← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12878

شرح الورقات - عبد الكريم الخضير

عبد الكريم الخضير

Полный текст (401 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

دعنا من كونها أصلاً، وكون علتها منصوصة، لو قال شخص: أنا عندي أن الهرة طاهرة، أو النص دل على طهارة سؤر الهرة، والعلة أستنبطها؛ لأنها تشبه .. ؛ لأنه ما وقف على قوله ﵊: ((إنها من الطوافين))، وإلا من يقف ما هو معلل بعلة أخرى، لكن هذا ما وقف، عرف أن النبي ﵊ توضأ بسؤرها وأبو قتادة توضأ، وأن .. ، فقال: طاهرة، لماذا؟ فاستنبط علة، علة؛ لأنها تشبه الجدي في حجمه، أو تشبه الجفرة في حجمها، هذا يعود إلى الأصل بالإبطال؛ لأنه يأتينا من يقول: إنها تشبه .. ، هاتوا لنا شيئاً محرماً أو نجساً، ما بس في حجمه، صغير، يجي بكبر .. ، إيه لا، تشبه جرو الكلب؛ لأنها تشبه جرو الكلب، فعادت على الأصل بالإبطال، إذن هذه العلة لا تصلح لأن تكون علة؛ لأنها عادت على الأصل بالإبطال، نعم؟ طالب:. . . . . . . . . إيه، لكن أبطلت الأصل؛ لأنه لما الرسول توضأ بسؤرها، أبو قتادة توضأ بسؤرها، هذا دليل على أيش؟ الطهارة، احنا نستنبط لماذا صارت طاهرة؟ كأننا ما وقفنا على العلة المنصوصة، أنها من الطوافين، ما هي بعلة الطوافة، نستنبط علة، شخص ما وقف على العلة الحقيقية المنصوصة، فقال: لأنها تشبه الجدي، والجدي طاهر، تشبه الجفرة، والجفرة طاهرة، يأتي من يقول: لا يا أخي هي تشبه جرو الكلب، إذن هي نجسة، فعاد على الأصل بالإبطال، فعاد على الأصل بالإبطال. طالب:. . . . . . . . . إيه، بس ما تعود عليه بالإبطال مثل هذه، ما تعود عليه بالإبطال، وإلا هم قالوا –بعض أهل العلم قالوا-: إن الهرة وما دونها في الخلقة طاهرة، فنظروا إلى مسألة الحجم، والحجم لا مانع منه إذا لم يعد على الأصل بالإبطال. التاسع عشر: إن كانت مستنبطة في الشرط، وألا تعارض بمعارض مناف لموجود بالأصل. العشرون: إن كانت مستنبطة ألا تتضمن زيادة على النص، أي حكماً غير ما أثبته النص. الحادي والعشرون: ألا تكون معارضة لعلة أخرى تقتضي نقيض حكمها. الثاني والعشرون: إذا كان الأصل فيه شرطاً فلا يجوز أن تكون العلة موجبة لإزالة ذلك الشرط؛ لأنها عادت على بعض المعلول بالإبطال.

стр. 352

الثالث والعشرون: ألا يكون الدليل الدال عليها متناولاً لحكم الفرع لا بعمومه ولا بخصوصه؛ للاستغناء حينئذ عن القياس. مثل ما قلنا: ألا يكون الفرع منصوصاً عليه، أو لا تتناوله العلة بعمومها، ألا تتناوله العلة بمعومها. الرابع والعشرون: ألا تكون مؤيدة لقياس أصل منصوص عليه بالإثبات، على أصل منصوص عليه بالنفي، ومن شرط الحكم هنا، ومن شرط الحكم أن يكون مثل العلة في النفي والإثبات، شرط الحكم أن يكون مثل العلة في النفي والإثبات، أي في الوجود والعدم، فإن وجدت العلة وجد الحكم، وإن انتفت انتفى، وهذا إذا كان الحكم معللاً بعلة واحدة، كتحريم الخمر، فإنه معلل بالإسكار، فمتى وجد الإسكار وجد الحكم، ومتى انتفى انتفى. وأما إذا كان الحكم معللاً بعلل فإنه لا يلزم منه انتفاء علة معينة، منها انتفاء الحكم، كالقتل فإنه يجب بالردة والزنا بعد الإحصان، وقتل النفس المعصومة المماثلة، وترك الصلاة غير وذلك، أيش معنى هذا؟ وأما إذا كان الحكم معللاً بعلل فإنه لا يلزم من انتفاء علة معينة منها انتفاء الحكم، معلل بعلل، شخص زنى بعد الإحصان، وقتل نفس معصومة، نعم، فاستحق القتل، واضح وإلا لا، زنى وقتل، استحق القتل. شخص زنى بعد الإحصان فقط ولا قتل، نفترض شخصين اشتركا في اغتصاب امرأة، وهما محصنان، أحدهما قتلها، فحكم القاضي بقتلهما، طيب واحد منهما زنى وقتل، كيف الثاني يقتل مثله وهو مجرد زِنا؟ نقول: هذه العلة .. ، المسألة واحد فيه أكثر من علة، وواحد فيه علة موجبة، تكفي هذه العلة، ولذا يقول: وأما إذا كان الحكم معللاً بعلل فإنه لا يلزم منه انتفاء علة معينة منها انتفاء الحكم، يعني ما يقول لك زيد من الناس: ليش قتلت ولدي وهو ما قتل، أنتم قتلتوا ولد فلان صحيح؛ لأنه قتل، نقول: قتلنا ولدك ليش؟ لأنه زنى وهو محصن. كالقتل فإنه يجب بالردة والزنا بعد الإحصان وقتل النفس المعصومة المماثلة وترك الصلاة وغير ذلك. هناك القياس له مفسدات، له مفسدات، إذا كان القياس في مقابلة النص، قالوا عنه: فاسد الاعتبار، لماذا؟ لأنه في مقابل النص، إذا كان القياس مخالفاً للإجماع أيضاً فاسد الاعتبار.

стр. 353

عدم ثبوت الوصف الجامع الذي يجمع بينهما فيقتضي الإلحاق، قصور العلة، النقض، وهو وجود الوصف بدون الحكم، والنقض في سائر الأدلة، يعني حتى في النصوص، العكس وهو وجود الحكم بدون الوصف. السابع: القلب وهو إثبات نقيض الحكم بالعلة بعينها. الثامن: الفرق وهو إبداء معنىً مناسب للحكم يوجد في الأصل، ويعدم في الفرع، أو يوجد في الفرع ويعدم في الأصل. التاسع: القول بالموجب، وهو يقدح بجميع الأدلة بالقياس وغيره، ومعناه: أن يسلم الخصم الدليل الذي استدل به المستدل، إلا أن يقول: هذا الدليل ليس في محل النزاع، نعم، ليس في محل النزاع، نعم، دليلك صحيح لكنه ليس في محل النزاع، دليلك مورده شيء آخر، وإنما هو في غيره، فيبقى الخلاف بينهما. العاشر: نقص شرط من شروط القياس التي تقدم ذكرها. تفضل. بعد أن أنهى المؤلف -رحمه الله تعالى- الكلام في الشروط قال: والعلة هي الجالبة: والحكم هو المجلوب للعلة، العلة هي الجالبة، والحكم هو المجلوب للعلة. الوصف المناسب لترتيب الحكم عليه كدفع حاجة الفقير، فإنه وصف مناسب دفع حاجة الفقير، علة، وصف مناسب لإيجاب الزكاة، والحكم هو المجلوب للعلة، أي هو الأمر الذي نشأ عن وجود ذلك الوصف المناسب، العلة وهي الادخار مع الاقتيات، جلبت الحكم، وهو جريان الربا في الأرز، فالحكم مجلوب، جلب إلى الرز، والعلة التي تجمع بين الرز والبر هي الجالبة لذلك الحكم، وفي هذا يقول الناظم ﵀: والشرط في القياس كون الفرع ... مناسباً لأصله في الجمع بأن يكون جامع الأمرين ... مناسباً للحكم دون مين وكون ذاك الأصل ثابتاً بما ... يوافق الخصمين في رأييهما وشرط كل علة أن تطرد ... في كل معلولاتها التي ترد لم ينتقض لفظاً ولا معنىً فلا ... قياس في ذات انتقاض مسجلا والحكم من شروطه أن يتبعا ... علته نفياً وإثباتاً معا فهي التي له حقيقاً تجلب ... وهو الذي لها كذاك يجلب والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 354

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فقد قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: وأما الحظر والإباحة فمن الناس من يقول: إن الأشياء على الحظر، إلا ما أباحته الشريعة، فإن لم يوجد في الشريعة ما يدل على الإباحة فيستمسك بالأصل وهو الحظر، ومن الناس من يقولُ بضده، وهو أن الأصل في الأشياء الإباحة إلا ما حظره الشرع، ومعنى استصحاب الحال: أن يستصحب الأصل عند عدم الدليل الشرعي. وأما الأدلة فيقدم الجلي منها على الخفي، والموجب للعلم على الموجب للظن، والنطق على القياس، والقياس الجلي على الخفي، فإن وجد في النطق ما يغير الأصل وإلا فيستصحب الحال. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: درس اليوم في مسألتين: أولاهما: الأصل في الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع، الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع. المسألة الثانية: في تعارض الأدلة، فيما إذا وجد الإنسان عيناً يمكن أن ينتفع بها، ولم يجد فيها نصاً يدل على إباحتها، ولا نصاً يدل على منعها، فهل ينتفع بها؛ بناءً على أن الأصل هو الإباحة، حتى يجد دليلاً على المنع، أو يكف عنها بناءً على أن الأصل المنع، والحظر حتى يجد دليل الإباحة. هذه مسألة خلافية بين أهل العلم، والخلاف فيها طويل، من العلماء من يقول: لا حلال إلا ما أحله الله، ومنهم من يقول: لا حرام إلا ما حرمه الله. المؤلف -رحمه الله تعالى- لما ذكر هذه المسألة، فقال: وأما الحظر والإباحة فمن الناس من يقول أن الأشياء على الحظر إلا ما أباحته الشريعة: يعني ممنوع أن تتصرف في ملك الغير إلا بإذنه، وما خلقه الله ملكٌ له، فلا يجوز أن تتصرف فيه إلا بإذنه، فأنت ممنوع من استعماله حتى تجد الدليل الذي يدل على إباحة استعماله، فإن لم يوجد في الشريعة ما يدل على الإباحة يتمسك بالأصل وهو الحظر، هذا قول.

