← Тафсир

Тафсир · id 12851

تفسير يحيى بن سلام

يحيى بن سلام

Полный текст (801 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [لقمان: ٢١] ، أَيْ: قَدْ فَعَلُوا. وَدُعَاؤُهُ إِيَّاهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ دُعَاؤُهُ إِيَّاهُمْ إِلَى عِبَادَةِ الأَوْثَانِ بِالْوَسْوَسَةِ. قَوْلُهُ : ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٢] ، أَيْ: وِجْهَتَهُ فِي الدِّينِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: يُخْلِصُ دِينَهُ. ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان: ٢٢] لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [لقمان: ٢٢] مَصِيرُهَا فِي الآخِرَةِ. قَوْلُهُ : ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ [لقمان: ٢٣] كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [النمل: ٧٠] . ﴿إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ [لقمان: ٢٣] يَوْمَ الْقِيَامَةِ. ﴿فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [لقمان: ٢٣] مَا يُسِرُّونَ فِي صُدُورِهِمْ. قَالَ: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا﴾ [لقمان: ٢٤] فِي الدُّنْيَا إِلَى مَوْتِهِمْ. ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤] ، يَعْنِي: جَهَنَّمَ. قَوْلُهُ : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [لقمان: ٢٥] أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ. قَوْلُهُ : ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [لقمان: ٢٦] ، ﴿الْغَنِيُّ﴾ عَنْ خَلْقِهِ ﴿الْحَمِيدُ﴾ [لقمان: ٢٦] الْمُسْتَحْمِدُ إِلَى خَلْقِهِ، اسْتَوْجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَحْمَدُوهُ. قَوْلُهُ : ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] يَقُولُ: لَوْ أَنَّهَا أَقْلامٌ. ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧] وَبَعْضُهُمْ يَقْرَأُهَا بِالنَّصْبِ: وَالْبَحْرَ

стр. 632

يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ، أَيْ: وَلَوْ أَنَّ الْبَحْرَ، تَبَعٌ لِلْكَلامِ الأَوَّلِ يَقُولُ: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] لِيُكْتَبَ بِهَا عِلْمُ اللَّهِ، عِلْمُهُ بِمَا خَلَقَ ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧] يَسْتَمِدُّ مِنْهُ الأَقْلامَ لِيَكْتُبَ بِهَا عِلْمَ ذَلِكَ. ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] ، يَعْنِي: لانْكَسَرَتِ الأَقْلامُ، وَنَفِدَ مَاءُ الْبَحْرِ، وَلَمَاتَ الْكُتَّابُ وَمَا نَفَدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ، عِلْمُهُ بِمَا خَلَقَ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] ، يَعْنِي: عِلْمَ اللَّهِ وَعَجَائِبَهُ. - قَالَ يَحْيَى: وَحَدَّثَنِي خِدَاشٌ، عَنْ عَوَافٍ، عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: إِنَّ تَحْتَ بَحْرِكُمْ هَذَا بَحْرًا مِنْ نَارٍ، وَتَحْتَهُ بَحْرٌ مِنْ مَاءٍ، وَتَحْتَهُ بَحْرٌ مِنْ نَارٍ، وَتَحْتَهُ بَحْرٌ مِنْ مَاءٍ، وَتَحْتَهُ بَحْرٌ مِنْ نَارٍ حَتَّى عَدَّ سَبْعَةَ أَبْحُرٍ مِنْ مَاءٍ، وَسَبْعَةَ أَبْحُرٍ مِنْ نَارٍ. سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو نَحْوَهُ. قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧] قَوْلُهُ : ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، خَلَقَنَا اللَّهُ أَطْوَارًا، نُطَفًا، ثُمَّ عَلَقًا، ثُمَّ مُضَغًا، ثُمَّ عِظَامًا، ثُمَّ لَحْمًا، ثُمَّ أَنْشَأَنَا خَلْقًا آخَرَ كَمَا تَزْعُمُ، وَتَزْعُمُ أَنَّا نُبْعَثُ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﵎ جَوَابًا لِقَوْلِهِمْ: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] ، أَيْ: إِنَّمَا يَقُولُ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ.

стр. 633

قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٨] قَوْلُهُ : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ [لقمان: ٢٩] يُدْخِلُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ. ﴿وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [لقمان: ٢٩] وَيُدْخِلُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ، وَهُوَ أَخْذٌ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ. قَالَ: ﴿وَسَخَّرَ﴾ لَكُمْ. ﴿الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ يَجْرِيَانِ. قَالَ: ﴿كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [لقمان: ٢٩] لا يَقْصُرُ دُونَهُ وَلا يَزِيدُ عَلَيْهِ إِلَى الْوَقْتِ الَّذِي يُكَوَّرُ فِيهِ فَيَذْهَبُ ضَوْءُهُ. وقَالَ: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٩] قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [لقمان: ٣٠] وَالْحَقُّ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ. ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ [لقمان: ٣٠] ، يَعْنِي: أَوْثَانَهُمْ. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [لقمان: ٣٠] لا أَعْلَى مِنْهُ، ﴿الْكَبِيرُ﴾ [لقمان: ٣٠] وَلا أَكْبَرَ مِنْهُ. قَوْلُهُ : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٣١] أَنْعَمَ بِهَا عَلَى خَلْقِهِ. ﴿لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ﴾ [لقمان: ٣١] ، يَعْنِي: جَرْيَ السُّفُنِ مِنْ آيَاتِهِ. قَالَ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [لقمان: ٣١] وَهُوَ الْمُؤْمِنُ. قَوْلُهُ : ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾ [لقمان: ٣٢] كَالْجِبَالِ، وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾ [هود: ٤٢] وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٧١] .

стр. 634

قَالَ: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان: ٣٢] ، يَعْنِي: التَّوْحِيدَ، وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ. ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ [لقمان: ٣٢] وَهُوَ الْمُؤْمِنُ، وَإِمَّا الْكَافِرُ فَعَادَ فِي كُفْرِهِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ [لقمان: ٣٢] فِي الْقَوْلِ وَهُوَ كَافِرٌ. وَقَالَ: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢] غَدَّارٍ، فِي تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ. كَفُورٍ أَخْلَصَ لِلَّهِ فِي الْبَحْرِ لِلْمَخَافَةِ مِنَ الْغَرَقِ، ثُمَّ غَدَرَ فَأَشْرَكَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] قَوْلُهُ : ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا﴾ [لقمان: ٣٣] ، يَعْنِي: الْعِقَابَ فِيهِ. ﴿لا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ﴾ [لقمان: ٣٣] لا يَفْدِيهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ. ﴿وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لقمان: ٣٣] لا يَفْدِيهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ. ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [الروم: ٦٠] ، يَعْنِي: الْبَعْثَ، وَالْحِسَابَ، وَالْجَنَّةَ، وَالنَّارَ. ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣] وَهِيَ تُقْرَأُ عَلَى وَجْهَيْنِ: الْغَرُورُ وَالْغُرُورُ، فَمَنْ قَرَأَهَا الْغَرُورَ، فَيَقُولُ: الشَّيْطَانُ، وَمَنْ قَرَأَهَا الْغُرُورَ يَقُولُ: غُرُورُ الدُّنْيَا، كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠] . قَوْلُهُ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] عِلْمَ مَجِيئِهَا. ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان: ٣٤] ، يَعْنِي: الْمَطَرَ. ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ [لقمان: ٣٤] مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَكَيْفَ صَوَّرَهُ. ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]

стр. 635

عَلِيمٌ بِخَلْقِهِ خَبِيرٌ بِأَعْمَالِهِمْ. - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " خَمْسٌ لا يَعْلَمُهُنَّ إِلا اللَّهُ: ﴿عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤] ". - أَبُو سَهْلٍ، عَنِ ابْنِ دِينَارٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ ﵎ أَنْ يَقْبِضَ عَبْدًا بِأَرْضٍ جَعَلَ لَهُ بِهَا حَاجَةً، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قَالَتْ لَهُ الأَرْضُ: هَذَا مَا اسْتَوْدَعْتَنِي.

стр. 636

سُورَةُ السَّجْدَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ - تَفْسِيرُ سُورَةِ الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا قَوْلُهُ : ﴿الم﴾ قَدْ فَسَّرْنَاهُ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ. قَوْلُهُ : ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [السجدة: ٢] حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: يَعْنِي: لا شَكَّ فِيهِ. قَوْلُهُ : ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، أَيْ: لا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ. قَوْلُهُ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ ، يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا افْتَرَى الْقُرْآنَ، أَيْ: قَدْ قَالُوهُ، وَهُوَ عَلَى الاسْتِفْهَامِ. قَالَ: ﴿بَلْ هُوَ﴾ ، يَعْنِي: الْقُرْآنَ. ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ يَقُولُهُ لِلنَّبِيِّ ﵇. ﴿لِتُنْذِرَ﴾ لِكَيْ تُنْذِرَ.

