عباد الله إن أولياء الله في بلاده شهودٌ على عباده وإنّا لقائلون حقاً ومثنون صدقاً وهو أهل لطيب الثناء فعليه رحمة الله وبركاته وما مثله في الناس إلا كما قال الشاعر في قيس بن عاصم: عليك سلام الله يا قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيانُ قومٍ تهدما سلامُ امريءٍ أودعته منك نعمة ... إذا زار عن شحط بلادك سالما قال فتعجب الناس من كلامها وقال فصحاؤهم تالله ما رأينا كاليوم قط ولا سمعنا أفصح ولا أبلغ من هذه قال فبعث إليها مصعب بن الزبير فخطبها إلى نفسه فأبت عليه فما زال يتعاهدها ببرّة حتى قتل " السجستاني " عن الأصمعي عن أبان بن تغلب قال أتيت المقابر فإذا أنا بصبية قد كادت تخفي بين قبرين لطافة وإذا هي تنظر بعين جؤذر فبينا هي كذلك إذ بدت لها كفان كأنهما لسان طائر بأطراف كأنها المداري وخضاب كأنه عنم ثم هبت الريح فرفعت عن برقعها فإذا بيضة نعام تحت أم رئال ثم قالت اللهم إنك لم تزل قبل كل شيء وأنت بعد كل شيء وقد خلقت

стр. 55

والديَّ قبلي وخلقتني بعدهما فآنستني بقربهما ما شئت ثم أوحشتني منهما إذ شئت اللهم فكن لي منهما مؤنساً وكن لي بعدهما حافظاً قال فقلت يا صبية أعيدي لفظك فلم تسمع ومرت في كلامها ثم أعدت عليها فنظرت ثم قالت يا شيخ والله ما أنا لك بمحرم فتحادثني محادثة أهلك أهلك أولى بك قال فاستخفيت بين القبور مستحياً مما قالت لي ثم سألت عنها فإذا هي أيم فأتيت صديقاً لي فقلت له هل لك في أن يلم الله شعثك ويقر عينك قال وما ذاك قال فوصفت له الجارية وما رأيت من عقلها وسمعت من كلامها فقلت له أبغض من مالك عشرة آلاف درهم فإني أرجو أن تكون أحمد ما لك عاقبة قال فقال قد فعلت فخرجنا جميعاً أنا وهو حتى أتينا الخباء فإذا نحن بعمها فعرضنا عليه ذلك فقال يا هؤلاء والله ما لنا في أمورنا ولا أنفسنا شيء معها فكيف فيها ولكن اعرضوا عليها ما وصفتم ثم دخل الخباء فقال ها هي ذه قد خرجت تسمع ما تقولون قال فجلست خلف سجف لها ثم قالت اللهم حي العصابة بالسلام واجزل لهم الثواب في دار المقام قل يا عم فأقبل عليها عمها فقال أي مفداة هذا عمك ونظير أبيك وقد خطبك علي ابن عمك نظيرك وقد بذل لك من الصداق عشرة آلاف درهم قال فأقبلت عليه فقالت يا عم أضرت بك الحاجة حتى طمعت طمعاً أخلّ بمرؤتك أتزوجني غلاماً حضرياً يغلبني بفطنته ويصول عليّ بمقدرته ويمنن عليّ بتفضله ويقول ياهنه بنت الهنة كلا إن الله واسعٌ كريم قال فرجعنا والله مدحوضي الحجة مردودين عن الحاجة " وقال الأصمعي " عن أبان بن تغلب قال سمعت امرأة توصي ابناً لها وأراد سفراً فقالت أي بني أوصيك بتقوى الله فإن قليله أجدى عليك من كثير عقلك وإياك والنمائم فإنها تورث الضغائن وتفرق بين المحبين ومثل لنفسك مثال ما تستحسن لغيرك ثم اتخذه إماماً وما تستقبح من غيرك فاجتنبه وإياك التعرض للعيوب فتصير نفسك

стр. 56

غرضاً وخليق أن لا يلبت الغرض على كثرة السهام وإياك والبخل بمالك والجود بدينك فقالت أعرابية معها أسألك إلا زدته يا فلانة في وصيتك قالت أي والله والعذر أقبح ما يعامل به الإخوان وكفى بالوفاء جامعاً لما تشتت من الإخاء ومن جمع الحلم والسخاء فقد استجاد الحلة والفجور أقبح حلة وأبقى عاراً " وقال " الأصمعي عن أبان بن تغلب قال أضللت إبلاً لي فخرجت في بغائها فإذا أنا بجارية أعشي أشرق وجهها بصري فقالت مالك يا عبد الله وما بغيتك قالت أضللت إبلاً لي فأنا في طلبها فقالت أدلك على من علمها عنده قلت إذا تستوجبي الأجر وتكتسبي الحمد والشكر فقالت سل الذي أعطاكهن فهو الذي أخذهن منك من طريق اليقين لا من طريق الاختبار فإنه إن شاء فعل قال فاعجبني ما رأيت من عقلها وسمعت من فصاحتها فقلت لها ألك بعل فقالت كان ونعم البعل كان فدعى إلى ماله خلق فأجاب فقلت لها فهل لك في بعل لا تذم خلائقه ولا تخاف بوائقه قال فأطرقت طويلاً ثم قالت: كنا كغصنين في ساق غذاؤهما ... ماء الجداول في روضات جنات فاجتث خيرهما من أصل صاحبه ... دهر يكر بفرحات وترحات وكان عاهدني إن خانني زمن ... أن لا يضاجع أنثى بعد مثواتي وكنت عاهدته أيضاً فعاجله ... ريب المنون قريباً مذ سنيات فاصرف عتابك عمن ليس بردعها ... عن الوفاء خلاب بالتحيات كلام جمعة وهند بنتا الخس قال محمد بن زياد الأعرابي أبو عبد الله وافت جمعة وهند بنتا الخس عكاظ