стр. 355

ومن الناس - وهذا القول الثاني- من يقول بضده، وهو أن الأصل في الأشياء على الإباحة إلا ما حظره الشرع: فمن العلماء من يقول: إن الأشياء بعد البعثة موصوفة بالحظر كما كانت قبل البعثة محرمة، وذكرنا دليل هذا القول، وهو أن الفعل والانتفاع بهذه الأعيان تصرّف في ملك الله بغير إذنه؛ إذ جميع ما على وجه الأرض مما يمكن أن ينتفع به هو ملك لله ، والتصرف في ملك الغير بغير إذنه لا يجوز، فممنوع أن تنتفع بشي من ملك غيرك إلا بإذنه. القول الثاني: وهو أن الأصل في الأشياء على الإباحة، يعني أنه مأذون فيها إذناً عاماً مع عدم الحرج، ودليل ذلك أن الله تعالى خلق العبد، وخلق له ما ينتفع به، خلق العبد، يعني لو قلنا: لا ينتفع بشيء حتى يجد دليلاً يدل على إباحته، ماذا عن حكم الأشياء بعد البعثة مباشرة، وقبل صدور الأدلة التي تدل على إباحة هذه الأعيان، يعني هل ينتظر الناس الذين تدينوا بهذا الدين، وتبعوا النبي ﵊ حتى يوجد ما يبيح لهم الانتفاع بهذه الأعيان؟ الله لما خلقهم وخلق لهم ما ينتفعون به، دل ذلك على إباحته لهم، إذ لو لم يَُح لهم، لكان خلقه -جل وعلا- إياها عبثاً، أي خالياً عن الحكمة، يعني لماذا خلقت هذه الأشياء التي يمكن أن ينتفع بها؟ لينتفع بها. ومن أهل العلم من قال بالتوقف، يعني الأدلة متكافئة، أيش الفرق بين القول بالوقف والتوقف، وهل المتوقف قائل؟ يعني من توقف في بيان حكم مسألة ما، هل يمكن أن يدرج قوله في أقوال أهل العلم الذين لهم قول في هذه المسألة؟ نعم، هم يذكرون: القول الثالث التوقف في كثير من المسائل، يذكرون الأقوال المتقابلة، ويذكرون أدلتها، وقيل بالوقف، سبق لنا مسألة اللغات ومبدأ اللغات ما كانت توقيفية أو كانت توقيفية أو توفيقية، أو تلفيقية، ورابعها التوقف، رابع الأقوال، وهنا ثالثها التوقف. من الأئمة من يقول: إن الأصل في الأعيان الحضر، الملك لله لا يجوز أن ترتفع إلا بإذنه، ولا ورد الإذن، وهذا دليله ظاهر.

стр. 356

القول الثاني: دليله أيضاً -وهو القول أن الأصل في الأشياء المنتفع بها الإباحة- دليله أيضاً ظاهر، خلق هذه الأمور، وذكرها على سبيل الامتنان من الله وأن الله امتن بها، ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [(٢٩) سورة البقرة]، دل على أنه ينتفع بها، حتى يرد دليل المنع. والثالث: التوقف؛ لأن دليل الفريقين متكافئ، أدلة الفريقين متكافئة. الآن المسألة متصورة؟ دعنا من مسألة الضرورة، الضرورة لها حكمها، اضطر إلى أكل حشيش يأكل، مضطر، نعم، وجد شيئاً ضاراً لا يجوز له أكله، وجد شيئاً متساوي الطرفين لا يضر ولا ينفع، وأراد يجرب، لو قال قائل: يا أخي وأيش الفرق بين البرسيم -علف الأغنام- نعم، وبين الخس، أيش الفرق بينهن، أنت تأكل خس ولا تأكل برسيم، ليش ما نأكل برسيم؟ تقول له حرام وإلا حلال؟ وأيش تقول؟ نعم، ما يضر، مثل الخس، ويش تقول له، حلال وإلا حرام؟ ليش ما تشتهيه، والله الناس يشتهونه، وأيش المانع؟ يعني مسألة تعارفنا على أننا ما نأكله وصرنا ما نشتهيه، وعرفنا أنه طعام للدواب وتركناه من أجل هذا، نعم، يقول: والله أنا جائز لي البسه ما هو جائر لي أطعمه وأيش المانع، باكل، أبش تقول له: حرام وإلا حلال؟ أنت ما عندك دليل لا يبيح ولا يحرم، كل على أصله في المسألة. من يقول: إن الأصل المنع يمتنع حتى يجد دليلاً يبيح، من يقول الأصل: الإباحة يأكل حتى يجد دليلاً يدل على الإباحة. طالب:. . . . . . . . . أنت وأيش يدريك أن ما عندهم دليل. . . . . . . . . طالب:. . . . . . . . . أنت إذا اعتقدت هذا القول لا تأكله إلا بدليل، إذا اعتقدت هذا القول واعتمدته لا تأكل غلاً بدليل أو تقليد، تقلد من تبرأ الذمة بتقليده. أظن أن المسألة ظاهرة، وذكرت لكم سابقاً أن واحداً علق على كتاب في هذه المسألة قال: كالحشيش، المؤلف مثل بالحشيش، والمعلق تكلم في أربع صفحات ينقل ما جاء في كتب أهل العلم عن الحشيش وأنها مسكرة، وأنها حرام إجماعاً، وأنها .. ، نعم، وهو قصده حشيش البَر، طالع رحلة وجاز له .. ، نوع من أنواع الحشائش يأكل وإلا ما يأكل؟ افترض أن نفعها مضمون لكن ما تضر قطعاً يأكل وإلا ما يأكل؟

стр. 357

كل على أصله في هذه المسألة، نعم الورع، الورع كونك ما تدخل في جوفك إلا شيئاً تجزم بحله، هذا شيء، نعم، هذا أمر ثاني، يعني الورع حمل كثير من السلف أن يتركوا المباح خشية أن يقعوا في المحظور، فضلاً عن المختلف فيه. أقول: ومثاله ما يوجد على ظهر الأرض من نباتات مما لا ضرر فيه، هل يباح أكله قبل الوقوف على دليل يبيحه؟ أو يمتنع من أكله حتى يوجد دليل على الإباحة؟ وكل على أصله، والمختار يعني من باب التوسعة، ويسر الدين وسماحته، صار عند جمع من أهل العلم -وهم الأكثر- أن الأصل فيما ينتفع به والأشياء النافعة الجواز؛ لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [(٢٩) سورة البقرة]، وهذا ذكره الله -جل وعلا- في معرض الامتنان، ولا يمتن إلا بجائز. وأما بالنسبة لما يضر، فالأصل فيها التحريم لعموم حديث: ((لا ضرر ولا ضرار))، لعموم: ((لا ضرر ولا ضرار))، وأظن كررنا مراراً التمثيل بالسقنقور، نعم، مثلنا به مراراً، فلا داعي لتكراره. المقصود أن المسألة واضحة ومتصورة، فلا أحد يمنعك من أن تأكل ما لا يضر، ولو لم تجد دليلاً يدل على إباحته، ما لم يكن ضاراً، أو يكون داخلاً في عموم ما ينهى عنه، نعم. طالب:. . . . . . . . . حتى بعد البعثة، لكن بعد البعثة، بعد البعثة قبل ورود الدليل الذي يدل عليه. طالب: لكن بعد ثبوت الأدلة المفيدة أن الأصل الإباحة، هل هناك من قال. . . . . . . . .؟ إيه إيه، الأصل في الأعيان المنتفع بها بعد ورود الشرع، كل على أصله، تدري أن بعض الناس يقعد قواعد في الأطعمة، الأصل الإباحة، بعضهم يقول: الأصل المنع، نعم، عندهم يختلفون فيها، ولذا يقول بعضهم: لا حرام ما حرمه الله، ومنهم من يقول: لا حلال إلا ما أباحه الله. هنا يقول الناظم -رحمه الله تعالى-: لا حكم قبل بعثة الرسول ... بل بعدها بمقتضى الدليل والأصل في الأشياء قبل الشرع ... تحريمها لا بعد حكم شرعي بل ما أحل الشرع حللناه ... وما نهانا عنه حرمناه وحيث لم نجد دليل حلّ ... شرعاً تمسكنا بحكم الأصل مستصحبين الأصل لا سواه ... وقال قوم ضد ما قلناه أي أصله التحليل إلا ما ورد ... تحريمها في شرعنا فلا يرد