стр. 637

﴿قَوْمًا﴾ وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ. قَالَ: ﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ، يَعْنِي: قُرَيْشًا تُنْذِرُهُمُ الْعَذَابَ ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ لِكَيْ يَهْتَدُوا. قَوْلُهُ : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [السجدة: ٤] الْيَوْمُ مِنْهَا أَلْفُ سَنَةٍ. ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ [السجدة: ٤] يُؤَمِّنُكُمْ مِنْ عَذَابِهِ إِذَا أَرَادَ عَذَابَكُمْ. ﴿وَلا شَفِيعٍ﴾ يَشْفَعُ لَكُمْ عِنْدَهُ حَتَّى لا يُعَذِّبَكُمْ. قَالَ: ﴿أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ يَقُولُهُ لِلْمُشْرِكِينَ. قَوْلُهُ : ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾ ، يَعْنِي: يُنْزِلُ الْوَحْيَ، وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ. قَالَ: ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ﴾ قَالَ: يُنْزِلُهُ مَعَ جِبْرِيلَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ يَصْعَدُ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ إِلَى السَّمَاءِ. ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥] يَقُولُ: يَنْزِلُ وَيَصْعَدُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ. قَالَ السُّدِّيُّ: مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا. قَالَ يَحْيَى: إِنَّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ مَسِيرَةَ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ، فَيَنْزِلُ مَسِيرَةَ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةً وَيَصْعَدُ مَسِيرَةَ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ فِي يَوْمٍ، وَفِي أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ، وَرُبَّمَا سَأَلَ النَّبِيُّ ﵇ عَنِ الأَمْرِ يَحْضُرُهُ، فَيَنْزِلُ عَلَيْهِ فِي

стр. 638

أَسْرَعِ مِنَ الطَّرْفِ. - إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵇، قَالَ: «مَا أَشَاءُ أَنْ أَرَى جِبْرِيلَ فِي بَعْضِ الأُفُقِ يُزْجِي أَمْرًا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا رَأَيْتُهُ» . وَقَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي: مِقْدَارَ نُزُولِ جِبْرِيلَ وَصُعُودِهِ إِلَى السَّمَاءِ أَلْفُ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ لِغَيْرِ جِبْرِيلَ. قَالَ : ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ وَهَذَا تَبَعٌ لِلْكَلامِ الأَوَّلِ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ثُمَّ أَخْبَرَ بِقُدْرَتِهِ ثُمَّ قَالَ: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ، يَعْنِي: نَفْسَهُ، وَالْغَيْبُ السِّرُّ، وَالشَّهَادَةُ الْعَلانِيَةُ وَ ﴿الْعَزِيزُ﴾ فِي نِقْمَتِهِ، ﴿الرَّحِيمُ﴾ بِخَلْقِهِ. - حَدَّثَنِي الصَّلْتُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ ﵎ خَلَقَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِائَةَ رَحْمَةٍ، كُلُّ رَحْمَةٍ مِنْهَا طِبَاقُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ، فَأَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً فَبِهَا تَتَرَاحَمُ الْخَلِيقَةُ حَتَّى تَرْحَمَ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَتَهَا وَالْوَالِدَةُ وَلَدَهَا، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَاءَ بِتِلْكَ التِّسْعَةِ وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، وَنَزَعَ تِلْكَ الرَّحْمَةَ مِنْ قُلُوبِ الْخَلِيقَةِ، فَأَكْمَلَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ، ثُمَّ نَصَبَهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، فَالْخَائِبُ مَنْ خَابَ مِنْ تِلْكَ الْمِائَةِ رَحْمَةٍ. قَوْلُهُ : ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة: ٧] ، يَعْنِي: آدَمَ، خَلَقَ اللَّهُ ﵎ آدَمَ مِنْ طِينٍ قَبَضَهُ مِنْ جَمِيعِ الأَرْضِ بَيْضَاءَ، وَحَمْرَاءَ، وَسَوْدَاءَ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الأَرْضِ، فَمِنْهُمُ

стр. 639

الأَبْيَضُ وَالأَحْمَرُ، وَالأَسْوَدُ، وَالسَّهْلُ، وَالْحَزَنُ، وَالْخَبِيثُ، وَالطَّيِّبُ. قَالَ: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ نَسْلَ آدَمَ بَعْدُ. ﴿مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] ، يَعْنِي: النُّطْفَةَ، تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ وَالسُّدِّيِّ وَغَيْرِهِمَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] ضَعِيفٍ، يَعْنِي: نُطْفَةَ الرَّجُلِ. قَالَ: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ [السجدة: ٩] ، يَعْنِي: سَوَّى خَلْقَهُ كَيْفَ شَاءَ. ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة: ٩] قَالَ: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٩] أَقَلُّكُمُ الْمُؤْمِنُونَ. قَوْلُهُ : ﴿وَقَالُوا﴾ ، يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ. ﴿أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ﴾ [السجدة: ١٠] ، أَيْ: إِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا. ﴿أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠] عَلَى الاسْتِفْهَامِ مِنْهُمْ، وَهَذَا اسْتِفْهَامٌ عَلَى إِنْكَارٍ، أَيْ: أَنَّا لا نُبْعَثُ بَعْدَ الْمَوْتِ. قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ [السجدة: ١٠] قَوْلُهُ : ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١] ، يَعْنِي: يَقْبِضُ أَرْوَاحَكُمْ، تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ قَالَ: ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١] جُعِلَتْ لِمَلَكِ الْمَوْتِ الأَرْضُ مِثْلَ الطَّسْتِ يَقْبِضُ أَرْوَاحَهُمْ كَمَا يَلْتَقِطُ الطَّيْرُ الْحَبَّ. عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ، أَنَّ مُجَاهِدًا قَالَ: جُوِّنَتْ لَهُ الأَرْضُ فَجُعِلَتْ مِثْلَ

стр. 640

الطَّسْتِ يَنَالُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ. قَالَ يَحْيَى: وَبَلَغَنَا أَنَّهُ يَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ شَيْءٍ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ. قَالَ: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١] يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَوْلُهُ : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ [السجدة: ١٢] الْمُشْرِكُونَ. ﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٢] خَزَايَا نَادِمِينَ. ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ [السجدة: ١٢] يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ [السجدة: ١٢] سَمِعُوا حِينَ لَمْ يَنْفَعْهُمُ السَّمْعُ، وَأَبْصَرُوا حِينَ لَمْ يَنْفَعْهُمُ الْبَصَرُ. ﴿فَارْجِعْنَا﴾ [السجدة: ١٢] إِلَى الدُّنْيَا. ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] بِالَّذِي أَتَانَا بِهِ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ حَقٌّ. قَوْلُهُ : ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا﴾ [السجدة: ١٣] لأَعْطَيْنَا. ﴿كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣] كَقَوْلِهِ: ﴿أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣١] هُدَاهَا، وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩] قَالَ: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة: ١٣] سَبَقَ الْقَوْلُ مِنِّي. وَتَفْسِيرُ السُّدِّيِّ، يَعْنِي: وَجَبَتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ مِنِّي. ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣] ، يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ مِنْ كِلا الْفَرِيقَيْنِ. وَكَقَوْلِهِ لإِبْلِيسَ: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: ١٨] - وَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَالْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: اخْتَصَمَتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ: يَا رَبِّ مَا لِي يَدْخُلُنِي

стр. 641

الْجَبَّارُونَ وَالْمُتَكَبِّرُونَ؟ وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: يَا رَبِّ، مَا لِي يَدْخُلُنِي ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ؟ فَقَالَ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَقَالَ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا، فَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ ﵎ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا، وَيُنْشِئُ لَهَا مَا يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ، وَأَمَّا النَّارُ فَيَقْذِفُ فِيهَا ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] وَيَقْذِفُ فِيهَا ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] وَيَقْذِفُ فِيهَا ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهَا قَدَمَهُ فَحِينَئِذٍ تَمْتَلِئُ وَتَنْزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَتَقُولُ: قَدْ، قَدْ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ، قَدْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ. خِدَاشٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: قَطْ، قَطْ، قَطْ، قَطْ، قَطْ، قَطْ. قَالَ : ﴿فَذُوقُوا﴾ [السجدة: ١٤] ، أَيْ: عَذَابَ جَهَنَّمَ. ﴿بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [السجدة: ١٤] بِمَا تَرَكْتُمُ الإِيمَانَ بِلِقَاءِ يَوْمِكُمْ هَذَا. ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ [السجدة: ١٤] إِنَّا تَرَكْنَاكُمْ فِي النَّارِ، وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ، تَرَكُوا مِنَ الْخَيْرِ مَا لَمْ يَتْرُكُوا مِنَ الشَّرِّ. قَالَ: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ [السجدة: ١٤] الدَّائِمَ، الَّذِي لا يَنْقَطِعُ. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٤] قَوْلُهُ : ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٥] فِي سُجُودِهِمْ. ﴿وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: ١٥] ، يَعْنِي: لا يَتَكَبَّرُونَ عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ.