стр. 57

في الجاهلية فاجتمعتا عند القلمس الكناني فقال لهما أني سائلكما لا علم أيكما أبسط وأظهر بياناً وأحسن للصفة إتقاناً قالتا سلنا عما بدا لك فستجد عندنا عقولاً ذكية وألسنة قوية وصفة جلية قال القلمس أي الإبل أحب إليك يا جمعة قالت أحب كل قراسية دوسر ملاحك الخلق عشنزر ململم مثل ملمومة المرمر ذي شقشقة مفرفر مصعب الون مدلى المشفر قال القلمس كيف تسمعين يا هند قالت نعم الجمل هذا في الشقة البعيدة والمسافة الشديدة وفي السباسب الجديبة وغيره أحب إليّ قال فقولي فقالت أحب كل ذي كاهل رفيع ملزز الخلق جميع محتمل ضليع يقل الرغاء ويعتسف البيداء وينهض بالأعباء قال القلمس كلتاكما محسنة فأي ذكور الإبل أبغض إليك يا جمعة قالت أبغض القصير القامة الصغير الهامة السريع السآمة الأجب الظهر كالنعامة قال القلمس كيف تسمعين يا هند قالت وصفت جملاً غير فحل ولا نجيب ولا شهم ولا صليب ولا رايع ولا عجيب وغيره أبغض إليّ منه قال فقولي قالت أبغض الضعيف المضطرب الذي كل حمل عليه تعب قال القلمس كلتاكما محسنة فأي النوق أحب إليك يا جمعة قالت أحب كل ناقة علكوم علنداة كتوم مثل الجمل الحجوم العظيم العيهوم يخلط بين الشد والرسيم في تيه المهامة والديموم قال القلمس كيف تسمعين يا هند قالت هذه صفة ناقة صاحبها خليق إن لا يهمه سفر ولا يسبقه خبر ولا يهوله خطر ولا يفوته ظفر وغيرها أحب إليّ منها قال فقولي قالت أحبها ضخمة مثل الجوسق شدقها مثل شدق النقنق مدمج خلقها موثق كثيرة الهباب ناحية الذهاب وشيكة الإياب قال القلمس كلتاكما محسنة فأي ذكور الخيل أحب إليك يا جمعة قالت أحب المنسوب جده الأسيل خده السريع شده الطويل مده الشديد هده الجميل قده قال القلمس كيف تسمعين يا هند قالت هذا فرس خليق إن طلب لم يلحق وإن جوري لم يسبق وإن يوهي لم يفق وغيره أحب إليّ منه قال فقولي قالت أحب الوثيق الخلق الكريم العرق الكثير السبق الشديد الذلق يمر من البرق قال كلتاكما محسنة فأي إناث الخيل أحب إليك يا جمعة قالت أحب كل حيية الفؤاد سبوح جواد سلسة القياد شديدة الاعتماد في الدفع والاشتداد ذات هباب وثماد قال القلمس كيف تسمعين يا هند قالت هذه فرس صاحبها خليق أن لا يفوته أمر ولا يهوله ذعر إذا شاء كر وإذا هاب فر وغيرها أحب إليّ منها قال فقولي قالت أحب الشديد أسرها البعيد صبرها القليل فترها الجميل قدرها السريع مرها المخوف كرّها قال القلمس كلتاكما محسنة فأي

стр. 58

ذكور الخيل أبغض إليك يا جمعة قالت أبغض كل بليد وارم الوريد ذا وكال شديد لا ينجيك هارباً ولا تظفر به طالباً ولا يسرك شاهداً ولا غائباً قال القلمس كيف تسمعين يا هند قالت هذا فرس إمساكه بلاء وعلاجه عناء وركوبه شقاء وغيره أبغض إليّ منه قال فقولي قالت أبغض السريع البهر البطيء الحصر السكيت الطفر قال القلمس كلتاكما محسنة فأي المعزى أحب إليك يا جمعة قالت أحب ذات الزنمتين المنفوخة الجنبين المذكرة القرنين الدقيقة الطبيين تروي الولدين وتشبع أهل البيتين قال القلمس كيف تسمعين يا هند قالت هذه عنز رجل خليق إن تمتلئ أوطابه ويدوم شرابه ويخصب أصحابه وغيرها أحب إليّ منها قال فقولي قالت أحب ذات الضرع العريض ثقيل في الربيض مترع يفيض ليس بمنزوف ولا مغيض قال كلتاكما محسنة فأي السحاب أحسن في عينك يا جمعة قالت أحب كل ركام ملتف أسحم رجاف مسف يكاد يمسه من قام بالكف قال كيف تسمعين يا هند قالت وصفت سحاباً مسترخي العزالي كثير التهاطل غزير السجال وغيره أحب إليّ منه قال فقولي قالت أحب كل صبير دلاح مثعنجر نضاح متجاوب النواحي كأن برقه ضوء مصباح قال القلمس كلتاكما محسنة فأي النساء أحب إليك يا جمعة قالت أحب الغريرة العذراء الرعبوبة العيطاء الممكورة اللفاء ذات الجمال والبهاء والستر والحياء البضة الرخصة كأنها فضة بيضاء قال كيف تسمعين يا هند قالت وصفت جارية هي حاجة الفتى ونهية الرضاء وغيرها أحب إليّ منها قال فقولي

стр. 59

قالت أحب كل مشبعة الخلخال ذات شكل ودلال وظرف وبهاء وجمال قال القلمس كلتاكما محسنة فأي النساء أبغض إليك يا جمعة قالت أبغض كل سلفع بذية جاهلة غبية حريصة دنية غير كريمة ولا سرية ولا ستيرة ولا حييه قال كيف تسمعين يا هند