стр. 358

وقيل إن الأصل فيما ينفع ... جوازه، وما يضر يمنع قيل القول الثالث هذا الأخير: أن الأصل فيما ينفع والأصل فيما يضر، معروف أن الأصل، الخلاف في المسألة في الأعيان المنتفع بها، الأعيان المنتفع بها، ولا يمكن أن ينتفع فيما يضر. طالب:. . . . . . . . . كل على .. ، أما بالنسبة للعبادات فهي توقيفية، العبادات توقيفية، لا يجوز لأحد أن يعمل شيئاً إلا بمقتضى الدليل مما يتعبد به لله ، وألا يعبد الله إلا بما شرع، وألا يعبد الله إلا بما شرع، العبادات مفروغ منها، ولذا لا تدخلها الأقيسة، فالعبادات توقيفية. بالنسبة للمعاملات والمناكحات وغيرها من أبواب الدين والأطعمة هذه محل الخلاف. الاستصحاب الذي أشار إليه المؤلف، معنى الاستصحاب أن يستصحب الأصل عند عدم الدليل الشرعي: فالاستصحاب: السين والتاء للطلب، المقصود به طلب الصحبة، كالاستشفاء، طلب الشفاء، والاسترقاء، طلب الرقية، والاستسقاء، طلب السقيا، معناه أن يستصحب الأصل عند عدم الدليل الشرعي: هذا تعريف المؤلف. وفي إرشاد الفحول معناه: أن ما ثبت في الزمن الماضي فالأصل بقاؤه في الزمن المستقبل، مأخوذ من المصاحبة، وهو بقاء ذلك الأمر ما لم يوجد ما يغيِّرُه، أن ما ثبت في الزمن الماضي فالأصل بقاؤه في الزمن المستقبل، قوله: مأخوذ من المصاحبة، وهو بقاء ذلك الأمر ما لم يوجد ما يغيِّرُه. إذا لم يجد المجتهد بعد البحث والتحري دليلاً على وجوب شيء أو عدم وجوبه، ذكر له أو سمع شيئاً من فضائل رجب، أو ليلة النصف من شعبان، نعم، فأراد أن يصوم رجب، فبحث في الأدلة فلم يجد ما يدل على وجوب صوم رجب مثلاً، فيستصحب هذا الأصل؛ لأن الأصل عدم وجوب صومه. أراد أن يصلي صلاة سادسة، فبحث عن دليل ما وجد؛ لأن الواجبات -الصلاة الواجبة- الصلوات الخمس، هل عليَّ غيرها؟ قال: ((لا، إلا أن تتطوع)) ما وجد ما يدل على وجوب صلاة سادسة، فلا يجب سوى الصلوات الخمس، كما في حديث ضمام: "هل عليَّ غيرها؟ "، قال: ((لا، إلا أن تتطوع)).

стр. 359

طيب، صلاة العيد، صلاة الوتر -عند من يقول بوجوبهما- وجدوا أدلة توجبها، فأنت إذا لم تجد دليلاً تستصحب هذا الأصل، وهو أنه لا شرع إلا ما شرعه الله يعني في العبادات، لا يتعبد الله إلا بما شرع، فتستصحب هذا الأصل، فإذا قال لك قائل: نصوم رجب على سبيل الوجوب والإلزام، نقوم ليلة النصف من شعبان، نقول: هات الدليل؛ نستصحب بالعدم، نستصحب العدم -عدم الدليل- الأصل العدم فنستصحبه حتى نقف على دليل. والاستصحاب من الأدلة التي اختُلِف فيها، العلماء اختلفوا في الاستصحاب هل هو حجة عند عدم الدليل؟ فمنهم من قال: حجة، وهذا قول الحنابلة والمالكية وأكثر الشافعية، سواء كان في النفي أو في الإثبات، وحكاه ابن الحاجب عن الأكثر. إذا نفى أمراً ثابتاً لك أن تطالبه بالدليل، وإذا أثبت أمراً -ولو لم يرد نفيه- فلك أن تطالبه بالدليل. القول الثاني: أنه ليس بحجة، وإليه ذهب أكثر الحنفية والمتكلمين؛ لأن الثبوت في الزمان الأول يفتقر إلى الدليل، فكذلك في الزمان الثاني؛ لأنه يجوز أن يكون وأن لا يكون، وهذا خاص بالشرعيات، أيش معنى هذا الكلام؟

стр. 360

أكثر الحنفية يقولون: الثبوت في الزمان الأول، على أن الاستصحاب ليس بحجة، يحتاج إلى دليل، صلاة الخوف مثلاً، في عهده ﵊ صلاها النبي ﵊ في .. ، على ستة أوجه أو سبعة، كلها ثابتة، ونحن نستصحب هذا الأصل ونصليها بعد وفاته ﵊ إلى قيام الساعة؛ لأنها ثبتت بدليل لم يثبت نفيه، وصلاها الصحابة بعده، دليل على أن الحكم ليس خاصاً به، نعم، ليس خاصاً به، فإذا قال محمد بن الحسن، أو أبو يوسف: صلاة الخوف خاصة بالنبي ﵊ نقول: نحن نستصحب الأصل، وهو فعل صلاة الخوف في عصره ﵊ وفعل الصحابة بعده، قالوا: لا، صلاة الخوف ثبتت في حقه ﵊ ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ﴾ [(١٠٢) سورة النساء]، ونحن نحتاج إلى دليل كما ثبت الدليل في حقه، نحتاج إلى دليل، نقول: أيضاً نحتاج إلى دليل في مثل قوله ﵊، في قوله -جل وعلا-: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [(١٠٣) سورة التوبة]؛ هذا خطاب للنبي ﵊ وهو خطاب لأمته من بعده عند الجماهير، بل لا أعرف من خالف في هذا بخلاف صلاة الخوف، إذن لا بد من ثبوت دليل يتناول الأمة، الخطاب للنبي ﵊ خطاب لأمته ما لم يرد دليل يدل على التخصيص، عرفنا كلامهم في القول الثاني أنه ليس بحجة؟ ثبت في الزمن الأول، ثبوته في الزمن الأول افتقر إلى دليل، صلاة الخوف في عهده ﵊ ثبتت بدليل ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ﴾، بدليل أنه قبل ذلك قبل أن يرد هذا الدليل، الصلوات الخمس في يوم الخندق جمعت بعد غروب الشمس؛ لأنه لم يرد دليل، فورد الدليل للنبي ﵊ ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ﴾، صلاها على أوجه، فالزمان الأول احتاج إلى دليل، إذن الزمان الثاني يحتاج إلى دليل، ظاهر وإلا ما هو بظاهر؟ نعم، أما أصحاب القول الأول يقولون: خلاص ثبت الدليل، هذا فيما يراد نفيه.

стр. 361

أما ما يراد إثباته، فإن ثبت الدليل المثبت في حق النبي ﵊ فالأصل الاقتداء والائتساء، إن لم يرد دليل من فعله، وقد ورد دليل من قوله عملنا بالدليل القولي؛ لأنه أعم، والفعل لا عموم له. لو قال قائل: إن العمرة في رمضان ليست بمشروعة؛ بدليل أن النبي ﵊ لم يعتمر في رمضان، نعم، ماذا نقول؟ نقول: النبي ﵊ حث على العمرة في رمضان، وقال: ((إنها تعدل حجة))، كونه ما اعتمر لعارض رحمة بأمته، شفقة عليها، عدم تمكنه ﵊ من ذلك، شيء آخر، لكن الدليل القولي يتناول النبي ﵊ ويتناول الأمة، لكن كونه ما فعل لا يعني أنه ليس بمشروع. صوم عشر ذي الحجة: بعض من كتب يقول: هذا من الأخطاء، من أخطاء الناس في عشر ذي الحجة الصيام؛ لأنه ثبت من حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن النبي ﵊ ما كان يصوم العشر، نقول: أيضاً ثبت من حديث بعض أزواجه ﵊ أنه كان يصوم تسع ذي الحجة، فإذا اعتضد هذا بالحث على العمل الصالح في هذه الأيام، ((ما من أيام العمل الصالح فيهن خير وأحب إلى الله من هذه الأيام العشر))، وثبت أيضاً: أن الصيام من أفضل الأعمال؛ ((من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً))، إذا انظم هذا إلى هذا قلنا: إن صيام تسع ذي الحجة مشروع، بل من أفضل الأعمال؛ لأنه عمل فاضل، عمل صالح، ((ما من أيام العمل الصالح))، وهذا عمل صالح، كونه ﵊ ما صام كما في حديث عائشة، أو صام في حديث بعض أزواجه ﵊، كونه ما صام لا يعني أنه أن الصيام غير مشروع، مثل كونه لم يعتمر في رمضان، إذن هذه أمور واضحة. منهم من يقول: إن الاستصحاب يصلح أن يكون مرجحاً يرجح به إذا تكافأت الأدلة في مسألة ما، فيستصحب الأصل، يعني وجدنا أدلة تدل على المنع، وأدلة تدل على الإباحة، نرجح بالاستصحاب؛ لأن الأصل أنه دليل وإن كان مختلفاً فيه، فهو من ضمن ما يدعم القول بالإباحة، قال به قوم. ومنهم من عكس، من قال: يرجح الناقل عن الأصل، يرجح الناقل عن الأصل، ليش يرجح الناقل عن الأصل؟

