← Адаб

Адаб · id 12858

رسالة التوابع والزوابع

ابن شهيد الأندلسي

Полный текст (66 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المدخل زهير بن نمير لله أبا بكر ظنٌّ رميته فأصميتَ، وحَدسٌ أملته فما أشويت أبدَيتَ بهما وجه الجليّة، وكشفت إن غُرَّةِ الحقيقة، حين لمحت صاحبك الذي تكسّبته ورأيته قد أخذ بأطراف السّماء، فألف بين قمريها، ونظم فرقديها، فكلما رأى ثغراً سدَّه بسُهاها، أو لمَح خرقاً رمَّه بزُباناها،

стр. 2

إلى غير ذلك. فقلت: كيف أوني الحُكم صبياً، وهز بجدعِ نخلة الكلام فاساقط عليه رُطباً؛ أما إن به شيطاناً يهديه، وشيصباناَ يأتيه وأقسم أنَّ له تابعة تُنجدُه، وزابعة تؤيدّه، ليس هذا في قدرة الإنس، ولا هذا النفس لهذه النفس. فأما وقد قُلتها، أبا بكرٍ، فأصِخ أسمعك العجب العُجاب: كنت أيّام كُتاب الهجاء، أحِنُّ إلى الأدباء، وأصبُو إلى تأليف الكلام؛ فاتبعتُ الدَّواوين، وجلستُ إلى الأساتيذ، فنبض لي عِرقُ الفهم، ودرَّ لي شريانٌ العلم، بموادَّ روحانية، وقليلُ الالتماح من النظر يزيدني، ويَسييرُ المطالعةِ من الكتب يُفيدُني، إذ صادف شنٌّ العلم طبقة. ولم أكُن كالثلجِ تقتبس منه ناراً، ولا كالحمار يحملُ أسفاراً. فطعنت ثُغرة البيان دراكاً، وأعلقتُ رجل طيره أشراكاً، فانثالث لي العجائب، وانهالت عليَّ الرغائب. وكان لي أوائِل صبوتي هوى اشتدَّ به كلفي، ثم لحقني بعد مَلَلٌ في أثناء ذلك المَيل. فاتفق أن مات من كنتُ أهواه مدَّة ذلك المَلَل، فجَزِعتُ وأخذتُ في رثائه يوماً في الحائرِ، وقد أُبهمت علي أبوابُه،

стр. 3

وانفردتُ فقلت: تولى الحِمامُ بظبيِ الخُدُورِ، ... وفازَ الرَّدى بالغزالِ الغريرِ إلى أن انتهيتُ إلى الاعتذارِ من المَلَل الذي كان، فقلت: وكنتُ مَلِتُكَ لا عن قِلىً، ... ولا عن فسادٍ جرى في ضميري فأُرتجَ عليَّ القولُ وأُفحمتُ، فإذا أنا بفارسٍ ببابِ المجلِس على فرسٍ أدهم كما بَقَل وجهُه، قد اتكأ على رُمحه، وصاح بي: أعجزاً يا فتى الإنس؟ قلتُ: لا وأبيك، للكلامِ أحيان، وهذا شأنُ الإنسان! قال لي: قُل بعده: كمِثلِ مَلالِ الفتى للنعيم، ... إذا دامَ فيه، وحالِ السُّرورِ فأثبتُّ إجازته، وقلت له: بأبي أنت! من أنت؟ قال: أنا زُهيرُ ابن نُمير من أشجعِ الجنِ. فقلتُ: وما الذي حداكَ إلى التصوُّرِ لي؟ فقال: هوى فيك، ورغبةٌ في اصطفائك. قلت: أهلاً بك أيها الوجهُ الوضاح، صادفن قلباً إليك مقلوباً، وهوى نحوك مجنوباً. وتحادثنا حيناً

стр. 4

ثم قال: متى شِئتَ استِحضاري فأنشد هذه الأبيات: والي زُهيرَ الحُبَّ، يا عز، إنه ... إذا ذكرته الذَّاكراتُ أتاها إذا جرتِ الأفواهُ يوماً يذكرها ... يُخيَّلُ لي أني أقبَّلُ فاها فأغشى ديار الذَّاكرين، وإن نأتُ ... أجارعُ مِنْ داري، هوى لهواها وأوثب الأدهم جدار الحائط ثم غاب عني. وكنتُ، أبا بكرٍ، متى أُرتِجَ عليَّ، أو انقطع بي مسلك، أو خانني أُسلوبٌ أنشدُ الأبيات فيمثَّل لي صاحبي، فأسيرُ إلى ما أرغب، وأدركُ بقريحتي ما أطلُب. وتأكدت صًحبتنا، وجرت قصص لولا أن يطول الكتابُ لذكرتُ أكثرها، لكني ذاكرٌ بعضها.

стр. 5

الفصل الأول توابع الشعراء شيطان امرئ القيس تذاكرتُ يوماً مع زُهير بن نُميرٍ أخبار الخُطباء والشعُّراء، وما كان يألفُهُم من توابع والزوابع، وقلتُ: هل حيلةٌ في لقاء من اتفق منهم؟ قال: حتى أستأذن شيخنا. وطار عني ثم انصرف كلمحٍ بالبَصَر، وقد أُذن له، فقال: حُلَّ على متن الجَوادِ. فصرنا عليه؛ وسار بنا كالطائر يجتابُ الجوَّ فالجوَّ، ويقطعُ الدَّوَّ فالدَّوَّ، حتى التمحتُ أرضاً لا كأرضنا، وشارفتُ جواً لا كجوّنا، متفرع الشجر، عطر الزَّهر؛ فقال لي: حللتَ أرض الجن أبا عامر، فبمن تُريدُ أن نبدأ؟ قلتُ: الخطباء أولى بالتقديم، لكني إلى الشعراء أشواق. قال: فمن تُريدُ منهم؟ قلت: صاحب امرئ القيس. فأما العنان إلى وادٍ من الأدوية ذي دَوحٍ تتكسرُ أشجارُه، وتترنمُ أطياره، فصاح: يا عُتيبةُ بن نوفل، بسقط اللّوى فحومل،