стр. 642

قَوْلُهُ : ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَن الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦] الْمُعَلَّى، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَن الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦] لِذِكْرِ اللَّهِ ﵎، يَعْنِي: الصَّلاةَ. - الْمُعَلَّى، عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانُوا يَتَنَاوَمُونَ إِذَا أَمْسَوْا مِنْ قَبْلِ أَنْ تُفْتَرَضَ صَلاةُ الْعِشَاءِ، فَلَمَّا فُرِضَتْ جَعَلُوا لا يَنَامُونَ حَتَّى يُصَلُّوا، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَنَزَلَتْ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَن الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦] حَتَّى أَتَمَّ الآيَةَ. - الْخَلِيلُ بْنُ مُرَّةَ، عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَابِدَةً، فَقَالَتْ: إِنَّمَا لِي مِنَ اللَّيْلِ هَذِهِ النَّوْمَةُ، مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ إِلَى الْعِشَاءِ، وَإِنِّي أُوكِلُ مِنْ أَهْلِي مَنْ يُوقِظُنِي عِنْدَ الأَذَانِ بِالْعِشَاءِ، فَقَالَ أَنَسٌ: وَكِّلِي مِنْ أَهْلِكِ مَنْ لا يَدَعُكِ تَنَامِينَ حَتَّى تُصَلِّيهَا فَإِنَّ فِيهَا أُنْزِلَتْ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَن الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦] وَكَانَ الْقَوْمُ قَبْلَ أَنْ تُفْتَرَضَ عَلَيْهِمْ يَنَامُونَ، فَلَمَّا فُرِضَتْ عَلَيْهِمُ اجْتَنَبُوا مَضَاجِعَهُمْ حَتَّى يُصَلُّوهَا. - الْحَسَنُ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ النَّوْمِ قَبْلَ الْعِشَاءِ وَالْحَدِيثِ بَعْدَهَا. وَسَمِعْتُ سَعِيدًا يَذْكُرُ عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَن الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦] قَالَ: هُوَ قِيَامُ اللَّيْلِ. - قَالَ: وَسَمِعْتُ حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ يَذْكُرُ عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْصَى مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ بِأَشْيَاءَ، فَقَالَ فِي آخِرِ ذَلِكَ: وَالْقِيَامُ مِنَ اللَّيْلِ ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦] . - وَأَخْبَرَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانُوا يَتَيَقَّظُونَ مَا بَيْنَ

стр. 643

الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ يُصَلُّونَ مَا بَيْنَهُمَا. قَالَ: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦] خَوْفًا مِنْ عَذَابِهِ. تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ: ﴿وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦] فِي رَحْمَتِهِ، يَعْنِي: الْجَنَّةَ. ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦] الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ. قَوْلُهُ : ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ. حَدَّثَنِي الْخَلِيلُ بْنُ مُرَّةَ أَنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي وَاقْتَسِمُوهَا بِأَعْمَالِكُمْ. - وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ ﵎ قَالَ: " أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ، قَالَ اللَّهُ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] - وَإِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ مَا يَقْطَعُهَا، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ، قَالَ اللَّهُ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] وَزَادَ فِيهِ خِدَاشٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﵇: وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ، وَمَوْضِعُ سَوْطِهِ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ قَالَ اللَّهُ ﵎: فَمَنْ زُحْزِحَ عَن النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ سورة آل عمران آية ١٨٥.

стр. 644

- أَبَانُ الْعَطَّارُ، عَنْ أَبِي طَلالٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الْعَبْدَ لَيُعْطَى عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ مَا يَكَادُ فُؤَادُهُ يَطِيرُ لَوْلا أَنَّ اللَّهَ ﵎ يَبْعَثُ إِلَيْهِ مَلَكًا فَيَشُدُّ فُؤَادَهُ» . قَوْلُهُ : ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ [السجدة: ١٨] ، يَعْنِي: كَمَنْ كَانَ مُشْرِكًا. ﴿لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] وَهُوَ عَلَى الاسْتِفْهَامِ. قَالَ: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾ [السجدة: ١٩] يَعْنِي أَنَّهُ يَأْوِي إِلَيْهَا أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَجَنَّةُ الْمَأْوَى اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْجَنَّةِ. قَالَ: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ [السجدة: ٢٠] ، يَعْنِي: أَشْرَكُوا. ﴿فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠] أَنَّهُمْ إِذَا كَانُوا فِي أَسْفَلِهَا رَفَعَتْهُمْ بِلَهَبِهَا، حَتَّى إِذَا كَانُوا فِي أَعْلاهَا رَجَوْا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا، فَضُرِبُوا بِمَقَامِعَ مِنْ حَدِيدٍ، فَهَوَوْا إِلَى أَسْفَلِهَا. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠] ، يَعْنِي: الْعَذَابَ الَّذِي كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا. قَوْلُهُ : ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى﴾ [السجدة: ٢١] سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ السُّدِّيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: هُوَ يَوْمُ بَدْرٍ. الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: الْعَذَابُ الأَدْنَى بِالسَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ. الْمُعَلَّى، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: عَذَابُ الدُّنْيَا وَعَذَابُ الْقَبْرِ دُونَ

стр. 645

الْعَذَابِ الأَكْبَرِ جَهَنَّمَ، وَالأَكْبَرُ الأَشَدُّ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي بِالْعَذَابِ الأَدْنَى: الْعَذَابَ الأَقْرَبَ، وَهُوَ الْجُوعُ فِي الدُّنْيَا. ﴿دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ﴾ [السجدة: ٢١] ، يَعْنِي: النَّار فِي الَآخِرَةِ، كَقَوْلِهِ فِي وَالنَّجْمِ: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩] ، يَعْنِي: أَقْرَبَ. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ لَعَلَّ مَنْ يَبْقَى مِنْهُمْ. ﴿يَرْجِعُونَ﴾ عَنِ الشِّرْكِ إِلَى الإِيمَانِ، فَعَذَّبَهُمْ بِالسَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى مَنْ شَاءَ الإِيمَانَ. قَوْلُهُ : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [السجدة: ٢٢] لَمْ يُؤْمِنْ بِهَا. ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢] وَالْمُجْرِمِينَ هَاهُنَا الْمُشْرِكِينَ. قَوْلُهُ : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [السجدة: ٢٣] ، يَعْنِي: التَّوْرَاةَ. ﴿فَلا تَكُنْ﴾ يَا مُحَمَّدُ. ﴿فِي مِرْيَةٍ﴾ فِي شَكٍّ. ﴿مِنْ لِقَائِهِ﴾ تَفْسِيرُ الْكَلْبِيِّ، يَعْنِي: لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، وَقَدْ فَسَّرْنَا ذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْمِعْرَاجِ. وَتَفْسِيرُ الْحَسَنِ: ﴿فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ [السجدة: ٢٣] مِنْ أَنْ تَلْقَى مِنْ قَوْمِكَ مِنَ الأَذَى مَا لَقِيَ مُوسَى مِنْ قَوْمِهِ مِنَ الأَذَى. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ [السجدة: ٢٣] مِنْ لِقَاءِ مُوسَى وَكُتُبِهِ. قَالَ: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [السجدة: ٢٣]

стр. 646

تَفْسِيرُ الْحَسَنِ: وَجَعَلْنَا مُوسَى هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [السجدة: ٢٣] ، يَعْنِي: التَّوْرَاةَ. قَالَ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً﴾ [السجدة: ٢٤] أَنْبِيَاءَ يُهْتَدَى بِهِمْ. ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [السجدة: ٢٤] ، يَعْنِي: يَدْعُونَ بِأَمْرِنَا. ﴿لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة: ٢٤] ، يَعْنِي: بِمَا صَبَرُوا، تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ. قَالَ: وَمَنْ قَرَأَهَا: لَمَّا صَبَرُوا مُثَقَّلَةً فَإِنَّهُ، يَعْنِي: حِينَ صَبَرُوا. ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤] قَوْلُهُ : ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [السجدة: ٢٥] يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. ﴿فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [السجدة: ٢٥] يَفْصِلُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُشْرِكِينَ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الإِيمَانِ وَالْكُفْرِ، فَيُدْخِلُ الْمُؤْمِنِينَ الْجَنَّةَ وَيُدْخِلُ الْمُشْرِكِينَ النَّارَ. قَوْلُهُ : أَوَلَمْ نهْدِ لَهُمْ، أَيْ: أَوَلَمْ نُبَيِّنْ لَهُمْ، وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ، وَهِيَ تُقْرَأُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ، بِالْيَاءِ: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ [السجدة: ٢٦] ، أَيْ: أَوَ لَمْ يُبَيِّنِ اللَّهُ لَهُمْ. ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ [السجدة: ٢٦] ، يَعْنِي: مَا قَصَّ مِمَّا أَهْلَكَ بِهِ الأُمَمَ السَّالِفَةَ حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهُمْ.