стр. 362

وجدنا دليلاً يدل على الإباحة، والأصل الإباحة، اعتضد هذا الدليل بالأصل، وجدنا دليلاً ينقل عن هذه الإباحة -عن هذا الأصل- فهل نقول: نؤيد الدليل المبقي على الأصل بالاستصحاب؟ أو نقول: لا نعمل بالدليل الناقل عن الأصل، وهذا الدليل الموافق للأصل كان في أول الأمر، وإلا لزم على ذلك النسخ مرتين، نصير نقلنا عن الأصل، ثم نسخنا هذا الناقل، لكن كوننا نقول: إن هذا المبقي للأصل في أول الأمر، بناءً على أن الأصل الإباحة، ثم جاء ما ينقل عن هذا الأصل. وعلى كل حال المسألة خلافية، هل الأصل .. ، هل يؤيد ما يؤيد الاستصحاب، والأصل أن يبقى الحكم على أصله، أو نقول: يرجح الناقل عن الأصل على المبقي له، المسألة معروفة. المسألة أيضاً فيها أقوال أخر أضربنا عن ذكرها؛ اختصاراً. يقول الناظم -رحمه الله تعالى-: وحد الاستصحاب أخذ المجتهد ... بالأصل عند دليل حكم قد فقد عندنا مسألة ترتيب الأدلة، ترتيب الأدلة، كيف ترتِّب الأدلة؟ أنت باحث أردت أن تستوعب، أو كلفت ببحث مسألة، وأردت أن تستوعب جميع ما قيل فيها من أدلة، وبذلت جهدك، واجتمع عندك من الأدلة الشيء الكثير. معلوم أنك تبدأ بالأدلة من الكتاب، نعم، ثم من صريح صحيح السنة، ثم بالإجماع، ثم بالقياس، إلى آخر الأدلة، هذا الترتيب الطبيعي حسب القوة، ترتب من ظاهر، هل يستدل شخص على حكم المسألة يقدم القياس على الكتاب والسنة، أو يقدم السنة على القرآن؟! نعم من أهل العلم من يكتفي بالإجماع، فيقول: المسألة هذه جائزة بالإجماع، أو دليلها الإجماع، وفيها دليل من الكتاب والسنة، فيستدرك عليه فيقال: هذا الحكم جائز بالكتاب والسنة والإجماع. فأنت عند ترتيبك للأدلة في المسألة الواحدة -ولو لم يحصل تعارض- الترتيب الطبيعي أن تبدأ بالقرآن ما يدل على هذه المسألة من كتاب الله ، ما يؤيد هذه المسألة من صحيح السنة، ثم بعد ذلك الأدلة الأخرى المتفق عليها والمختلف فيها على الترتيب.

стр. 363

لكن إذا تعارضت هذه الأدلة، إذا تعارضت هذه الأدلة، جمعت في المسألة عشرين دليلاً، عشرة منها تؤيد الإباحة، وعشرة يستدل بها على تحريم هذا الفعل، نقول: تعارضت الأدلة، في هذه المسألة تعارضت الأدلة، إن أمكن الجمع بين هذه الأدلة بوجه من الوجوه المعتبرة عند أهل العلم، ولو بحمل خاص .. ، عام على خاص، مطلق على مقيد، إذا أمكن الجمع تعين، إذا لم يمكن الجمع وعرفنا المتقدم من المتأخر قلنا: هذا ناسخ، إذا لم يمكن الجمع ولم نعرف المتقدم من المتأخر لا بد من الترجيح، إذا لم يمكن الترجيح فأيش؟ فالتوقف. الترجيح: كيف ترجح بين هذه النصوص، النصوص هذه المتعارضة في الظاهر من القرآن، أو من السنة، أو منهما معاً، فالمؤلف -رحمه الله تعالى- يقول: وأما الأدلة فيقدم الجلي منها على الخفي، والموجب للعلم على الموجب للظن، والنطق على القياس، والقياس الجلي على الخفي، فإن وجد في النطق ما يغير الأصل وإلا فيستصحب الحال: المراد بالأدلة هنا: ما يثبت به الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، التي مضى الحديث عنها إجمالاً، فإذا كان في المسائل التفصيلية، الآن إجمالي، نتحدث إجمالاً عن الأدلة إجمالاً على ضوء ما تقدم الذي هو موضوع أصول الفقه. يعني موضوع أصول الفقه الأدلة الإجمالية، فالأدلة الإجمالية يكون النظر فيها إجمالي مثل ما هنا، لكن لو كان عندنا دليل تفصيلي، دليل تفصيلي يدل على حكم مسألة ما فإن الكلام في هذا التعارض ودفعه يكون على سبيل التفصيل. يعني إذا تعارض دليل من القرآن مع دليل من السنة، ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [(٢) سورة الكوثر]، ﴿فَصَلِّ﴾، دليل من القرآن، هل المراد بالصلاة الصلوات الخمس؟ ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾؟ هل المراد به الصلوات الخمس، نعم؟ ليس المراد به الصلوات الخمس، لكن: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [(٢٣٨) سورة البقرة]: المراد به الصلوات الخمس ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، هذا دليل من القرآن استدل به بعضهم على وجوب صلاة العيد. في حديث ضمام وهو من السنة: هل عليَّ غيرها؟ قال: ((لا، إلا أن تتطوع)). فالنظر في تعارض .. ، في التعارض بين هذين الدليلين من وجوه:

стр. 364

أحد هذه الوجوه: أن أحدهما قطعي الثبوت وهو الآية، والثاني ظني وهو الحديث، فمن هذه الحيثية نقدم القطعي على أيش؟ الظني. إذا نظرنا إلى هذين النصين من جهة أخرى، وجدنا أن الحديث يدل على المدعى بمفهومه بمفهومه، والآية تدل على المدعى بمنطوقها. طيب، إذا نظرنا من جهة ثالثة، وهو أن دلالة الحديث على المدعى أصرح وأجلى من دلالة الآية على المدعى ولو كانت مفهومة، صح وإلا لا؟ يعني حينما يقول: هل علي غير الخمس؟ يقول: ما عليك شيء، هذا ما هو بصريح في نفي الزائد؟ نعم، لكن ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، أين الدلالة على صلاة العيد؟ ما في إلا اقترانه بالنحر، نعم، فالحديث أصرح في الدلالة، وإن كان ظنياً وإن كان مفهوماً، إلا أنه أصرح وأجلى من دلالة الآية على المدعى. إذا تعارض عند المجتهد أكثر من فرد من أفراد ما ذكر -من أدلة الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستصحاب، وقول الصحابي -عند من يقول به- الأدلة الإجمالية- فلا بد من ترجيح بعضها على بعض إذا لم يمكن الجمع كما هو معروف، فيقدم الجلي وهو ما اتضح المراد منه، يقدم الجلي على ما اتضح المراد منه على الخفي وهو ما لم يتضح المراد منه، والموجب للعلم على الموجب للظن، والنطق على القياس، والقياس الجلي على الخفي، نعم، لا بد أن يقدم الجلي وهو ما اتضح المراد منه، بأن كان نصاً في الدلالة على المدعى، على الخفي وهو ما كانت دلالته ظاهرة أو مؤولة، الموجب للعلم وهو القرآن ومتواتر السنة -على ما تقدم- على الموجب للظن، وما ثبت من أخبار الآحاد، وهذا تقدم بسطه، والنطق: وهو قول الله -جل وعلا- وقول رسوله ﵊ على القياس -الذي تقدم شرحه- إلا إذا كان النص عاماً، فإنه يخص بالقياس. إذا خصصنا النص العام بالقياس، عندنا دليل قياس، وعندنا دليل من الكتاب أو من السنة لكنه عام، يتناول هذا الفرد بعمومه، وعندنا ما يخرج هذا الفرد بقياسه على ما خرج بالنص، نعم. حبس من يأتي الفاحشة حتى الوفاة -آية النساء- نعم؟ طالب:. . . . . . . . . من نسائكم، نعم؟ طالب:. . . . . . . . .

стр. 365

حتى .. ، نعم، ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ [(١٥) سورة النساء]، ﴿حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ [(١٥) سورة النساء]، هذا يتناول بعمومه أيش؟ من يتناول؟ طالب: الحبس، يتناول المحصن. . . . . . . . . نعم المحصن والثيب. طالب: البكر. كيف؟ طالب: المحصن والبكر. نعم، الإحصان ضد البكارة، لكن هل نقول: إن هذا الحكم منسوخ بحديث عبادة: ((خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، الثيب بالثيب جلد مائة والرجم، والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب سنة)) نقول: منسوخ؟ هذا يمكن أن يقول به من يرى نسخ القطعي بالظني -القرآن بالسنة- وحينئذ لا إشكال، لكن الذي لا يقول بالنسخ يقول: هو بيان بيان، فالحكم ساري إلى أمد، وقد انتهى الأمد، فقد جعل الله لهن سبيلاً، وليس من باب النسخ. هاه، النص في الإماء، النص في الإماء، دعونا من هذه الآية، ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [(٢٥) سورة النساء]، ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [(٢) سورة النور]، هذا المثال يكون أوضح، ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾: هذا يتناول الأحرار والعبيد، بعمومه يتناول الأحرار والعبيد، خرج الإماء بقوله: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾، وخرج العبيد بالقياس على الإماء، فالعموم -عموم الزانية والزاني- مخصوص بالقياس بالنسبة لذكور العبيد، مخصوص بقياسه على الإماء، فهنا القياس يخص العموم، فنحن قدمنا القياس على عموم النطق؛ لأن عندهم الترجيح، بل بعضهم يجعله من وجوه الجمع وهو في الحقيقة ترجيح، نرجح الخاص على العام، في الجزء الذي ورد فيه النص الخاص، فالتخصيص والتقييد نوع من أنواع النسخ، يطلق عليه بعض المتقدمين: النسخ، بمعناه الأعم، لا شك أن فيه رفع حكم بالنسبة لما ورد فيه الدليل الخاص، لكنه رفع جزئي وليس برفع كلي. والله مملة الأصول أشوف الإخوان. . . . . . . . .