стр. 6

ويمِ دارةِ جُلجُل، إلاَّ ما عرضتَ علينا وجهك، وأنشدتنا من شعرك، وسمعت من الإنسي، وعرَّفتنا كيف إجازتُك له! فظهر لنا فارسٌ على فرسٍ شقراء كأنها تلتهب، فقال: حياك الله يا زُهير، وحيّا صاحبك أهذا فتاهُم؟ قلتُ: هو هذا، وأيُّ جمرةٍ يا عتُيبة! فقال لي: أنشد؛ فقلتُ: السيدُ أولى بالإنشاد. فتطامح طرفُه، واهتزَّ عطفه، وقبض عنانَ الشقراء وضربها بالسّوط، فسمت تُحضر طُولاً عنّا، وكرَّ فاستقبلنا بالصَّعدةِ هازاً لها، ثم ركزها وجعل يُنشد: سما لك شوقٌ بعدما كان أقصرا ... حتى أكمَلها ثم قال: لي: أنشِد؛ فهمتُ بالحيصة، ثم اشتدَّت قُوى نفسي وأنشدت: شَجَتْهُ مَعانٍ من سُليمى وأدْؤرُ ... حتى انتهيتُ فيها إلى قول: ومِن قُبّةٍ لا يُدركُ الطَّرفُ رأسها ... تَزِلُّ بها ريحُ الصَّبا فتحدَّرُ تكلّفتُها والليلُ قد جاش بحرهُ، وقد جعلت أمواجهُ تتكسرُ

стр. 7

ومن تحت حضني أبيضٌ ذو سفاسقٍ، ... وفي الكفّ من عسّالةِ الخطّ أسمرُ هُما صاحباي من لدُن كنتُ يافعاً، ... مُقِيلانِ من جدّ الفتى حين يعثُرُ فذا جدولٌ في الغمدِ تُسقى به المنى، وذا غُصُنٌ في الكفّ يُجنى فيثُمرُ فلما انتهيتُ تأملني عُتيبةُ ثم قال: اذهب أجزتُك. وغاب عنّا. شيطان طرفة فقال لي زُهير: من تُريدُ بعدُ؟ قلتُ: صاحب طرفة. فجزعنا وادي عُتيبة، وركضنا حتى انتهينا إلى غيضةٍ شجرُها شجران: سامٌ يفوحُ بهاراً، وشحرٌ يعبق هندياً وعاراً. فرأينا عيناً معينةً تسيل، ويدُورُ ماءها فلكياً ولا يحُل. فصاح به زهير: يا عنترُ بن العجلان، حلَّ بك زهيرٌ وصاحبه، فبخَولة، وما قطعت معها من ليلة، إلاَّ ما عرضت وجهك لنا! فبدا إلينا راكبٌ جميلُ الوجه، قد توشح السّيف، واشتمل

стр. 8

عليه كساء خزّ، وبيده خطّيّ، فقال: مرحباً بكُما! واستنشدني فقلتُ: الزعيمُ أولى بالإنشاد؛ فأنشد: لِسُعدى بِحِزَّانِ الشُّريف طُلُول ... حتى أكملها، فأنشدته من قصيدة: أمِن رسمِ دارٍ بالعقيقِ مُحِيلِ ... حتى انتهيتُ إلى قولي: ولما هبطنا الغيثَ تُذعرُ وحشُهُ ... على كل خوَّار العنان أسيلِ وثارت بناتُ الأعوجيّاتِ بالضُّحى ... أبابِيلَ، من أعطافِ غير وبيلِ مُسوَّمةً نعتدُّها من خِيارها، ... لِطردِ قنيصٍ، أو لطردِ رعيلِ إذا ما تغنّى الصَّحبُ فوق متونِها ... ضُحيناً، أجابت تحتهم بصهيلِ

стр. 9

تدُوسُ بها أبكارَ نورٍ كأنّه ... رِداءُ عرُوسٍ أوذنتُ بحليل رَمينا بها عُرضَ الصُّوارِ فأقعصت ... أغنَّ قتلناهُ بغيرِ قتيلِ وبادَرَ أصحابي النُّزولَ، فأقبلت ... كراديسُ من غض الشِّواء نشيلِ نُمسِّحُ بالحوذانِ مِنهُ، ... إذا ما اقتنصنا منه غير قليلِ فقُلنا لسلقِيها: أدرها سُلافةً ... شمولاً، ومِن عينيك صِرفَ شمولِ فقالم بكأسيه مُكيعاً لأمرِنا، ... يميلُ به الإدلالُ كلَّ مَميلِ وشَعشَعَ راحيه، فما زال مائلاً ... برأسِ كريمِ منهُمُ وتليلِ إلى أن ثناهُم راكدينَ، لما احتسوا، ... خليعينَ من بطش وفضل عُقولِ نشاوى على الزَّهراء، صرعى كأنهم ... أساكينُ قصرٍ، أو جُذُوعُ نخيلِ فصاحَ عنترٌ: لله أنت! اذهب مُجازٌ. وغاب عنّا. ثم مِلنا عنه.

стр. 10

شيطان قيس بن الخطيم فقال لي زهير: إلى من تتُوقُ نفسُك بعدُ من الجاهليّين؟ قلت: كفاني من رأيتُ؛ اصرِف وجه قصدنا أبي تمام. فركضنا ذات اليمين حيناً، ويشتدُّ في إثرِنا فارسٌ كأنه الأسد، على فرسٍ كأنها العُقاب، وهو في عدوه ذلك يُنشد: طعنتُ ابن عبد القيس طعنة ثائرٍ، ... لها نفذٌ، لولا الشعاعُ، أضاءها فاستربتُ منه، فقال لي زهير: لا عليك، هذا أبو الخطّارِ صاحبُ قيسِ ابن الخطيم. فاستبى لُبيّ من إنشاده البيت، وازددتُ خوفاً لُجرأته، وأنّنا لم نُعرَّج عليه. فصرف إليه زهيرٌ وجه الأدم، وقال: حيّاك اللهُ أبا الخطّار! فقال: أهكذا يُحادُ عن أبي الخطار، ولا يُخطرُ عليه؟ قال: علمناك صاحب قنص، وخفنا أن نشغلك. فقال لي: أنشدنا يا أشجعي، وأُقسم أنك إن لم تُجد ليكوننَّ يوم شر. فأنشدتُه قولي من قصيدة:

стр. 11

منازلهم تبكي إليكَ عَفاءها ومنها: خليليَّ عُوجا، باركَ الله فيكُما، ... بدارتِها الأولى نُحيِّ فناءها! فلم أرَ أسراباً كأسرابها الدُّمى، ... ولا ذئب مثل قد رعى، ثمَّ شاءها ولا كضلالٍ كان أهدى لصبوتي، ... ليالي يهديني الغرامُ خِباءها وما هاجَ هذا الشوقَ إلاَّ حمائِمٌ، ... بكيتُ لها لمّا سمعتُ بُكاءها عجِبتُ لنفسي كيف مُلكها الهوى، ... وكيف استَفَزَّ الغانِياتُ إباءها؟ ولو أنني أنحتْ عليَّ أكارمٌ؛ ... ترضَّيتُ بالعرضِ الكريمِ جزاءها ولكنَّ جُرذان الثُّغورِ رمينني، ... فأكرمتُ نفسي أن تُريق دماءها إليك أبا مروان ألقيتُ رابياً ... بحاجة نفسِ ما حُربتُ خزاءها هززتُكَ في نَصري ضُحىً فكأنّني ... هززتُ، وقد جئتُ الجبال، حراءها نقضتُ عُرى عزم الزَّمانِ، وإن عَتا، ... بعزمةِ نفسٍ لا أريدُ بقاءها فلما انتهيتُ تبسمَّ وقال: لنعمَ ما تخلّصتَ! اذهب فقد أجزتُك.