стр. 60

قالت وصفت امرأة صاحبها خليق أن لا تصلح له حال ولا ينعم له بال ولا يثمر له مال وغيرها أبغض إليّ منها قال فقولي قالت أبغض المتجرفة الشوهاء المنفوحة الكبداء العنفص الوقصاء الحمشة الزلاء التي إن ولدت لم تنجب وإن زجرت لم تعتتب وإن تركت طفقت تصخب قال القلمس كلتاكما محسنة فأي الرجال أحب إليك يا جمعة قالت أحب الحر النجيب السهل القريب السمح الحسيب الفطن الأريب المصقع الخطيب الشجاع المهيب قال القلمس كيف تسمعين يا هند قالت وصفت رجلاً سيداً جواداً ينهض إلى الخير صاعداً ويسرك غائباً وشاهداً وغيره أحب إليّ منه قال فقولي قالت أحب الرحب الزراع الطويل الباع السخي النفاع المنيع الدفاع والدهمثي المطاع البطل الشجاع الذي يحل باليفاع ويهين في الحمد المتاع قال كلتاكما محسنة فأي الرجال أبغض إليك يا جمعة قالت أبغض السآلة اللئيم البغيض الزنيم الأشوه الدميم الظاهر العصوم الضعيف الحيزوم قال كيف تسمعين يا هند قالت ذكرت رجلاً خطره صغير وخطبه يسير وعيبه كثير وأنت ببغضه جدير وغيره أبغض إليّ منه قال فقولي قالت أبغض الضعيف النخاع القصير الباع الأحمق المضياع الذي لا يكرم ولا يطاع قال القلمس كلتاكما محسنة فهل تقولان من الشعر شيئاً قالتا نعم قال فقولي يا جمعة فقالت: أن لا تصلح له حال ولا ينعم له بال ولا يثمر له مال وغيرها أبغض إليّ منها قال فقولي قالت أبغض المتجرفة الشوهاء المنفوحة الكبداء العنفص الوقصاء الحمشة الزلاء التي إن ولدت لم تنجب وإن زجرت لم تعتتب وإن تركت طفقت تصخب قال القلمس كلتاكما محسنة فأي الرجال أحب إليك يا جمعة قالت أحب الحر النجيب السهل القريب السمح الحسيب الفطن الأريب المصقع الخطيب الشجاع المهيب قال القلمس كيف تسمعين يا هند قالت وصفت رجلاً سيداً جواداً ينهض إلى الخير صاعداً ويسرك غائباً وشاهداً وغيره أحب إليّ منه قال فقولي قالت أحب الرحب الزراع الطويل الباع السخي النفاع المنيع الدفاع والدهمثي المطاع البطل الشجاع الذي يحل باليفاع ويهين في الحمد المتاع قال كلتاكما محسنة فأي الرجال أبغض إليك يا جمعة قالت أبغض السآلة اللئيم البغيض الزنيم الأشوه الدميم الظاهر العصوم الضعيف الحيزوم قال كيف تسمعين يا هند قالت ذكرت رجلاً خطره صغير وخطبه يسير وعيبه كثير وأنت ببغضه جدير وغيره أبغض إليّ منه قال فقولي قالت أبغض الضعيف النخاع القصير الباع الأحمق المضياع الذي لا يكرم ولا يطاع قال القلمس كلتاكما محسنة فهل تقولان من الشعر شيئاً قالتا نعم قال فقولي يا جمعة فقالت: أشد وجوه القول عند ذوي الحجى ... مقالة ذي لب يقول فيوجز وأفضل غنم يستفاد ويبتغي ... ذخيرة عقل يحتويها ويحرز وخير خلال المرء صدق لسانه ... وللصدق فضلٌ يستبين ويبرز وإنجازك الموعود من سبب الغنى ... فكن موقياً بالوعد تعطي وتنجز ولا خير في حريريك بشاشة ... ويطعن من خلف عليك ويلمز إذا المرء لم يسطع سياسة نفسه ... فإن به عن غيرها هو أعجز وكم من وقور يقمع الجهل حلمه ... وآخر من طيش إلى جهل يجمز وكم من أصيلِ الرأي طلق لسانه ... بصير بحسن القول حين يميز وآخر مأفون يلوك لسانه ... ويعجن بالكوعين نوكاً ويخبز وكم من أخي شر قد أوثق نفسه ... وآخر ذخر الخير يحوي ويكنز يفر الفتى والموت يطلب نفسه ... سيدركه لا شك يوماً فيجهز

стр. 61

قال القلمس قد أحسنت يا جمعة فقولي أنت يا هند فقالت: وجدت وخير القول في الحكم نافع ... ذوي الطول مما قد يعمم ويلبس وليس الفتى عندي بشيء أعده ... إذا كان ذا مالٍ من العقل مفلس وذو الجبن مما يسعر الحرب نفخه ... يهيج منها نارها ثم يخنس وكم من كثير المال يقبض كفه ... وكم من قليل المال يعطي ويسلس وكم من صغير نزدريه لعله ... يهيج كبيراً شره متبجس وكم من مراء ذي صلاحٍ وعفة ... يختال بالتقوى هوي الذئب الأملس وآخر ذي طمرين صاحب نية ... يجود بأعمال التقى ثم ينفس وكم من سفيه للجماعة مفسد ... يدب الشر بينهم ويوسوس وذو الظلم مذموم الثنا ظاهر الخنا ... غني عن الحسنى وبالشر يعرس قال القلمس قد أحسنتما فزيديني يا جمعة فقالت: رأيت بني الدنيا كأحلام نائم ... وكالفيء يدنو ظله ثم يقلص وكل مقيم في الحياة وعيشه ... بلا شك يوماً أنه سوف يشخص يفر الفتى من خشية الموت والردى ... وللموت حتف كل حي سيغفص أتاه حمام الموت يسعى بحتفه ... وقد كان مغروراً بدنيا تربص كأنك في دار الحياة مخلد ... وقد بان منها من مضى وتقنصوا لقد أفسد الدنيا وعيش نعيمها ... فجائع تترى تعتري وتنغص الإرب مرزوق بغير تكلف ... وآخر محروم يجد ويحرص فقالت هند: لقد أيقنت نفس غير باطل ... وإن عاش حيناً أنه سوف يهلك

стр. 62

ويشرب بالكأس الذعاف شرابها ... ويركب حد الموت كرهاً ويسلك وكم من أخي دنيا يثمر ماله ... سيورث ذاك المال رغماً ويترك عليك بأفعال الكرام ولينهم ... ولا تك مشكاساً تلج وتمحك ولا تك مزاحاً لدى القوم لعبة ... تظل أخاً هزء بنفسك يضحك تخوض بجهل سادراً في فكاهة ... وتدخل في غي الغواة وتشرك الإرب ذي حظ يبصر فعلة ... وآخر مصروف في الحظ يؤفك فقال أحسنتما وأجملتما فبارك الله فيكما ووصلهما وحباهما. كلام آمنة بنت الشريد قال حدثنا العباس بن بكار قال حدثنا أبو بكر الهذلي عن الزهري وسهل بن أبي سهل التميمي عن أبيه قالا لما قتل عليّ بن أبي طالب ﵇ بعث معاوية في طلب شيعته فكان في من طلب عمر بن الحمق الخزاعي فراغ منه فأرسل إلى امرأته آمنة بنت الشريد فحبسها في سجن دمشق سنتين ثم أن عبد الرحمن بن الحكم ظفر بعمر بن الحمق في بعض الجزيرة فقتله وبعث برأسه إلى معاوية وهو أول رأس حمل في الإسلام فلما أتى معاوية الرسول بالرأس بعث به إلى آمنة في السجن وقال للحرسي احفظ ما تكلم به حتى توديه إليّ واطرح الرأس في حجرها ففعل هذا فارتاعت له ساعة ثم وضعت يدها على رأسها وقالت واحزنا لصغره في دار هوان وضيق من ضيمه سلطان نفيتموه عني طويلاً وأهديتموه إليّ قتيلاً فأهلاً وسهلاً بمن كنت له غير قالية وأنا له اليوم غير ناسية ارجع به أيها الرسول إلى معاوية فقل له ولا تطوه دونه أيتم الله ولدك وأوحش منك أهلك ولا غفر لك ذنبك فرجع الرسول إلى معاوية فأخبره بما قالت فأرسل إليها فأتته وعنده نفر فيهم إياس بن حسل أخو مالك بن حسل وكان في شدقيه نتوء عن فيه لعظم كان في لسانه وثقلٍ إذا تكلم فقال لها معاوية أأنت