стр. 366

يقدم الجلي، وهو ما اتضح المراد منه على الخفي: وهو ما خفي المراد منه، والموجب للعلم: وهو القرآن ومتواتر السنة على الموجب للظن: وهو ما ثبت من أخبار الآحاد على النطق: وهو قول الله وقول رسوله على القياس: الذي تقدم شرحه، إلا إذا كان النص عاماً فإنه يخص بالقياس. يعني قدمنا القياس -قياس العبيد على الإماء- قدمنا هذا القياس على عموم قوله -جل وعلا-: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾. القياس الجلي: وهو ما نص على علته، أو أجمع عليها، يقدم على القياس الخفي، وهو ما ثبت علته بالاستنباط، فإن وجد في النطق من الكتاب والسنة ما ينقل عن الأصل، إن وجد في النطق -الدليل من الكتاب والسنة- إن وجد فيهما ما ينقل عن الأصل الذي تحدثنا عنه قريباً وهو البراءة الأصلية، عمل بالنص، عمل بالنص الناقل عن الأصل، تركنا الأصل وعملنا بالنص، نعم؛ لأننا وجدنا ما ينقل عن هذا الأصل، وإن لم نجد نصاً ينقل عن الأصل فإننا نعمل بالاستصحاب، وهو العدم الأصلي الذي سبقت الإشارة إليه. وقدموا من الأدلة الجلي ... على الخفي باعتبار العمل وقدموا منها مفيدَ العلم ... على مفيد الظن أي للحكم إلا مع الخصوص والعموم ... فليؤتى بالتخصيص لا التقديم والنطق قدم عن قياسهم تفي ... وقدموا جليه على الخفي وإن يكن في النطق من كتاب ... أو سنة تغيير الاستصحاب فالنطق حجة إذا وإلا ... فكن بالاستصحاب مستدلاً تفضل، تفضل أذن .... بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فقد قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: ومن شرط المفتي: أن يكون عالماً بالفقه أصلاً وفرعاً، خلافاً ومذهباً، وأن يكون كامل الآلة في الاجتهاد، عارفاً بما يحتاج إليه في استنباط الأحكام من النحو واللغة ومعرفة الرجال الراوين، وتفسير الآيات الواردة في الأحكام والأخبار الواردة فيها، ومن شرط المستفتي: أن يكون أهلاً للتقليد، فيقلد المفتي في الفتيا: أن يكون من أهل التقليد، أن يكون من أهل التقليد فيقلد المفتي في الفتيا، وليس للعالم أن يقلد. وليس للعالم أن يقلد، والتقليد قبول ...

стр. 367

يكفي، يكفي يكفي. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، لما فرغ المؤلف -رحمه الله تعالى- من بيان ما يحتاج إليه الطالب المبتدئ مما يتعلق بالأصول الإجمالية من الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، والاستصحاب، وقول الصحابي، وذكر كيفية الاستفادة منها، عقب ذلك كله بحال المستفيد والمجتهد. المجتهد: وهو المفتي له شروط عند أهل العلم، من شرطه: أن يكون عالماً بالفقه أصلاً وفرعاً: يعني بأصوله وفروعه، كيف يكون عالماً بالفقه؟ كيف يكون المفتي عالماً بالفقه؟ يعني هل المقصود بذلك أن يكون مستحضراً لجميع المسائل الفقهية بأدلتها، أو يكفي في ذلك تحصيل جملة من المسائل يستطيع بواسطتها من تطبيق هذه الأصول على تلك الفروع بأدلتها، ويكون بالنسبة للباقي معرفته بها بالقوة القريبة من الفعل؟ فالفقيه منه ما يكون بالفعل، ففلان فقيه بالفعل يعني مستحضر لجميع المسائل المتداولة بين الفقهاء بأدلتها، ومنهم من يكون فقيهاً بالقوة القريبة من الفعل بمعنى أنه يستطيع الوصول إلى المسائل بأدلتها، ويتوصل إلى القول الصحيح بدليله في أقرب وقت، هذا فقيه لكنه بالقوة وليس بالفعل، وهذا تقدم ذكره في شرح تعريف الفقه. أن يكون عالماً بالفقه أصلاً وفرعاً: يعني لا بد أن يكون متصوراً للمسائل الفقهية، وقواعد الفقه وأصوله، وبما فيها من الخلاف، سواءً كان في مذهب بعينه، إذا كان المراد به المجتهد المقيد، ويكون مجتهد مذهب يسمونه، مجتهد مذهب، أو على العموم في مذاهب العلماء كلهم إذا كان المراد الاجتهاد المطلق. والمراد بمذاهب العلماء: مذاهب فقهاء الأمصار ممن يعتد بقوله منهم، ولا يقدح فيه أن يخفى عليه بعض الأقوال الشاذة التي لا حظ لها من النظر، ولا يقدح فيه أن يخفى عليه أقوال المبتدعة الذين لا يعتد بهم في الخلاف والوفاق. اشتراط هذا الشرط الذي هو الاطلاع على المذاهب، ومعرفة مواطن الخلاف والإجماع؛ لئلا يخالف كلاماً مجمعاً عليه، فيحدث قول يخالف الإجماع.

стр. 368

من الشروط، الشرط الأول: أن يكون عالماً بالفقه أصلاً وفرعاً خلافاً ومذهباً، والثاني: أن يكون كامل الآلة في الاجتهاد، كامل الآلة، وهذا الشرط إما أن يراد به الأوصاف الغريزية الخلقية في الإنسان، أو يراد به الأوصاف المكتسبة، لكن حمله على الأوصاف الغريزية من كونه صحيح الذهن، جيد الفهم، بمعنى أنه عنده من الحفظ ما يؤهله لحفظ النصوص التي يعتمد عليها، وعنده من الفهم ما يؤهله لفهم هذه النصوص؛ من أجل أن يستنبط منها، حمله على هذا أولى؛ لأن الاحتمال الثاني يغني عنه الشرط الثالث، وهو أن يكون عارفاً بما يحتاج إليه في استنباط الأحكام. هذه هي العلوم المكتسبة، لا بد أن يكون عارفاً بما يحتاج إليه في استنباط الأحكام، فلا بد أن يكون جيد التحصيل فيما ذكره المؤلف من علوم، جيد التحصيل، لا يشترط أن يكون حافظاً لجميع هذه العلوم، بحيث يكون في كل علم كخواص أهله، بل يكفي من هذه العلوم ما يحتاج إليه في فهم النصوص، في فهم الكتاب والسنة، فلا بد من مشاركته في النحو واللغة، وهذا أشار إليه المؤلف، أن يكون عارفاً بما يحتاج إليه في استنباط الأحكام من النحو واللغة، لا بد أن يكون عالماً بالقدر اللازم الكافي لفهم الكلام من اللغة بفروعها. فروع اللغة كم؟ عشرة؟ النحو، الصرف، اللغة، أيش معنى اللغة؟ نعم؟ طالب:. . . . . . . . . مفرداتها التي يسمونها متن اللغة وفقه اللغة، نعم، والعروض، والقوافي، والبيان، والمعاني، والبديع، والاشتقاق، هذه فروع علم اللغة، لكن لا يلزم معرفة العروض والقوافي لماذا؟ لأن الكلام نثر، كلام الله -جل وعلا- ليس بشعر، وكلام نبيه ﵊ نُفِيَ عنه أن يكون شعراً. على كل حال هذا من الكمال أن يكون عارفاً بذلك، وهذا معروف عند أهل العلم، فروع هذه العلوم كلها معروفة عند أهل العلم إلى طبقة شيوخنا.