стр. 12

صاحب أبي تمام ثمَّ انصرفنا، وركضنا حتى انتهينا إلى شجرةٍ غيناء يتفجرُ من أصلِها عينٌ كمقلةٍ حَواء. فصاح زُهير: يا عتابُ بن حبناء، حلَّ بك زُهير وصاحبهُ، فبعمروٍ والقمر الكّالِع، وبالرُّقعةِ المفكوكةِ الطّابع، إلاَّ ما أريتنا وجهك! فانفلق ماء العين عن وجهِ فتىً كفِلقةِ القمر، ثم اشتقَّ الهواء صاعداً إلينا من قعرها حتى استوى معنا فقال: حيّاك الله يا زهير، وحيّا صاحبك! فقلتُ: وما الذي أسكنك قعر هذه العين يا عتاب؟ قال: حيائي من التّحسُّنِ باسمِ الشِّعرِ وأنا لا أُحسنُه. فصحتُ: ويلي منه؛ كلامُ مُحدثٍ ورب الكعبة! واستنشدني فلم أُنشده إجلالاً له، ثم أنشدتُه: أبكيتَ، إذ طَعَنَ الفريقُ، فِراقَها ... حتى انتهيتُ فيها إلى قولي:

стр. 13

إنّ امرُؤٌ لعب الزَّمانُ بهمّتي، ... وسُقيتُ من كأس الخُطوبِ دهاقها وكبوتُ طِرفاً في العُلى، فاستضكتْ ... حُمُرُ الأنامِ، فما تريمُ نُهاقها وإذا ارتمت نحوي المُنى لأنالها، ... وقف الزَّمانُ لها هُناك فعاقها وإذا أبو يحيى تأخَّرُ نفسهُ، ... فمتى أُؤمّلُ في الزَّمان لحاقها؟ فلما انتهيتُ قال: أنشدني من رثائك. فأنشدتُه: أعينَا امرأَ نَزَحَتْ عينُهُ، ... ولا تَعجَبا مِن جُفُونٍ جمادىِ إذا القلبُ أحرقهُ بثُّهُ، ... فإنَّ المدامِعَ تِلوُ الفُؤادِ يودُّ الفتى مَنهلاً خالياً، ... وسعدُ المَنيةِ في كل وادِ ويصرفُ للكونِ ما في يديهِ، ... وما الكونُ إلاَّ نذيرُ الفسادِ لقد عثرَ الدَّهرُ بالسابقينَ، ... ولم يُعجِزِ الموت ركضُ الجَوادِ لعمرُكَ ما ردَّ ريبَ الرّدى ... أرِيبٌ، ولا جاهدٌ باجتِهادِ سِهامُ المَنايا تُصِيبُ الفتى، ... ولَوْ ضَرَبُوا دُونه بالسِّدادِ أصَبنَ، على بطشِهِم، جُرهُماً، ... وأصمينَ، في دارهم، قومَ عادِ

стр. 14

وأقصعنَ كلباً على عِزِّهِ، ... فما اعتزَّ بالصَّافِناتِ الجِيادِ إلى أن انتهيتُ فيها إلى قولي: ولكنّني خانَني مَعشري، ... ورُدتُ يَفاعاَ وبيلَ المَرادِ وهل ضرب السيفُ من غيرِ كفٍ؟ وهل ثبتَ الرَّأسُ في غيرِ هادِ؟ فقال: زِدني من رثائك وتحريضك، فأنشدتُه: أفي كلّ عامٍ مصرعٌ لعظيمِ؟ ... أصابَ المَنايا حادثي وقديمي هوى قمراً قيس بن عيلانَ آنفاً، ... وأوحشَ مِن كلبٍ مكانُ زعِيم فكيف لِقائي الحادِثاتِ إذا سطتْ، ... وقد فُلَّ سيفي منهُمُ وعَزيمي؟ وكيف اهتدائي في الخطُوب إذا دجت ... وقد فقدت عيناي ضوءَ نُجُومِ؟ مضى السَّلفُ الوضَّاحُ إلا بقيةً، ... كغُرَّةِ مُسودِّ القميصِ بهيمِ

стр. 15

ومنها: رَمَيتُ بها الآفاقَ عنّي غريبةً، ... نتيجةَ خفاقِ الضُّلوعِ كظيمِ لأُبدي إلى أهل الحجى مِن بواطني، ... وأُدلي بعُدرٍ في ظواهر لُومِ أنا السّيفُ لم تتعبْ به كفُّ ضاربٍ، ... صرومٌ إذا صادفتُ كفَّ صرُومِ سعيتُ بأحرارِ الرّجالِ، فخانني ... رجالٌ، ولم أُنجَدْ بِجِدِّ عظيمِ وضيعني الأملاكُ بدءاً وعودةً، ... فضعتُ بدارٍ منهُمُ وحَريمِ فقال: إن كنتَ ولا بُدَّ قائلاً، فإذا دعتك نفسكُ إلى القولِ فلا تكُدَّ قريحتك، فإذا أكملتَ فجمامُ ثلاثة لا أقلَّ. ونقّحْ بعدَ ذلك، وتذكّرْ قوله: وجَشَّمَني خوفُ ابنِ عَفّانَ رَدَّها، ... فثقفتُها حولاً كريتاً ومربَعا وقد كان في نفسي عليها زيادةٌ، ... فلم أرَ إلاَّ أن أُطيعَ وأسمَعا وما أنتَ إلاَّ مُحسِنٌ على إساءةِ زمانكَ. فقبلتُ على رأسه، وغاصَ في العَين.