стр. 647

قَالَ: ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ [السجدة: ٢٦] ، يَعْنِي: يَمُرُّونَ فِيهَا كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] نَهَارًا وَلَيْلا، يَعْنِي: فِي مَسَاكِنِهِمُ الَّتِي كَانُوا فِيهَا، مِنْهَا مَا يُرَى وَمِنْهَا مَا لا يُرَى، كَقَوْلِهِ: ﴿مِنْهَا قَائِمٌ﴾ [هود: ١٠٠] تَرَاهُ ﴿وَحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠] لا تَرَاهُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: يَقُولُ: قَدْ مَرَّ أَهْلُ مَكَّةَ عَلَى قُرَاهـ ... قَالَ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ﴾ ، أَيْ: لِلْمُؤْمِنِينَ. ﴿أَفَلا يَسْمَعُونَ﴾ ، يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ. قَوْلُهُ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ ، يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ. ﴿أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ﴾ [السجدة: ٢٧] ، يَعْنِي: الْمَطَرَ، تُسَاقُ السِّحَابُ الَّتِي فِيهَا الْمَاءُ. كَقَوْلِهِ: ﴿سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [الأعراف: ٥٧] قَالَ: ﴿إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ [السجدة: ٢٧] الْيَابِسَةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا نَبَاتٌ. ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة: ٢٧] ، يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ. أَيْ فَالَّذِي أَحْيَا هَذِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُحْيِيَهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ. قَوْلُهُ : وَيَقُولُونَ، يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ. ﴿مَتَى هَذَا الْفَتْحُ﴾ [السجدة: ٢٨] مَتَى هَذَا الْقَضَاءُ، وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ وَالْفَتْحُ، الْقَضَاءُ بِعَذَابِهِمْ، قَالُوا ذَلِكَ اسْتِهْزَاءً وَتَكْذِيبًا بِأَنَّهُ لا يَكُونُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي: يَوْمَ بَدْرٍ. وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ إِنَّ مُجَاهِدًا قَالَ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

стр. 648

وَقَالَ الْحَسَنُ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إِلا هُوَ يُحَذِّرُ قَوْمَهُ عَذَابَ الدُّنْيَا وَعَذَابَ الآخِرَةِ. قَالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ﴾ [السجدة: ٢٩] ، يَعْنِي: يَوْمَ الْقَضَاءِ. ﴿لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ﴾ [السجدة: ٢٩] لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَرَى الْعَذَابَ إِلا آمَنَ , وَلا يُقْبَلُ مِنْهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ. قَالَ: ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [السجدة: ٢٩] فَمَا يُؤَخَّرُونَ بِالْعَذَابِ إِذَا جَاءَ الْوَقْتُ. قَالَ: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ﴾ [السجدة: ٣٠] بِهِمُ الْعَذَابَ. ﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ [السجدة: ٣٠] قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ سَعِيدًا يَذْكُرُ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهَا نَزَلَتْ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ بِقِتَالِهِمْ، فَنَسَخَهَا الْقِتَالُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] .

стр. 649

سُورَةُ الأَحْزَابِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الأَحْزَابِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ كُلُّهَا بسم اللَّه الرحمن الرحيم قَوْلُهُ : ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأحزاب: ١] فِي الشِّرْكِ بِاللَّهِ. ﴿وَالْمُنَافِقِينَ﴾ وَلا تُطِعِ الْمُنَافِقِينَ حَتَّى تَكُونَ وَلِيجَةً فِي دِينِ اللَّهِ، وَالْوَلِيجَةُ أَنْ يُدْخِلَ فِي دِينِ اللَّهِ مَا يُقَارِبُ بِهِ الْمُنَافِقِينَ. قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿١﴾ وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴿٢﴾ ﴾ [الأحزاب: ١-٢] ، يَعْنِي: الْعَامَّةَ. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا﴾ [الأحزاب: ٣] مُتَوَكِّلا عَلَيْهِ، وَقَالَ أَيْضًا: ﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وَنِعْمَ الْمُتَوَكَّلُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ : ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤] تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ: أَنَّ رَجُلا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ بَنِي فِهْرٍ قَالَ: إِنَّ فِي جَوْفِي لَقَلْبَيْنِ أَعْقِلُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَفْضَلَ مِنْ عَقْلِ مُحَمَّدٍ، وَكَذَبَ. وَتَفْسِيرُ الْكَلْبِيِّ: أَنَّ رَجُلا مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالُ لَهُ جَمِيلٌ كَانَ حَافِظًا لِمَا

стр. 650

سَمِعَ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: مَا يَحْفَظُ جَمِيلٌ مَا يَحْفَظُ بِقَلْبٍ وَاحِدٍ، إِنَّ لَهُ لَقَلْبَيْنِ. قَوْلُهُ : ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ مِثْلَ أُمِّهِ فِي التَّحْرِيمِ، فَتَحْرُمُ عَلَيْهِ أَبَدًا، وَلَكِنْ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْمُجَادَلَةِ، ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿٣﴾ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٣-٤] وَكَانَ الظِّهَارُ عِنْدَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ طَلاقًا فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ الْكَفَّارَةَ. قَالَ: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ، أَنَّ مُجَاهِدًا، قَالَ: هَذَا فِي زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، تَبَنَّاهُ مُحَمَّدٌ ﷺ ، وَكَانَ الرَّجُلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَكُونُ ذَلِيلا، فَيَأْتِي الرَّجُلُ ذَا الْقُوَّةِ وَالشَّرَفِ، فَيَقُولُ: أَنَا ابْنُكَ، فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَإِذَا قَبِلَهُ وَاتَّخَذَهُ ابْنًا أَصْبَحَ أَعَزَّ أَهْلِهَا، وَكَانَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ مِنْهُمْ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَبَنَّاهُ يَوْمَئِذٍ عَلَى مَا كَانَ يَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلامُ أَمَرَهُمُ اللَّهُ أَنْ يُلْحِقُوهُمْ بِآبَائِهِمْ فَقَالَ: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] ، يَعْنِي: ادِّعَاءَهُمْ هَؤُلاءِ وَقَوْلَ الرَّجُلِ لامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي. قَالَ: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤] يَهْدِي إِلَى الْهُدَى، وَقَوْلُهُ الْحَقُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّهُ أَمَرَ هَؤُلاءِ الْمُدَّعِينَ أَنْ يُلْحِقُوا هَؤُلاءِ الْمُدَّعِينَ بِآبَائِهِمْ. قَالَ: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥] أَعْدَلُ عِنْدَ اللَّهِ. ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] ، يَعْنِي: الْمَوْلَى الَّذِي

стр. 651

يُعْتَقُ ... السُّدِّيُّ. قَالَ يَحْيَى: قُولُوا وَلِيُّنَا فُلانٌ، وَأَخُونَا فُلانٌ. ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ [الأحزاب: ٥] إِثْمٌ. ﴿فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] إِنْ أَخْطَأَ الرَّجُلُ بَعْدَ النَّهْيِ فَنَسَبَهُ إِلَى الَّذِي تَبَنَّاهُ نَاسِيًا، فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ إِثْمٌ. ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥] أَنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى غَيْرِ آبَائِهِمُ الَّذِينَ أَلْحَقَهُمُ اللَّهُ بِهِمْ مُتَعَمِّدِينَ لِذَلِكَ وَهَذَا تَفْسِيرُ الْحَسَنِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥] قَبْلَ النَّهْيِ عَنْ هَذَا وَغَيْرِهِ ﴿بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] بَعْدَ النَّهْيِ فِي هَذَا وَغَيْرِهِ. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥] - نَصْرُ بْنُ طَرِيفٍ، عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعَتْ أُذُنَايَ وَوَعَى قَلْبِي مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ: «مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ، فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ» ، قَالَ: فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرَةَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: قَدْ سَمِعْتُهُ مِنَ النَّبِيِّ ﵇. قَوْلُهُ : ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ: هُوَ أَبُوهُمْ. ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] فِي التَّحْرِيمِ مِثْلُ أُمَّهَاتِهِمْ.

стр. 652

- سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لَهَا: يَا أُمَّهْ، فَقَالَتْ: لَسْتُ لَكِ بِأُمٍّ إِنَّمَا أَنَا أُمُّ رِجَالِكُمْ. قَالَ: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [الأحزاب: ٦] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: كَانَ نَزَلَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ فِي ﴿ [الأنفال:] وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [سورة الأنفال: ٧٢] ، فَتَوَارَثَ الْمُسْلِمُونَ بِالْهِجْرَةِ، فَكَانَ لا يَرِثُ الأَعْرَابِيُّ الْمُسْلِمَ مِنْ قَرِيبِهِ الْمُهَاجِرِ الْمُسْلِمِ شَيْئًا، فَنَسَخَتْهَا هَذِهِ الآيَةُ، فَصَارَتِ الْمَوَارِيثُ بِالْمِلَلِ. فَقَالَ: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [الأحزاب: ٦] فَخَلَطَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ فَصَارَتِ الْمَوَارِيثُ بِالْمِلَلِ. - وَحَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ الْبُنَانِيُّ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: لا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَيْئًا. - مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ» . - نَصْرُ بْنُ طَرِيفٍ، عَنْ حَبِيبٍ الْمُعَلِّمِ، وَسَعِيدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ وَلا الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ» . وَفِي حَدِيثِ سَعِيدٍ: وَلا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَيْئًا. وَحَدَّثَنِي بَحْرُ بْنُ كُنَيْزٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ مَاتَ فَتَرَكَ طَالِبًا، وَجَعْفَرًا وَعَقِيلا، وَعَلِيًّا، فَوَرِثَهُ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ وَلَمْ يَرِثْهُ عَلِيٌّ وَلا جَعْفَرٌ.