стр. 369

نذكر أننا لما كنا نقرأ على الشيخ عبد العزيز -رحمة الله عليه- سنة خمسة وتسعين في الفرائض جاء بيت كان فيه انكسار، فقطعه الشيخ عروضياً وأثبت أن ما فيه شيء، فمثل هذا يحتاج إليه لا شك أنه كمال، نعم، هذا أمر كمالي لكن يحتاج إليه طالب العلم، طالب العلم محتاج إلى النحو، هذه حاجة ضرورية ليست كمالية، الصرف –أيضاً- كذلك، مفردات اللغة الذي هو متن اللغة، فقه اللغة، الآن منا من يفرق بين متن اللغة وفقه اللغة؟ نعم؟ طالب:. . . . . . . . . أنت عندك كلمة نعم، عندك كلمة (الفَصِيل) ما معنى الفصيل؟ هاه، أيش هو؟ طالب:. . . . . . . . . لا أيش معناه؟ نعم؟ طالب:. . . . . . . . . ولد أيش؟ طالب:. . . . . . . . . لا، ولد أيش خلينا معنىً واحداً. طالب:. . . . . . . . . ولد الناقة، هذا مفردات اللغة -متن اللغة- لكن إذا كنت تعرف ولد الناقة، هذا ولد ناقة، لكن أيش يسمى بلغة العرب؟ ترجع إلى كتب فقه اللغة، يعني عكس متن اللغة. أما بالنسبة لمتن اللغة ومفرداتها فيها المعاجم التي لا تعد ولا تحصى، ومن أهمها كتب المتقدمين مثل (الصحاح، والتهذيب) يليها (اللسان والقاموس)، ومن أجمع ما كتب في اللغة (تاج العروس). هناك أيضاً (المجمل، ومعجم المقاييس لابن فارس) وغيرها، كتب كثيرة لا يحاط بها، لكن كتب فقه اللغة قليلة، من أنفسها: (فقه اللغة للثعالبي) وهو مختصر، وأيضاً (المخصص لابن سيدة) كتاب نفيس، ولا يستغني عنه طالب علم. هناك كتاب اسمه (الإفصاح في فقه اللغة لعبد المتعال الصعيدي) أظن كتب النحو والصرف لو بدأنا نعدد كتب النحو والتدرج فيها، والصرف كذلك .. ، وما لعل هذا نرجئه إلى شرح الأجرومية وهي التي بعد هذا الكتاب، بعد الورقات الأجرومية -إن شاء الله تعالى-. والصرف واللغة فقهاً ومتناً، والعروض والقافية، وهذه أيضاً كتب فيها كثير، والبيان، والمعاني، والبديع، الفنون الثلاثة التي يجمعها (البلاغة)، وفيها الكتب الكثيرة للمتقدمين والمتأخرين، وفيها لعبد القاهر الجرجاني أسرار البلاغة، ودلائل الإعجاز، وفيها المفتاح للسكاكي، وفيها (تلخيص المفتاح) الذي دار الناس بفلكه، ومشوا ورائه وكثرت شروحه وحواشيه، وعنوا به.

стр. 370

لماذا نحتاج إلى النحو واللغة والصرف وهذه العلوم؟ لأن النصوص الشرعية من الكتاب والسنة وردت بلسان العرب، فلا بد لفهمهما من معرفة بهذه العلوم؛ تؤهل لفهمها، والمراد بذلك -مثل ما ذكرنا- القدر المجزئ الذي يقبح جهله، ولا يراد بذلك أن يتقن كل فرع من هذه الفروع كخواص أهله، على ما سبقت الإشارة إليه. من الأدب أيضاً -من أدب المفتي- أن يطلع على كتب الآداب، وهذه تعطيه الأساليب والعبارات الجيدة التي يستطيع بواسطتها أن يوصل ما لديه من علوم، ويقصد بذلك الأدب العفيف لا الأدب الماجن، وإن كان أهل العلم يطلعون على الكتب وإن كان فيها ما فيها، وفيها فوائد وإن كان فيها شيء من المخالفة التي بعضها لا يليق بسمت طالب العلم، لكن تجد كثيراً من أهل العلم حينما يفتي أو يسأل يصعب عليه أن يوصل المعلومة التي يريدها إلى المستفتي،. نعم هناك كتب قد تغني عن هذه الكتب وهي عفيفة، مثل الأساليب الرائعة التي بثها ابن القيم في كتبه، لو يحفظ منها طالب العلم كمية وجملة استفاد منها في مستقبل حياته. ولذا العالم حينما يسأل ينبغي أن ينظر حال السائل من أي طبقة يكون، فيخاطبه على قدر فهمه، قد يكون السائل طالب علم وليس عنده من العبارات ما يستطيع أن يوصله إلى طالب العلم، مع أن طالب العلم أسهل من العامي، فيوصل المعلومة والفتوى والجواب إلى هذا السائل بالأسلوب المناسب، هذا إذا كان السائل واحداً أو مجموعة يشملهم وصف واحد، لكن إذا كان السؤال مطروح على خلائق لا يحصون، منهم العالم، منهم المتعلم، منهم العامي، منهم الذي لا يفهم اللهجات، فمثل هذا يتعين عليه أن يكون جوابه مفهوماً لدى السامعين، فلا يفتي بلهجة لا يفهمها جميع من يستمع. هو لا يطالب أن يفتي بجميع اللغات، أو يتعلم جميع اللغات ليفتي بها، لكن أقل الأحوال أن يتقن العربية؛ بحيث يفتي الناس بالعربية؛ لأن الأقاليم تختلف في فهم العامية، وبعض الألفاظ العامية يختلف مدلولها من قطر إلى آخر، يختلف مدلولها من قطر إلى آخر، وقد تفيد الضد والنقيض، تفيد الضد والنقيض من المقصود. فالعالم عليه أن يعتني بالعربية ويفتي بالعربية لا سيما إذا كان من يسمعه من شرائح متنوعة، ومن أقطار متباعدة؛ لأن الآن ما هو مثل قبل لا يبلغ صوتك إلا أمتاراً، الآن ألوف مؤلفة من الكيلوات يصل الصوت، والله المستعان.

стр. 371

شرح متن الورقات في أصول الفقه (١٦) التقليد والاجتهاد الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير ويفتي بالعربية لا سيما إذا كان من يسمعه من شرائح متنوعة، ومن أقطار متباعدة؛ لأن الآن ما هو مثل قبل، لا يبلغ صوتك إلا أمتاراً، الآن ألوف مؤلفة من الكيلوات يصل صوتك، والله المستعان. طالب:. . . . . . . . . يعطيه بقدر ما يفهم؛ لأن المقصود نفع السائل، حل الإشكال لدى السائل فيهمه بلهجته، لكن لما يقول كلمة –مثلاً- تختلف فيها الأقطار اختلافاً متباينا، واحد سأل شيخاً من المشايخ قال: ما حكم الزعابة؟ قال: الزعابة ما فيها شيء، أيش معنى الزعابة؟ الشيخ فهم أن الزعابة إخراج الماء من البئر، هذه الزعابة عندهم، قال: يا شيخ أنا سمعت أنها حرام وشرك، قال: أيش لون شرك؟ قال: الزعابة تذبح عند باب الدار إذا أردت أن تسكن، قال: اللهم سلم، هذا الشرك الأكبر نعم، فعلى هذا لا بد من الاستفصال، ولا بد من الإجابة باللغة التي يتفق عليها الجميع، والله المستعان.

стр. 372

يقول: ومعرفة الرجال، عارفاً بما يحتاج إليه في استنباط الأحكام من النحو واللغة ومعرفة الرجال، معرفة رجال الحديث من ناحية الجرح والتعديل، ومعرفة قواعد الجرح والتعديل، وكيف يعمل عند تعارض الجرح والتعديل، لا بد من معرفة ذلك لماذا؟ ليتأهل للنظر في الأسانيد، ليتمكن من التصحيح والتضعيف، ليبني فتواه على خبر ثابت، ولا يستدل بحديث لم يثبت، كما هو شأن كثير من الفقهاء، لكن المجتهد شأنه أعظم وأشد، وليس المراد حفظ كتب الرجال –مثلاً- والله يشترط لك أن تحفظ الجرح والتعديل، والثقات والضعفاء، والكمال، وتهذيب الكمال، هذه ينتهي العمر وما حفظت كتاباً واحداً، نعم، لكن المقصود أن تكون لديك الأهلية، تحسن التعامل مع هذه الكتب، وترجع إليها بأخصر طريق، وتنظر ما قيل في الراوي من جرح وتعديل، تستطيع أن توازن بواسطة معرفة القواعد التي قعدها أهل العلم للتعارض والترجيح، ثم بعد ذلك تخرج بنتيجة، مع أن هذا أمر في غاية الصعوبة، نعم، هو سهل إذا نظرنا إليه بمفردات هؤلاء الرواة، لكن المسألة مفترضة في من؟ في شخص مجتهد، يجتهد في جميع ما يسأل عنه من أحكام، كل مسألة عليه أن ينظر في أقوال أهل العلم، في الخلاف والإجماع، ثم ينظر في أدلة كل قول، ثم ينظر في ثبوت كل دليل، وكل دليل ينظر في إسناده وطرقه ومتابعاته وشواهده، والعمر وين؟ ولذلك تجد كثير من الناس .. ، أما الاجتهاد المطلق -بمعنى الإطلاق بهذا اللفظ بمعنى الإطلاق- فهو نادر، أيش معنى، معنى الإطلاق؟ معناه أنك تجتهد في كل مسألة من مسائل الدين، في كل نازلة من النوازل، تنظر فيها من جميع وجوهها، أقوال العلماء فيها، أدلة هذه الأقوال، النظر في كل دليل، وكل دليل النظر في جميع رواته، وكل راو النظر في جميع .. ، كل ما قيل فيه جرحاً وتعديلاً، ثم بعد ذلك تستخلص النتيجة بالنسبة لهذا الراوي، ثم الراوي الذي يليه، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، وتنظر في الطبقات، لتنظر هل يتمكن هذا من سماع هذا أم لم يتمكن، ثم بعد ذلك تخرج بنتيجة حديث واحد يوم مثلاً، الحديث الثاني وين العمر الذي بيستوعب هذه الأمور.