стр. 16

صاحب البحتري ثم قال لي زُهير: من تُريد بعده؟ قلتُ: صاحب أبي نُواس؛ قال: هو بدَيرِ حنّة منذُ أشهر، قد علبت عليه الخمر، ودّيرُ حنّة في ذلك الجَبل. وعرضه عليَّ، فإذا بيننا وبينه فراسخ. فركضنا ساعةً وجُزنا في ركضِنا بقصرٍ عظيمٍ قُدَّامه ناوردٌ يتطاردُ فيه فُرسان، فقُلتُ: لمَن هذا القصرُ يا زُهير؟ قال: لطوقِ بن مالك؛ وأبُو الطَّبعِ صاحبُ البُحتُريّ في ذلك النَّاورد، فهل لكَ في أن تراه؟ قلتُ: ألفُ أجلْ، إنه لمن أساتيذي،، وقد كُنتُ أُنسِيتُه. فصاح: يا أبا الطَّبعِ! فخرج فتىً على فرسٍ أشعل، وبيده قناة، فقال له زُهير: إنك مؤتمُّنا؛ فقال: لا، صاحُبك أشمخُ مارِناً من ذلك، لولا أنه ينقصُه. قلتُ: أبا الطَّبعِ على رِسلِك، إنَّ الرّجالَ لا تُكالُ بالقُفزان. أنشدنا من شعرك. فأنشد:

стр. 17

ما على الرَّكبِ من وُقوفِ الرَّكابِ ... حتى أكملها، ثم قال: هاتِ إن كنتَ قُلتَ شيئاً. فأنشدتُه: هذِهِ دارُ زينَبٍ والرَّبابِ ... حتى انتهيتُ فيها إلى قولي: وارتكَضنا حتى مضى الليلُ يَسعى، ... وأتى الصبحُ قاطعَ الأسبابِ فكأنّ النجوم في الليل جيشٌ ... دخلوا للكُمُون في جوف غابِ وكأن الصباح قانصُ طيرٍ ... قبضتْ كفّه برجْلِ غُرابِ وفُتوٍّ سَرَوا وقد عكف اللي ... ل وأرخى مُغْدَودِن الأطنابِ وكأنّ النجومَ لمّا هدَتهُم ... أشرقَت للعيون من آدابِ يتَقَرَّوْن جَوزَ كلّ فَلاةٍ، ... جُنْح ليلٍ، جَوزاؤه من ركابي عَنَّ ذِكري لمُدلِحيهم، فتاهوا ... من حديثي في عُرض أمرٍ عُجابِ همّةٌ في السماء تسحب ذيلاً، ... من ذيول العُلى، وَجَدٌّ كابِ

стр. 18

ولو أن الدنيا كرينةُ نَجرٍ، ... لم تكن طُعمةً لفَرْس الكِلابِ جيفةٌ أنتنتْ فطار إليها، ... من بني دهرها، فراخ الذبابِ ومنها: من شُهيدٍ في سرّها، ثم من أش ... جَعَ في السرّ من لُباب اللبابِ خُطباءُ الأنام، إن عَنَّ خَطْبٌ، ... وأعاريبُ في مُتون عِرابِ حتى أكملتُها. فكأنما غشّى وجهَ أبي الطبع قطعةٌ من الليل. وكرّ راجعاً إلى ناوَرْدِه دون أن يُسلّم. فصاح به زهير: أأجَزْتَه؟ قال: أجَزْتُه، لا بورِك فيك من زائر، ولا في صاحبك أبي عامر! صاحب أبي نواس فضربَ زهير الأدهم بالسوط، فسار بنا في قَنَنه، وسِرنا حتى انتهينا إلى أصل جَبل دير حَنّة، فشقّ سَمعي قرْع النواقيس، فصِحْتُ: من منازل أبي نواس، وربِّ الكعبة العَلياء! وسِرنا نجتاب أدياراً وكنائس

стр. 19

وحانات، حتى انتهينا إلى ديرٍ عظيمٍ تَعبق روائحه، وتَصوكُ نوافِحه. فوقف زهير ببابه وصاح: سلامٌ على أهل دير حَنّة! فقلتُ لزهير: أوَهل صِرنا بذات الأُكَيراج؟ قال: نعم. وأقبلتْ نحونا الرَّهابين، مُشدّدة بالزنانير، قد قبضتْ على العَكاكيز، بِيضَ الحواجب واللحى، إذا نظروا إلى المرء استحيا، مُكثِرين للتسبيح، عليهم هَدْيُ المسيح. فقالوا: أهلاً بكَ يا زهير من زائر، وبصاحبك أبي عامر! ما بُغيتُك؟ قال: حسين الدِّنان. قالوا: إنه لفي شُرب الخمرة، منذ أيام عشرة، وما نُراكما منتفعين به. فقال: وعلى ذلك. ونزلنا وجاؤوا بنا إلى بيتٍ قد اصطفّت دِنانه، وعكفتْ غِزلانُه، وفي فُرجته شيخٌ طويل الوجه والسَّبَلة، قد افترش أضغاث زَهر، واتّكأ على زِقّ خمر، وبيده طَرْجهارة، وحواليه صِبيةٌ كأظْبٍ تَعطو إلى عَرارة. فصاح به زهير: حيّاك الله أبا اٌلإحسان! فجاوب بجوابٍ لا يُعقل لغَلبة الخمر عليه. فقال لي زهير: اقرعْ أُذُن

стр. 20

نشوته بإحدى خَمريّاتك، فإنه ربما تنبّه لبعض ذلك. فصِحْتُ أُنشد من كلمةٍ لي طويلة: ولرُبَّ حانٍ قد أدرتُ بديره ... خَمْر الصِّبا مُزجَتْ بصَفْو خُمورهِ في فِتيةٍ جعلوا الزِّقاق تِكاءَهم، ... مُتصاغِرين تخشُّعاً لكبيرهِ والى عليَّ بطَرْفه وبكفّه، ... فأمال مِنْ رأسي لِعَبِّ كبيرهِ وترنَّم الناقوس عند صَلاتهم، ... ففتحْتُ من عيني لرجع هَديرهِ يُهدي إلينا الراحَ كلُّ مُعصفَري، ... كالخِشف خَفَّره التِماحُ خَفيرهِ فصاح من حبائل نشوته: أأشجعيّ؟ قلتُ: أنا ذاك! فاستدعى ماء قرّاحاً، فشرب منه وغسل وجهه، فأفاق واعتذر إليَّ من حال. فأدركتْني مَهابته، وأخذتُ في إجلاله لمكانه من العِلم والشعر. فقال لي: أنشِد، أو حتى أُنشدَك؟ فقلت: إنّ ذلك لأشدّ لتأنيسي، على أنه ما بعدك لمُحسنٍ إحسانٌ. فأنشد: يا دير حَنّة من ذات الأكَيراح، ... من يَصحُ عنكَ فأني لستُ بالصاحي

