← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12867

مقام الرشاد بين التقليد والاجتهاد

فيصل آل مبارك

Полный текст (35 стр.). Показаны 1–35.

стр. 1

تَألِيفُ فَضَيلةِ الشَّيْخِ العَلاَّمةِ فَيْصَلَ بِنَ عَبدِ العَزِيزِ آل مُبَارَك ت ١٣٧٦هـ ﵀ تَحْقَيِقُ أَبِي الْعَالِيَةَ محَمّدُ بِنُ يُوسُفُ الجُورَانِيّ

стр. 2

مُقَدِّمة إنَّ الحمْدَ للهِِِِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتعِينُهُ ونَسْتغفِرُهُ، ونَعُوذُ بِِِِاللهِِِ مِِنْ شُرورِ أَنْفسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعمَالِِنَا، مَنْ يَهْدِهِِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِل فَلا هَادِي لَهُ، وأَشْهدُ أنَّ لا إِلَهَ إِلَّا الله وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورَسُولُهُ. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء: ١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدا ً* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١] . أمَّا بعدُ: فَإنَّ أصدقَ الحدِيْثِ كِتابُ اللهِ تعالى، وخَيرَ الهَدْي هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَشَرَّ الأمُورِ مُحْدَثاتُها، وكلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعة، وكلَّ بِدْعةٍ ضَلالة، وكلَّ ضَلالةٍ في النَّارِ. فَإنَّ مِنْ أجلِّ القُرَبِ والطَّاعاتِ التي يَنْبَغي للمُسْلمِ السَّعْيُ فِيْها، والمسَارعةُ إِلَيْهَا والازدِيَادُ مِنْها؛ الاشتِغَالُ بِعُلومِ الشَّرِيعةِ الغرَّاءِ، مَعْ حُسْنِ النيَّةِ، سَائراً في ذِلك عَلى مِنْهاجِ النُّبوَّةِ المُحَمَّديَّةِ، ومُقْتَفِياً آثارَ السَّلفِ العَلِيَّة. قَال الحقُّ جَلَّ فِي عُلاهُ: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه: ١١٤] قَال الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀: ((وَاضِحُ الدَّلَالَةِ فِي فَضْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْ نَبِيَّهُ ﷺ بِطَلَبِ الِازْدِيَادِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ الْعِلْمِ، وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ؛ الْعِلْمُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي ... يُفِيدُ مَعْرِفَةَ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ مِنْ أَمْرِ عِبَادَاتِهِ وَمُعَامَلَاتِهِ، وَالْعِلْمُ بِاَللَّهِ وَصِفَاتِهِ، وَمَا يَجِبُ لَهُ مِنْ الْقِيَامِ بِأَمْرِهِ، وَتَنْزِيهِهِ عَنْ النَّقَائِصِ، وَمَدَارُ ذَلِكَ عَلَى التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ)) (١) .

стр. 3

فَلَو قَد ذُقتَ مِن حَلواهُ طَعما ... لَآثَرتَ التَعَلُّمَ وَاِجتَهَدتا ًوَلَم يَشغَلْكَ عَنهُ هَوىً مُطاعٌ ... وَلا دُنْيَا بِزُخرُفِها فُتِنْتا وَلا أَلهاكَ عَنهُ أَنيقُ رَوضٍ ... وَلا دُنْيَا بِزِينَتِهَا كَلِفْتا فَقُوتُ الرُّوحِ أَرواحُ المعَانِي ... وَلَيسَ بِأَن طَعِمتَ وَلا شَرِبْتا فَواظِبهُ وَخُذْ بِالجِدِّ فيهِ ... فَإِنْ أَعطاكَهُ اللَهُ انْتَفَعْتَا (١) وَلِأَجْلِ هَذا وذَاك، تَطلَّعَتْ هِمَّةُ الشَّيخِ فَيْصَلَ ﵀ بِالمشَارَكَةِ - ولَو بِالقَلِيلِ - فِي هَذا الفَنِّ الجَدِيرِ بِالاهتِمَامِ؛ فَأخَرْجَ لَنَا هَذِهِ الدُّرَةَ، وهَاتِهِ الرَّائعَةَ مِنْ رَوَائِعِ تَصَانِيْفِهِ؛ فَاسْتَلَّ هَذهِ الرِّسالةَ اسْتِلَالَ العَالِمِ النَّحْرِيْرِ، والنَّاقدِ البَصِيْرِ، مِنْ بِيْنِ مَوضُوعَاتِ الاجْتِهادِ والتَّقْليدِ وأَبْحَاثِهِمَا المتَشَعِّبِةِ؛ فَرَفَعَ لِوَاءَ الاجْتِهادِ وَأَهَمِّيَّتَهُ، وَحَثَّ العُلَمَاءَ وَطَلَبَةَ العِلْمِ المتَّقِيْنَ إِلَيْهِ، وَأَنْ يَدُورُوا مَعْ الدَّلِيْلِ حَيْثُ دَارَ، وَيَتْرُكُوا أَقْوَالَ العُلَمَاءِ إِنْ خَالَفَتْهُ؛ فَمَحَبَّةُ الحَقِّ أَحَبُّ مِنْ مَحَبَّةِ الخَلْقِ؛ فَسَاقَ هَذِهِ الرِّسَالَةَ بِبَرَاعةِ أُسْلُوبِهِ، وَجَمَالِ رَوْنَقِهِ؛ مِمَّا جَعَلَهَا سَهْلةً يَسِيْرةً بَعِيدةً عن التَّعْقيدِ والتنْظِيرِ؛ كعَادَةِ أَصْحَابِ الأُصُولِ والمتِكَلِّمِينَ. فَجَاءتْ رِسَالتُهُ مَاتِعَةً في بَابِها؛ نَافِعَةً لطُلاَّبِهَا؛ فجَزَاه اللهُ خَيْرَ الجَزَاءِ عَلى مَا نَفَعَ بِهِ الإِسْلامَ والمسْلِمِينَ. وَإذَا كَانَ ذَلكَ كَذَلِكَ؛ فَقَدْ نَشِطَتْ الهِمَّةُ، وقَوِيتْ العَزِيمةُ، وحَسُنتْ النِّيَّةُ - إنْ شَاءَ اللهُ - فِي إِخْراجِ هِذهِ الرِّسالَةِ الَّلَطِيفةِ، في ثَوْبٍ جَديدٍ مُتْقَنٍ - إنْ شَاءَ اللهُ - عَلَّنِي أَدْخُلَ في صُفوفِ أُولئكَ النَّفرِ الَّذِين يَخْدِمونَ مِيراثَ العُلَماءِ - وأَنَا المتَطفِّلُ عَلَيْهِم - لِيستَفِيدَ مِنْه مَنْ خَلْفَهُمْ، وليَقِفُوا عَلى أَرَائِهم في تَصَانِيْفِهِم؛ فيَذْكُرُونَا بِالجَمِيلِ، بَعْدَ وقْتِ الرَّحيلِ؛ فَاللهُمَّ أَنْتَ بِكُلِّ جَميلٍ كَفِيلٍ، وأَنْتَ حَسْبُنا ونِعْم الوَكِيل. وَرَحِمَ اللهُ ابنَ الجوزيِّ حِيْن نَقَل عَنْ الإمامِ العَالِمِ المُجَاهِدِ عَبْدِ اللهِ بِنِ المبَارَكِ، إذْ يَقُولُ: ((لا أَعْلَمُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ أَفْضَلُ مِنْ بَثِّ العِلْمِ)) (٢) .

стр. 4

ومِنْ المنَاسِبِ أنْ تُبيَّنَ خِطَّةُ العَمَلِ في هَذهِ الرِّسَالةِ؛ فَيُقَالَ بَعْدَ عَوْنِ اللهِ وتَوْفِيقِهِ: أَولاً: قدَّمَ المحقِّقُ مُقدِّمةً يَسِيرةً بَيْنَ يَدَي الرِّسَالةِ كتَمْهِيدٍ، واحْتَوتْ عَلى: ١- تَرْجَمَةِ المؤلِّفِ ﵀، وبَيانِ مَصَادِرِ تَرْجَمَتِهِ. ٢- دِرَاسةِ الرِّسالةِ، مِنْ حَيْثُ مَوْضُوعِها، وصِحْةِ نِسْبَتِها لِلِّمُؤَلِّفِ، وَوَصْفِ النُّسَخِ المطْبُوعَةِ، والنُّسْخَةِ المعْتَمَدَةِ فِي التَّحْقِيقِ. ثانياً: تَوْثِيقُ النَّصِّ. ثُمَّ خُتِمَت بِالفِهْرِسِ. واعْلَم أَيُّهَا القَارِئُ الكَرِيم أنَّ ((نتائِجَ الأِفْكَارِ عَلى اختِلافِ القَرَائحِ لا تَتَنَاهَى، وإنَّما يُنفقُ كلُّ أَحدٍ على قَدْرِ سَعَتهِ، لا يُكلِّفُ اللهُ نفساً إلا مَا آتَاهَا، ورَحِم اللهُ مَنْ وَقَفَ فِيهِ عَلى سَهْوٍ أو خَطَإٍ؛ فأصْلَحَهُ عَاذراً لا عَاذِلاً، ومُنيلاً لا نَائِلاً؛ فَلَيْسَ المبرَّأُ من الخَطَلِ إلا مَنْ وقَى اللهُ وعَصَمْ، وقَدْ قِيل: الكتابُ كالمُكَلَّّفِ؛ لا يَسْلَمَ مِنْ المُؤاخَذَةِ ولا يَرْتفعَ عَنْه القَلَمُ، واللهُ تَعَالى يُقرنُهُ بالتَّوفِيقِ، ويُرشدُ فيهِ إِلى أَوْضَحِ طَريقٍ، ومَا تَوْفيقي إلا بِالله عَليه تَوكلتُ وإليهِ أُنِيب)) (١) . ومَا خطَّ كفُ امرئٍ شيئاً ورَاجعَهُ ... إلَّا وعَنَّ لَهُ تَبْدِيلُ مَا فِيْهِ ًوقَالَ ذَاكَ كَذَا أَوْلَى وَذَاكَ كَذَا ... وإنْ يَكُنْ هَكَذَا تَسْمُوُ مَعَانِيهِ وصَلَّى اللهُ وسَلَّمَ عَلى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِيْن. قَالَهُ مُقيِّدُهُ أَبُو الْعَالِيَة محَمّدُ بِنُ يُوسُفُ الجُورَانِي المنطقةالشرقية١٤٢٢هـ (٢) M_aljorany@hotmail.com

стр. 5

تَرْجَمةٌ مُوجَزَةٌ: لِلشَّيخِ فَيْصَلَ بِنَ عَبدِ العَزِيزِ آل مُبَارَكِ ﵀ (١) . * اسْمُهُ وَنَسَبُهُ: هُوَ الشَّيخُ العَالِمُ المفَسِّرُ الفَقِيْهُ القَاضِي الجلِيْلُ: فَيْصَلَ بِنَ عَبدِ العَزِيزِ بِنِ فَيْصَلَ بنَ حَمَدِ بِنِ مُبَارَكِ آلِ حَمَدٍ النَّجْدِيِّ ﵀. * مَوْلِدُهُ ونَشْأَتُهُ: وَلِدَ الشَّيخُ ﵀ فِي بَيْتِ عِلْمٍ وفَضْلٍ، عَام ١٣١٣هـ فِي حُرَيْمَلاءٍ وَحِيْنَ بَلَغَ السَّابِعَةَ مِنْ عُمُرِهِ انتَقَلَ مَعْ بَعْضِ أَفْرَادِ أسْرَتِهِ إِلى الرِّيَاضِ، وفِي عَام ١٣٢٢هـ قُتِلَ وَالِدُهُ فِي مَوْقِعَِة البِكِيْرِيَّةِ وكانَ مع جَيشِ الملكِ عبد العزيز ﵀؛ فَنَشَأَ يَتِيْمَاً؛ فَتَولَّى رِعَايَتَهُ مِعْ إِخْوَتِهِ عَمُّهُ الشَّيخُ مُحَمَّدُ بِنُ فَيْصَلَ ﵀؛ فَكَانَ لَهُم بِمَثَابَةِ الأَبِ الصَّالِحِ لِلابْنِ الصَّالِحِ.