стр. 63

يا عدوة الله صاحبة الكلام الذي بلغني قالت نعم غير نازعة عنه ولا معتذرة منه ولا منكرة له فلعمري لقد اجتهدت في الدعاء إن نفع الاجتهاد وإن الحق لمن وراء العباد وما بلغت شيئاً من جزائك وإن الله بالنقمة من ورائك فأعرض عنها معاوية فقال إياس اقتل هذه يا أمير المؤمنين فوالله ما كان زوجها أحق بالقتل منها فالتفتت إليه فلما رأته ناتئ الشدقين ثقيل اللسان قالت تباً لك ويلك بين لحيتيك كجثمان الضفدع ثم أنت تدعوه إلى قتلي كما قتل زوجي بالأمس إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين فضحك معاوية ثم قال لله درك أخرجي ثم لا أسمع بك في شيء من الشام قالت وأبي لأخرجن ثم لا تسمع لي في شيءٍ من الشام فما الشام لي بحبيب ولا أعرج فيها على حميم وما هي لي بوطن ولا أحن فيها إلى سكن ولقد عظم فيها ديتي وما قرت فيها عيني وما أنا فيها إليك بعائدة ولا حيث كنت بحامدة فأشار إليها ببنانه أخرجي فخرجت وهي تقول واعجبي لمعاوية يكف عني لسانه ويشير إلى الخروج ببنانه أما والله ليعارضنه عمرو بكلام مؤيد سديد أوجع من نوافذ الحديد أو ما أنا بابنة الشريد فخرجت وتلقاها الأسود الهلالي وكان رجلاً أسود أصلع أسلع أصعل فسمعها وهي تقول ما تقول فقال لمن تعني هذه ألأمير المؤمنين تعني عليها لعنة الله فالتفتت إليه فلما رأته قالت خزياً لك وجدعاً أتلعنني واللعنة بين جنبيك وما بين قرنيك إلى قدميك اخسأ يا هامة الصعل ووجه الجعل فأذلل بك نصيراً وافلل بك ظهيراً فبهت الأسلع ينظر إليها ثم سأل عنها فأخبر فأقبل إليها معتذراً خوفاً من لسانها فقالت قد قبلت عذرك وإن تعد أعد ثم لا أستقيل ولا أراقب فيك فبلغ ذلك معاوية فقال زعمت يا أسلع أنك لا تواقف من يغلبك أما علمت أن حرارة المتبول ليست بمخالسة نوافذ الكلام عند مواقف الخصام أفلا تركت كلامها

стр. 64

قبل البصبصة منها والاعتذار إليها قال أي والله يا أمير المؤمنين لم أكن أرَ شيئاً من النساء يبلغ من معاضيل الكلام ما بلغت هذه المرأة جالستها فإذا هي تحمل قلباً شديداً ولساناً حديداً وجواباً عتيداً وهالتني رعباً وأوسعتني سباً ثم التفت معاوية إلى عبيد بن أوس فقال ابعث لها ما تقطع به عنا لسانها وتقضي به ما ذكرت من دينها وتخف به إلى بلادها وقال اللهم اكفني شر لسانها فلما أتاها الرسول بما أمر به معاوية قالت يا عجبي لمعاوية يقتل زوجي ويبعث إليّ بالجوائز فليت أبي كرب سد عني حره صله خذ من الرضعة ما عليها فأخذت ذلك وخرجت تريد الجزيرة فمرت بحمص فقتلها الطاعون فبلغ ذلك الأسلع فأقبل إلى معاوية كالمبشر لهه فقال افرخ روعك يا أمير المؤمنين قد استجيبت دعوتك في ابنة الشريد وقد كفيت شر لسانها قال وكيف ذلك قال مرت بحمص فقتلها الطاعون فقال له معاوية فنفسك فبشر بما أحببت فإن موتها لم يكن على أحد أروح منه عليك ولعمري ما انتصفت منها حين أفرغت عليك شؤبوباً وبيلاً فقال الأسلع ما أصابني من حرارة لسانها شيء إلا وقد أصابك مثله أو أشد منه. كلام امرأة من بني ذكوان في مجلس معاوية قال حدثني عبد الله بن الضحك الهدادي قال حدثنا هشام بن محمد عن عوانه وحدثني محمد بن عبد الرحمن بن القاسم النميمي عن أبيه عن خالد بن سعيد عن رجل من بني أمية قال حضرت معاوية يوماً وقد أذن للناس اذناً عاماً فدخلوا عليه لمظالمهم وحوائجهم فدخلت امرأة كأنها قلعة ومعها جاريتان لها فحدرت اللثام عن لون كأنما أشرب ماء الدر في حمرة التفاح ثم قالت الحمد لله يا معاوية الذي خلق اللسان