стр. 21

يَعتادُهُ كلُّ مَحفوفٍ مَفارقُهُ ... من الدهان، عليه سَحْقُ أمساحِ لا يدلِفون إلى ماءٍ بآنيةٍ، ... إلاّ اغتِرافاً من الغُدران بالراحِ فكدتُ والله أخرج من جِلدي طَرباً، ثم أنشد: طرحتم من الترحال أمراً فغَمَّنا وأنشد أيضاً: لمَنْ دِمنٌ تزداد طيبَ نسيمِ، ... على طول ما أقْوَتْ، وحُسنَ رُسومِ تجافى البِلى عنهمّ حتى كأنما ... لبِسنَ، من الإقواء، ثوبَ نعيمِ واستمرّ فيها حتى أكملها. ثم قال لي: أنشِد. فقلتُ: وهل أبقيتَ للإنشاد موضعاً؟ قال: لا بُدّ لكَ، وأوعِثْ بي ولا تُنجِدْ. فأنشدته: أصباحٌ شِيمَ أمْ برقٌ بَدا، ... أم سَنا المحبوبِ أوْرى أزْنُدا

стр. 22

هَبَّ منْ مرقده منكَسِراً، ... مسبِلاً للكُمّ، مُرْخٍ للرِّدا يمسح النَّعسةَ من عيني رشاً، ... صائدٍ في كل يومٍ أسدا قلتُ: هَبْ لي يا حبيبي قُبلةً، ... تَشْفِ من عمّك تَبريح الصَّدى فانْثنى يهتزُّ من منكبه، ... قائلاً: لا! ثمّ أعطاني اليَدا كلّما كلّمني قبّلْتُهُ، ... فهْوَ إما قال قولاً ردّدا كان أن يرجع، من لثْمي له ... وارتِشافي الثغرَ منه، أدردا قال لي يلعب: خُذْ لي طائراً، ... فتَراني الدهرَ أجري بالكُدى وإذا استنجزْتُ يوماً وعْده، ... قال لي يَمطُلُ: ذكّرني غَدا شربَت أعطافُه خمر الصِّبا، ... وسَقاه الحُسن حتى عَرْبَدا وإذا بِتُّ به، في روضةٍ، ... أغيداً يَعرو نَباتاً أغيَدا قام في الليل بجيدٍ أتْلعٍ، ... ينقُضُ اللمّة مِنْ دَمْع الندى رَشَأٌ، بل غادةٌ ممكورةٌ، ... عمّمتْ صُبحاً بليلٍ أسودا أحَحَتْ مِن عَضَّتي في نهْدها، ... ثمّ عضّت حُرّ وجهي عَمَدا

стр. 23

فأنا المجروحُ مِنْ عضّتها، ... لا شَفاني الله منها أبَدا! فلمّا انتهيتُ قال: لله أنت! وإنْ كان طبُعك مخترَعاً منك؟ ثم قال لي: أنشِدني من رِثائك شيئاً؟ فأنشدتُه من قولي في بُنيّةٍ صغيرة: أيها المعتَدُّ في أهل النُّهى، ... ولا تَذُبْ، إثر فقيدٍ، ولها حتى انتهيتُ إلى قولي: وإذا الأُسْدُ حَمَتْ أغيالها، ... لم يَضُرَّ الخيس صرعاتُ المَها وغريبٌ يا ابنَ أقمار العُلا، ... أن يُراع البدرُ من فقدِ السُّها فلما انتهيتُ قال لي: أنشِدني من رثائك أشدّ من هذا وأفصَح. فأنشدتُهُ من رثائي في ابن ذَكْوان. ثم قال: أنشِدني جَحْدريّتَك من السجن؛ فأنشدته:

стр. 24

قريبٌ بمُحْتَبلّ الهَوان بعيدِ ... حتى انتهيتُ فيها إلى قولي: فإنْ طال ذكْري بالمُجون فإنني ... شقيٌّ بمنظوم الكلام سَعيدُ وهل كنتُ في العشّاق أوّل عاشقٍ، ... هَوَتْ بحِجاه أعينٌ وخدود؟ فمّن مبلغُ الفتيان أني بعدهم ... مقيمٌ بدار الظالمين طَريدُ ولستُ بذي قيدٍ يرقُّ، وإنما ... على اللحظ من سُخط الإمام قيودُ فبكى لها طويلاً. ثم قال: أنشدْني قطعةً من مجونك، فقد بعُد عهدي بمثلك. فأنشدته: وناظرةٍ تحت طيّ القناع، ... دعاها إلى الله والخير داعِ سَعَت بابنها تبغي منزلاً، ... لوصل التَّبَتُّل، والانقطاع فجاءتْ تهادى كمثل الرَّؤوم، ... تُراعي غزالاً بأعلى يَفاعِ

стр. 25

أتتنا تبخْتَرُ في مشيها، ... فحلّت بوادٍ كثيرِ السِّباعِ وريعَتْ حِذاراً على طفلها، ... فناديتُ: يا هذه لا تُراعي! فولّت وللمِسك من ذيلها، ... على الأرض، خطٌّ كطهر الشُّجاعِ فلما سمع هذا البيت قام يرقُص به ويردّده، ثم أفاق، ثم قال: هذا والله شيء لن نُلهمه نحن، ثم استدناني فدنوتُ منه فقبّل بين عينيَّ، وقال: اذهب فإنك مُجاز. فانصرفنا عنه وانحدرنا من الجبل. صاحب أبي الطيب فقال لي زهير: ومنْ تريد بعد؟ قلت له: خاتمة القوم صاحب أبي الطيّب؛ فقال: اشدُد له حَيازيمك، وعطّر له تسمك، وانثُر عليه نجومك. وأمال عنان الأدهم إلى طريقٍ، فجعل يركض بنا، وزهيرٌ يتأمّل آثار فرسٍ لمحناها هناك؟ فقلت له: ما تتبَّعك لهذه الآثار؟ قال: هي آثار فرس حارثة بن المغلَّس صاحب أبي الطيب، وقصدي هو صاحب قَنص. فلم يزل يتقرّاها حتى دفعنا إلى فارسٍ على فرسٍ بيضاء كأنه قضيبٌ على