стр. 6

لَقَدْ دَرَسَ الشَّيخُ ﵀ القُرْآنَ عَلى يَدِ الشَّيخِ عَبْدِ العَزِيزِ الخيَّالِ ﵀ فِي الرِّيَاضِ، وَمَكثَ بِهَا أربع سنوات، وَمِنْ ثَمَّ رَجَعَ إِلى حُرَيْمَلاءَ عَام ١٣٢٤هـ فدرَسَ على علماءِ بلدتِه، ثُمَّ كانَ بعدَ ذلِكَ يتردَّدُ عل الرياضِ للقراءةِ على عُلمائِها. * طلَبَهُ ُلِلعِلْمِ: حَرِصَ الشَّيخُ ﵀ مُنْذُ نُعُومَةِ أَظْفَارِهِ عَلى تَلقِّي العِلْمَ وَالجِدِّ فِي تَحْصِيلهِ، وَلَيْسَ هَذا بِغَرِيبٍ؛ فَقَدْ نَشَأَ فِي بَيْتٍ عَرِيقٍ فِي الفَضْلِ وَالكَرَمِ وَالعِلْمِ؛ فَعَمُّهُ الشَّيخُ مُحَمَّدُ بِنُ فَيْصَلَ أَحَدُ العُلَمَاءِ الأَفَاضِلِ فِي حُرَيْمَلاءَ، وَجَدُّهُ لِأُمِّهِ الشَّيخُ نَاصِرُ بِنُ نَاصِرِ بِنِ مُحَمَّدِ بِنِ نَاصِرِ كَانَ مِثْلَ عَمِّهِ مَعْرُوفَاً بِالعِلْمِ وَالخَيْرِ والصَّلاحِ؛ فَالبِيئَةُ الَّتِي عَاشَ فِيْهَا الشَّيخُ بِيئَةً تَبْعَثُ فِي النَّفْسِ الِهمَّةَ عَلى تَحْصِيلِ العِلْمِ والمِيرَاثِ النَّبَوِيِّ. وَبِفَضْلِ اللهِ حَفِظَ القُرْآنَ الكَرِيمَ وَهُوَ فِي سِنِّ الثَّامِنَةَ عَشْرَ مِنْ عُمُرِهِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ حَرِصَ عَلى تَلَقِّي الأَهَمِّ فَالمهِمِّ مِنْ العِلْمِ: فَبَدأَ بِالأُصُولِ الثَّلاثَةِ، ثُمَّ كِتَابِ التَّوحِيدِ، ثُمَّ العَقِيدَةِ الوَاسِطِيَّةِ، ثُمَّ أَخَذَ يَتَعَلَّمُ الفِقْهَ والنَّحْوَ والفَرَائِضَ، حَتَّى أَصْبَحَ بِفَضْلِ اللهِ ذَا إِلْمَاٍم كَبِيرٍ بِكَثيرٍ مِنْ عُلومِ الدِّيْنِ. وتَلَقَّى الشَّيخُ ﵀ العِلْمَ عَنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ بَلَدِهِ حُرَيْمَلاءَ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلى الرِّيَاضِ لِيُكْمِلَ مِشْوَارَهُ الَّذي قَطَعَهُ فِي تَحْصِيلِ العِلْمِ؛ فَأخَذَ عَنْ عُلَمَائِهَا الأَجِلَّاءِ وَرِجَالِهَا النُّبَلاءِ. وَبَعْدَ أَنْ تَمَّ فَتُحُ بِلادِ الأَحْسَاءِ عَام ١٣٣١هـ ارْتَحَلَ إِليْهَا لِلاسْتِزَادَةِ مِنْ العِلْمِ؛ فَدَرَسَ عَلى الشَّيخِ عِيْسَى بِنِ عَكَّاسٍِ ﵀، والشَّيخِ عَبْدِ العَزِيزِ بِنِ بِشْرٍ ﵀، ثُمَّ ارْتَحَلَ إِلى قَطَرَ، حَيْثُ دَرَسَ عَلى الشَّيخِ مُحَمَّدِ بِنِ مَانِعٍ ﵀ ضُرُوبَ العِلْمِ وَفُنُونِهِ (١) . شيوخه: تلقَّى الشَّيخُ ﵀ العِلْمَ عَلى أَيْدِي عُلَمَاءَ عُرِفُوا بِالصَّلاحِ، وَصَفَاءِ العَقِيدَةِ، وَكَانَ مِنْ أَبْرَزِهِمْ:

стр. 7

١- الشَّيخُ عَبْدُ العَزيزِ الخيَّالِ ﵀، الَّذِي تَعَلَّمَ عَلى يَدَيْهِ القُرْآنَ الكَرِيمَ وَأَتَمَّ حِفْظَهُ. ٢- الشيخُ عبدُ اللهِ بنِ عبدِ اللَّطيفِ مُفْتي الدِّيارِ السُّعودِيةِ ﵀ قرأَ عَليه كثيراً، لا سِيَّمَا في علم العَقِيدةِ. ٣- الشَّيخُ مُحَمَّدُ بِنُ عُبْدُ الَّلطِيفِ آلِ الشَّيخِ ﵀، الذي دَرَسَ عَلَيْهِ كِتَابَ التَّوحِيدِ، والعَقِيدَةَ الوَاسِطِيَّةِ، وَغَيْرِهَا مِنْ كُتُبِ العَقِيدَةِ السَّلَفِيَّةِ. ٤- سَمَاحَةُ الشَّيخِ مُحَمَّدِ بِنِ إِبْرَاهِيمِ آلِ الشَّيخِ مُفْتِي الممْلَكَةِ السَّابِقِ ﵀ الَّذي تَلقَّى مِنْهُ دُرُوسَاً في التَّوْحِيدِ والفِقْهِ وغَيْرِهَا مِنْ الفُنُونِ. ٥- الشَّيخُ سَعْدُ بِنُ حَمْدِ بِنِ عَتِيقٍ ﵀ الَّذي تَلقَّى مِنْهُ دُرُوسَاً فِي التَّفْسِيرِ والحدِيثِ وَغَيْرِهِمَا. وكَانَ قَدْ أَجَازَهُ بِمَا رَوَاهُ مِنْ كُتُبِ الحدِيْثِ: كَالصَّحِيْحَيْنِ، وَالسُّنَنِ الأَرْبَعَةِ، ومُسْنَدِ أَحْمَدَ، وَالموَطَّإِ لِلإِمَامِ مَالِكٍ وَغَيْرِهَا مِنْ كُتُبِ الحدِيْثِ المصَنَّفَةِ، وَكَذَا أَجَازَهُ فِي التَّفْسِيرِ والفِقْهِ وبِمُصَنَّفَاتِ شَيْخِ الإسْلامِ ابِنِ تَيْمِيَّةَ وَابِنِ قَيِّمِ الجوْزِيَّةَ ﵏ وغَيْرِهَا مِنْ الكُتُبِ المصَنَّفَةِ. ٦- الشَّيخُ عَبْدُ اللهِ بِنِ عَبْدُ العَزيزِ العَنْقَرِيِّ ﵀ الذي تَلقَّى عَلى يَدَيْهِ شَيْئَاً مِنْ الحدِيْثِ وَغَيْرِهِ مِنْ فُنُونِ العِلْمِ. وقَدْ أَجَازَهُ بِمَا رَوَاهُ مِنْ كُتُبِ الحدِيْثِ والتَّفْسِيرِ والفِقْهِ وغَيْرِهَا مِنْ المصَنَّفَاتِ، وأَجَازَهُ بِالرِّوَايَةِ لِمَذْهَبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ وبِالرِّوَايَةِ لمصَنَّفَاتِ شَيْخِ الإسْلامِ ابِنِ تَيْمِيَّةَ وَابِنِ قَيِّمِ الجوْزِيَّةَ ﵏، وَبِجَمِيعِ مَا أَجَازَهُ بِهِ شُيُوخُهُ وَتَلَقَّاهُ عَنْهُمُ رِوَايَةً. ٧- الشَّيخُ حَمَدُ بِنُ فَارِسٍ ﵀ أَخَذَ عَنْهُ فِي الفِقْهِ والنَّحْوِ. ٨- الشَّيخُ مُحَمَّدُ بِنُ فَيْصَلَ ﵀ وهُوَ عَمُّهُ الَّذي تَلقَّى عَلى يَدَيْهِ شَيْئَاً مِنْ الحدِيْثِ وَغَيْرِهِ مِنْ الفُنُونِ. ٩- الشَّيخُ نَاصِرُ بِنُ نَاصِرِ بِنِ مُحَمَّدِ بِنِ نَاصِرِ ﵀ وهُوَ جَدُّهُ لِأُمِّهِ الَّذي دَرَسَ عَلَيْهِ الأُصُوَلَ الثَّلاثَةَ، وَسِيْرَةَ الرَّسُولِ ﷺ . ١٠- الشَّيخُ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدُ العَزيزِ بِنِ مَانِعٍ ﵀.

стр. 8

١١- الشَّيخُ عِيْسَى بِنِ عَكَّاسٍِ ﵀. ١٢- الشَّيخُ عَبْدُ العَزِيزِ بِنُ بِشْرٍ ﵀، وَغَيْرِهِم. * صفاته الخَلْقِيَّة والخُلُقِيَّة: فَالخَلْقِيةُ: كان الشَّيخُ ﵀ أَبْيَضَ، وَكَانَ بَيَاضُهُ مُشْرَباً بِحُمْرَةٍ قَلِيلاً، مُتَوسِّطَ الطُّوْلِ، وِيَمِيلُ إِلى الطُّولِ قَلِيلاً، جَمِيلَ الوَجْهِ، حَسَنَ المنْظَرِ، ذَا لِحْيةٍِ كَثَّةٍ، رِبْعَةٍ بَيْنَ الرِّجَالِ. وَالخُلُقِيةُ: كاَنَ ﵀ ذَا خُلُقٍ رَفِيعٍ كَرِيماً، لَيِّنَ الجَانِبِ، سَهْلَ المعَامَلَةِ، بَشُوشاً مَعْ النَّاسِ جَمِيْعَاً، ولا صَخَّابَاً، وَلا يَغْضَبُ إِلا إِذَا انْتُهِكَتْ مَحَارِمُ اللهِ، وَتُعُدِّيَتْ حُدُودَهُ، وَكانَ لا تَأْخُذُهُ فِي اللهِ لَوْمَةَ لائِمٍ، يَتَوخَّى العَدْلَ وَلا يَأْبَاهُ، وَيُجَافِي الظُّلْمَ وَلا يَرْضَاهُ، مُتَواضِعَاً زَاهِدَاً فِي حُطَامِ الدُّنْيَا، رَاغِبَاً فِي الدَّارِ الآخِرَةِ؛ فَرَحِمَهُ اللهُ وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ. * زُهْدُهُ وَوَرَعُهُ وَعِبَادَتُهُ: كاَنَ الشَّيخُ ﵀ مُعْرِضَاً عَنْ الدُّنْيَا وَعَنْ حُطَامِهَا الزَّائِل ِوَمَظْهَرِهَا الخَادِعِ؛ فَتُوُفِّيَ. ﵀ ولَمْ يُخْلِفْ مُلْكَاً، أَوْ تِجَارَةً أَوْ مَالاً كَثِيرَاً، وَمِنْ صُوَرِ عُزُوفِهِ عَنْ الدُّنْيَا. مَا ذَكَرَهُ أَحَدُ تَلامِذَتِِهِ: أَنَّهُ ذَاتَ مَرَّةٍ أَحْيَا قِطْعَةَ أَرْضٍِ، وَقَامَ بِزِرَاعَتِهَا، وَحَفَرَ بِئْراً بِهَا، وبَنَى فِيْهَا مَسْجِدَاً، وَزَرَعَ زَرْعَاً يَسِيرَاً؛ فَلَمَّا رَأَى تَلمِيذُهُ ابِنُ عَبِدِ الوَهَّابِ عَمَلَ الشَّيْخِ، أَخْبَرَهُ بِأَنَّهَا سَتَصْرِفُهُ عَنْ أَمْرِ الآخِرَةِ؛ فَقَالَ الشَّيخُ ﵀: ((أَنَا أَحْيَيْتُ هَذِهِ الأَرْضَ وَبَنَيْتُ المسْجِدَ، وَحَفَرْتُ البِئْرَ؛ لِأَجْلِ إِذَا مَرَّ المارَّةُ مِنْ أَهْلِ الإبْلِ وَغَيْرِهِم، أَنْ يُصَلُّوا فِيْهِ؛ فَيَكُونُ لَهُم عَوْناً عَلى أَدَاءِ الصَّلاةِ، أَوْ كَلامَاً نَحْواً مِنْ هَذا ثُمَّ قَامَ الشَّيخُ ﵀ وَقَدَّمَهَا لابِنِ عَيْشَانِ وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ المدَي وَيُحَافِظُ عَلى المسْجِدِ)) . وَلَمَّا كَتَبَ أَحَدُهُم تَرْجَمَةً بِسِيرَتِهِ الذَّاتِيَّةِ، وَعَرَضَهَا عَلَيْهِ، بَكَى، وَفَاضَتْ عَيْنَاهُ بِالدُّمُوعِ؛ فَكَتَبَ عَلَيْهَا: ((اللهُمَّ اجْعَلْنِي أَحْسَنَ مِمَّا يَظُنَّونَ، وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا يَقُولُونَ)) . وَكَانَ ﵀ جُلُّ وَقْتِهِ وَمُعْظَمُهُ إِمَّا فِي صَلاةٍ وَعِبَادَةٍ، وَخَلْوَةٍ مَعْ رَبِّهِ يِسْتَغْفِرُ فِيْهَا ذُنُوبَهُ، وَيَسْأَلُهُ مِنْ خَيْرَيْ الدُّنْيا وَالآخِرَةِ، وَإِمَّا مَعْ تَلامِيذِهِ يُعَلِّمُهُمُ أُمُورَ دِيْنِهِم وَدُنْيَاهُمُ.