стр. 65

فجعل فيه البيان ودل به على النعم وأجرى به القلم فيما أبرم وحتم ودرأ وبرأ وحكم وقضا صرف الكلام باللغات المختلفة على المعاني المتفرقة الفها بالتقديم والتأخير والأشباه والمناكر والموافقة والتزايد فأدَّتهُ الآذان إلى القلوب وأدته القلوب إلى الألسن بالبيان استدل به على العلم وعبد به الرب وأبرم به الأمر وعرفت به الأقدار وتمت به النعم فكان من قضاء الله وقدره أن قربت زياداً وجعلت له بين آل سفيان نسباً ثم وليته أحكام العباد يسفك الدماء بغير حلها ولا حقها ويهتك الحرم بلا مراقبة الله فيها خؤون غشوم كافر ظلوم يتحير من المعاصي أعظمها لا يرى لله وقاراً ولا يظن أن له معاداً وغداً يعرض عمله في صحيفتك وتوقف على ما أجترم بين يدي ربك ولك برسول الله ﷺ لى الله عليه أسوة وبينك وبينه صهر فلا الماضين من أئمة الهدى اتبعت ولا طريقتهم سلكت جعلت عبد ثقيف على رقاب أمة محمد صلى الله عليه يدبر أمورهم ويسفك دماءهم فماذا تقول لربك يا معاوية وقد مضى من أجلك أكثره وذهب خيره وبقي وزره إني امرأة من بني ذكوان وثب زياد المدعي إلى أبي سفيان على ضيعتي ورثتها عن أبي وأمي فغصبنيها وحال بيني وبينها وقتل من نازعه فيها من رجالي فأتيتك مستصرخة فإن أنصفت وعدلت وإلا وكلتك وزياد إلى الله فلن تبطل ظلامتي عندك ولا عنده والمنصف لي منكما حكم عدل فبهت معاوية ينظر إليها متعجباً من كلامها ثم قال ما لزياد لعن الله زياداً فإنه لا يزال يبعث على مثالبه من ينشرها وعلى مساويه من يثيرها ثم أمر كاتبه بالكتاب إلى زياد يأمره بالخروج إليها من حقها وإلا صرفه مذموماً مدحوراً ثم أمر لها بعشرين ألف درهم وعجب معاوية وجميع من حضره من مقالتها وبلوغها حاجتها. كلام أم سنان بنت خيثمة بن خرشة قال حدثنا العباس بن بكار قال حدثني عبد الله بن سليمان المديني عن أبيه عن

стр. 66

سعيد بن حذافة قال حبس مروان بن الحكم غلاماً من بني ليث في جنايةٍ جناها بالمدينة فأتته جدة الغلام أم أبيه وهي أم سنان بنت خيثمة بن خرشة المذحجية فكلمته في الغلام فأغلظ لها مروان فخرجت إلى معاوية فدخلت عليه فانتسبت له فقال مرحباً بك يا بنت خيثمة ما أقدمك أرضي وقد عهدتك تشنئين قربي وتحضين عليّ عدوي قالت يا أمير المؤمنين إن لبني عبد مناف أخلاقاً طاهرة وأعلاماً ظاهرة لا يجهلون بعد علم ولا يسفهون بعد حلم ولا يتعقبون بعد عفو فأولى الناس بأتباع سنن آبائه لأنت قال صدقت نحن كذلك فكيف قولك: عزب الوقاد فمقلتي ما ترقد ... والليل يصدر بالهموم ويورد يا آل مذحج لا مقام فشمروا ... إن العدو لآل أحمد يقصد هذا علي كالهلال يحفه ... وسط السماء من الكواكب أسعد خير الخلائق وابن عم محمد ... وكفي بذاك لمن شناه تهدد ما زال مذ عرف الحروب مظفراً ... والنصر فوق لوائه ما يفقد قالت كان ذلك يا أمير المؤمنين وانا لنطمع بك خلفاً فقال رجل من جلسائه كيف يا أمير المؤمنين وهي القائلة أيضاً: أما هلكت أبا الحسين فلم تزل ... بالحق تعرف هادياً مهدياً فاذهب عليك صلاة ربك ما دعت ... فوق الغصون حمامة قمرياً قد كنت بعد محمدٍ خلفاً لنا ... أوصى إليك بنا فكنت وفياً فاليوم لا خلف نأمل بعده ... هيهات نمدح بعده أنسياً قالت يا أمير المؤمنين لسان نطق وقول صدق ولئن تحقق فيك ما ظننا فحظك أوفر والله ما أورثك الشناءة في قلوب المسلمين إلا هؤلاء فادحض مقالتهم وأبعد منزلتهم فإنك إن فعلت ازددت بذلك من الله ﵎ قرباً ومن المؤمنين حباً قال وإنكِ

стр. 67

لتقولين ذلك قالت يا سبحان الله والله ما مثلك من مدح بباطل ولا اعتذر إليك بكذب وإنك لتعلم ذلك من رأينا وضمير قلوبنا كان والله عليّ ﵇ أحب إلينا من غيره إذ كنت باقياً قال ممن قالت من مروان بن الحكم وسعيد بن العاص قال وبم استحققت ذلك عليهم قالت بحسن حلمك وكريم عفوك قال وإنهما ليطمعان فيّ قالت هما والله لك من الرأي على مثل ما كنت عليه لعثمان ﵀ قال والله لقد قاربت فما حاجتك قالت إن مروان بن الحكم تبنك بالمدينة تبنك من لا يريد البراح منها لا يحكم بعدل ولا يقضي بسنة يتتبع عثرات المسلمين ويكشف عورات المؤمنين حبس بن أبنيه فأتيته فقال كيت وكيت فألقمته أخشن من الحجر والعفته أمر من الصبر ثم رجعت إلى نفسي باللائمة فأتيتك يا أمير المؤمنين لتكون من أمري ناظراً وعليه معدياً قال صدقت لا أسألك عن ذنبه ولا عن القيام بحجته اكتبوا لها بإخراجه قالت يا أمير المؤمنين وأنى لي بالرجعة وقد نفذ زادي وكلت راحلتي فأمر لها براحلة موطأة وخمسة آلاف درهم. كلام لنساء متفرقات إسحق بن إبراهيم الموصلي قال سمعت أعرابية تقول تيسروا للقاء الله فإن هذه الأيام تدرجنا ادراجاً أحمد بن الحارث قال سمعت أبا عبد الله بن الأعرابي يقول عن عثمان بن حفص الثقفي قال مرّ ذو الإصبع العدواني بجوار يختلين في روضة من زهرتها فوقف ينظر إليهن فقالت إحداهن امضِ لشأنك فوالله ما منك السوار قال وما ذاك قالت رأيتك إذا جلست تهدمت وإذا قمت عجنت وإذا مشيت هدجت قال أبو النصر النعامي سألت بنت الخس عن المعزى فقالت طعم شهر وعناء دهر وقيل لها اشترى أبوك ضأناً قالت هنيئاً لأبي العناء وقرية لا حمي لها قيل لها اشترى