стр. 26

كثيب، وبيده قناةٌ قد أسندها إلى عنقه، وعلى رأسه عمامةٌ حمراء قد أرخى لها عَذَبَةً صفراء. فحيّاه زهير، فأحسن الردّ ناظراً من مقلةٍ شَوساء، قد مُلئت تيهاً وعُجباً. فعرّفه زهيرٌ قصدي، وألقى إليه رغبتي. فقال: بلغني أنه يتناول؛ قلت: للضرورة الدافعة، وإلا فالقريحة غير صادعة، والشفْرة غير قاطعة. قال: فأنشدني؛ وأكبرتُه أن أستنشده، فأنشدته قصيدتي التي أوّلها: أبرقٌ بدا أمْ لمع أبيضَ قاصِلِ ... حتى انتهيت إلى قولي: ترددَ فيها البرقُ حتى حسبتُهُ ... يشير إلى نجمٍ الرُّبى بالأناملِ ربىً نسجت أيدي الغَمام للُبسها ... غلائلَ صُفراً، فوق بيضِ غلائلِ سهرتُ بها أرعى النجوم وأنجماً ... طوالع للراعين، غير أوافلِ وقد فغرتْ فاها بها كلّ زهرةٍ، ... إلى كل ضَرعٍ للغَمامة حافلِ ومرّت جيوش المُزن رَهواً، كأنها ... عساكر زَنْجٍ مذهَباتُ المناصِلِ

стр. 27

وحلّقتِ الخضراء في غُرّ شُهبها، ... كلُجّة بحرٍ كُلّلتْ باليعاللِ تخال بها زُهر الكواكب نرجِساً، ... على شطّ وادٍ للمجَرّة سائلِ وتلمحُ من جَوزائها في غُروبها ... نساقُطَ عرشٍ واهنِ الدعم مائلِ وتحسب صقراً واقعاً دَبَرانها، ... بعُشّ الثريا فوق حمر الحواصلِ وبَدرَ الدجى فيها غديراً، وحوله ... نجومٌ كطلعات الحمام النواهلِ كأن الدجى همّي، ودمعي نجومه، ... تحدّر إشفاقاً لدهر الأراذلِ هوتْ أنجم العلياء إلاّ أقلّها، ... وغِبنَ بما يحظى به كل عاقلِ وأصبحتُ في خلفٍ إذا ما لمحتُهم ... تبيّنتُ أن الجهل إحدى الفضائلِ وما طاب في هذي البريّة أخرٌ، ... إذا هو لم يُنجدْ بطِيب الأوائلِ أرى حُمُراً فوق الصواهلِ جمّةً، ... فأبكي بعَيْني ذُبلّ تلك الصواهلِ ورُبّتَ كُتّابٍ إذا قيبل: زوِّروا، ... بكتْ من تأنّيهم صُدورُ الرسائلِ وناقل فِقْهٍ لم يرَ الله قلبه، ... يظنّ بأن الدين حِفظُ المسائلِ وحاملِ رمحٍ راحَ، فوق مَضائه، ... به كاعباً في الحيّ ذات مغازلِ

стр. 28

حُبُّوا بالمُنى دوني، وغودِرتُ دونهم ... أرودُ الأماني في رياض الأباطلِ وما هي إلا همةٌ أشجعيّةٌ، ... ونفْسٌ أبتْ لي من طِلاب الرذائلِ وفهمٍ لو البِرجيسُ جئتُ بجدّه، ... إذاً لتلقّاني بنحْسِ المقاتِلِ ولمّا طَما بحر البَيان بفطرتي، ... وأغرقَ قرْن الشمس بعض جداولي رحلتُ إلى خير الورى كلّ حرّةٍ ... من المدح، لم تَخمُلْ بِرَعي الخمائلِ وكدتُ لفضلِ القول أبلُغُ ساكتاً، ... وإنْ ساء حُسّادي مدى كلّ قائلِ فلما انتهيتُ قال: أنشدني أشدّ من هذا. فأنشدتُه قصيدتي: هاتيكَ دارُهُمُ فقِفْ بمَعانِها ... فلما انتهيتُ، قال لزهير: إن امتدّ به طلق العُمُر، فلا بدّ أن بنفث بدُرر، وما أُراه إلا سيُحتضَر، بين قريحةٍ كالجمر، وهمّةٍ تضع أخمصه على مفرِقِ البدر. فقلت: هلاَّ وضعتُه على صَلعة النسر؟ فاستضحك إليّ وقال: اذهب فقد أجزتُك بهذه النُّكتة. فقبّلتُ على رأسه وانصرفنا.

стр. 29

الفصل الثاني توابع الكتاب صاحبا الجاحظ وعبد الحميد فقال لي زهير: من تريد بعده؟ فقلت: ملْ بي إلى الخُطباء، فقد قضيتُ وَطَراً من الشعراء. فركضنا حيناً طاعنين في مطلع الشمس، ولقينا فارساً أسرّ إلى زهير، وانجزع عنا، فقال لي زهير: جُمعتْ لك خُطباء الجنّ بمَرْج دُهمان، وبيننا وبينهم فرسخان، فقد كُفيتُ العناء إليهم على انفرادهم. قلت: لم ذاك؟ قال: للفَرْق بين كلامين اختلف فيه فتيان الجن. وانتهينا إلى المَرْج فإذا بنادٍ عظيم، قد جمع كل زعيم، فصاح زهير: السلام على فُرسان الكلام. فردّوا وأشاروا بالنزول. فأفرجوا حتى صرنا مركز هالةِ مجلسهم، والكل منهم ناظرٌ إلى شيخٍ أصلع، جاحظ العين اليُمنى، على رأسه قلَنسوةٌ بيضاء طويلة. فقلت سرّاً لزهير: من ذلك؟ قال: عُتْبةُ

стр. 30

بن أرقم صاحب الجاحظ، وكُنيتُه أبو عُيينة. قلت: بأبي هو! ليس رغبتي سواه، وغير صاحب عبد الحميد. فقال لي: إنه ذلك الشيخ الذي إلى جنبه. وعرّفه صَغوي إليه وقولي فيه. فاستدناني وأخذ في الكلام معي، فصمت أهل المجلس، فقال: إنك لخطيب، وحائكٌ للكلام مُجيد، لولا أنك مُغْزىً بالسجع، فكلامك نظمٌ لا نثر. فقلتُ في نفسي: قرعَكَ، بالله، بقارعته، وجاءك بمُماثَلته. ثم قلت له: ليس هذا، أعزّك الله، منّي جَهلاً بأمر السجع، وما في المماثَلة والمقابلة من فضْل، ولكني عدمتُ فرسان الكلام، ودُهيتُ بغباوة أهل الزمان، وبالحَرا أن أحرِّكهم بالازدواج. ولو فرشتُ للكلام فيهم طَولقاً، وتحركت لهم حركة مَشُوْلم، لكان أرفع لي عندهم، وأولج في نفوسهم.