стр. 9

وَكَانَ الشَّيخُ ﵀ لا يَأْخُذُ مِنْ رَاتِبِهِ شَيْئَاً، وَلا يَسْتَلِمَهُ، بَلْ يَقُومُ عَنْهُ وَكِيْلُهُ بِأَخْذِهِ، وِصَرْفِهِ عَلى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَإِعْطَاءِ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ مِنْ المسَاكِيْنِ وَالأَيْتَامِ وَالأَرَامِلِ. * أعماله ومناصبه: لمَّا تَلقَّى الشَّيخُ ﵀ العِلْمَ عَلى يَدِ كَثِيرٍ مِنْ العُلَمَاءِ؛ أَهَّلَهُ ذلك لِأَنْ يَتَقَلَّدَ المنَاصِبَ؛ فوُلِّيَ القَضَاءَ؛ لِلفَصْلِ بَيْنَ الخُصُومِ، وَإِرْشَادِ النَّاسَ وَتَوجِيْهِهِمْ؛ فأُرْسِلَ إِلى تُهَامَةَ وَالحِجَازَ مُعَلِّماً وَوَاعِظَاً وَمُوجِّهَاً، مَعْ غَيْرِهِ مِنْ المشَايِخِ. فعُيِّنَ قَاضِيَاً فِي الصُّبَيْخَةِ (تَثْلِيْث) ، وَفِي أَبْهَا، وَفِي القَرْيةِ العُلْيَا، وَفِي تُرَبَةَ، وَتَرَدَّدَ بَيْنَ هَذِهِ المنَاطِقَ وَغَيْرِهَا، وَكَانَ الشَّيخُ ﵀ فِي كُلِّ بَلَدٍ مِنْ هَذِهِ البِلادِ يَدْعُو إِلى التَّوْحِيْدِ، وَإِلى الإلْتِزَامِ بِشَرْعِ اللهِ وَحْدَهُ، وَكَانَ أَوَّلَ مَا يَبْتَدِئُ فِي تَعْلِيْمِهِمِ: كِتَابَ اللهِ، ثُمَّ عَقِيدَةَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، وَذَلِكَ مِنْ خِلالِ كِتَابِ التَّوْحِيْدِ، وَكَشْفِ الشُّبُهَاتِ، وَالأُصُولِ الثَّلاثَةِ، وَالقَوَاعِدِ الأَرْبَعَةِ لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ بِنِ عَبْدِ الوَهَّابِ ﵀. إِلى أَنْ آَلَ بِهِ المطَافُ إِلى قَضَاءِ الجَوْفِ حِيْنَ قَالَ لَهُ الملِكُ عَبْدُ العَزِيزِ ﵀: ((إِنِّي سَأُرْسِلُكَ إِلى مِكَانٍ بَعِيْدٍِ، وِلَكِنْ سَتَجِدُ فِيْهِ دَعْوَةً بِإِذْنِ اللهِ)) فَرَحَلَ إِلى هُنَاكَ فِي آخِرِ شَعْبَانَ مِنْ سَنَةِ ١٣٦٢هـ وَوَصَلَ فِي أَولِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَكَانَ فِي وُصُولِهِ إِلى تِلْكَ البِلادِ بُزُوغُ شَمْسِ الخَيْرِ وَالعِلْمِ وَالتَّوْحِيْدِ، وَهَدْمِ واضْمِحْلالِ دَيَاجِيْرِ الجَهْلِ وِالشَّرْكِ وَالتَّنْدِيدِ؛ فَأَقَامَ بِهَا قُرَابَةَ خَمْسَةَ عَشْرَ عَامَاً مُعَلِّمَاً، وَمُوجِّهَاً، وَمُرْشِدَاً، وَدَاعِيَاً إِلى اللهِ عَلى بَصِيْرَةٍِ. * تلاميذه: تَلقَّى عَنْ الشَّيخِ ﵀ طُلَّابٌ كُثُرٌ، وَدَرَسُوا عَلَيْهِ مُصَنَّفَاتِ العُلَمَاءِ، وَكَانَ مِنْ أَكْثَرِ مَنْ لَازَمَهُ وَتَلقَّى عَنْهُ: ١- الشيخُ العالم ُإبراهيمُ بنُ سُلَيمانِ الرَّاشدِ ﵀. ٢- الشيخُ العالم ُعبدُ الرَّحمنِ بنُ سَعدِ بنِ يحيى ﵀. ٣- الشيخُ القاضِي محمَّدُ بنُ عبدِ العزيزِ المهيزِعِ ﵀.

стр. 10

٤- الشَّيخُ العالم نَاصِرُ بِنُ حَمَدِ الرَّاشِدِ ﵀. ٥- الشَّيخُ القاضي سَعْدُ بِنُ مُحَمَّدِ بِنِ فَيْصَلَ آلَ مُبَارَكِ ﵀. ٦- الشَّيخُ القاضي عَبْدُ اللهِ بِنُ عَبْدِ العَزِيزِ آلِ عَبْدِ الوَهَّابِ ﵀. ٧- الشَّيخُ القاضِي حُمُودُ بِنُ مَتْرُوكِ البِلِيْهِدِ - حَفِظَهُ اللهُ -. وَغَيْرِهِمُ الكَثِيرِ مِمَّنْ تَقَلَّدَ مَنَاصِبَ فِي القَضَاءِ أَوْ الشُّوْرَى أَوْ التَّعْلِيْمِ؛ فَرَحِمَ اللهُ مَنْ فِي بَاطِنِ الأَرْضِ، وَبَارَكَ وَنفَعَ وَخَتَمَ بِخَيْرٍ لِمَنْ فَوْقَهَا. * مصنفاته: لَقَدْ أَثْرَى الشَّيخُ ﵀ المكْتَبَةَ الإسْلامِيَّةَ، بِمُصَنَّفَاتِهِ الزَّاخِرَةِ؛ فَتَرَكَ لَنَا العَدِيْدَ مِنْ المؤَلَّفَاتِ فِي فُنُونِ العِلْمِ فِي التَّفْسِيرِ، والحدِيْثِ، والعَقِيدَةِ، والفِقْهِ، والفَرَائِضِ، وَالنَّحْوِ، والرَّقَائِقِ وغَيْرِهَا؛ وَهُو يُعدُّ مِنْ أَكْثَرِ عُلَمَاءِ نَجْدٍ تَصْنِيْفَاً وَتَأْلِيْفَاً. وَلَمَّا أَرْسَلَ المؤَلِّفُ ﵀ كِتَابَهُ: ((خُلاصَةُ الكَلامِ شَرْحُ عُمْدَةِ الأَحْكَامِ)) لِلشَّيخِ العَلامَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنَ السِّعْدِيِّ ﵀، أَرْسَلَ لَهُ رِسَالةً خَاصَّةً؛ مُثْنِيَاً عَلى تَصَانِيْفِهِ، وَيَقُولُ فِيْها: ((هَدِيَّتُكُمُ لِمُحِبِّكُمِ ((خُلاصَةُ الكَلامِ شَرْحُ عُمْدَةِ الأَحْكَامِ)) وَصَلَ وَسُرِرْتُ بِهِ، وَسَأَلْتُ الموْلَى أَنْ يُضَاعِفَ لَكُمُ الأَجْرَ؛ بِمَا أَبْدَيِتُمُوهُ فِيْهِ مِنْ الفَوَائِدِ الجَلِيْلَةِ، وَالمعَانِي الكَثِيْرَةِ، وَسَعْيِكُم فِي نَشْرِهِ. لَازِلْتُمُ تُخْرِجُونَ أَمْثَالَهُ مِنْ الكُتُبِ العَامِّ نَفْعُهَا، وَالعَظِيْمِ وَقْعُهَا)) أهـ. وَهَا هُوَ الشَّيْخُ عَبْدُ المِحْسِنِ أَبَا بِطَيْنِ ﵀ يَقُولُ عَنْ سَائِرِ تَصَانِيْفِ الشَّيْخِ فَيْصَلَ ﵀: ((وَقَدْ أَلَّفَ كُتُبَاً كَثِيْرَةً، صَارَ لَهَا رَوَاجٌ فِي جَمِيْعِ أَقْطَارِ الممْلَكَةِ العَرَبِيَّةِ السُّعُودِيَّةِ)) . وَبَعْدَ هَذَا، وَقَدْ تَاقَتْ نَفْسُكَ لِمَعْرِفَةِ تَصَانِيْفِ الشَّيْخِ؛ فَهَا هِيَ مُصَنَّفَاتِهِ قَيْدَ نَاظِرَيْكَ، وَبَيْنَ يَدَيْكَ؛ مُبَيِّنَاً المطْبُوعَ مِنْهَا وَالمخْطُوُطَ بِاخْتِصَارٍ: وَاعْلَمْ - عَلَّمَنِي اللهُ وَإِيَّاكَ - أَنَّ كُتُبَ الشَّيخِ ﵀ لا تَعْدُو أَحَدَ هَذِهِ الأنْوَاعِ: النَّوعُ الأَولُ: الشُّرُوحُ المخْتَصَرَةُ عَلى المتُوُنِ. النَّوعُ الثَّانِي: الشُّرُوحُ المطوَّلةُ عَلى المتُوُنِ.

стр. 11

النَّوعُ الثَّالِثُ: اختِصَارُهُ لِكَثِيرٍ مِنْ الكُتُبِ المطوَّلةِ. النَّوعُ الرَّابِعُ: التَّأْلِيفُ فِي الفُنُونِ تَأْصِيْلاً وَابْتِدَاءً. * فِي العَقِيدَةِ: ١- القَصْدُ السَّدِيدُ شَرْحُ كِتَابِ التَّوْحِيدِ: طُبِعَ فِي مُجَلَّدٍِ عَنْ دَارِ الصُّمَيْعِي بِالرِّيَاضِ، بِتَحْقِيقِ الشَّيخِ عَبْدِ الإلَهِ الشَّايِعِ وَفَّقَهُ اللهُ. ٢- التَّعْلِيقَاتُ السَّنِيَّةُ عَلى العَقِيدَةِ الوَاسِطِيَّةِ: طُبِعَ فِي مُجَلَّدٍِ عَنْ دَارِ الصُّمَيْعِي بِالرِّيَاضِ، بِتَحْقِيقِ الشَّيخِ عَبْدِ الإلَهِ الشَّايِعِ وَفَّقَهُ اللهُ. * فِي التَّفْسِيرِ: ٣- تَوْفُيقُ الرَّحْمَنِ فِي دُرُوسِ القُرْآنِ: طُبِعَ فِي أَرْبَعَةِ مُجَلَّدَاتٍ عَنْ دَارِ العَاصِمَةِ بِالرِّيَاضِ، باعْتِنَاءِ الشَّيخِ عَبْدِ العَزيزِ الزَّيْرِ حَفِظَهُ اللهُ. ٤- القَوْلُ فِي الكُرَّةِ الجَسِيْمَةِ الموَافِقُ لِلفِطْرَةِ السَّلِيْمَةِ: مَخْطُوطٌ فِي مُجَلَّدٍِ، وَمِنْهُ مَخْطُوطُةٌ فِي مَكْتَبَةِ الملِكِ فَهْدٍ. * ِ في الحدِيْثِ: ٥- لَذَّةُ القَارِي مُخْتَصَرُ فَتْحِ البَارِي: مَخْطُوطٌ فِي ثَمَانِيَةِ مُجَلَّدَاتٍ، وهُوَ مَفْقُودٌ. ٦- نَقْعُ الأُوَامِ بِشَرْحِ أَحَادِيْثَ عُمْدَةِ الأَحْكَامِ: مَخْطُوطٌ، وَهُوَ الشَّرْحُ الكَبِيرُ عَلى عُمْدَةِ الأَحْكَامِ، خَمْسَةُ أَجْزَاءٍ كِبَارٍِ، فِي إِحْدَى عَشْرَةَ مُجَلَّدَةٍ، وَمِنْهُ مَخْطُوطَةٌ كَامِلَةٌ بِخَطِّ الشَّيخِ فَيْصَلَ ﵀ فِي مَكْتَبَةِ الملِكِ فَهْدٍ بِالرِّيَاضِ. ٧- أَقوَالُ العُلَمَاءِ الأَعْلامِ عَلى أَحَادِيْثَ عُمْدَةِ الأَحْكَامِ: مَخْطُوطٌ فِي مُجَلَّدَيْنِ ضَخْمَيْنِ، فِي سَبْعَةِ مَلازِمٍ، بِدَارَةِ الملِكِ عَبْدِ العَزِيزِ، وَمَكْتَبَةِ الشَّيخِ عَبْدِ المِحْسِنِ أَبَا بِطَيْنِ وَهُوَ مُخْتَصَرٌ عَنْ سَابِقِِهِ. ٨- خُلاصَةُ الكَلامِ شَرْحُ عُمْدَةِ الأَحْكَامِ: طُبِعَ فِي مُجَلَّدٍ بمكتبة الرُّشْدِ بِالرِّيَاضِ، وَهُوَ اخْتِصَارٌ لِشَرْحَيْهِ عَلى العُمْدَةِ؛ الكَبِيرِ وَالمتَوَسِّطِ، وَمِنْهُ مَخْطُوطُةٌ فِي مَكْتَبَةِ الملِكِ فَهْدٍ ضِمْنَ مَجْمُوعِ (زُبْدَةُ الكَلامِ) .