стр. 68

أبوك إبلاً قالت هنيئاً لأبي الجمال قيل اشترى خيلاً قالت هنيئاً له العز بطونها كنز وظهورها عز قيل اشترى أبوك حمراً قالت عازبة الليل خزيَ النهار. كلام نائلة بنت الفرافصة وجدته في بعض الكتب ولم أروه عن أحد قال لما قتل عثمان بن عفان مكث ثلاثاً ثم دفن ليلاً قال فغدت نائلة ابنة الفرافصة الكلبية زوجته متسلبة في اطمار معها نسوة من قومها وغيرهم إلى مسجد رسول الله ﷺ لى الله عليه فاستقبلت القبلة بوجهها ووجهت إحدى نسوتها تستنهض الناس قال فتقوضت الخلق نحوها وقد سدلت ثوبها على وجهها وألقت كمها على رأسها حتى آذنوها باجتماع الناس قال فحمدت الله وأثنت عليه وصلت علىالنبي ﷺ (ثم قالت عثمان ذو النورين قتل مظلوماً بينكم بعد الاعتذار وإن أعطاكم العتبي معاشر المؤمنة وأهل الملة لا تستنكروا مقامي ولا تستكثروا كلامي فإني حرى عبرى رزئت جليلاً وتذوقت ثكلاً من عثمان بن عفان ثالث الأركان من أصحاب رسول الله ﷺ لى الله عليه في الفضل عند تراجع الناس في الشورى يوم الإرشاد فكان الطبيب المرتضى المختار حتى لم يتقدمه متقدم ولم يشك في فضله متأثم ألقوا إليه الأزمة وخلوه والأمة حين عرفوا له حقه وحمدوا مذاهبه وصدقه فكان واحدهم غير مدافع وخيرتهم غير منازع لا ينكر له حسن الغناء ولا عنه سماح النعماء إذ وصل أجنحة المسلمين حين نهضوا إلى رؤوس أئمة الكفر حيث ركضوا فقلدوه الأمور إذ لم يكن فيهم له نظير فسلك بهم سبيل الهدى وبالنبي وصاحبيه اقتدى مخسئاً للشيطان إلى مداحره مقصياً للعدوان إلى مزاحره تنقشع منه الطواغيت وتزايل عنه المصاليت امتد له الدين واتصل به السبيل المستقيم ولحق الكفر بالأطراف قليل الألآف والأحلاف فتركه حين لا خير في الإسلام في افتتاح البلاد ولا أرى لأهله في تجهيز البعوث فأقام يمدكم بالرأي ويمنعكم بالأدنى يصفح عن

стр. 69

مسيئكم في إساءته ويقبل من محسنكم بإحسانه ويكافيكم بماله ضعيف الانتصار منكم قوي المعونة منكم فاستلنتم عريكته حين منحكم محبته وأجركم أرسانكم آمناً جرأتكم وعدوانكم فأراهكموا الحق إخواناً وأراكموه الباطل شيطاناً في عقب سيرة من رأيتموه فظاً وعددتموه غليظاً قهركم منه بالقمع وطاعتكم إياه على الجدع يعاملكم الحنة وتحونكم بالضرب وكان والله أعلم بآدابكم ومصالحكم فلله هو كأن قد نظر في ضمائركم وعرف إعلانكم وسرائركم فحين فقدتم سطوته وأمنتم بطشه ورأيتم أن الطرق قد انشعبت لكم والسبل قد اتصلت بكم ظننتم أن الله يصلح عمل المفسدين فعدوتم عدوة الأعداء وشددتم شدة السفهاء على النقي التقي الخفيف بكتاب الله لسان الثقيل عند الله ميزاناً فسفكتم دمه وأنهكتم حرمه واستحللتم منه الحرم الأربع حرمة الإسلام وحرمة الخلافة وحرمة الشهر الحرام وحرمة البلد الحرام فليعلمن الذين سعوا في أمره ودبوا في قتله ومنعونا عن دفنه اللهم ان بئس للظالمين بدلاً وانهم شرُ مكاناً وأضعف جنداً لتتعبدنكم الشبهات ولتفرقن بكم الطرقات ولتذكرن بعدها عثمان ولا عثمان وكيف بسخط الله من بعده وأين كنتم كعثمان ذي النورين منفس الكرب زوج ابنة رسول الله ﷺ لى الله عليه وصاحب البرمد ورومة هيهات والله ما مثله بموجود ولا مثل فعله بمعدود يا هؤلاء إنكم في فتنةٍ عمياء صماء طباق السماء ممتدة الحيران شوهاء العيان في لبسٍ من الأمر قد توزع كل ذي حقٍ حقه ويئس من كل خبرٍ أهله فلهوات الشر فاغرة وآيات السوء كاشرة وعيون الباطل خزر وأهله شزر ولئن نكرتم أمر عثمان وبشعتم الدعة لتنكرن غير ذلك من غيره حين لا ينفعكم عقاب ولا يسمع منكم استعتاب ثم أقبلت بوجهها على قبرالنبي ﷺ لى الله عليه فقالت اللهم اشهد.

стр. 70

أيا قبرالنبي ﷺ صاحبيه ... عذيري إن شكوت ضياع ثوبي فإني لا سبيل فتنفعوني ... ولا أيدكم في منع حوبي ثم انصرفت باكية مسترجعة وتفرق الناس مع انصرافها. كلام عائشة بنت عثمان بن عفان قال كان علي بن أبي طالب ﵇ في ماله بينبع فلما قتل عثمان بن عفان خرج عنق من الناس يتساعون إلى علي " ع " تشتد بهم دوابهم واستطاروا فرحاً واستفزهم الجذل حتى قدموا به فبايعوه فلما بلغ ذلك عائشة ابنة عثمان صاحت بأعلى صوتها يا ثارات عثمان إنا لله وإنا إليه راجعون أفيت نفسه وطل دمه في حرم رسول الله ﷺ لى الله عليه ومنع من دفنه اللهم ولو يشاء لامتنع ووجد من الله حاكماً ومن المسلمين ناصراً ومن المهاجرين شاهداً حتى يفيء إلى الحق من صد عنه أو تطيح هامات وتفرى غلاصم وتخاض دماء ولكن استوحش مما آنستم به واستوخم ما استمرأتموه يا من استحل حرم الله ورسوله واستباح حماه لقد نقمتم عليه أقل مما أتيتم إليه فراجع فلم تراجعوه واستقال فلم تقيلوه رحمة الله عليك يا أبتاه احتسبت نفسك وصبرت لأمر ربك حتى لحقت به وهؤلاء الآن قد ظهر منهم تراوض الباطل وإذكاء الشنآن وكوامن الأحقاد وإدراك الأحن والأوتار وبذلك وشيكاً كان كيدهم وتبغيهم وسعي بعضهم ببعض فما أقالوا عاثراً ولا استعتبوا مذنباً حتى اتخذوا ذلك سبباً في سفك الدماء وإباحة الحمى وجعلوا سبيلاً إلى البأساء والعنت فهلا علنت كلمتكم وظهرت حسكتكم إذا بن الخطاب قائم على رؤوسكم ماثل في عرصاتكم يرعد ويبرق بإرعابكم يقمعكم غير حذر من تراجعكم الأماني بينكم وهلاّ نقمتم عليه عوداً وبدءً إذ ملك ويملك عليكم من ليس منكم بالخلق اللين والجسم الفصيل يسعى عليكم وينصب لكم لا تنكرون ذلك منه خوفاً من سطوته وحذراً من شدته