стр. 31

فقال: أهذا على تلك المناظر، وكبَر تلك المحابر، وكمال تلك الطيالس؟ قلت: نعم، إنها لِحاء الشجر، وليش ثمّ ثمرٌ ولا عَبَق. قال لي: صدقتَ، إني أراك قد ماثلْتَ معي. قلت: كما سمعت. قال: فكيف كلامهم بينهم؟ قلت: ليس لسيبويه فيه عمل، ولا للفَراهيدي إليه طريق، ولا للبَيان عليه سمة. إنما هي لُكنةٌ أعجميةٌ يُؤدّون بها المعاني تأدية المَجوس والنَّبَط. فصاح: إنا لله، ذهبت العربُ وكلامُها! ارمهم يا هذا بسَجع الكُهّان، فعسى أن ينفعك عندهم، ويُطير لك ذِكراً فيهم. وما أُراك، مع ذلك، إلا ثقيل الوطأة عليهم، كَريهَ المجيء إليهم. فقال الشيخ الذي إلى جانبه، وقد علمتُ أنه صاحب عبد الحميد، ونفسي مرتقِبةٌ إلى ما يكون منه: لا يَغُرَّنْك منه، أبا عُيينة، ما تكلّف لك من المماثلة، إن السجع لطبعه، وإن ما أسمّعك كُلْفة. ولو امتدّ به طَلَقُ الكلام، وجرت أفراسه في مَيْدان البَيان، لصلى كَودَنُه وكل بُرثُنُه. وما أُراه إلاّ من اللُّكْن الذين ذّكَر، وإلاّ فما للفصاحة لا تهدِر، ولا للأعْرابية لا تومِض؟ فقلتُ في نفسي: طبع عبد الحميد ومساقُه، وربِّ الكعبة! فقلت له: لقد عجِلْتَ، أبا هُبيرة، - وقد كان زهيرٌ عرّفني بكُنيته - إنّ قوسَكَ

стр. 32

لنبع، وإن سهمك لسُمّ، أحِماراً رميتَ أن إنساناً، وقعقعةً طلبْتَ أم بَياناً؟ وأبيك، إن البَيان لصعْب، وإنك منه لفي عباءةٍ تتكشّف عنها أسْتاه معانيك، تكشُّف اسْتِ العَنْز عم ذنبها. الزمان دفءٌ لا قُرّ، والكلام، عراقي لا شامي. إني لأرى من دم اليَربوع بكفّيك، وألمح من كُشى الضبّ على ماضِغيك. فتبسّم إليّ وقال: أهكذا أنت يا أُطَيلِسْ، تركَب لكلٍّ نهجه، وتعجّ إليه عجّه؟ فقلت: الذئب أطلس، وإنّ التيْس ما علمْت! فصاح به أبو عُيينة: لا تعرِض له، وبالحَرا أن تخْلُص منه. فقلت: الحمد لله خالق الأنام في بطون الأنعام! فقال: إنها كافيةٌ لو كان له جِحْر. فبَسَطاني وسألاني أن أقرأ عليهما من رسائلي، فقرأتُ رسالتي في صفة البَرْد والنار والحطب فاستحسناها.

стр. 33

رسالة الحلواء ومن رسالتي في الحَلواء حيث أقول: خرجتُ في لمّةٍ من الأصحاب، وثُبَةٍ من الأتراب، فيهم فقيهٌ ذو لَقْم، ولم أعرَّفْ به، وغَريم بطنٍ، ولم أشعر له، رأى الحَلواء فاستخفّه الشره، واضطرب به الولَه، فدار قس ثيابه، وأسال من لُعابه، حتى وقف بالأكداس وخالط غَمار الناس، ونظر إلى الفالوذَج فقال: بأبي هذا اللمْص، انظروه كأنه الفصّ؛ مُجاجةُ الزنابير، أُجريَتْ على شوابير، وخالطها لُباب الحبّة، فجاءت أعذبَ من ريق الأحبّة.

стр. 34

ورأى الخبيص فقال: بأبي هذا الغالي الرَّخيص، هذا جليدُ سماء الرَّحمة، تمخضت به فأبرزت منه زُبدَ النَّعمة، يُجرحُ باللّحظ، ويذوبُ من اللّفظ. ثم ابيضَّ، قالوا بماء البيض البضّ، قال غضٌّ من غَضّ، ما أطيب خلوة الحبيب، لولا حضرةُ الرَّقيب! ولمح القُبيطاء، فصاح: بأبي نُقرةُ الفضّة البيضاء، لا تَرُدُّ عن العَضَّة. أبنارٍ طُبخت أم بِنُور؟ فإني أراها كقطع البدُّور؛ وبلوزٍ عُجنت أم بِجَوز؟ فإني أراها عين عجينٍ الموز. وموشى إليها وقد عدَّل صاحبُها بدرهمين، وانتهشها بالنّابين، فصاح: القارعة ما القارعة؟! هِية! ويلٌ للمرء من فيه! ورأى الزَّلابِية، فقال: ويلٌ لأمها الزانية، أبأحشائي نُسِجَتْ، أم من صِفاقِ قلبي أُلفت؟ فإني أجدُ مكانها من نفسي مكيناً، وحبل هواها على كبدي متيناً، فمن أين وصلت كفُّ طابخها إلى باطني، فاقتطعتها

стр. 35

من دواجني؟ والعزيز الغفار، لأطلُبنها بالثأر! ومشى إليها، فتلمظ له لسانُ الميزان، فأجفل يصيحُ: الثُّعبان الثُّعبان! ورُفع له تمرُ النَّشا، غير مهضوم الحشا، فقال: مهيم! من أين لكم جنى نخلة مريم؟ ما أنتم إلاّ السُّحار، وما جزاؤكم إلاَّ السيفُ والنار. وهم أن يأخذ منها. فأثبت في صدره العصا، فجلس القُرفُصا، يُذري الدُّموع، ويُبدي الخُشُوع. وما منّا أحد إلاّ عن الضَّحك قد تجلّد. فرقت له ضُلوعي، وعلمتُ أنَّ فيه غيرُ مُضيعي. وقد تجمل الصَّدقةُ على ذوي وفر، وفي كل ذي كبدٍ رطبةٍ أجر. فأمرتُ الغلام بابتِياع أرطالٍ منها تجمعُ أنواعها التي أنطقته وتحتوي على ضُروبها التي أضرعته، وجاء بها وسِرنا إلى مكانٍ خالٍ طيّب، كوصف المُهلَّبي: خانٌ تطيبُ لِباغِي النُّسكِ خلوتُهُ ... وفيه سترٌ على الفُتّاكِ إن فتكوا