стр. 12

٩- مُخْتَصَرُ الكَلامِ شَرْحِ بُلُوغِ المَرَامِ: طُبِعَ عَنْ دَارِ كُنُوزِ إشْبِيلْيَا، وَمِنْهُ مَخْطُوطُةٌ فِي مَكْتَبَةِ الملِكِ فَهْدٍ ضِمْنَ مَجْمُوعِ (زُبْدَةُ الكَلامِ) . ١٠- بُسْتَانُ الأَحْبَارِ بِاخْتِصَارِ نَيْلِ الأَوْطَارِ: طُبِعَ عَنْ دَارِ كُنُوزِ إشْبِيلْيَا فِي مُجَلَّدَيْنِ. ١١- تِجَارَةُ المؤْمِنِيْنَ فِي المُرَابَحَةِ مَعْ رَبِّ العَالَمِيْنَ: طُبِعَ فِي مُجَلَّدٍ مَرَّتَيْنِ؛ بِدِمَشْقٍ أُولَاهُمَا عَلى نَفَقَةِ الأَمِيْرِ عَبْدِالرَّحْمَنِ السِّدِيْرِيِّ عَام ١٣٧٢هـ، وَآخِرْهُمَا عَلى نَفَقَةِ تِلْمِيذِهِ الشَّيخِ عَبْدِالرَّحْمَنِ بِنِ عَطَا الشَّايعِ عَام ١٤٠٤هـ. ١٢- تَطْرِيزُ رِيَاضِ الصَّالِحِيْن: طُبِعَ عَنْ دَارِ العَاصِمَةَ بِالرِّيَاضِ، بِتَحْقِيقِ الشَّيخِ عَبْدِ العَزيزِ الزَّيْرِ حَفِظَهُ اللهُ. ١٣- مَحَاسِنُ الدِّيْنِ بِشَرْحِ الأَرْبَعِينَ (النَّوَوِيَّة) : طُبِعَ عَنْ دَارِ إِشْبِيلْيَا بِالرِّيَاضِ. ١٤- تَعْلِيمُ الأَحَبِّ أَحَادِيثَ النَّوَوِيِّ وَابْنِ رَجَبِ: طُبِعَ ضِمْنَ (المُخْتَصَرَاتُ النَّافِعَةُ) ، وَمِنْهُ مَخْطُوطُةٌ فِي مَكْتَبَةِ الملِكِ فَهْدٍ ضِمْنَ مَجْمُوعِ (زُبْدَةُ الكَلامِ) . ١٥- نَصِيْحَةُ المُسْلِمِيْنَ = نَصِيْحَةٌ دِيْنِيَّةٌ: طُبِعَتْ بِتَحْقِيقِ الشَّيخِ عَبْدِ العَزيزِ الزَّيْرِ حَفِظَهُ اللهُ. ١٦- وَصِيَّةٌ لِطَلَبَةِ العِلْمِ: طُبِعَتْ بِتَحْقِيقِ الشَّيخِ عَبْدِ العَزيزِ الزَّيْرِ حَفِظَهُ اللهُ. ١٧- غِذاءُ القُلُوبِ وَمُفَرِّجُ الكُرُوبِ: وَقَدْ طُبِعَ قَدِيْماً ضِمْنَ مَجْموعِ ... (المخْتَصَراتِ النَّافِعَةِ) ، وَمِنْهُ مَخْطُوطُةٌ فِي مَكْتَبَةِ الملِكِ فَهْدٍ ضِمْنَ مَجْموعِ (زُبْدَةُ الكَلامِ) . * فِي الفِقْهِ وأُصُولِهِ: ١٨- مَقَامُ الرَّشَادِ بَيْنَ التَّقْلِيْدِ والاجْتِهَادِ: وهُوَ كِتَابُنَا هَذَا. ١٩- كَلِمَاتُ السَّدَادِ عَلى مَتْنِ الزَّادِ (المسْتَقْنَعِ) : طُبِعَ فِي مُجَلَّدٍ عدة مرات عَنْ مَكْتَبَةِ النَّهْضَةِ، وصدر مؤخَّراً محققاً عن دار اشبيليا. ٢٠- المرْتَعُ المشْبِعُ شَرْحُ مَوَاضِعَ مِنْ الرَّوْضِ المرْبِعِ: مَخْطُوطٌ فِي أَرْبَعَةِ أَجْزَاءٍ، وَسِتَّةِ مُجَلَّدَاتٍ كَبِيرِةٍ. وَمِنْهُ مَخْطُوطُةٌ فِي مَكْتَبَةِ الملِكِ فَهْدٍ، وَعَنْهَا مُصَوَّرةٌ بِدَارَةِ الملِكِ عَبْدِ العَزِيزِ، وَسَيُطْبَعُ قَرِيْبَاً بِعناية الشَّيخِ عبد العزيز القاسم حفظه الله.

стр. 13

٢١- الوَابِلُ المُمْرِعُ عَلى الرَّوْضِ المرْبِعِ: مَخْطُوطٌ غَيْرُ مُكْتَمِلٍ، مِنْهُ نُسْخَةٌ فِي مَكْتَبَةِ الملِكِ فَهْدٍ إِلى كِتَابِ الجَنَائِزِ، وَعَنْهَا مَصَوَّرةٌ بِدَارَةِ الملِكِ عَبْدِ العَزِيزِ. ٢٢- مَجْمَعُ الجوَادِ حَاشِيةُ شَرْحِ الزَّادِ: مَخْطُوطٌ غَيْرُ مُكْتَمِلٍ، وَهُوَ شَرْحٌ كَبِيرٌ مُطوَّلٌ عَلى ((الرَّوْضِ المُرْبِعِ)) وَذَلِك أَنَّ الشَّيخَ ﵀ فِي الشَّرْحَيْنِ السَّابِقَيْنِ انْتَقَى مَسَائِلَ خِلافِيَةً مُعَيَّنةً؛ فَشَرَحَهَا، أمَّا فِي هَذَا المُطَوَّلِ؛ فَقَدَ وَجَّهَ عِنَايَتَهُ إِلى غَالِبِ المسَائِلِ الخِلافِيَّةِ فِيْهِ. وَلَهُ: زُبْدةُ المرَادِ فِهْرْسِ مَجْمَعِ الجَوادِ: مَخْطُوطٌ، فِي تِسْعٍِ وَعِشْرِينَ وَرَقةً، بِخَطِّ الشَّيخِ إِسَمْاعِيلِ البِلالِ أَحَدُ تَلامِذَةِ الشَّيخِ، وَكانَ المخطُوطُ لَدَيْهِ ﵀، وَعَنْهُ مَصَوَّرةٌ بِدَارَةِ الملِكِ عَبْدِ العَزِيزِ. ٢٣- القَوْلُ الصَّائِبُ فِي حُكْمِ بَيْعِ الَّلحْمِ بِالتَّمْرِ الغَائِبِ: مَخْطُوطٌ فِي مَكْتَبَةِ الملِكِ فَهْدٍ. ٢٤- الغُرَرُ النَّقِيَةُ شَرْحُ الدُّرَرِ البَهِيَّةِ: طُبِعَتْ بِاعْتِنَاءِ الشَّيخِ مُحَمَّدِ بِنِ حَسَنِ آل مُبَارَكِ وَفَّقَهُ اللهُ وَسَدَّدَهُ، عَنْ دَارِ إِشْبِيلْيَا. * فِي الفَرَائِضِ: ٢٥- الحُجَجُ القَاطِعَةِ فِي الموَارِيثِ الوَاقِعَةِ: طُبِعَتْ بِاعْتِنَاءِ الشَّيخِ مُحَمَّدِ بِنِ حَسَنِ آل مُبَارَك وَفَّقَهُ اللهُ وَسَدَّدَهُ. عَنْ دَارِ إِشْبِيلْيَا. ٢٦- السَّبِيكَةُ الذَّهَبِيَّةُ عَلى مَتْنِ الرَّحَبِيَّةِ: طُبِعَتْ بِاعْتِنَاءِ الشَّيخِ مُحَمَّدِ بِنِ حَسَنِ آل مُبَارَكِ وَفَّقَهُ اللهُ وَسَدَّدَهُ. عَنْ دَارِ إِشْبِيلْيَا. * فِي النَّحْو: ٢٧- صِلَةُ الأَحْبَابِ شَرْحُ مُلْحَةَ الإعْرَابِ: مَفْقُودٌ. ٢٨- مَفَاتِيحُ العَرَبِيَّةِ عَلى مَتْنِ الآجُرُّومِيَّةِ: مطبوعٌ - عن دار الصميعي - بِتَحْقِيقِ الشَّيخِ عَبْدِ العَزيزِ بِنِ سَعْدِ الدّغِيثِر وَفَّقَهُ اللهُ وسَدَّدَهُ. ٢٩- لُبَابُ الإعْرَابِ فِي تَيْسِيرِ عِلْمِ النَّحْوِ لَعَامَّةِ الطُّلابِ: طُبِعَتْ بِتَحْقِيقِ الشَّيخِ مُحَمَّدِ بِنِ حَسَنِ آل مُبَارَكِ وَفَّقَهُ اللهُ وَسَدَّدَهُ.

стр. 14

* وَفَاته: تُوُفِّيَ الشَّيخُ ﵀ عَنْ عُمُرٍ نَاهَزَ ٦٣هـ سَنَةً، قَضَاهَا فِي الدَّعْوَةِ إِلى اللهِ تَعَالى، وَإِلى تَعْلِيمِ النَّاسَ أُمُورَ دِيْنِهِم. واخْتَلَفَ المتَرْجِمُونَ فِي تَحْدِيدِ يَومِ وَسَنَةِ وَفاتِهِ؛ فَذَكَرَ بَعْضُهُم أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي سَنَةِ ١٣٧٧هـ فِي العَاشِرِ مِنْ شَهْرِ ذِي القِعْدَةِ، وَقِيْلَ فِي السَّادِسِ عَشَرَ، وَقِيْلَ فِي السَّابِعِ عَشَرَ. وَالصَّوابُ أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي الثُّلُثِ الأَخِيْرِ مِنْ لَيْلَةِ الجمْعَةِ الموَافِقِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ شَهْرِ ذِي القِعْدَةِ عَام ١٣٧٦هـ. واللُه أَعْلَمُ. * عَقِبَهُ: لم يُرْزَق الشَّيخُ ﵀ ْ بِذُكُورٍ، وَإِنَّمَا وُهِبَ سِتَّاً مِنْ البَنَاتِ، جَعَلَهُنَّ اللهُ مِنْ المؤمِنَاتِ الصَّالِحَاتِ. وَصَلَّى اللهُ عَلى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. الحدِيثُ عَنْ الرِّسَالةِ - الموضُوعُ: مَوضُوعُ الرِّسالةِ هو التَّقليدُ والاجتهادُ، وهُمَا مَوْضوعانِ يَخْتَصَّانِ بِعِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ. وهُمَا مِنْ المواضِيعِ الهامَّةِ جِداً لِكلِّ مُفْتٍ وفَقِيهٍ، سِيَّما مَعْ مَا يَمُرُّ مِنْ ضَرُوريَّاتٍ يُمْلِيها الواقعُ في بِلادِ المسلِمِينَ، أوْ فِي أَحْوالِ النَّاسِ ومَعَاشِهِم مِنْ مَسَائِلَ لَيْسَ فِيْها نَصٌّ شَرْعِيٌّ؛ لِذَا اعتَنَى بِهِ المتقَدِّمونَ؛ ومِنْهُم الأئمةُ الأَربَعةُ، وهُم الفُقَهاءُ المجتَهِدُونَ في أَزْهَى عُصُورِ الفِقْهِ الِإسْلَامِيِّ.

стр. 15

- نِسْبَتُهَا: نِسْبَتُها للمؤلِّفِ ثَابِتةٌ والحمدُ للهِ؛ فَقَدْ أَثْبَتَهَا لَهُ كُلُّ مَنْ تَرْجَمَ لِلشَّيخِ، بَلْه أَنَّها بِخطِّهِ ومَكْتوبٌ اسمُهُ عَلى طُرَّتِهَا (١) - النُّسَخُ: أمَّا المطْبُوعَةُ ؛ فَفِي بِدَايةِ اهتِمَامِي بِالرِّسَالةِ، كُنْتُ قَدْ اعْتَنَيْتُ بِهَا مِنْ خِلالِ طَبْعَةِ ... (المجْمُوعَةُ الجَلِيْلَةُ) والَّتِي تَضُمُّ الرَّسائلَ التَّالِية: الأُوْلَى: مُخْتَصَرُ الكَلامِ شَرْحُ بُلُوغِ المَرَامِ، وطُبِعَتْ مُفْرَدةً عَنْ دَارِ كُنُوزِ إشْبِيلْيَا بِالرِّيَاضِ. الثانية: مَحَاسِنُ الدِّيْنِ بِشَرْحِ الأَرْبَعِينَ (النَّوَوِيَّة) . وطُبِعَتْ عَنْ دَارِ كُنُوزِ إشْبِيلْيَا. الثالثة: مَقَامُ الرَّشَادِ بَيْنَ التَّقْلِيْدِ والاجْتِهَادِ. وَهِي الَّتي قَيْدَ نَاظِرَيْكَ. وبَيْنَا كُنْتُ مُشْتَغِلاً بِالاعتِنَاءِ بِهَا، أَوْقَفنِي أَحَدُ الإِخْوَةِ الفُضَلاءِ على طَبْعةٍ مُفرَدةٍ لَهَا عَنْ دَارِ السَّلفِ بِالرِّيَاضِ؛ بِاعتِنَاءِ الشَّيخِ رَاشدَ الغُفَيْلِي وَفَّقهُ اللهُ. فَلمَّا وَقَفْتُ عَلَيْهَا تَرَكْتُ العَمَلَ بِإكْمَالِهَا؛ لِاعتِقَادِي أَنِّي قَدْ سُبِقتُ بِذَلكَ؛ فَتَوَجَّهْتُ لِلمَشَارِيعِ العِلْمِيَّةِ الأُخْرَى، سِيَّمَا خُلاصَةُ الكَلامِ عَلى عُمْدةِ الأَحْكَامِ لِلشَّيخِ فَيْصَلَ ﵀ (٢) . وبَعْدَ حِيْنٍ مِنْ الزَّمنِ قَرَأتُهَا كَامِلَةً وأَبَنْتُ بَعْضَ الأُمُورِ فِيْهَا وقَيَّدْتُهَا عَلى نُسْخَتِي؛ مِنْ سَقطٍ، أوْ تَخْرِيجٍ؛ أوْ عَزْوٍ. وَحِينَمَا كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْ مخَطُوطَةِ خُلاصَةُ الكَلامِ لَمْ آلُ جهداً في البَحْثِ والتَّنْقيبِ والسُّؤالِ عَنْها مِنْ أَقْرِبَاءِ الشَّيخِ ﵀ أوْ تَلامِذَتِهِ وَمُحِبِّيهِ، حَتَّى وَقفَ السُّؤالُ عِنْدَ الشَّيخِ الفَاضلِ عَبْدِ العَزِيزِ الزَّيرِ حَفِظَهُ اللهُ وسَدَّدَ خُطَاهُ؛ فَسَألتُهُ عَنْ مَخْطُوطِ شَرْحِ العُمْدَةِ؛ فَلمْ أَظْفَر بِهِ، ثُمَّ عَرَّجتُ بِالحدِيثِ عَلى مَقَامِ الرَّشَادِ؛ فَأخْبَرَنِي بَأَنَّهُ يَقتَنِي نُسْخَةً مِنْها؛