стр. 373

ولذلكم تجدون كثير من العلماء -والمشقة تجلب التيسير- يختصر الطريق، إن أراد أن يجتهد في الرواية جعل همه الحديث وما يتعلق به، والأسانيد، والعلل، على أن هذا تنقطع دونه الأعمار، علم الحديث علم، وبعضهم اختصر الطريق واقتصر على الدراية، قلد في التصحيح، أو نظر فيها نظراً عابراً، ورجح ترجيحاً من غير دراسة كافية، وحكم من خلال هذا النظر –الاسترواح- يعني مجرد ميل، لكن العالم إذا تحرى الصواب، وصدق اللجأ إلى الله وقرن علمه بالعمل الغالب أنه يسدد ويوفق، ولو لم يتمكن من الاجتهاد المطلق بشرط الإطلاق، لكن هذا ظاهر، وأنتم أدركتم من أهل العلم من سدد ووفق، هل يتصور أنهم مع أعمالهم، والأعباء التي تحملوها وحملوها على أكمل وجه أنهم اجتهدوا في كل مسألة مسألة، وبحثوها من كل وجه، وبحثوا جميع ما يتعلق بها؟ هذا دونه خرط القتاد، ومع ذلكم وفقوا وسددوا وهدوا إلى الصواب، هذا سببه أيش؟ الإخلاص، سببه الإخلاص وصدق اللجأ إلى الله -جل وتعالى- والعمل بالعلم، أما شخص ديدنه المكتبة، ما يخرج من المكتبة؛ بحثاً وراء بحث، لكن إذا جاءت الصلاة هو آخر من يحضر المسجد، إذا جاء القيل والقال أول من يبادر، مثل هذا قد لا يوفق، فعلى العالم أن يتصف بالورع، والالتزام الحقيقي بالدين، وأن يكون عمله مطابقاً لعلمه، ثم يسدد. ثم قال بعد ذلك: ومعرفة الرجال، وتفسير الآيات الواردة في الأحكام: يعرف آيات الأحكام، يعرف آيات الأحكام، وعناية الفقهاء بآيات الأحكام، ولا يشترطون للمجتهد المطلق حفظ القرآن، سوى آيات الأحكام، ما يشترط حفظ القرآن، يعني رغم صعوبة الشروط التي وضعوها لم يشترطوا حفظ القرآن؛ لأن همهم الأحكام العملية. بعضهم يقدر آيات الأحكام خمسمائة آية، وهذه ألفت فيها الكتب -كتب تفسير آيات الأحكام- من أهمهما (أحكام القرآن لابن العربي)، وميله إلى مذهب مالك، (أحكام القرآن للجصاص)، وميله لمذهب أبي حنيفة، (أحكام القرآن لإلكيا الطبري الراسي)، وهو شافعي المذهب.

стр. 374

من أجمع وأنفس ما كتب في أحكام القرآن (الجامع في أحكام القرآن للقرطبي)، فآيات الأحكام لا بد من العناية بها، ولا يعني هذا أننا نهمل ما جاء في القرآن في القصص –مثلاً-؛ العبر والمواعظ والدروس التي تستنبط من القصص لا تقل أهميتها عن أهمية آيات الأحكام. الأمثال: وقد قال الله -جل وعلا-: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [(٤٣) سورة العنكبوت]، لا بد من معرفتها، آيات الترغيب، آيات الترهيب، وآيات القرآن تنوعت أنواعاً بحسب ما يحتاجه العالم والمتعلم، لكن الفقهاء يهمهم الفقه الذي هو الأحكام، فلا بد للمجتهد أن يكون عارفاً بكتاب الله لا سيما ما يتعلق منه بالأحكام الذي هو بصدد إفتاء الناس فيها؛ فكيف يفتي الناس ويتصدى لحل إشكالاتهم من لا يعرف كتاب الله ولا بد أن يعرف تفسير هذه الآيات من خلال كلام العلماء الموثوقين من سلف هذه الأمة وأئمتها. وأن يكون عارفاً بناسخها ومنسوخها، لا بد أن يعرف الناسخ من المنسوخ، وقد وقف علي بن أبي طالب على قاص، فقال له: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا، قال: "هلكت وأهلكت"؛ قد يفتي الناس بحكم منسوخ. والنسخ في القرآن والآيات المنسوخة والآيات الناسخة فيها المؤلفات، من أجمعها كتاب ابن النحاس، وكذلك على المتعلم الذي يتمنى أن يكون مجتهداً مفتياً، أن يعنى بتفسير أحاديث الأحكام؛ فالسنة كما هو معروف شقيقة القرآن في الاستدلال، وإن كانت هي المصدر الثاني في الترتيب؛ باعتبار القائل وباعتبار الثبوت، فلا بد لمن يتصدى للإفتاء أن يكون حافظاً لقدر كاف، عارفاً بما فيها من أحكام، مطلعاً على أقوال العلماء في شرحها؛ لئلا يضل في فهم هذه الأحاديث، ويأتي بما لم يسبق إليه في ذلك. كتب أحاديث الأحكام كثيرة: عمدة الأحكام، بلوغ المرام، المحرر، المنتقى، الإلمام، كتب ألفت في هذا الشأن ولها شروح كثيرة، ويذكر بعض أهل العلم أن سنن أبي داود يكفي المجتهد، يكفي المجتهد سنن أبي داود في أحاديث الأحكام، وبعضهم يضيف إليه السنن الكبرى للبيهقي-البحر- لا شك أن من أحاط علماً بسنن البيهقي -وهذا أشرنا إليه مراراً- لا شك أنه يصدر عن علم، لكن من يوفق للعناية بهذه الكتب؟

стр. 375

معاناة العلم شاقة وصعبة، لكن الثمرة من هذه المعاناة كبيرة؛ ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [(١١) سورة المجادلة]. جاء في فضل العلم ومدح أهله من نصوص الكتاب والسنة الشيء الكثير، لولا المشقة لكان كل الناس علماء، كل الناس علماء، ولولا التعب واللهث وراء أمور الدنيا لصار الناس كلهم تجاراً تجاراً، لكن الراحة والإخلاد إليها والدعة والترف يعوق عن تحصيل خير الدنيا والآخرة. ولا بد أن يكون أيضاً عالماً بناسخ الحديث ومنسوخه، وألفت فيه الكتب، ومن أنفس ما ألف في هذا الباب (الاعتبار في معرفة الناسخ والمنسوخ من الآثار للحازمي)، وهذا كتاب نفيس ينبغي لطالب العلم أن يعنى به، ومع تمام معرفته بذلك -بجميع ما ذكر وإتقانه- لا بد أن يتصف بالورع، ورعاً ديِّناً، لا يتجرأ على الله فيفتي بغير علم؛ لأنه إن لم يكن ورع جرؤ على الله وأفتى الناس بغير علم، أو أفتاهم -وإن كان له عنده شيء من العلم- يمكن يفتي بخلاف ما يعلم طمعاً في حطام فاني -حطام الدنيا- إرضاءً لفلان أوعلان، يشتري بآيات الله ثمناً قليلاً، فعلى المفتي ألا يتجرأ على الله، فيفتي بغير علم، أو بشيء لم يتأكد منه؛ لأن المفتي كما هو معلوم موقِّع عن الله ، فليحذر أشد الحذر من يتصدى لهذا الأمر الخطير، من الجرأة على الله ؛ فالقول على الله بلا علم من عظائم الأمور، كما قال -جل وعلا-: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [(٣٣) سورة الأعراف].

стр. 376

قال -جل وعلا-: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [(٦٠) سورة الزمر]: يعني يدخل في المتكبرين من يتكبر عن قول: لا أدري، أو لا أعلم، إذا قرنَّا هذا بقوله -جل وعلا-: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ﴾ [(١١٦) سورة النحل]، فتوى بغير علم كذب الله ، فلا بد حينئذ من توافر العلم والدين والورع، كما قال الناظم: وليس في فتواه مفت متبع ... ما لم يضف للعلم والدين الورع مع الأسف الشديد أن نرى ونسمع كثيراً ممن يتصدى للفتوى بغير علم، أو مع علم، لكن يفتي بغير الحق؛ اتباعاً للهوى وطمعاً في الحطام الفاني، وقد صح عن النبي ﵊ أنه قال: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا)) [الحديث مخرج في البخاري]. وثبت في الصحيح من حديث أنس -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن من أشراط الساعة: أن يرفع العلم، ويثبت الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر الزنا)). يقول ابن القيم-رحمه الله تعالى- في إعلام الموقعين: "فصل: وكان السلف من الصحابة والتابعين يكرهون التسرع في الفتوى، ويود كل واحد منهم أن يكفيه إياها غيره، فإذا رأى أنها تعينت عليه بذل اجتهاده في معرفة حكمها من الكتاب والسنة وأقوال الخلفاء الراشدين ثم أفتى". وقال عبد الله بن المبارك: حدثنا سفيان عن عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله ﷺ أراه قال: في المسجد- فما كان منهم محدث إلا ودَّ أن أخاه كفاه الحديث، ولا مفت إلا ودَّ أن أخاه كفاه الفتيا".