стр. 653

قَوْلُهُ : ﴿إِلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] قَالَ: إِلَى قَرَابَتِكُمْ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ. سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ: ﴿إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ وَصِيَّةٌ وَلا مِيرَاثَ لَهُمْ، يَعْنِي بِالْمَعْرُوفِ: الْوَصِيَّةَ، أَجَازَ لَهُمُ الْوَصِيَّةَ وَلا مِيرَاثَ لَهُمْ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [الأحزاب: ٦] فَقَالَ: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الأحزاب: ٦] يَقُولُ: مَكْتُوبًا أَلا يَرِثَ كَافِرٌ مُسْلِمًا. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ: «لا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ» . - حَمَّادٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لأَصِلَهَا، قَالَ: صِلِيهَا. وَقَالَ عُثْمَانُ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٦] قَالَ: الَّذِينَ وَالَى بَيْنَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ تَمَسُّكًا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ. قَوْلُهُ : ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٧] قَالَ مُجَاهِدٌ: فِي ظَهْرِ آدَمَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: فِي صُلْبِ آدَمَ أَنْ يُبَلِّغُوا الرِّسَالَةَ.

стр. 654

قَالَ: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب: ٧] بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ. وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: وَأَنْ يَعْلَمُوا أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ عِنْدَهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ [الزخرف: ٤٥] سَلْ جِبْرِيلَ فَإِنَّهُ هُوَ كَانَ يَأْتِيهِمْ بِالرِّسَالَةِ: هَلْ أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِشَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. وَتَفْسِيرُ الْحَسَنِ فِي هَذِهِ الآيَةِ فِي آلِ عِمْرَانَ مِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾ [آل عمران: ٨١] قَالَ: أَخَذَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّينَ أَنْ يَعْلَمُوا أَمْرَ مُحَمَّدٍ، مَا خَلا مُحَمَّدًا مِنَ النَّبِيِّينَ فَإِنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وَلَكِنَّهُ قَدْ أَخَذَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَدِّقَ بِالأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ، فَفَعَلَ ﷺ . وَذَكَرَ يَحْيَى، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧] ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُنْتُ أَوَّلَ النَّبِيِّينَ فِي الْخَلْقِ وَآخِرَهُمْ فِي الْبَعْثِ» . - عَمَّارٌ، عَنْ أَبِي هِلالٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَتَى كُتِبَتْ نُبُوَّتُكَ؟ قَالَ: بَيْنَ الطِّينِ، وَبَيْنَ الرُّوحِ مِنْ خَلْقِ آدَمَ. قَوْلُهُ : ﴿لِيَسْأَلَ﴾ ، أَيْ: لِيَسْأَلَ اللَّهُ. ﴿الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٨] تَفْسِيرُ الْحَسَنِ: يَعْنِي: النَّبِيِّينَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] . وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩]

стр. 655

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٨] قَالَ: الْمُبَلِّغِينَ الْمُؤَدِّينَ، هُمُ الرُّسُلُ فِي حَدِيثِ عَاصِمِ بْنِ حَكِيمٍ. وَقَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ: الْمُبَلِّغِينَ الْمُؤَدِّينَ مِنَ الرُّسُلِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأحزاب: ٨] ، يَعْنِي: النَّبِيِّينَ ﴿عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٨] أَنَّهُمْ بَلَّغُوا الرِّسَالَةَ إِلَى قَوْمِهِمْ مِنَ اللَّهِ. قَالَ: ﴿وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٨] مُوجِعًا. قَوْلُهُ : ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ [الأحزاب: ٩] يَعْنِي أَبَا سُفْيَانَ وَأَصْحَابَهُ، وَهُمُ الأَحْزَابُ. الْمُعَلَّى، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: يَوْمَ الأَحْزَابِ تَحَازَبُوا عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، جَاءَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ وَطُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الأَسَدِيُّ مِنْ فَوْقِ الْوَادِي، وَجَاءَ أَبُو الأَعْوَرِ السُّلَمِيُّ مِنْ أَسْفَلِ الْوَادِي، وَنَصَبَ أَبُو سُفْيَانَ قِبَلَ الْخَنْدَقِ الَّذِي فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . قَالَ: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ [الأحزاب: ٩] قَالَ مُجَاهِدٌ: وَهِيَ الصَّبَا تَكُبُّهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ وَتَقْطَعُ فَسَاطِيطَهُمْ حَتَّى أَظْعَنَتْهُمْ، وَهَذَا تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ. - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ طَاوُسٍ، قَالَ يَحْيَى: وَأَخْبَرَنِي صَاحِبٌ لِي، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ» .

стр. 656

قَالَ: ﴿وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩] الْمَلائِكَةَ، فِي تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ. قَالَ: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٠] جَاءُوا مِنْ وَجْهَيْنِ مِنْ أَسْفَلِ الْمَدِينَةِ وَمِنْ أَعْلاهَا فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ. أَبُو سُفْيَانَ فِي تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: جَاءُوا مِنْ أَعْلَى الْوَادِي وَمِنْ أَسْفَلِهِ، جَاءَ مِنْ أَعْلاهُ عُيَيْنَةُ ابْنُ حِصْنٍ، وَمِنْ أَسْفَلِهِ أَبُو الأَعْوَرِ السُّلَمِيُّ، وَنَصَبَ أَبُو سُفْيَانُ إِلَى الْخَنْدَقِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٠] ، يَعْنِي: الأَحْزَابَ، أَبَا سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ. ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٠] ، يَعْنِي: مِنْ فَوْقِ الْوَادِي، يَعْنِي: مِنْ أَعْلاهُ، مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، وَمِنْ حَيْثُ يَجِيءُ الصُّبْحُ، يَعْنِي: مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ مِنْ بَنِي نَضْرٍ، وَعُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ الْفَزَارِيَّ وَمَعَهُمَا أَلْفٌ مِنْ غَطَفَانَ، وَمَعَ طُلَيْحَةَ بْنِ خُوَيْلِدٍ الثَّقَفِيِّينَ مِنْ بَنِي أَسَدٍ، وَحُيَيِّ بْنَ أَخْطَبَ الْيَهُودِيَّ فِي يَهُودٍ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٠] ، يَعْنِي: مِنْ أَسْفَلَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي وَمِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ، وَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ وَمَعَهُ يَزِيدُ بْنُ جَحْشٍ عَلَى فِرْقَتَيْنِ، جَاءُوا مِنْ أَسْفَلِ الْوَادِي مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ، وَجَاءَ أَبُو الأَعْوَرِ السُّلَمِيُّ عَمْرُو بْنُ سُفْيَانَ مِنْ قِبَلِ الْخَنْدَقِ وَالَّذِينَ مَعَهُ. قَالَ : ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠] مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ. ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب: ١٠] ، يَعْنِي: التُّهْمَةَ، تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ، يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ ظَنُّوا

стр. 657

أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ سَيُقْتَلُ، وَأَنَّهُمْ سَيَهْلِكُونَ. قَالَ اللَّهُ: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ مُحِّصُوا فِي تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ. قَالَ: ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١] كَانَ اللَّهُ أَنْزَلَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] قَالَ اللَّهُ: ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤] . فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَالَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ : مَا أَصَابَنَا هَذَا بَعْدُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الأَحْزَابِ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢] وَأَنْزَلَ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ﴿٩﴾ إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ﴿١٠﴾ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الأحزاب: ٩-١١] محصوا ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١] حُرِّكُوا بِالْخَوْفِ، فِي تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ، وَأَصَابَتْهُمُ الشِّدَّةُ. قَالَ: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ١٢] وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ، وَالْمَرَضُ فِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ النِّفَاقُ. وَفِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ الشِّرْكُ، وَصَفَهُمْ بِالْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، وَالنِّفَاقُ أَنَّهُمْ نَافَقُوا بِقُلُوبِهِمْ عَنْ مَا أَظْهَرُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَالْمَرَضُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ. ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: ١٢] فِي مَا يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُهُ. ﴿إِلا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٢١٤] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤] فَوَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَنْصُرَهُمْ كَمَا نَصَرَ مَنْ قَبْلَهُمْ بَعْدَ أَنْ يُزَلْزَلُوا وَهِيَ الشِّدَّةُ، وَأَنْ يُحَرَّكُوا بِالْخَوْفِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّونَ حَيْثُ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى

стр. 658

نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] قَالَ اللَّهُ ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤] فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: وَعَدَنَا اللَّهُ النَّصْرَ فَلا نَرَانَا نُنْصَرُ، وَنَرَانَا نُقْتَلُ وَنُهْزَمُ، وَلَمْ يَكُنْ فِي مَا وَعَدَهُمُ اللَّهُ أَلا يُقْتَلَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَأَلا يُهْزَمُوا فِي بَعْضِ الأَحَايِينِ، وَقَدْ قَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] ، وَإِنَّمَا وَعَدَهُمُ النَّصْرَ فِي الْعَاقِبَةِ. قَالَ : ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ [الأحزاب: ١٣] يَقُولُهُ الْمُنَافِقُونَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، اتُرُكُوا دِينَ مُحَمَّدٍ وَارْجِعُوا إِلَى دِينِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: لَمَّا رَأَى الْمُنَافِقُونَ الأَحْزَابَ جَبُنُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لا وَاللَّهِ مَا لَكُمْ مُقَامٌ مَعَ هَؤُلاءِ فَارْجِعُوا إِلَى قَوْمِكُمْ، يَعْنُونَ الْمُشْرِكِينَ فَاسْتَأْمَنُوهُمْ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٣] ، يَعْنِي: لا مُكْثَ لَكُمْ مَعَ الأَحْزَابِ، لا تَقُومُونَ لَهُمْ. قَالَ : ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٣] قَالَ مُجَاهِدٌ: يُخْشَى عَلَيْهَا السَّرَقُ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: خَالِيَةٌ نَخَافُ عَلَيْهَا السَّرَقَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: ضَائِعَةٌ وَهُوَ وَاحِدٌ، يَقُولُونَ: إِذَا خَلَّيْنَاهُمْ ضَاعَتْ. قَالَ اللَّهُ: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ [الأحزاب: ١٣] يَقُولُ: ﴿إِنْ يُرِيدُونَ إِلا فِرَارًا ﴿١٣﴾ وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأحزاب: ١٣-١٤] لَوْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ. ﴿مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ [الأحزاب: ١٤] مِنْ نَوَاحِيهَا، يَعْنِي: الْمَدِينَةَ.

стр. 659

﴿ثُمَّ سُئِلُوا﴾ [الأحزاب: ١٤] طُلِبَتْ مِنْهُمْ. ﴿الْفِتْنَةَ﴾ [الأحزاب: ١٤] الشِّرْكَ. ﴿لآتَوْهَا﴾ [الأحزاب: ١٤] لَجَاءُوهَا، رَجَعَ إِلَى الْفِتْنَةِ وَهِيَ الشِّرْكُ عَلَى تَفْسِيرِ مَنْ قَرَأَهَا خَفِيفَةً وَمَنْ قَرَأَهَا مُثَقَّلَةً: ﴿لآتَوْهَا﴾ لأَعْطَوْهَا، يَعْنِي: الْفِتْنَةَ وَهِيَ الشِّرْكُ، لأَعْطَوْهُمْ إِيَّاهَا. ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلا يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٤] قَالَ : ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ﴾ [الأحزاب: ١٥] مُنْهَزِمِينَ، وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ. - ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سُئِلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ كَيْفَ بَايَعْتُمُوهُ؟ قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَنْ لا نَفِرَّ، وَلَمْ نُبَايِعْهُ عَلَى الْمَوْتِ. قَالَ: ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولا﴾ [الأحزاب: ١٥] لا يَسْأَلُهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ الْعَهْدِ الَّذِي لَمْ يُوفُوا بِهِ، يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ. قَالَ: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ﴾ [الأحزاب: ١٦] ، يَعْنِي: الْهَرَبَ. ﴿إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٦] ، يَعْنِي: إِنْ هَرَبْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ. ﴿أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلا قَلِيلا﴾ [الأحزاب: ١٦] فِي الدُّنْيَا. ﴿إِلا قَلِيلا﴾ إِلَى آجَالِكُمْ، وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ. قَوْلُهُ : ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ١٧] يَمْنَعُكُمْ مِنَ اللَّهِ. ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا﴾ [الأحزاب: ١٧] عَذَابًا.

стр. 660

وَقَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي: الْقَتْلَ وَالْهَزِيمَةَ. ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ [الأحزاب: ١٧] تَوْبَةً، يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ﴾ [الأحزاب: ٢٤] يَمُوتُونَ عَلَى نِفَاقِهِمْ فَيُعَذِّبُهُمْ ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٤] فَيَرْجِعُونَ عَنْ نِفَاقِهِمْ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي: النَّصْرَ وَالْفَتْحَ. قَالَ: ﴿وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا ﴿١٧﴾ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٧-١٨] يُعَوِّقُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا يَأْمُرُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِالْفِرَارِ. ﴿وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ﴾ [الأحزاب: ١٨] ، أي: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨] يأمر بعضهم بعضا بالفرار. ﴿وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ﴾ [الأحزاب: ١٨] الْقِتَالَ. ﴿إِلا قَلِيلا﴾ بِغَيْرِ حِسْبَةٍ وَلا إِخْلاصٍ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿إِلا قَلِيلا﴾ ، يَعْنِي: رِيَاءً وَسُمْعَةً. وَقَالَ يَحْيَى: حَدَّثَنِي أَبُو الأَشْهَبِ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا﴾ [النساء: ١٤٢] قَالَ: إِنَّمَا قُلْ إِنَّهُ كَانَ لِغَيْرِ اللَّهِ. قَالَ: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٩] لا يَتْرُكُونَ عَلَيْكُمْ مِنْ حُقُوقِهِمْ مِنَ الْغَنِيمَةِ شَيْئًا. قَالَ: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ﴾ [الأحزاب: ١٩] رَجَعَ الْكَلامُ إِلَى أَوَّلِ الْقِتَالِ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ الْغَنِيمَةُ، قَالَ: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ﴾ [الأحزاب: ١٩] ، يَعْنِي: الْقِتَالَ، وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ. ﴿رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩] خَوْفًا مِنَ الْقِتَالِ. ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ [الأحزاب: ١٩] ، يَعْنِي: الْقِتَالَ، يَعْنِي: إِذَا ذَهَبَ الْقِتَالُ. ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩] فَحُشُوا عَلَيْكُمُ، السَّلْقُ: الصِّيَاحُ. ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ [الأحزاب: ١٩] عَلَى الْغَنِيمَةِ.

стр. 661

قَالَ اللَّهُ: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ [الأحزاب: ١٩] كَقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١] . قَالَ: ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأحزاب: ١٩] أَبْطَلَ اللَّهُ حَسَنَاتِهِمْ لأَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ فِيهَا حِسْبَةٌ. ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٩] وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَشِحَّةٌ عَلَى الْخَيْرِ ﴿عَلَى الْقِتَالِ، لا يُقَاتِلُونَ. وَتَفْسِيرُ الْكَلْبِيِّ أَنَّ رَجُلا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمَّا مَسَّهُمُ الْحَصْرُ وَالْبَلاءُ فِي الْخَنْدَقِ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ لِيُصِيبَ طَعَامًا أَوْ إِدَامًا، فَوَجَدَ أَخَاهُ يَتَغَدَّى تَمْرًا، فَدَعَاهُ، فَقَالَ أَخُوهُ الْمُؤْمِنُ: قَدْ بَخِلْتَ عَلَيَّ وَعَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِنَفْسِكَ فَلا حَاجَةَ لِي فِي طَعَامِكَ. قَالَ:﴾ يَحْسَبُونَ ﴿ [الأحزاب: ٢٠] يَحْسَبُ الْمُنَافِقُونَ. ﴾ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا ﴿ [الأحزاب: ٢٠] يَوَدُّ الْمُنَافِقُونَ. ﴾ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ ﴿ [الأحزاب: ٢٠] ، يَعْنِي: فِي الْبَادِيَةِ مَعَ الأَعْرَابِ، يَوَدُّونَ مِنَ الْخَوْفِ لَوْ أَنَّهُمْ فِي الْبَدْوِ. ﴾ يَسْأَلُونَ عَن أَنْبَائِكُمْ ﴿ [الأحزاب: ٢٠] وَهُوَ كَلامٌ مَوْصُولٌ، وَلَيْسَ بِهِمْ فِي ذَلِكَ إِلا الْخَوْفُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَعِيَالِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، لأَنَّهُمْ مَعَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ أَظْهَرُوا أَنَّهُمْ عَلَى الإِسْلامِ وَهُمْ يَتَمَنَّوْنَ أَنْ يَظْهَرَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ مَضَرَّةٌ. قَالَ:﴾ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلا قَلِيلا ﴿ [الأحزاب: ٢٠] قَوْلُهُ :﴾ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴿ [الأحزاب: ٢١] وَهَذَا الذِّكْرُ تَطَوُّعٌ، لَيْسَ فِيهِ وَقْتٌ. قَالَ:﴾ وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ ﴿ [الأحزاب: ٢٢]