стр. 16

فَفَرِحتُ وَرَغِبتُ بِمُصَوَّرَتِها، فَأرسَلَهَا إِليَّ مَشكُوراً مَعْ تَحْقِيقِهِ لِكِتَابِ (مَحَجَّةُ القُرُبِ في فَضْلِ العَرَبِ) للعِرَاقِي ﵀، وحِينَ وَصَلَتْنِي سَارَعتُ بِمَقَابَلَتِها عَلى طَبْعَةِ الشَّيخِ الغُفَيْلِي - وَلَمْ تَكُن عَنْ أَصْلٍ خَطِّيٍّ كَذَلِك - فَوَجَدتُ الدَّاعِي لإعَادَةِ تَحْقِيقِها مُتَحَقِّقاً؛ فَعُدْتُ عَلى مَا بَدأتُه سَابِقاً حَتَّى أَنْهَيتُهَا، وهَاهِيَ بَيْنَ يَدَيْكَ، وَأَمَامَ نَاظِرَيكَ، وَالحمْدُ للهِ عَلى تَوْفِيْقِهِ أَوَّلاً وَآخِرَاً. وأمَّا النُّسْخَةُ الخَطِّيَةُ المعْتَمَدَةُ (١) فهَاكَ وَصْفُها: ١- عِنْوَانُها كَمَا هُو مُدَوَّنٌ عَلى طُرَّتِها: ((مَقَامُ الرَّشَادِ بَيْنَ التَّقْلِيدِ وَالاجْتِهَادِ)) . ٢ - المُؤلِّفُ: فَيْصَلَ بِنَ عَبدِ العَزِيزِ آل مُبَارَكِ ﵀. ٣- اسْمُ النَّاسِخِ: بِخَطِّ المُؤلِّفِ. ٤- تَأْرِيخُهَا: القَرْنُ الرَّابِعُ عَشَرِ الهِجْرِي. ٥- عَدَدُ الأَوْرَاقِ: (١٣) وَرَقةً مَعْ وَرَقَةِ العِنْوانِ. وَفِي كُلِّ وَرَقَةٍ صَفْحَتَانِ، وَفِي كُلِّ صَفْحَةٍ (١٣) سَطْراً. ٦- مَصْدَرُهَا: جَامِعَةُ الرِّيَاضِ (الملَِكِ سُعُودٍ حَالِيَّاً) ، وَرَقَمُهَا: (١١٥٦) ٧- الخَطُّ: كُتِبَتْ بِخَطِّ الرُّقْعَةِ، وَتميَّزَتْ بِالتَّقْيِدَةِ؛ وَهِيَ كَلِمَةٌ تَوضَعُ فِي أَسْفَلِ الصَّفْحَةِ الأُولَى وَتَكُونُ هِي الأُوْلَى في نَصِّ الصَّفْحَةِ الثَّانِيَةِ؛ دِلَالَةً عَلى تَتَابُعِ الصَّفَحَات. عَمَلُ المحَقِّقِ اشْتَمَلَ عَلى مَا يَلِي: أ. ضَبْطِ النَّصِّ وشَكْلِهِ، وتَوْزِيعِ فَقراتِهِ، وتَقْسِيمِهِ عَلَى صَفحَاتِ المخطُوُطِ بِوَضْعِ أَرْقَامِ صَفحَاتِهِ بَيْنَ مَعْقُوفَتَيْن [/] . ب. عَزْوِ الآيَاتِ القُرْآنِيَّةِ، وَجَعْلِهَا عَقِبَ الآيةِ في النَّصِّ المحقَّقِ.

стр. 17

ج. تَخْريجِ الأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ، والآثَارِ مِنْ مصَادِرِهَا الأَصِيْلَةِ؛ فمَا كَانَ في الصَّحِيْحَيْنِ أوْ أَحَدِهِمَا اكْتُفِيَ بِذلِكَ، ومَا عَدَاهُما تُوُسِّعَ فِيْهِ بَعْضَ الشَّيءِ، مُبَيَّنَاً حُكْمَ أَهْلِ الصِّنَاعةِ الحدِيثِيَّةِ عَلى الحدِيْثِ صِحْةً أو ضَعْفاً. د. عَزْوِ النُّقولِ لأَصْحَابِهَا. ومِنْ بَابِ قَولِ المصْطَفَى ﷺ : ((لا يَشْكُرِ اللهَ مَنْ لا يَشْكُرِ النَّاسَ)) (١) فَالشُّكُرُ لِشَيْخِي الكَرِيمِ القَاضِي المفْضَالِ مُحَمَّدٍ بِنِ سُلَيْمَانَ آل سُلَيْمَانَ؛ الَّذِي لازَمْتُهُ قُرَابَةِ السِّتِّ سَنَواتٍ أَنْهَلُ مِنْ مَعِيْنِ عِلْمِهِ وخُلُقِهِ وفَضْلِهِ، حَفِظَهُ اللهُ وأَمَدَّ فِي عُمُرِهِ، عَلى تَقْدِيمهِ لِلرِّسَالَةِ. وكَذَا الشَّكُرُ مَوْصُولٌ لِلشَّيخِ عَبدِ العَزِيزِ الزَّيرِ الَّذِي تَفَضَّلَ وتَكَرَّمَ عَليَّ بِإرْسَالِهِ النُّسْخَةَ الخَطِّيةَ؛ فَجَزَاهُ اللهُ خَيْرَاً. وكَذا كُلِّ مَنْ أَعَانَنِي بِنُصْحٍ، أوْ فَائِدَةٍ، أوْ دِلَالَةً، أَسألُ اللهَ العَلِيَّ القَدِيرِ أَنْ يُثِيبَهُم خَيْراً كَثِيرَاً؛ فَهُو سُبْحَانَهُ خَيرَ مَسْؤُولٍ، وَالحمْدُ للهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتِ. ***

стр. 18

[٢/] هذه نُبذَةٌ في مَعْرفةِ أُصُولِ الفِقْهِ . [والفِقْهُ] (١) هُوَ العِلْمُ بالأَحْكامِ الشَّرْعِيَّة (٢) . قالَ النَّبيُّ ﷺ : ((مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ)) (٣) . وأُصُولُ الأَدلَّةِ: الكِتَابُ، والسُّنَّةُ، والإِجْمَاعُ، وشَرْعُ مَنْ قَبْلَنا شَرْعٌ لنَا إِذَا قَصَّه اللهُ عَلَيْنا ورَسُولُهُ ولَمْ يُنْسخْ؛ لِقَولِ اللهِ تَعَالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] (٤) وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ السَّمْنِ وَالْجُبْنِ وَالْفِرَاءِ (٥)

стр. 19

؛ فَقَالَ: ((الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ)) (١) والسُّنَّةُ: مَا وَرَدَ عَنْ النَّبيِّ ﷺ مِنْ قَولٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ تَقْرِيرٍ (٢) . قالَ إِمَامُ الحَرَمَيْن: ((والأَحْكامُ سَبعةٌ: الوَاجبُ، والمنْدُوبُ، والمُبَاحُ، والمَحْظُورُ، والمكرُوهُ، والصَّحيحُ، والفَاسِدُ)) (٣) قَالَ: والتَّقليدُ: قَبولُ [/٣] قَوْلِ القَائِلِ بِلا حُجَّةٍ.

стр. 20

والاجْتِهادُ: بَذْلُ الوُسْعِ في بُلُوغِ الغَرَضِ (١) . وَقالَ مَالكٌ: ((يَجِبُ على العَوَامِ تَقْليدُ المُجْتَهدِين في الأَحْكامِ، كَمَا يَجِبُ على المُجْتَهدِين الاجْتِهادُ في أَعْيَانِ الأَدِلَّةِ)) (٢) . قَالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيمِيَّة: ((النَّبِيهُ الَّذِي سَمِعَ اخْتَلافَ العُلَمَاءِ وأَدِلَّتَهُم؛ في الجُمْلةِ عِنْدَهُ مَا يَعْرِفُ بِهِ رُجْحَانَ القَوْلِ)) (٣) . قَالَ: ((وأَكثرُ مَنْ يُميِّزُ في العِلْمِ من المتّوسِّطِينَ إذَا نَظَرَ وتَأَمَّلَ أَدِلَّةَ الفَرِيقَيْنِ بقَصْدٍ حَسَنٍ، ونَظَرٍ تَامٍ، تَرَجَّحَ عِنْدَهُ أَحَدُهما، لكِنْ قَدْ لا يَثِقُ بِنَظَرِهِ، بَلْ يَحْتَمِلُ أَنَّ عِنْدَهُ مَا لا يَعْرِفُ جَوَابَهُ، والوَاجِبُ عَلى مِثْلِ هَذَا مُوافَقَتهُ القَوْلَ الَّذِي تَرَجَّحَ عِنْدهُ بِلا دَعْوَى مِنْهُ لِلاجْتِهَادِ)) (٤) . انْتَهَى. وقَالَ الشَّافِعيُّ في الرِّسَالةِ: ((فَكلُّ مَا أَنَزْلَ اللهُ في كِتَابِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ رَحمةٌ وحُجَّةٌ [٤/] ، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ. وَالنَّاسُ طَبَقاتٌ في العِلْمِ مَوقِعُهُم مِنْ العِلْمِ بِقَدْرِ دَرَجَاتِهِمْ فِيْهِ؛ فَحَقٌّ عَلى طَلَبَةِ العِلْمِ بُلُوغُ غَايَةِ جَهْدَهِمْ في الاسْتِكْثَارِ مِنْ عِلْمِهِ، والصَّبرُ عَلى كُلِّ عَارِضٍ دُونَ طَلَبِهِ، واخْلاصُ النِّيَّةِ للهِ في اسْتِدْرَاكِ عِلْمِهِ نَصَّاً واستِنْبَاطَاً، وَالرَّغبَةُ إلى اللهِ في العَوْنِ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهً لا يُدْرَكُ خَيرٌ إلَّا بِعَوْنِهِ.فَإنّ مَنْ أَدْرَكَ عِلْمَ أَحْكَامِ اللهِ مِنْ كِتَابِهِ نَصَّاً واسْتِدْلالاً، وَوَفَّقَهُ اللهُ لِلقَوْلِ والعَمَلِ بِمَا عَلِمَ مِنْهُ، فَازَ بِالفَضِيلَةِ في دِيْنِهِ ودُنْياهُ؛ فَنَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَرْزُقَنَا فَهْمَاً في كِتَابِهِ ثُمَّ سُنَّةِ نَبِيِّه ِ ﷺ (٥)) ) .

стр. 21

قَالَ: ((وَإِنَّمَا خَاطبَ اللهُ بِكِتَابِهِ العَرَبَ بِلِسَانِهَا عَلى مَا تَعْرِفُ مِنْ مَعَانِيْهَا)) (١) . وَقَالَ أَيْضَاً: ((القِيَاسُ [/٥] أَنْ يُحَرِّمَ اللهُ في كِتَابِهِ، أَوْ يُحَرِّمَ رَسُولُهُ القَلِيلَ مِنْ الشَّيءِ؛ فيُعْلَمُ أَنَّ قَلِيلَهُ إِذَا حُرِّمَ كَانَ كَثيرُهُ مِثلَ قَلِيلِهِ في التَّحْرِيم أَوْ أَكثرَ، وكَذَلِك إذا حُمِدَ على يَسيرٍ مِنْ الطاعَةِ كانَ مَا هُوَ أكثرُ مِنْها أَوْلَى أَنْ يُحْمَدَ عَليهِ، وَكذَلِك إِذَا أَبَاحَ كثيرَ شَيءٍ كانَ الأَقَلُّ مِنْهُ أَوْلَى أَنْ يَكونَ مُبَاحَاً)) (٢) . وقال أيضاً: ((القِيَاسُ مَنْزِلَةُ ضَرُورةٍ؛ لأنَّهُ لا يَحِلُّ القِياسُ والخَبرُ مَوجودٌ، كَما يكونَ التَّيَمُّمُ طَهارةً في السَّفَرِ عِنْدَ الإِعْوَازِ مِنْ الماءِ.)) (٣) . انْتَهَى مُلَخَّصَاً. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِمُعَاذٍ بِنِ جَبَلٍ حِيْنَ بَعَثَهُ إِلى اليَمَنِ: ((بِمَ تَقْضِي؟ فَقَالَ أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: أَقْضِي َبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي؛ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ)) (٤) .

стр. 22

وقالَ عُمرَ بنَ الخطَّابِ في كِتَابِهِ إِلى أَبِي مُوسَى: ((ثُمَّ الْفَهْمَ الْفَهْمَ فِيمَا أُدْلِيَ إِليْكَ مِمَّا وَرَدَ عَلَيْكَ مِمَّا لَيْسَ فِي قُرْآنٍ وَلا سُنَّة، ثُمَّ قَايِسِ الأُمُورَ عِنْدَ ذَلِكَ، وَاعْرِفِ الأَمْثَالَ، ثُمَّ َاعْمَدْ فِيْمَا تَرَى إِلَى أَحَبِّهَا إِلَى اللَّهِ وَأَشْبَهِهَا بِالْحَقِّ)) (١) . وَقَالَ الشَّافِعيُّ: ((أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ اسْتَبَانَتْ لَهُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَدَعَهَا لِقَوْلِ أَحَدٍ)) (٢) . قَالَ في الوَرَقَاتِ: ((وَالفِقْهُ أَخَصُّ مِنْ العِلْمِ. والعِلْمُ: مَعْرفةُ المعْلُومِ عَلى مَا هُوَ بِهِ في الوَاقِعِ.