стр. 71

أن يهتف بكم متقسوراً أو يصرخ بكم متعذوراً إن قال صدقتم قالته وإن سأل بذلتم سألته يحكم في رقابكم وأموالكم كأنكم عجائز صلع واماء قصع فبدأ معلناً لابن أبي قحافة بإرث نبيكم على بعد رحمة وضيق بلده وقلة عدده فوقا الله شرها زعم لله دره ما أعرفه ما صنع أو لم يخصم الأنصار بقيس ثم حكم بالطاعة لمولى أبي حذافة يتمايل بكم يميناً وشمالاً قد خطب عقولكم واستمهر وجلكم ممتحناً لكم ومعترفاً أخطاركم وهل تسموا هممكم إلى منازعته ولولا تيك لكان قسمه خسيساً وسعيه تعيساً لكن بدر الرأي وثنّى بالقضا وثلث بالشورى ثم غدا سامراً مسلطاً درته عل عاتقه فتطأطأتم له تطأطأ الحقة ووليتموه أدباركم حتى علا أكتافكم فلم يزل ينعق بكم في كلِ مرتع ويشد منكم على كل محنق لا ينبعث لكم هتاف ولا يأتلف لكم شهاب يهجم عليكم بالسراء ويتورط بالحوباء عرفتم أو نكرتم لا تألمون ولا تستنطقون حتى إذا عاد الأمر فيكم ولكم وإليكم في مونقة من العيش عرقها وشيج وفرعها عميم وظلها ظليل تتناولون من كثب ثمارها أنى شئتم رغداً وحليت عليكم عشار الأرض درراً واستمرأتم أكلكم من فوقكم ومن تحت أرجلكم في خصب غدق وامق شرق تنامون في الخفض وتستلينون الدعة ومقتم زبرجة الدنيا وحرجتها واستحليتم غضارتها ونضرتها وظننتم أن ذلك سيأتيكم من كثب عفواً ويتحلب عليكم رسلاً فانتضيتم سيوفكم وكسرتم جفونكم وقد أبى الله أن تشام سيوف جردت بغياً وظلماً ونسيتم قول الله إن الإنسان خلق هلوعاً إذا مسه الشر جزوعاً وإذا مسه الخير منوعاً فلا يهنيكم الظفر ولا يستوطنن بكم الحصر فإن الله بالمرصاد وإليه المعاد والله ما يقوم الظليم إلا على رجلين ولا ترن القوس إلا على سيتين فأثبتوا في الغرز أرجلكم فقد ضللتم هداكم في المتيهة الحرقاء كما ضل أدحية الحسقل وسيعلم كيف تكون إذا كان الناس عباديد وقد نازعتكم الرجال واعترضت عليكم الأمور

стр. 72

وساورتكم الحروب بالليوث وقارعتكم الأيام بالجيوش وحمى عليكم الوطيس فيوماً تدعون من لا يجيب ويوماً تجيبون من لا يدعو وقد بسط باسطكم كلتا يديه يرى أنهما في سبيل الله فيد مقبوضة وأخرى مقصورة والرؤوس تنزو عن الطلى والكواهل كما ينقف التنوم فما أبعد نصر الله من الظالمين واستغفر الله مع المستغفرين. كلام فاطمة بنت عبد الملك أخبرنا محمد بن سعد قال أخبرنا السجستاني قال أخبرنا العتبي قال حدثني حماد بن النضر عن محمد بن الليث عن عطا قال قلت لفاطمة بنت عبد الملك أخبريني عن عمر بن عبد العزيز قالت أفعل ولو كان حياً ما فعلت إن عمر ﵀ كان قد فرغ للمسلمين نفسه ولأمورهم ذهنه فكان إذا أمسى مساء لم يفرغ فيه من حوائج يومه دعا بسراجه الذي كان يسرج له من ماله ثم صلى ركعتين ثم أقعى واضعاً رأسه على يديه تسيل دموعه على خديه يشهق الشهقة يكاد ينصدع لها قلبه أو تخرج لها نفسه حتى يرى الصبح وقد أصبح صائماً فدنوت منه فقلت له يا أمير المؤمنين ألشيءٍ كان منك ما كان قال أجل فعليك بشأنك وخلني بشأني فقلت إني أرجو أن أيقظ قال إذن أخبرك أنى نظرت فوجدتني قد وليت أمر هذه الأمة أحمرها وأسودها ثم ذكرت الفقير الجائع والغريب الضائع والأسير المقهور وذا المال القليل والعيال الكثير وأشياء من ذلك في أقاصي البلاد وأطراف الأرض فعلمت أن الله سائلي عنهم وأن رسول الله ﷺ حجيجي لا يقبل الله مني فيهم معذرة ولا تقوم لي مع رسول الله ﷺ حجة فرحمت والله يا فاطمة نفسي رحمة دمعت لها عيني ووجع لها قلبي فأنا كلما ازددت ذكراً ازددت خوفاً فأيقظي أودعي. كلام عكرشة بنت الأطش العباس بن بكار قال حدثنا أبو بكر الهذلي وعبد الله بن سليمان عن عكرمة وقال