стр. 36

فصَّبها رطبة الوُقوع، كراديس كقطعِ الجُذوع؛ فجعل يقطعُ ويبلغُ، ويدحُوا فاه ويَدفع، وعيناه تبصَّان كأنهما جمرتان، وقد برزتا على وجهه كأنهما خُصيتان، وأنا أقولُ له: على رسلك أبا فلان! البطنةُ تُذهبُ الفطنة! فلما التقم جُملة جماهيرها، وأتى على مآخيرها، ووصل خورنقها بسديرها، تجشأ فهبت منه ريحٌ عقيم، أيقنا لها بالعذاب الأليم. فنثرتنا شذر مذَر، وفرَّقتنا شغر بغر، فالتحمنا منه الظَّريان، وصدَّق الخبر فيه العيانُ: نفح ذلك فشرَّد الأنعام، ونفخ هذا فبدَّد الأنام، فلم نجتمع بعدها، والسّلام. فاستحسناها، وضحكا عليها، وقالا: إنَّ لسجعك موضعاً من القلب، ومكاناً من النفس، وقد أعرته من طبعك، وحلاوة لفظك، وملاحةِ سوقك، ما أزال أفنه، ورفع غينه، وقد بلغنا أنك لا تُجازى في أبناء جنسك، ولا يُملُّ من الطعن عليك، والاعتراض لك. فمن أشدُّهم عليك؟ قلت: جارانِ دارُهما صَقَب، وثالثٌ نابته نُوَب، فامتطى ظهر

стр. 37

النَّوى، وألقت به في سرقُسطة العصا. فقالا: إلى أبي محمد تُشير، وأبي القاسم وأبي بكر؟ قلت: أجل قالا: فأين بلغتَ فيهم؟ قلت: أما أبو محمدٍ فانتضى عليَّ لسانه عند المستعين، وساعدته زراقةٌ استهواها من الحاسدين، وبلغني ذلك فأنشدتُه شعراً، منه: وبُلِّغتُ تجيشُ صُدورُهم ... عليَّ؛ وإني منهم فارغُ الصَّدرِ أصاخُوا إلى قولي فأسمعت مُعجزاً، ... وغاصوا على سري فأعياهم أمري فقال فريقٌ: ليس ذا الشعرُ شعره؛ ... وقال فريقٌ: أيمُنُ اللهِ، ما ندري أما علمُوا أني إلى العلم طامحٌ، ... وأني الذي سبقاً على عرقه يجري؟ وما كلُّ من قاد الجياد يسُوسُها؛ ... ولا كلُّ من أجرى يُقال له: مُجري فمن شاء فليخبر فإني حاضرٌ، ... ولا شيء أجلى للشُّكُوكِ من الخُبرِ وأما أبو بكر فأقصر، واقتصر على قوله: له تابعةٌ تؤيدُه. وأما أبو القاسم الإفليلي فمكانُه من نفسي مكين، وحُبه بفؤادي دخيل؛ على أنه حاملٌ عليَّ، ومنتسب إليَّ.

стр. 38

صاحب الإفليلي فصاحا: يا أنفَ النّاقة بن معمر، مِن سُكانِ خيبر! فقام إليهما جنيٌّ أشمط ربعةٌ وارمُ الأنف، يتظالعُ في مشيته، كاسراً لطرفِه، وزاوياً لأنفه، وهو ينشد: قومٌ همُ الأنف والأذنابُ غيرُهُم، ... ومن يُسوي بأنفِ الناقة الذَّنبا؟ فقالا لي: هذا صاحبُ أبي القاسم، ما قولك فيه يا أنف الناقة؟ قال: فتًى لم أعرف على من قرأ. فقلت لنفسي: العصا من العُصية! إن لم تُعربي عن ذاتك، وتُظهري بعض أدواتك، وأنت بين فرسانِ الكلامِ، لم يطر لك بعدها طائر، وكنت غرضاً لكل حجرٍ عابر. وأخذتُ للكلام أهبته، ولبستُ للبيان بزتهُ، فقلتُ: وأنا أيضاً لا أعرف على من قرأت. قال: ألمثلي يُقال هذا؟ فقلت: فكان ماذا؟ قال: فطارحني كتاب الخليل. قلتُ: هو عندي في زنبيل. قال: فناظرني على كتاب سيبويه. قلتُ: خريت الهرَّةُ عندي عليه، وعلى شرح ابن درستويه.

стр. 39

فقال لي: دع عنك، أبا أبو البيان. قلت: لاه اللهُ! إنّما كمُغن وسط، لا يُحسنُ فيُطرب، ولا يُسيء فيلهي. قال: لقد علّمنيه المؤدِّبُون. قلتُ: ليس هو من شأنهم، إنما هو من تعليم الله تعالى حيث قال: " الرَّحمنُ عَلَّمَ القُرآنَ خلقَ الإنسانَ عَلّمَهُ البَيان ". ليس من شعرٍ يُفسَّر، ولا أرضٍ تُكسَّر. هيهات، حتى يكون المسكُ من أنفاسك، والعنبرُ من أنفاسك، وحتى يكون مساقُكَ عذباً، وكلامُك رطباً، ونفسُك من نَفسك، وقليبُك من قلبِك، وحتى تتناول الوضيع فترفعه، والرفيعَ فتضعه، والقبيح فتحسنه! قال: أسمعني مثالاً. قلتُ: حتى تصف بُرغُوثاً فتقول: صفة برغوث أسودُ زنجي، وأهيٌّ وحشي؛ ليس بوانٍ ولا زُميل، وكأنه جُزء لا يتجزأ من ليل؛ أو شُونيزة، أوثقتها غريزة؛ أو نقطةُ مِداد،

стр. 40

أو سويداءُ قلبِ قُراد؛ شُربه عب، ومشيه وثب؛ يكمنُ نهاره، ويسري ليله؛ يدارك بطعنٍ مؤلم، ويستحلُّ دم كل كافرٍ ومُسلم؛ مُساورٌ للأساورة، يجُرُّ ذيله على الجبابر يتكفر بأرفع الثياب، ويهتكُ ستر كل حِجاب، ولا يحفل ببوَّاب؛ مناهل العيش العذبة، ويصلُ إلى الأحراج الرَّطبة، لا يمنعُ منه أمير، ولا ينفعُ فيه غيرةُ غيور، وهو أحقر كل حقير؛ شرُّه مبثوث، وعهده منكوث، وكذلك كلُّ بُرغُوث، كفى نقصاً للإنسان، ودلالةً على قُدرةِ الرَّحمَن. صفة ثعلب وحتى تصف ثعلباً فتقول: أدهى من عمرو، وأفتكُ من قاتل حُذيفة
следующие страницы →