стр. 662

يَعْنُونَ الآيَةَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَقَدْ فَسَّرْنَاهُ قَبْلَ هَذَا الْمَوْضُوعِ. ﴾ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ﴿ [الأحزاب: ٢٢] قَالَ اللَّهُ:﴾ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا ﴿ [الأحزاب: ٢٢] وَتَصْدِيقًا. ﴾ وَتَسْلِيمًا ﴿ [الأحزاب: ٢٢] لأَمْرِ اللَّهِ. وَتَفْسِيرُ الْكَلْبِيِّ أَنَّ الأَحْزَابَ لَمَّا خَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْخَنْدَقِ أَنْ يُحْفَرَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهَلْ أَتَاكَ مِنْ خَبَرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَلَمَّا حُفِرَ الْخَنْدَقُ وَفُرِغَ مِنْهُ أَتَاهُمُ الأَحْزَابُ، فَلَمَّا رَآهُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ ﴿ [الأحزاب: ٢٢] إِلَى آخِرِ الآيَةِ. قَوْلُهُ :﴾ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ﴿ [الأحزاب: ٢٣] حَيْثُ بَايَعُوهُ عَلَى أَنْ لا يَفِرُّوا، وَصَدَقُوا فِي لِقَائِهِمُ الْعَدُوَّ، وَذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ. ﴾ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ ﴿ [الأحزاب: ٢٣] وَتَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ:﴾ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ ﴿ [الأحزاب: ٢٣] عَهْدَهُ فَقُتِلَ أَوْ عَاشَ. ﴾ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ﴿ [الأحزاب: ٢٣] يَوْمًا فِيهِ قِتَالٌ فَيَقْضِي نَحْبَهُ، عَهْدَهُ، فَيُقْتَلَ أَوْ يَصْدُقَ فِي لِقَائِهِ. وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ:﴾ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ ﴿ [الأحزاب: ٢٣] أَجَلَهُ، يَعْنِي: مَنْ قُتِلَ يَوْمَئِذٍ: حَمْزَةَ وَأَصْحَابَهُ. ﴾ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ﴿ [الأحزاب: ٢٣] أَجَلَهُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ:﴾ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ ﴿ [الأحزاب: ٢٣] ، يَعْنِي: أَتَمَّ أَجَلَهُ. قَالَ:﴾ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا ﴿ [الأحزاب: ٢٣] كَمَا بَدَّلَ الْمُنَافِقُونَ. قَالَ:﴾ لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ﴿ [الأحزاب: ٢٤] ، يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ، تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.

стр. 663

قَالَ:﴾ بِصِدْقِهِمْ ﴿ [الأحزاب: ٢٤] يَجْزِيهِمُ الْجَنَّةَ. ﴾ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ ﴿ [الأحزاب: ٢٤] فَيَمُوتُوا عَلَى نِفَاقِهِمْ فَيُعَذِّبُهُمْ. ﴾ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴿ [الأحزاب: ٢٤] فَيَرْجِعُوا مِنْ نِفَاقِهِمْ. ﴾ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴿ [الأحزاب: ٢٤] قَالَ:﴾ وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ﴿لَمْ يَنَالُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، وَظَفَرُهُمْ بِالْمُسْلِمِينَ لَوْ ظَفِرُوا عِنْدَهُمْ خَيْرٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَوْ يَنَالُوا خَيْرًا، يَعْنِي: لَمْ يُصِيبُوا ظَفَرًا وَلا غَنِيمَةً. ﴾ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ﴿ [الأحزاب: ٢٥] بِالرِّيحِ وَالْجُنُودِ الَّتِي أَرْسَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ. ﴾ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ﴿ [الأحزاب: ٢٥] قَالَ:﴾ وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ ﴿ [الأحزاب: ٢٦] عَاوَنُوهُمْ. ﴾ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴿قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ. ﴾ مِنْ صَيَاصِيهِمْ ﴿ [الأحزاب: ٢٦] مِنْ حُصُونِهِمْ. ﴾ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا ﴿٢٦﴾ وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ [الأحزاب: ٢٦-٢٧] لَمَّا حَصَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُرَيْظَةَ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ. - وَحَدَّثَنِي حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ سَعْدًا لَمْ يَحْكُمْ فِيهِمْ وَلَكِنَّهُمْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى سَعْدٍ فَجَاءَ عَلَى حِمَارٍ، فَقَالَ: «أَشِرْ عَلَيَّ فِيهِمْ» ، فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَكَ فِيهِمْ بِأَمْرٍ، أَنْتَ

стр. 664

فَاعِلٌ مَا أَمَرَكَ بِهِ فَقَالَ: «أَشِرْ عَلَيَّ فِيهِمْ» فَقَالَ: لَوْ وُلِّيتُ أَمْرَهُمْ لَقَتَلْتُ مُقَاتِلَتَهُمْ وَلَسَبَيْتُ ذَرَارِيَّهُمْ وَنِسَاءَهُمْ، وَلَقَسَمْتُ أَمْوَالَهُمْ، فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ أَشَرْتَ عَلَيَّ فِيهِمْ بِالَّذِي أَمَرَنِي اللَّهُ بِهِ» . - وَحَدَّثَنِي حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَطِيَّةَ الْقَرَظِيِّ. قَالَ: كُنْتُ فِيمَنْ عُرِضَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ قُرَيْظَةَ فَمَنْ كَانَ احْتَلَمَ أَوْ نَبَتَتْ عَانَتُهُ قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ تَنْبُتْ عَانَتُهُ تُرِكَ. قَالَ: فَنَظَرُوا إِلَيَّ فَلْم تَكُنْ نَبَتَتْ عَانَتِي، فَتُرِكْتُ. - قَالَ يَحْيَى: وَأَمَّا النَّضِيرُ، فَحَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا حَصَرَ وَقَطَعَ نَخْلَهُمْ فَرَأَوْا أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ بِعَيْشِهِمْ صَالَحُوهُ عَلَى أَنْ يُجْلِيَهُمْ إِلَى الشَّامِ. - حَدَّثَنِي عُثْمَانُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَرَقَ نَخْلَ بَنِي النَّضْرِ وَهِيَ الْبُوَيْرَةُ وَتَرَكَ الْعَجْوَةَ، وَهِيَ الَّتِي قَالَ فِيهَا الشَّاعِرُ: وَهَانَ عَلَى سُرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ ... حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرٌ قَالَ يَحْيَى: وَحَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ طَرِيفٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: مَا دُونَ الْعَجْوَةِ مِنَ النَّخْلِ فَهِيَ لِينَةٌ. قَوْلُهُ : ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب: ٢٧] ، أَيْ: وَأَوْرَثَكُمْ أَيْضًا: ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب: ٢٧] وَهِيَ خَيْبَرُ. - أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ أَبِي طَلْحَةَ

стр. 665

يَوْمَ فَتَحْنَا خَيْبَرَ، إِنَّ سَاقِي لَتُصِيبُ سَاقَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَفَخِذِي فَخِذَهُ فَلَمَّا أَشْرَفْنَا عَلَيْهَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذِرِينَ، فَأَخْذَناهَا عَنْوَةً. - وَحَدَّثَنِي أَشْعَثُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَدَاةَ صَبَّحْنَا خَيْبَرَ، فَقَرَأَ بِأَقْصَرِ سُورَتَيْنِ فِي الْقُرْآنِ ثُمَّ رَكِبَ، فَلَمَّا أَشْرَفْنَا عَلَيْهَا قَالَتِ الْيَهُودُ: مُحَمَّدٌ وَاللَّهِ وَالْخَمِيسُ قَالَ: وَالْخَمِيسُ الْجَيْشُ، فَأَخَذْنَاهَا عَنْوَةً. قَالَ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٧] قَوْلُهُ : ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا ﴿٢٨﴾ وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ﴿٢٩﴾ ﴾ [الأحزاب: ٢٨-٢٩] الْجَنَّةَ. - قَالَ: وَحَدَّثَنِي مَنْدِلُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاخْتَرْنَاهُ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلاقًا. - عَمَّارٌ، عَنْ أَبِي هِلالٍ الرَّاسِبِيِّ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: خَيَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِسَاءَهِ، فَلَمْ يَكُ ذَلِكَ طَلاقًا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِقَتَادَةَ، فَقَالَ: إِنَّمَا خَيَّرَهُنَّ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَمْ يُخَيِّرْهُنَّ الطَّلاقَ، وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَجْعَلُ الْخِيَارَ إِذَا اخْتَارَتِ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا إِذَا خَيَّرَها الرَّجُلُ تَطْلِيقَةً بَائِنَةً. قَالَ يَحْيَى: أَحْسَبُهُ قَالَ ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: ٢٨] .