стр. 73

حدثنا المقدمي بإسناده عن الشافعي قالوا دخلت عكرشة بنت الأطش على معاوية وبيدها عكاز في أسفله زج مسقى فسلمت عليه بالخلافة وجلست فقال لها معاوية يا عكرشة الآن صرت أمير المؤمنين قالت نعم إذلا علي حي قال ألستِ صاحبة الكور المسدول والوسيط المشدود والمتقلدة بحمائل السيف وأنت واقفة بين الصفين يوم صفين تقولين " يا أيها الناس عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إن الجنة دارٌ لا يرحل عنها من قطنها ولا يحزن من سكنها فابتاعوها بدارٍ لا يدوم نعيمها ولا تنصرم همومها كونوا قوماً مستبصرين إن معاوية دلف إليكم بعجم العرب غلف القلوب لا يفقهون الإيمان ولا يدرون ما الحكمة دعاهم بالدنيا فأجابوه واستدعاهم إلى الباطل فلبوه فالله الله عباد الله في دين الله وإياكم والتواكل فإن في ذلك نقص عروة الإسلام وإطفاء نور الإيمان وذهاب السنة وإظهار الباطل هذه بدر الصغرى والعقبة الأخرى قاتلوا يا معشر الأنصار والمهاجرين على بصيرة من دينكم واصبروا على عزيمتكم فكأني بكم غداً قد لقيتم أهل الشام كالحمر النهاقة والبغال الشحاجة تضفع ضفع البر وتروث روث العتاق " انتهت حكاية قولها ثم قال معاوية فوالله لولا قدر الله وما أحب أن يجعل لنا هذا الأمر لقد كان انكفأ على العسكران فما حملك على ذلك قالت يا أمير المؤمنين إن اللبيب إذا كره أمراً لم يحب إعادته قال صدقت اذكري حاجتك قالت يا أمير المؤمنين إن الله قد رد صدقاتنا علينا ورد أموالنا فينا إلا بحقها وأنا قد فقدنا ذلك فما ينعش لنا فقير ولا يجبر لنا كسير فإن كان ذلك عن رأيك فما مثلك من استعان بالخونة ولا استعمل الظالمين قال معاوية يا هذه إنه تنوبنا أمور هي أولى بنا منكم من بحور تنبثق وثغور تنفتق قالت يا سبحان الله ما فرض الله لنا حقاً جعل فيه ضرراً على غيرنا ما جعله لنا وهو علام الغيوب قال معاوية هيهات يا أهل العراق فقهكم ابن أبي طالب فلن تطاقوا ثم أمر لها برد صدقتها وإنصافها وردها مكرمة.

стр. 74

كلام الدارمية الحجونية وقال المقدمي أبو إسحاق قال حج معاوية سنة من سنيه فسأل عن امرأة يقال لها الدارمية الحجونية كانت امرأة سوداء كثيرة اللحم فاخبر بسلامتها فبعث إليها فجيء بها فقال لها كيف حالك يا ابنة حام قالت بخير ولست لحام إنما أنا امرأة من قريش من بني كنانة ثمت من بني أبيك قال صدقت هل تعلمين لم بعثت إليك قالت لا يا سبحان الله وأنى لي بعلم ما لم أعلم قال بعثت إليك أن أسألك علام أحببت علياً ﵇ وأبغضتيني وعلام واليتيه وعاديتيني قالت أو تعفيني من ذلك قال لا أعفيك ولذلك دعوتك قالت فأما إذا أبيت فإني أحببت علياً ﵇ على عدله في الرعية وقسمه بالسوية وأبغضتك على قتالك من هو أولى بالأمر منك وطلبك ما ليس لك وواليت علياً ﵇ على ما عقد له رسول الله ﷺ لى الله عليه من الولاية وحب المساكين وأعظامه لأهل الدين وعاديتك على سفكك الدماء شقك العصا قال صدقت فلذلك انتفخ بطنك وكبر ثديك وعظمت عجيزتك قالت يا هذا بهند " أم معاوية " والله يضرب المثل لا أنا قال معاوية يا هذه لا تغضبي فإنا لم نقل إلا خيراً انه إن انتفخ بطن المرأة ثم خلق ولدها وإذا كبر ثديها حسن غذاء ولدها وإذا عظمت عجيزتها رزن مجلسها فرجعت المرأة فقال لها هل رأيت علياً قالت أي والله لقد رأيته قال كيف رأيته قالت لم ينفخه الملك ولم تصقله النعمة قال فهل سمعت كلامه قالت نعم قال فكيف سمعته قالت كان والله كلامه يجلو القلب من العمى كما يجلو الزيت صداء الطست قال صدقت هل لك من حاجة قالت وتفعل إذا سألت قال نعم قالت تعطيني مائة ناقة حمراء فيها فحلها وراعيها قال ماذا تصنعين بها قالت اغذو بألبانها الصغار واستحني بها الكبار واكتسب بها المكارم وأصلح بها بين عشائر العرب قال فان أنا أعطيتك هذا أحل منك محل علي ﵇ قالت يا سبحان الله أو دونه أو دونه فقال معاوية:

стр. 75

إذا لم أجد منكم عليكم ... فمن ذا الذي بعدي يؤمل بالحلم خذيها هنيئاً واذكري فعل ما جد ... حباك على حرب العداوة بالسلم أما والله لو كان علياً ما أعطاك شيئاً قالت أي والله ولا برة واحدة من مال المسلمين يعطني ثم أمر لها بما سألت. كلام جروة بنت مرة بن غالب أبو عبد الله محمد بن زكريا قال حدثنا العباس بن بكار قال حدثني عبد الله بن سليمان المديني عن أبيه وسهيل التميمي عن أبيه عن عمته قالت احتجم معاوية بمكة فلما أمسى أرق أرقاً شديداً فأرسل إلى جروة ابنة غالب التميمية وكانت مجاورة بمكة وهي من بني أسيد بن عمرو بن تميم فلما دخلت قال لها مرحباً يا جروة أرعناك قالت أي والله يا أمير المؤمنين لقد طرقت في ساعةٍ لا يطرق فيها الطير في وكره فأرعت قلبي وريع صبياني وأفزعت عشيرتي وتركت بعضهم يموج في بعض يراجعون القول ويديرون الكلام خشية منك وشفقة فقال لها ليسكن روعك ولتطب نفسك فإن الأمر على خلاف ما ظننت أني احتجمت فأعقبني ذلك أرقاً فأرسلت إليك تخبريني عن قومك قالت عن أي قومي تسألني قال عن بني تميم قالت: يا أمير المؤمنين هم أكثر الناس عدداً وأوسعه بلداً وأبعده أمداً هم الذهب الأحمر والحسب الأفخر قال صدقت فنزليهم لي قال يا أمير المؤمنين أما بنو عمرو بن تميم فأصحاب بأسٍ ونجدة وتحاشد وشدة لا يتخاذلون عند اللقاء ولا يطمع فيهم الأعداء سلمهم فيهم وسيفهم على عدوهم قال صدقت ونعم القول لأنفسهم قالت وأما بنو سعد بن زيد مناه ففي العدد الأكثرون وفي النسب الأطيبون يضرون إن غضبوا ويدركون إن طلبوا أصحاب سيوف وجحف ونزال وزلف على أن بأسهم فيهم وسيفهم عليهم وأما حنظلة فالبيت الرفيع البديع والعز المنيع المكرومون للجار والطالبون بالثأر والناقضون للأوتار قال إن حنظلة شجرة تفرع قالت
следующие страницы →