стр. 23

والجَهْلُ: تَصوُّرُ الشَّيءِ عَلى خِلافِ مَا هُوَ بِهِ في الوَاقِعِ. والعِلْمُ الضَّرُوريُّ: مَا لا يَقَعُ عَنْ [/٧] نَظَرٍ واسْتِدْلَالٍ؛ كَالعِلْمِ الوَاقعِ بِإِحْدَى الحوَاسِّ الخَمْسِ. وأمَّا العِلمُ المُكْتَسبُ؛ فَهُوَ: الموقُوفُ عَلى النَّظرِ والاسْتِدْلَالِ. والنَّظرُ: هُوَ الفِكْرُ في حَالِ المنْظُورِ فِيْهِ. والاسْتِدْلَالُ: هُوَ طَلبُ الدَّليلِ. والدَّليلُ: هُوَ المُرْشِدُ إِلى المطْلُوبِ. والظَّنُّ: تَجْويزُ أَمْرَين أحدُهُما أظهرُ من الآخر. والشَّكُّ: تَجْويزُ أَمْرَين لا مَزيَّةَ لأحدِهِما عن الآخَر)) (١) . انْتَهَى. قَالَ الخَطَّابِيُّ: ((ورَأَيْتُ أَهْلَ العِلْمِ في زَمَانِنَا قَدْ حَصَلُوا حِزْبَيْنِ، وانَقْسَمُوا إِلى فِرْقَتَيْنِ: أَصْحَابُ حَدِيثٍ وأَثَرٍ، وَأَهْلُ فِقْهٍ وَنَظَرٍ. وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا لا تَتَمَيَّزُ عَنْ أُخْتِهَا في الحَاجَةِ، ولا تَسْتَغنِي عَنْهَا في دَرَكِ مَا تَنْحُوهُ مِنْ البُغْيَةِ والإِرَادَةِ؛ لأَنَّ الحدِيثَ بِمَنْزِلَةِ الأَسَاسِ الَّذِي هُوَ الأَصْلُ، [٨/] وَالفِقْهُ بِمَنْزِلَةِ البِنَاءِ الَّذِي هُوَ لَهُ كَالفَرْعِ. وَكُلُّ بِنَاءٍ لَمْ يُوضَعْ عَلى قَاعِدةٍ وأَسَاسٍ؛ فَهُوَ مُنْهَارٌ، وَكُلُّ أَسَاسٍ خَلا عَنْ بِنَاءٍ وعِمَارَةٍ؛ فَهُوَ قَفْرٌ وخَرَابٌ. قَالَ: وَوَجدْتُ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ عَلى مَا بَيْنَهُمُ مِنْ التَّدَانِي؛ إِخْوَانَاً مُتَهَاجِرِينَ؛ فأَمَّا هَذِهِ الطَّبَقةُ - الَّذِين هُمْ أَصْحَابُ الأَثَرِ والحَدِيثِ - فَإِنَّ الأَكْثَرِينَ مِنْهُم إِنَّما وَكْدُهُمُ (٢) الرِّوَايَاتِ، وَجَمْعُ الطُّرُقِ، وَطَلَبُ الغَرِيبِ والشَّاذِّ مِنْ الحَدِيثِ الَّذِي أَكْثرهُ مَوْضُوعٌ أَوْ مَقْلُوبٌ لا يُرَاعُونَ المُتُونَ، ولا يَتَفَهَّمُونَ المَعَانِي، ولا يَسْتَنْبِطُونَ سِيَرَهَا، ولا يَسْتَخْرِجُونَ

стр. 24

رِكَازَهَا وَفِقْهَهَا، وَرُبَّمَا عَابُوا الفُقَهَاءَ وتَنَاوَلُوُهُمْ بِالطَّعْنِ، وادَّعُوْا عَلَيْهِمُ مُخَالَفةَ السُّنَنِ، ولايَعْلَمُونَ أَنَّهُمُ عَنْ مَبْلَغِ مَا أُوْتُوهُ مِنْ العِلْمِ قَاصِرُونَ، وبِسُوءِ القَوْلِ فِيْهِمُ آثِمُونَ. [/٩] وأَمَّا الطَّبَقةُ الاخْرَى - وَهُمْ أَهْلُ الفِقْهِ والنَّظَرِ - فِإِنَّ أَكْثَرَهُمُ لا يُعَرِّجُونَ مِنْ الحَدِيثِ إَلَّا عَلى أَقلِّهِ، ولا يَكادُونَ يُمَيِّزُونَ صَحِيْحَهُ مِنْ سَقِيْمِهِ، وَلا يَعْرِفُونَ جَيِّدَهُ مِنْ رَدِيْئِهِ، ولا يَعْبَؤُونَ بِمَا بَلَغَهُمُ مِنْهُ أَنْ يَحْتَجُّوا بِهِ عَلى خُصُومِهمُ إِذَا وَافَقَ مَذَاهِبَهُم الَّتِي يِنْتَحِلُونَهَا، ووَافَقَ آرَاءَهُمُ الَّتِي يَعْتَقِدُونَها، وقَدْ اصْطَلَحُوا عَلى مَوَاضِعةٍ بَيْنَهُمُ في قَبُولِ الخَبَرِ الضَّعِيْفِ، والحَدِيثِ المُنْقَطِعِ، إِذَا كانَ ذَلِك قَدْ اشْتُهِرَ عِنْدَهُم. إِلى أَنْ قَالَ: وَلكِنَّ أَقْوَامَاً عَسَاهُم اسْتَوْعَرُوا طَرِيقَ الحَقِّ، واسْتَطَالُوا المدَّةَ في دَرَكِ الحَظِّ، وأَحَبُّوا عُجَالَةَ النَّيْلِ؛ فاخْتَصَرُوا طَرِيقَ العِلْمِ، واقْتَصَرُوا على نُتَفٍ وحُرُوفٍ مُنْتَزَعَةٍ مِنْ مَعَانِي أُصُولِ الفِقْهِ سَمَّوْهَا [١٠/] عِلَلا، وجَعَلُوهَا شِعَاراً لِأَنْفُسِهِم في التَّرَسُّمِ بِرَسْمِ العِلْمِ، واتَّخَذُوهَا جُنَّةً عِنْدَ لِقَاءِ خُصُومِهِمُ، ونَصَبُوهَا دَرِيْئَةً للخَوْضِ والجِدَالِ، يَتَناظَرُونَ بِهَا، ويَتَلاطَمُونَ عَلَيْهَا، وعِنْدَ التَّصَادُرِ عَنْهَا قَدْ حُكِمَ لِلغَالِبِ بالحَذْقِ والتَّبْرِيزِ؛ فَهُوَ الفَقِيْهُ المذْكُورُ في عَصْرِهِ، والرَّئِيسُ المعَظَّمُ في بَلَدِهِ ومَصْرِهِ. هَذا وقَدْ دَسَّ لَهُمُ الشَّيطَانُ حِيْلةً لَطِيفًَة، وبَلَغَ مِنْهُمْ مَكِيدَةً بَلِيغَةً؛ فَقَالَ لَهُمْ: هَذَا الَّذِي في أَيْدِيِكُمُ عِلْمٌ قَصِيرٌ، وبِضَاعَةٌ مُزْجَاةٌ لا يَفِي بِمَبْلَغِ الحَاجَةِ والكِفَايِةِ؛ فَاسْتَعِينُوا عَلَيْهِ بِالكَلامِ، وَصِلُوُه بِمَقْطَعَاتٍ مِنْهُ، واسْتَظْهِرُوا بِأُصُولِ المتَكَلِّمِينَ، يِتَّسِعُ لَكُمُ مَذْهبُ الخَوضِ ومَجَالُ النَّظَرِ؛ فَصَدَّقَ عَلَيْهُمُ ظَنَّهُ، وأَطَاعَهُ كَثِيرٌ مِنْهُمُ واتَّبَعُوهُ [/١١] إِلَّا فَرِيقَاً مِنْ المؤْمِنِيْنَ. فَيَا لِلرِّجَالِ والعُقُولِ! أَنَّى يُذْهَبُ بِهِمُ! وأَنَّى يَخْتَدِعَهُمُ الشَّيْطَانُ عَنْ حَظِّهِمْ وَمَوْضِعِ رُشْدِهِمْ، وَاللهُ المُسْتَعَان)) (١) انْتَهَى. واعْلَمْ أَنَّ بَعْضَ الكَلامِ في هَذا الفَنِّ تَعَبٌ عَاجِلٌ في تَحْصِيلِ حَاصِلٍ. وَالمقْصُودُ؛ العَمَلُ بِكِتَابِ اللهِ، وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ ، واتِّبَاعِ الحَقِّ والعَدْلِ.

стр. 25

وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [سورة النساء: ٥٩] . قَالَ ابْنُ القَيِّمِ: ((فَأَمَرَ تَعَالَى بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ، وَأَعَادَ الْفِعْلَ إعْلَامًا بِأَنَّ طَاعَةَ الرَّسُولِ تَجِبُ اسْتِقْلَالًا مِنْ غَيْرِ عَرْضِ مَا أَمَرَ بِهِ عَلَى الكِتَابِ، بَلْ إذَا أَمَرَ وَجَبَتْ [١٢/] طَاعَتُهُ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَ مَا أَمَرَ بِهِ فِي الْكِتَابِ أَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ؛ فَإِنَّهُ أُوتِيَ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِطَاعَةِ أُولِي الْأَمْرِ اسْتِقْلَالًا، بَلْ حَذَفَ الْفِعْلَ وَجَعَلَ طَاعَتَهُمْ فِي ضِمْنِ طَاعَةِ الرَّسُولِ؛ إيذَانًا بِأَنَّهُمْ إنَّمَا يُطَاعُونَ تَبَعًا لِطَاعَةِ الرَّسُولِ؛ فَمَنْ أَمَرَ مِنْهُمْ بِطَاعَةِ الرَّسُولِ وَجَبَتْ طَاعَتُهُ، وَمَنْ أَمَرَ بِخِلَافِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ؛ فَلَا سَمْعَ لَهُ وَلَا طَاعَةَ. ثُمَّ أَمَرَ تَعَالَى بِرَدِّ مَا تَنَازَعَ فِيهِ الْمُؤْمِنُونَ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ إنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لَهُمْ فِي الْعَاجِلِ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا فِي الْعَاقِبَةِ، وَقَدْ تَضَمَّنَ هَذَا أُمُورًا: مِنْهَا: أَنَّ أَهْلَ الْإِيمَانِ قَدْ يَتَنَازَعُونَ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ وَلَا يَخْرُجُونَ بِذَلِكَ عَنْ الْإِيمَانِ، إذَا رَدُّوا مَا تَنَازَعُوا فِيهِ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ. ثُمَّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ مَنْ تَحَاكَمَ أَوْ حَاكَمَ إلَى غَيْرِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ فَقَدْ حَكَّمَ الطَّاغُوتَ وَتَحَاكَمَ إلَيْهِ. [/١٣] وَالطَّاغُوتُ: كُلُّ مَا تَجَاوَزَ بِهِ الْعَبْدُ حَدَّهُ مِنْ مَعْبُودٍ أَوْ مَتْبُوعٍ أَوْ مُطَاعٍ. ثُمَّ أَقْسَمَ سُبْحَانَهُ بِنَفْسِهِ عَلَى نَفْيِ الْإِيمَانِ عَنْ الْعِبَادِ حَتَّى يُحَكِّمُوا رَسُولَهُ فِي كُلِّ مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، وَيَنْقَادُوا)) (١) انْتَهَى مُلَخَّصَاًَ. وعن عبد الرحمن بن زيد عن ابن مسعود، قال: ((أَكْثَرُوا عَلَيْهِ ذَاتَ يَوْمٍ؛ فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ أَتَى عَلَيْنَا زَمَانٌ وَلَسْنَا نَقْضِي، وَلَسْنَا هُنَالِكَ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ بَلَّغْنَا مَا تَرَوْنَ؛ فَمَنْ عَرَضَ لَهُ مِنْكُمْ قَضَاءٌ بَعْدَ الْيَوْمِ؛ فَلْيَقْضِ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ؛ فَإِنْ جَاءَهُ أَمْرٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ؛ فَلْيَقْضِ بِمَا قَضَى بِهِ نَبِيُّهُ؛ فَإِنْ جَاءَهُ أَمْرٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا قَضَى بِهِ؛ فَلْيَقْضِ بِمَا قَضَى

стр. 26

بِهِ الصَّالِحُونَ؛ فَإِنْ جَاءَهُ أَمْرٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا قَضَى بِهِ نَبِيُّهُ ﷺ وَلَا قَضَى بِهِ الصَّالِحُونَ؛ فَلْيَجْتَهِدْ رَأْيَهُ؛ فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ فَلْيَقُمْ وَلا يَسْتَحْي)) (١) . وقال أيضاً: ((إنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ فَرَأَى قَلْبَ مُحَمَّدٍ ﷺ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ فَاخْتَارَهُ لِرِسَالَتِهِ. ثُمَّ اطَّلَعَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَهُ فَرَأَى قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ فَاخْتَارَهُمْ لِصُحْبَتِهِ؛ [١٤/] فَمَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّه حَسَنٌ، وَمَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ قَبِيحًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ قَبِيحٌ)) (٢) . وَقَالَ بَعْضُهُمْ: العِلْمُ قَالَ اللهُ قَالَ رَسُولُهُ ... قَالَ الصَّحَابَةُ لَيْسَ خُلْفٌ فِيْهِ مَا العِلْمُ نَصْبُكَ لِلخِلافِ سَفَاهةً ... بَيْنَ النُّصُوصِ وَبَيْنَ رَأْيِ سَفِيْهِ كَلَّا وَلا نَصْبُ الخِلافِ جَهَالة ... بَيْنَ الرَّسُولِ وَبَيْنَ رَأْيِ فَقِيْهِ ً كَلَّا وَلا رَدُّ النُّصُوصِ تَعَمُّدَاً ... حَذَرَاً مِنْ التَّجْسِيمِ والتَّشْبِيْهِ

стр. 27

حَاشَا النُّصُوصَ مِنْ الَّذِي رُمِيتْ بِهِ ... مِنْ فِرْقَةِ التَّعْطِيلِ وَالتَّمْوِيْهِ (١) وَعَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ إلَى شُرَيْحٍ: ((إذَا حَضَرَك أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ؛ فَانْظُرْ مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ فَاقْضِ بِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَفِيمَا قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَفِيمَا قَضَى بِهِ الصَّالِحُونَ وَأَئِمَّةُ الْعَدْلِ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَأَنْتَ بِالْخِيَارِ؛ فَإِنْ شِئْت أَنْ تَجْتَهِدَ رَأْيَك فَاجْتَهِدْ رَأْيَك، وَإِنْ شِئْت أَنْ تُؤَامِرنِي، وَلَا أَرَى مُؤَامَرَتَك إيَّايَ إلَّا خَيْرًا لَك، وَالسَّلَامُ)) (٢) وَعَنْ الشَّعْبِي أَيْضَاً قَالَ: ((أَخَذَ عُمرَ فَرَساً مِنْ رَجُل عَلى سَوْمٍ (٣) .