стр. 666

وَقَالَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ هَذَا الْمَوْضِعِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] ، يَعْنِي: تُجَامِعُوهُنَّ، تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: ٤٩] فَإِذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا تَطْلِيقَةً فَإِنَّهَا تَبِينُ بِهَا، وَهِيَ أَمْلَكُ بِنَفْسِهَا، وَهُوَ خَاطِبٌ، إِنْ تَزَوَّجَهَا كَانَتْ عِنْدَهُ عَلَى تَطْلِيقَتَيْنِ. وَقَالَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] وَهَذَا عِنْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ قَبْلَ أَنْ يَنْقَضِيَ مَا لَمْ تَغْتَسِلْ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ إِذَا كَانَتْ مِمَّنْ يَحِيضُ، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لا تَحِيضُ وَلَيْسَتْ بِحَامِلٍ فَمَا لَمْ تَنْقَضِ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلا مَا لَمْ تَضَعْ حَمْلَهَا، فَإِنْ كَانَ فِي بَطْنِهَا اثْنَانِ أَوْ ثَلاثَةٌ فَمَا لَمْ تَضَعِ الآخَرَ فَهُوَ يُرَاجِعُهَا قَبْلَ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ، فَإِنِ انْقَضَتِ الْعِدَّةُ وَلَمْ يُرَاجِعْهَا فَهِيَ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ. قَالَ: ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] فَالتَّسْرِيحُ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ، وَكَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَقُولُ: إِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَثَلاثٌ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولانِ: وَاحِدَةٌ وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، وَإِنِ اخْتَارَتْهُ فَلا شَيْءَ لَهَا كَأَنَّهُمَا يَقُولانِ: إِنَّمَا يَكُونُ فِي طَلاقِ السُّنَّةِ عَلَى الْوَاحِدَةِ، وَلا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يُطَلِّقَ ثَلاثًا جَمِيعًا فَإِنَّمَا خَيَّرَهَا عَلَى وَجْهِ مَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا، وَأَمَّا إِذَا قَالَ: أَمْرُكِ بِيَدِكِ فَفِي قَوْلِهِمَا: إِذَا طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلاثًا فَهِيَ وَاحِدَةٌ عَلَى هَذَا الْكَلامِ الأَوَّلِ، وَكَانَ عَلِيٌّ وَرِجَالٌ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﵇، يَقُولُونَ: الْقَوْلُ مَا قَالَتْ، غَيْرَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: إِلا أَنْ يَقُولَ: إِنَّمَا مِلْكَتُهَا فِي وَاحِدَةٍ، فَيَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ وَيَكُونُ قَضَاؤُهَا فِي وَاحِدَةٍ، وَبِهِ يَأْخُذُ يَحْيَى، ذَكَرَهُ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قَوْلُهُ : ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الأحزاب: ٣٠]

стр. 667

يَعْنِي الزِّنَا: تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ. قَالَ: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٠] ، ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الأحزاب: ٣١] ، أَيْ: وَمَنْ يُطِعْ مِنْكُنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِيمَا حَدَّثَنِي قُبَاثُ ابْنُ رُزَيْنٍ اللَّخْمِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلافٌ. قَالَ: ﴿وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [الأحزاب: ٣١] ، يَعْنِي: الَّتِي تَقْنُتُ مِنْهُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١] قَالَ يَحْيَى: بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلا سَأَلَ الْحَسَنَ قَالَ: أَيْنَ يُضَاعَفُ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ؟ قَالَ: حَيْثُ تُؤْتَى أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ. قَالَ يَحْيَى: تُؤْتَى أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ، يَعْنِي: فِي الآخِرَةِ. قَالَ: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا﴾ [الأحزاب: ٣١] ، أَيْ: وَأَعْدَدْنَا لَهَا. ﴿رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣١] الْجَنَّةَ. قَوْلُهُ : ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٢] ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْكَلامَ، فَقَالَ: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] قَالَ الْكَلْبِيُّ: هُوَ الْكَلامُ الَّذِي فِيهِ مَا يَهْوَى الْمُرِيبُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: فَلا تَكَلَّمْنَ بِالرَّفَثِ، قَالَ وَكَانَ أَكْثَرَ مَنْ يُصِيبُ الْحُدُودَ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ الْمُنَافِقُونَ. قَالَ: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ بَعْضُهُمْ: الْمَرَضُ هَاهُنَا الزِّنَا. وَقَالَ بَعْضُهُمُ: النِّفَاقُ.

стр. 668

وَقَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي: فُجُورٌ. قَالَ: ﴿وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢] وَهَذَا تَبَعٌ لِلْكَلامِ الأَوَّلِ ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] ........... ﴿وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢] . تَفْسِيرُ الْكَلْبِيِّ: هُوَ الْكَلامُ الَّذِي فِيهِ مَا يَهْوَى الْمُرِيبُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: فَلا تَكَلَّمْنَ بِالرَّفَثِ. قَالَ : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] وَهِيَ تُقْرَأُ عَلَى وَجْهَيْنِ: قِرْنَ، ﴿وَقَرْنَ﴾ [الأحزاب: ٣٣] فَمَنْ قَرَأَهَا: ﴿وَقَرْنَ﴾ [الأحزاب: ٣٣] فَمِنْ قِبَلِ الْقَرَارِ، وَمَنْ قَرَأَهَا: وَقِرْنَ فَمِنْ قِبَلِ الْوَقَارِ. قَالَ: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣] قَبْلَكُمْ فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ، لَيْسَ يَعْنِي: أَنَّهَا كَانَتْ جَاهِلِيَّةً قَبْلَهَا كَقَوْلِهِ: ﴿عَادًا الأُولَى﴾ [النجم: ٥٠] ، أَيْ: قَبْلَكُمْ. وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: الْجَاهِلِيَّةُ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا إِبْرَاهِيمُ قَبْلَ الْجَاهِلِيَّةِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا مُحَمَّدٌ ﷺ . وَحَدَّثَنِي الْفُرَاتُ بْنُ سَلْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِهَا: تَكُونُ جَاهِلِيَّةً أُخْرَى. وَحَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُعْبَدَ ذُو الْخَلَصَةِ، فَإِنَّهُ كَانَ سَيِّدَ الأَوْثَانِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. - وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تُنْفَخُ النَّفْخَةُ الأُولَى، وَمَا يُعْبَدُ اللَّهُ يَوْمَئِذٍ فِي الأَرْضِ. قَالَ: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ﴾ [الأحزاب: ٣٣] الْمَفْرُوضَةَ، الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ عَلَى وُضُوئِهَا، وَمَوَاقِيتِهَا، وَرُكُوعِهَا، وَسُجُودِهَا. ﴿وَآتِينَ الزَّكَاةَ﴾ [الأحزاب: ٣٣] الْمَفْرُوضَةَ.

стр. 669

﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٣] فِي مَا أَمَرَكُنَّ بِهِ. ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ [الأحزاب: ٣٣] الشَّيْطَانَ الَّذِي يَدْعُو إِلَى الْمَعَاصِي. وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الرِّجْسُ، يَعْنِي: الإِثْمَ الَّذِي ذُكِرَ فِي هَذِهِ الآيَاتِ. ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] مِنَ الذُّنُوبِ، فِي تَفْسِيرِ السُّدِّيِّ، وَقَالَ: كُلُّ رِجْسٍ فِي الْقُرْآنِ، فَإِنَّمَا هُوَ إِثْمٌ، وَالرِّجْزُ كُلُّهُ الْعَذَابُ، وَالرِّجْزُ مَرْفُوعَةٌ: الأَوْثَانُ. - وَحَدَّثَنِي حَمَّادٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُومُ عَلَى بَابِ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ صَلاةَ الْفَجْرِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَيَقُولُ: الصَّلاةَ الصَّلاةَ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] . - وَحَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ أَبِي الْحَمْرَاءِ، قَالَ: رَابَطَتِ الْمَدِينَةُ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَيَوْمٍ وَاحِدٍ فَسَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ جَاءَ إِلَى بَابِ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ، فَقَالَ: الصَّلاةَ، ثَلاثًا: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] . قَالَ يَحْيَى: وَبَلَغَنِي أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ. قَالَ: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٤] قَوْلُهُ : ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] وَهُوَ وَاحِدٌ.

стр. 670

وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿٣٥﴾ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿٣٦﴾ ﴾ [الذاريات: ٣٥-٣٦] وَالإِسْلامُ هُوَ اسْمُ الدِّينِ. قَالَ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] وَالإِيمَانُ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلَ. - حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ لَهُ: «أَسْلِمْ تَسْلَمْ» ، قَالَ: وَمَا الإِسْلامُ، قَالَ: «أَنْ يُسْلِمَ قَلْبُكَ لِلَّهِ وَأَنْ يَسْلَمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِكَ وَيَدِكَ» ، قَالَ: وَأَيُّ الإِسْلامِ أَفْضَلُ، قَالَ: «الإِيمَانُ» ، قَالَ: وَمَا الإِيمَانُ، قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَبِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتُ» قَالَ: فَأَيُّ الإِيمَانِ أَفْضَلُ، قَالَ: «الْهِجْرَةُ» ، قَالَ: وَمَا الْهِجْرَةُ، قَالَ: «أَنْ تَهْجُرَ السُّوءَ» ، قَالَ: فَأَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الْجِهَادُ» ، قَالَ: وَمَا الْجِهَادُ، قَالَ: «أَنْ تُقَاتِلَ الْمُشْرِكِينَ إِذَا لَقِيتَهُمْ ثُمَّ لا تَغُلَّ وَلا تَجْبُنْ» . - خِدَاشٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ قُدَامَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْنَمَا هُوَ فِي مَلإٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ حَتَّى سَلَّمَ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﵇. - الْخَلِيلُ بْنُ مِرَّةَ، عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ، وَزَادَ فِيهِ أَيْضًا، وَرَدَّ الْمَلأُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَلا تُخْبِرُنِي مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْحِسَابِ، وَالْمِيزَانِ، وَالْجَنَّةِ، وَالنَّارِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» ، قَالَ: فَإِذَا فَعَلْتُ هَذَا فَقَدْ آمَنْتُ؟ قَالَ: «نَعَمْ» ، قَالَ: صَدَقْتَ، فَعَجِبَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِقَوْلِهِ: صَدَقْتَ.
следующие страницы →