стр. 28

؛ فحَمَلَ عَلَيْهِ فَعُطِبَ؛ فَخَاصَمَهُ الرَّجُلُ، فَقالَ عُمَرُ: اجْعَلْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ رَجُلاً. فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي أَرْضَى بِشُرَيحٍ العِرَاقِي [/١٥] ؛ فَقَالَ شُرَيْحٌ: أَخَذْتَهُ صَحِيْحَاً سَلِيْمَا ً؛ فأَنْتَ لَهُ ضَامِنٌ حَتَّى تَرُدَّهُ صَحِيْحَاً سَلِيْمَاً. قَالَ: فَكَأَنَّهُ أَعْجَبَهُ؛ فَبَعَثَهُ قَاضِيَاً، وقَالَ: مَا اسْتَبَانَ لَكَ مِنْ كِتَابِ اللهِ؛ فَلا تَسْأَلْ عَنْهُ؛ فَإِنْ لَمْ يَسْتَبِنْ في كِتَابِ اللهِ؛ فَمِنْ السُّنَّةِ؛ فَإِنْ لَمْ تَجِدْ في السُّنَّةِ؛ فَاجْتَهِدْ رَأْيَك)) (١) . قَالَ ابنُ القَيِّمِ: ((فَالرَّأْيُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: رَأْيٌ بَاطِلٌ بِلَا رَيْبٍ، وَهُوَ الرَّأْيُ الْمُخَالِفُ لِلنَّصِّ، والْكَلَامُ فِي الدِّينِ بِالْخَرْصِ. وَرَأْيٌ صَحِيحٌ، وهُوَ الَّذِي اسْتَعْمَلهُ السَّلَفُ وَعَمِلُوا بِهِ. وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: سَوَّغُوا الْعَمَلَ وَالْفُتْيَا وَالْقَضَاءَ بِهِ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ إلَيْهِ حَيْثُ لَا يُوجَدُ مِنْهُ بُدٌّ، وَلَمْ يُلْزِمُوا أَحَدًا الْعَمَلَ بِهِ، وَلَمْ يُحَرِّمُوا مُخَالَفَتَهُ، وَلَا جَعَلُوا مُخَالِفَهُ مُخَالِفًا لِلدِّينِ)) . انْتَهَى مُلَخَّصَاً مَعْ تَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ (٢) . وَقَالَ أَيْضَاً: ((لَفْظَ الْقِيَاسِ لَفْظٌ مُجْمَلٌ، يَدْخُلُ فِيهِ الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ وَالْفَاسِدُ، وَالصَّحِيحُ هُوَ الَّذِي وَرَدَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ، وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَيْنِ، فَالْأَوَّلُ قِيَاسُ الطَّرْدِ، وَالثَّانِي قِيَاسُ الْعَكْسِ، وَهُوَ مِنْ الْعَدْلِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ ﷺ ، وَحَيْثُ عَلِمْنَا أَنَّ النَّصَّ وَرَدَ بِخِلَافِ قِيَاسٍ عَلِمْنَا قَطْعًا أَنَّهُ قِيَاسٌ فَاسِدٌ)) (٣) [١٦/] وَقَالَ أَيْضَاً: ((ذِكْرُ تَفْصِيلِ الْقَوْلِ فِي التَّقْلِيدِ وَانْقِسَامِهِ إلَى مَا يَحْرُمُ الْقَوْلُ فِيهِ وَالْإِفْتَاءُ بِهِ، وَإِلَى مَا يَجِبُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ، وَإِلَى مَا يَسُوغُ مِنْ غَيْرِ إيجَابٍ. فَأَمَّا النَّوْعُ الْأَوَّلُ؛ فَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا: الْإِعْرَاضُ عَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ وَعَدَمُ الِالْتِفَاتِ إلَيْهِ اكْتِفَاءً بِتَقْلِيدِ الْآبَاءِ. الثَّانِي: تَقْلِيدُ مَنْ لَا يَعْلَمُ الْمُقَلِّدُ أَنَّهُ أَهْلٌ لَأَنْ يُؤْخَذَ بِقَوْلِهِ.

стр. 29

الثَّالِثُ: التَّقْلِيدُ بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ وَظُهُورِ الدَّلِيلِ عَلَى خِلَافِ قَوْلِ الْمُقَلَّدِ.)) (١) إلى أن قال: ((وَالْمُقَلِّدُ لَا يَعْرِفُ الْحَقَّ مِنْ الْبَاطِلِ، وَقَدْ نَهَاهُمُ أَئِمَّتُهُم عَنْ تَقْلِيْدِهِم، وَأَوْصَوْهُمْ إذَا ظَهَرَ الدَّلِيلُ أَنْ يَتْرُكُوا أَقْوَالَهُمْ وَيَتَّبِعُوهُ، فَخَالَفُوهُمْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ! وَأَعْجَبُ مِنْ هَذَا أَنَّهُمْ مُصَرِّحُونَ فِي كُتُبِهِمْ بِبُطْلَانِ التَّقْلِيدِ وَتَحْرِيمِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَحِلُّ الْقَوْلُ بِهِ فِي دِينِ اللَّهِ، وَلَوْ اشْتَرَطَ الْإِمَامُ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ لَمْ يَصِحَّ شَرْطُهُ وَلَا تَوْلِيَتُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ صَحَّحَ التَّوْلِيَةَ وَأَبْطَلَ الشَّرْطَ. وَكَذَلِكَ الْمُفْتِي يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْإِفْتَاءُ بِمَا لَا يَعْلَمُ صِحَّتُهُ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ، وَالْمُقَلِّدُ لَا عِلْمَ لَهُ بِصِحَّةِ الْقَوْلِ وَفَسَادِهِ؛ إذْ طَرِيقُ ذَلِكَ مَسْدُودَةٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ كُلٌّ مِنْهُمْ يَعْرِفُ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ مُقَلِّدٌ لِمَتْبُوعِهِ لَا يُفَارِقُ قَوْلَهُ، [/١٧] وَيَتْرُكُ لَهُ كُلَّ مَا خَالَفَهُ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ قَوْلِ صَاحِبٍ أَوْ قَوْلِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْ مَتْبُوعِهِ أَوْ نَظِيرِهِ، وَهَذَا مِنْ أَعْجَبِ الْعَجَبِ)) . انْتَهَى مُلَخَّصَاً (٢) . وَقَالَ الأَمِيرُ مُحَمَّدُ بِنُ إِسْمَاعِيل الصَّنْعَانِي فِي قَصِيْدَتِهِ المشْهُورَةِ: وَمَا كُلُّ قَوْلٍ بَالقَبُولِ مُقَابَلٌ ... وَمَا كُلُّ قَوْلٍ وَاجِبُ الرَّدِّ والطَّرْدِ ً سِوَى مَا أَتَى عَنْ رَبِّنَا ورَسُولِهِ ... فَذَلِك قَوْلٌ جَلَّ يَا ذَا عَنْ الرَّدِّ وَأَمَا أَقَاوِيلُ الرِّجَالِ فَإِنَّهَا ... تَدُورُ عَلى حَسْبِ الأَدِلَّةِ فِي النَّقْدِ فَمُقْتدِياً كُنْ فِي الهُدَى لا مُقَلِّدَاً ... وَخَلِّ أَخَا التَّقْلِيدِ فِي الأَسْرِ بِالقَدِ (٣)

стр. 30

وَقَالَ شَيْخُ الإِسْلامِ مُحَمَّدُ بِنُ عَبْدِ الوَهَّابِ فِي بَعْضِ رَسَائِلِهِ: ((وأَمَّا هَذَا الخَيَالُ الشَّيْطَانِي الَّذِي اصْطَادَ بِهِ النَّاسَ، أَنَّ مَنْ سَلَكَ هَذا المسْلَكَ فَقَدْ نَسَبَ نَفْسَهُ لِلاجْتِهَادِ، وَترَكَ الاِقْتِدَاءَ بِأَهْلِ العِلْمِ، وَزَخْرَفَهُ بِأَنْوَاعِ الزَّخَارِفِ؛ فَلَيْسَ هَذا بِكَثيرٍ مِنْ الشَّيْطَانِ وزَخَارِفِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالى: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [سورة الأنعام: ١١٢] . فَإِنَّ الَّذِي أَنَا عَلَيْهِ وأَدْعُوُكُمْ إِلَيْهِ هُوَ فِي الحَقِيْقَةِ، الاِقْتِدَاءِ بِأَهْلِ العِلْمِ فَإِنَّهُمُ قَدْ وَصَّوْا النَّاسَ بِذَلِك، وَمِنْ أَشْهَرِهِمْ كَلامَاً فِي ذَلِكَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ: ((لا بُدَّ أَنْ تَجِدُوُا عَنِّي مَا يُخَالِفُ الحَدِيثَ؛ فَكُلُ مَا خَالَفَهُ فَأُشْهِدُكُمْ [١٨/] أَنِّي قَدْ رَجَعْتُ عَنْهُ)) وَأَيْضَاً: ((أَنَا فِي مُخَالَفَتِي هَذَا العَالِمَ (١) لَمْ أُخَالِفَهُ وَحْدِي؛ فَإِذَا اخْتَلَفْتُ أَنَا وَشَافِعِيٌ مَثَلاً فِي أَبْوَالِ مَأكُولِ الَّلَحْمِ، وقُلْتُ القَوْلَ بِنَجَاسَتِهِ يُخَالِفُ حَدِيثَ العُرَنِنِّينَ، وَيُخَالِفُ حَدِيثَ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : ((صَلَّى فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ)) ؛ فَقَالَ هَذَا الجَاهِلُ الظَّالِمُ أَنْتَ أَعْلَمُ بِالحَدِيثِ مِنْ الشَّافِعِيِّ؟ قُلْتُ: أَنَا لَمْ أُخَالِفُ الشَّافِعِيَّ مِنْ غَيْرِ إِمَامٍ اتَّبَعْتُهُ، بَلْ اتَّبَعْتُ مَنْ هُوَ مِثْلَ الشَّافِعِيِّ، أَوْ أَعْلَمَ مِنْهُ قَدْ خَاَلَفَهُ واسْتَدَلَّ بِالأَحَادِيثِ. فَإِذَا قَالَ: أَنْتَ أَعْلَمُ مِنْ الشَّافِعِيِّ؟ قُلتُ: أَنْتَ أَعْلَمُ مِنْ مَالِكَ وَأَحْمَدَ؟ فَقَدْ عَارَضْتُهُ بِمِثْلِ مَا عَارَضَنِي بِهِ، وسَلِمَ الدَّلِيلُ مِنْ المَعَارِضِ، واتَّبَعْتُ قَولَ اللهِ تَعَالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [سورة النساء:٥٩] . انْتَهَى (٢) . وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي إِرْشَادِ الفُحُولِ: ((وَعِنْدِي أَنَّ مَنْ اسْتَكْثَرَ مِنْ تَتَبُّعِ الآيَاتِ القُرْآنيَِّةِ وَالأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ، وجَعَلَ ذَلِكَ دَأْبَهُ، وَوَجَّهَ إِلَيْهِ هِمَّتَهُ، واسْتَعَانَ اللهَ ، واسْتَمَدَّ

стр. 31

مِنْهُ التَّوْفِيقَ، كَانَ مُعْظَمُ هَمِّهِ ومَرْمَى قَصْدِهِ الوُقُوفَ عَلى الحَقِّ، والعُثُورَ عَلى الصَّوابِ، مِنْ دُونِ تَعَصُّبٍ لِمَذْهَبٍ مِنْ المَذَاهِبِ، [/١٩] وَجَدَ فِيْهِمَا مَا يَطْلُُبُهُ؛ فَإِنَّهُمَا الكَثِيرُ الطَّيِبُ، والبَحْرُ الَّذِي لا يَنْزِفُ، والنَّهْرُ الَّذِي يَشْرِبُ مِنْهُ كُلُّ وَارِدٍ عَلَيْهِ، وَالعَذْبُ الزُّلَالُ، والمُعْتَصَمُ الَّذِي يَأْوِيِ إِلَيهِ كُلُّ خَائِفٍ؛ فَاشْدُدْ يَدَيْكَ عَلى هَذا؛ فَإِنَّكَ لَإِنْ قَبِلْتَهُ بِصَدْرٍ مُنْشَرِحٍ، وَقَلْبٍ مُوَفَّقٍ، وَعَقْلٍِ قَدْ حَلَّتْ بِهِ الهِدَايَةُ، وَجَدْتَ فِيْهِمَا كُلَّ مَا تَطْلُبُهُ مِنْ أَدِلَّةِ الأَحْكَامِ الَّتِي تُرِيدُ الوُقُوفَ عَلى دَلَائِلِهَا كَائِنَاً مَا كَان.)) (١) . وَقَالَ أَيْضَاً: ((التَّقْلِيدُ: العَمَلُ بِقَوْلِ الغَيْرِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍِ؛ فَيَخْرُجُ العَمَلُ بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، والعَمَلُ بِالإجْمَاعِ، ورُجُوعُ العَامِّيِّ إِلى المُفْتِي، ورُجُوعُ القَاضِي إِلى شَهَادَةِ العُدُولِ؛ فَإِنَّها قَدْ قَامَتْ الحُجَّةُ فِي ذَلِك)) انْتَهَى (٢) . وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ؛ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ؛ فَلَهُ أَجْرٌ)) (٣) وَقَالَ البُخَارِيُّ: ((بَابُ مَا يُذْكَرُ مِنْ ذَمِّ الرَّأْيِ وَتَكَلُّفِ الْقِيَاسِ)) ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ ولَا تَقُلْ ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ وسَاقَ حَدِيثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْزِعُ الْعِلْمَ بَعْدَ أَنْ أَعْطَاكُمُوهُ انْتِزَاعًا وَلَكِنْ يَنْتَزِعُهُ مِنْهُمْ مَعَ قَبْضِ الْعُلَمَاءِ بِعِلْمِهِمْ فَيَبْقَى نَاسٌ جُهَّالٌ يُسْتَفْتَوْنَ فَيُفْتُونَ [٢٠/] بِرَأْيِهِمْ فَيُضِلُّونَ وَيَضِلُّونَ)) (٤) .

стр. 32

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: ((التَّوْفِيق بَيْن الْآيَة وَالْحَدِيث فِي ذَمِّ الْعَمَل بِالرَّأْيِ وَبَيْن مَا فَعَلَهُ السَّلَف مِنْ اِسْتِنْبَاط الْأَحْكَام، أَنَّ نَصَّ الْآيَة ذَمُّ الْقَوْل بِغَيْرِ عِلْم؛ فَخَصَّ بِهِ مَنْ تَكَلَّمَ بِرَأْيٍ مَحْمُود عَنْ اِسْتِنَاد إِلَى أَصْلٍ. وَمَعْنَى الْحَدِيثَ: ذَمّ مَنْ أَفْتَى مَعَ الْجَهْل، وَلِذَلِكَ وَصَفَهُمْ بِالضَّلَالِ وَالْإِضْلَال، وَإِلَّا فَقَدْ مَدَحَ مَنْ اِسْتَنْبَطَ مِنْ الْأَصْل لِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ فَالرَّأْي إِذَا كَانَ مُسْتَنِدًا إِلَى أَصْلٍ مِنْ الْكِتَاب أَوْ السُّنَّة أَوْ الْإِجْمَاع؛ فَهُوَ الْمَحْمُود، وَإِذَا كَانَ لَا يَسْتَنِد إِلَى شَيْء مِنْهَا؛ فَهُوَ الْمَذْمُوم)) (١) . قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ: ((وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَصِيرَ إِلَى الرَّأْي إِنَّمَا يَكُون عِنْد فَقْد النَّصِّ، وَإِلَى هَذَا يُومِئ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيح إِلَى أَحْمَد بْن حَنْبَل سَمِعْت الشَّافِعِيّ يَقُول: ((الْقِيَاس عِنْد الضَّرُورَة)) وَمَعَ ذَلِكَ فَلَيْسَ الْعَامِلُ بِرَأْيِهِ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ أَنَّهُ وَقَعَ عَلَى الْمُرَادِ مِنْ الْحُكْمِ فِي نَفْس الْأَمْرِ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ بَذْلُ الْوُسْعِ فِي الِاجْتِهَادِ؛ لِيُؤْجَرَ وَلَوْ أَخْطَأَ. وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَلِ، وَابْنُ عَبْد الْبَرِّ فِي بَيَان الْعِلْم عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ كَالْحَسَنِ، وَابْن سِيرِينَ، وَشُرَيْحٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، بِأَسَانِيدَ جِيَادٍ، [/٢١] ذَمِّ الْقَوْلِ بِالرَّأْيِ الْمُجَرَّدِ وَيَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة: ((لَا يُؤْمِن أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُون هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْت بِهِ)) أَخْرَجَهُ الْحَسَنُ بْن سُفْيَانَ وَغَيْره، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٍ وَقَدْ صَحَّحَهُ النَّوَوِي فِي آخِر الْأَرْبَعِينَ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَمْرو بْن حُرَيْث عَنْ عُمَر قَالَ: ((إِيَّاكُمْ وَأَصْحَابَ الرَّأْيِ؛ فَإِنَّهُمْ أَعْدَاءُ السُّنَنِ، أَعْيَتْهُمْ الْأَحَادِيثُ أَنْ يَحْفَظُوهَا؛ فَقَالُوا بِالرَّأْيِ؛ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا)) فَظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ أَرَادَ ذَمَّ مَنْ قَالَ بِالرَّأْيِ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ مِنْ الْحَدِيثِ لِإِغْفَالِهِ التَّنْقِيب عَلَيْهِ فَهَذَا يُلَامُ، وَأَوْلَى مِنْهُ بِاللَّوْمِ مَنْ عَرَفَ النَّصَّ وَعَمِلَ بِمَا

стр. 33

عَارَضَهُ مِنْ الرَّأْي، وَتَكَلَّفَ لِرَدِّهِ بِالتَّأْوِيلِ وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةَ بِقَوْلِهِ فِي التَّرْجَمَة ((وَتَكَلَّفَ الْقِيَاس)) وَاللَّهُ أَعْلَم)) (١) . انْتَهَى. قَالَ فِي الاِخْتِيَارَاتِ لِشَيْخِ الإِسْلامِ ابنِ تَيْمِيَّةَ: ((وَأَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلى تَحْرِيمِ الحُكْمِ والفُتْيَا بِالهَوَى، وَبِقَوْلٍ، أَوْ وَجْهٍ مِنْ غَيرِ نَظَرٍ فِي التَّرْجِيْحِ، وَيَجِبُ العَمَلُ بِمُوجِبِ اعْتِقَادِهِ فِيْمَا لَهُ وعَلَيْهِ إِجْمَاعَاً. وَالوِلَايَةُ لَهَا رُكْنَانِ: القُوَّةُ والأَمَانَةُ؛ فَالقُوَّةُ فِي الحُكْمِ؛ تَرْجِعُ إِلى العِلْمِ بِالعَدْلِ بِتَنْفِيذِ الحُكْمِ. والأَمَانَةِ تَرْجِعُ إِلى خَشْيَةِ اللهِ تَعَالى، وَلا يَجُوزُ الاسْتِفْتَاءُ إِلا مِمَّنْ يُفْتِي بِعِلْمٍ وَعَدْلٍِ. وشُروطُ القَضَاءِ تُعْتبرُ حَسْبَ الإِمْكَانِ، وَيَجُِب تَوْلِيةُ الأَمْثَلِ [٢٢/] فَالأَمْثَلُ، وعَلى هَذَا يَدُلُّ كَلامُ أَحْمَدَ وَغَيرُهُ، فَيُوَلَّى لِعَدَمِهِ أَنْفَعُ الفَاسِقِينَ، وأَقَلُّهُمَا شَرَّاً، وأَعَدَلُ المُقَلِّدِينَ، وأَعْرَفُهُمَا بِالتَّقْلِيدِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَعْلَمُ والآخَرُ أَوْرَعُ قَدَّمَ فِيْمَا يَظْهَرُ حُكْمُهُ ويَخَافُ الهَوَى فِيْهِ الأَوْرَعَ، وفِيْمَا يَنْدُرُ حُكْمُهُ ويَخَافُ مِنْ الاشْتِبَاهِ الأَعْلَمُ، وَيَجِبُ أَنْ يَنْصِبَ عَلى الحُكْمِ دَلِيلاً، وأَدِلَّةُ الأَحْكَامِ مِنْ الكِتَابِ والسُّنَّةِ والإِجْمِاعِ، ومِا تَكَلَّمَ الصَّحَابَةُ فِيْهِ إِلى اليَوْمِ بِقَصْدٍ حَسَنٍ. وَالنَّبِيهُ الَّذِي سَمِعَ اخْتَلافَ العُلَمَاءِ وأَدِلَّتَهُم؛ في الجُمْلةِ عندُه مَا يَعْرِفُ بِهِ رُجْحَانَ القَوْلِ، ومَاكَانَ مُتَّبِعَاً لإمامٍ فَخَالَفَهُ فِي بَعْضِ المَسَائِلِ لِقُوَّةِ الدَّلِيلِ أَوْ لِكَوْنِ أَحَدُهُمَا أَعْلَمُ وأَتْقَى فَقَدْ أَحْسَنَ، ولَمْ يَقْدَحْ ذَلِك فِي عَدَالَتِهِ بِلَا نِزَاعٍ، وَكَرِهَ العُلَمَاءُ الأَخْذَ بِالرُّخَصِ. ولا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ مَعْ مَعْرِفَةِ الحُكْمِ اتِّفَاقَاً، وقَبْلُهُ يَجُوزُ عَلى المشْهُورِ إِلَّا أَنْ يَضِيْقَ الوَقْتُ؛ فَفِيْهِ وَجْهَان، أَوْ يَعْجِزُ عَنْ مَعْرِفَةِ الحَقِّ؛ لِتَعَارُضِ الأَدِلَّةِ؛ فَفِيْهِ وَجْهَان؛ فَهَذِهِ أَرْبَعُ مَسَائِلٍ. والعَجْزُ قَدْ يُعْنَى بِهِ العُجْزُ الحَقِيْقِيُّ، وَقَدْ يُعْنَى بِهِ المَشَقَّةَ العَظِيْمَةَ، والصَّحِيْحُ الجَوَازُ فَي هَذَيْنِ الموْضِعَيْنِ)) انْتَهَى مُلَخَّصَاً (٢) . قَالَ البُخَارِيُّ: [/٢٣] ((بَابُ الإِقْتِدَاءِ بِسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ قَالَ: أَئمَِّةً نَقْتَدِي بِمَنْ قَبْلَنَا وَيَقْتَدِي بِنَا مَنْ بَعْدَنَا.

стр. 34

وَعَنْ ابْنُ عَوْنٍ: ((ثَلَاثٌ أُحِبُّهُنَّ لِنَفْسِي وَلِإِخْوَانِي؛ هَذِهِ السُّنَّةُ أَنْ يَتَعَلَّمُوهَا وَيَسْأَلُوا عَنْهَا، وَالْقُرْآنُ أَنْ يَتَفَهَّمُوهُ وَيَسْأَلُوا عَنْهُ، وَيَدَعُوا النَّاسَ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ)) . انْتَهَى (١) . قَالَ الْكِِرْمَانِيُّ: ((قَالَ فِي الْقُرْآن ((يَتَفَهَّمُوهُ)) وَفِي السُّنَّة ((يَتَعَلَّمُوهَا)) ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمُسْلِمَ يَتَعَلَّمُ الْقُرْآنَ فِي أَوَّلِ أَمْرهِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الْوَصِيَّةِ بِتَعَلُّمِهِ؛ فَلِهَذَا أَوْصَى بِتَفَهُّمِ مَعْنَاهُ وَإِدْرَاكِ مَنْطُوقِهِ. انْتَهَى)) (٢) . قَالَ الحَافِظُ: ((وَلَا يَرْتَابُ عَاقِلٌ فِي أَنَّ مَدَارَ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ عَلى كِتَابِ اللهِ، وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ، وَأَنَّ بَاقِي العُلُومِ، إِمَّا آلَاتٌ لِفَهْمِهَا وَهِيَ الضَّالَّةُ المطْلُوُبَةُ، أَوْ أَجْنَبِيَّةٌ عَنْهَا وَهِيَ الضَّارَّةُ المغْلُوُبَةُ)) . (٣) . انْتَهَى. وَاللهُ أَعْلَمُ، وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وصَلَّى اللهُ وسَلَّمَ عَلى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإحْسَانٍ إِلى يَوْمِ الدِّيْنِ (٤) .

стр. 35

الفِهْرس مقدمة المحقق......................................................................٢ خطة التحقيق: ترجمة المؤلِّف ﵀.............................................................٥ * اسْمُهُ وَنَسَبُهُ:..................................................................٥ * مَوْلِدُهُ ونَشْأَتُهُ:.................................................................٥ * طلَبَهُ ُلِلعِلْمِ:....................................................................٦ * شُيُوخُهُ:.......................................................................٦ * صِفَاتُهُ الخَلْقِيَّة والخُلُقِيَّة:.........................................................٨ * زُهْدُهُ وَوَرَعُهُ وَعِبَادَتُهُ:..........................................................٨ * أعْمَالُهُ وَمَنَاصِبُهُ:................................................................٩ * تَلامِيْذُهُ:.......................................................................٩ * مُصَنَّفَاتُهُ:.....................................................................١٠ * وَفَاته:........................................................................١٣ * عَقِبَهُ:........................................................................١٤ الحديث عن الرسالة: النُّسَخُ المطْبُوعَةُ:.................................................................١٥ النُّسْخَةُ الخَطِّيَةُ المعْتَمَدَةُ...........................................................١٦ عَمَلُ المحَقِّقِ:....................................................................١٦ النص المحقَّق......................................................................١٩ الفِهْرس..........................................................................٣٧