стр. 377

ثم قال ابن القيم ﵀: "قلت: الجرأة على الفتيا تكون من قلة العلم، أو من غزارته وسعته –يعني ليست مذمومة مطلقاً- الجرأة على الفتيا تكون عن قلة العلم، مش مثل هذا -قليل العلم- إذا تصدر للناس، وسئل عن مسائل إذا قال: لا أدري، لا أدري، قلة علم وما عنده شيء؟ لا تطاوعه نفسه، وهواه وشيطانه؟ أيش معنى أنك ما تدري، ليش تتصدر للناس وأنت لا تدري؟ هكذا يسول له، هذا من قلة علم، فلا يجرأ على الفتيا خشية أن يقال: هذا ما هو شيء، إذا قال: لا أدري كم مرة. . . . . . . . . استفاضة بعلم وعمل وفضل وخير وصلاح، سقط من أعين الناس، فيخشى أن يسقط من أعين الناس فلا يقول: لا أدري، ومن غزارته وسعته، بحيث يكون الدليل والبرهان عنده مثل الشمس، مثل هذا ما يتردد إلا من جهة واحدة، إذا وجد من يكفيه الفتيا -وإن كان غزير العلم واسع العلم ودفع الفتيا إلى من تبرأ الذمة بالإحالة إليه- مثل هذا يحمد؛ لأنه وإن كان غزير العلم واسع الاطلاع، فيجيب عن كل مسألة لا بد أن يصاب بشيء؛ لأن النفس البشرية ضعيفة، إذا تتابع الناس على مدحه والثناء عليه والإشادة به، يخشى عليه، يخشى عليه ويخشى على غيره أن يفتن به. يقول: فإذا قلَّ علمه أفتى عن كل ما يسأل عنه بغير علم، وإذا اتسع علمه اتسعت فتياه، ولهذا كان ابن عباس ﵄ من أوسع الصحابة فتيا، وقد تقدم -يقول ابن القيم- أن فتاواه جمعت في عشرين سفراً، وكان سعيد بن المسيب -أيضاً- واسع الفتيا. المقصود أنه إذا كان هناك علم، فلا يخلو إما أن يتعين عليه الجواب فلا يجوز له حينئذ أن يتأخر عن الجواب، إذا لم يتعين عليه، وصار بالنسبة له واجباً على الكفاية، وأحال على غيره؛ تورعاً أو خشية من أن يَفتن أو يُفتن، مثل هذا يمدح، لكن إن أجاب فهو الأصل. أقول: من ابتلي بالفتيا وتعينت عليه فعليه بالورع، وعليه بصدق اللجأ إلى الله أن يعينه ويسدده ويوفقه للصواب، وعليه –أيضاً- بقراءة ما يعينه إلى معرفة آداب المفتي وشروطه. ومن أهم ما كتب في ذلك الكتاب الجامع النافع الماتع (إعلام الموقعين عن رب العالمين) لابن القيم-رحمه الله تعالى-. يقول الناظم-رحمه الله تعالى-:

стр. 378

والشرط في المفتي اجتهاد وهو أن ... يعرف من آي الكتاب والسنن والفقه في فروعه الشوراد ... وكل ما له من القواعد مع ما به من المذاهب التي ... تقررت ومن خلاف المثبت والنحو والأصول مع علم الأدب ... واللغة التي أتت من العرب قدراً به يستنبط المسائلا ... بنفسه لمن يكون سائلاً مع علمه التفسير في الآيات ... وفي الحديث حالة الرواة وموضع الإجماع والخلاف ... فعلم هذا القدر فيه كاف يعني قدراً كافياً. ثم قال-رحمه الله تعالى-: ومن شرط المستفتي أن يكون من أهل التقليد: فيقلد المفتي في الفتيا، وليس للعالم أن يقلد، العامة -عامة المسلمين- الذين ليست لديهم الأهلية للنظر في النصوص، والخلاف والإجماع، والموازنة بين كل ما ذكر، هذا عامي فرضه التقليد، وفي حكمه المتعلم الذي لم يبلغ درجة الأهلية، أهلية الاستنباط من الكتاب والسنة، هؤلاء فرضهم التقليد، كما في قوله -جل وعلا-: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [(٤٣) سورة النحل]، لكن على المقلد أن يسأل من تبرأ ذمته بسؤاله. قد يقول: العامي ليست لديه أهلية، من يسأل؟ إذا رأى شخص مظهره مظهر عالم يكفي؟ يكفي أن يكون الشكل الخارجي يؤهل لأن يسمى شيخاً؟ إذن كيف يطالب هذا العامي بسؤال من تبرأ ذمته بسؤاله، وهو ليست لديه أهلية -أهلية الموازنة- بين من تبرأ ذمته بتقليده، ومن لا تبرأ ذمته بتقليده. قد يقول: يستشير أهل العلم، نقول: أين أهل العلم، هو الآن ما بعد عرف أهل العلم الذين يمنكن أن يقتدى بفعالهم وأقوالهم؟

стр. 379

نقول: الاستفاضة في هذا كافية، يعني إذا عرف الناس .. ، اتجهوا إلى فلان يسألونه، واشتهر بين الناس أن هذا عالم يكفي العامي، شهادة .. ، عمله بهذه الاستفاضة، ولا يكلف ما وراء ذلك، هل يجب على العامي أن ينظر في هذا العالم، هل انطبقت فيه الشروط السابقة أم لم تنطبق؟ كيف؟ ما يستطيع، ما يستطيع تطبيق هذه الشروط، وتكليفه بذلك تكليف بالمحال؛ هو ما يعرف، لو عرف أن يطبق هذه الشروط في العالم لطبقها على نفسه، نعم، فكان يصير عالماً، وإذا اشترطنا فيه أن يعرف العالم بالطرق المتبعة عند أهل العلم، لزم عليه الدور، المسألة مفترضة في عامي، لكن نقول: يكفي في ذلك الاستفاضة، إذا اشتهر وشاع بين الناس أن فلاناً يتجه إليه المسلمون بسؤالهم، ويصدرهم بالعلم الذي لم يستفض نقده؛ لأنه إذا لم يكن عالماً حقيقياً، ولا يتصدر للناس استفاض نقده عند الناس، وكشفه الله ، فمثل هذا يكفي فيه أن يستفيض أمره ويشتهر عند الناس أن هذا العالم، هذا الشخص من أهل العلم الذين تبرأ الذمة بتقليدهم. بعضهم يقول: يأتي العالم -يأتي العامي- ويسأل أنت عالم؟ أنت مجتهد؟ فإن كان كذلك سأله. . . . . . . . . ليس بلائق، وإن رجحه بعضهم، أسلوب ممجوج، نعم، ما يلزم يا أخي؛ لأنه لو كان متصدراً للناس وقال له .. ، حتى أعلم الناس إذا قيل له: أنت عالم؟ قال: لا، أيش يسوي العامي، يرجع؟ وأجهل الناس إذا قيل له: عالم، قال وأيش أنا جاهل؟ نعم، فهذه ليست طريقة. أقول الطريقة لسؤال من تبرأ الذمة بسؤاله الاستفاضة الاستفاضة، فإذا سأل المقلد من تبرأ ذمته بتقليده وجب عليه العمل بفتواه وإن لم يعرف الدليل؛ لقصوره عن إدراك الأحكام بأدلتها. تفضل؟ طالب:. . . . . . . . . نعم، لكن الذم في العكس؛ لأن هذه دليل على أنه يتبع هواه، الذم يأتي لو قيل: عليك كذا، ثم ذهب؛ ليبحث عن الأخف، نعم، يتتبع الرخص، وبعض طلاب العلم يرى أنه إذا أفتاه أكثر من واحد، تكون إحدى أو أحد الجوابين فيه تسهيل وتيسير والآخر فيه تشديد يقول: خذ الذي فيه تيسير؛ لأن النبي ﵊ ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما.

стр. 380

نقول: ما هو بصحيح هذا، نعم، أنت متهم، أنت متهم هنا؛ لأن حكم الله في المسألة واحد لا على جهة التخيير، فأحدهما صواب والآخر خطأ، في وقت النبي ﵊ إذا اختار أحدهما فهو شرع، لكن هل للعامي أن إذا قيل له: عليك دماً، وقال: الثاني ما عليك دماً، قال: النبي ما خير بين أمرين؟ نعم، ما نقول هذا الكلام؛ لأن النبي ﵊ لما يختار الأيسر نعم، لما يختار الأيسر .. ، نعم إذا خيرت في ما له أكثر من خصلة، كذا، وكذا اختار الأيسر، خيرت بين عتق رقبة، وإطعام وكسوة، تقول: لا والله الطعام أخف عليَّ، أنا يا الله أطعم، اختار الأيسر لا بأس، لكن يقال لك: مذهب أبي حنيفة الوجوب، ومذهب مالك الاستحباب، نعم، تقول: لا، مذهب مالك الاستحباب، ولو بعد وجدت قولاً يقول بالإباحة مستوى الطرفين، هذا أرغب إليك، هذا اختار الأيسر؟ لا أنت تتبعت رخص في هذه الحالة، وإذا تتبعت الرخص في جميع حياتك، خلاص انسلخت من الدين، فننتبه لهذا. وليس للعالم المتأهل أن يقلد، بل عليه أن يستنبط؛ لأنه متعبد بشرع ووحي من كتاب وسنة، إلا إذا اجتهد ولم يتبين له الحكم، تردد، أو نزلت به حادثة يحتاج إلى جواب عاجل، تحتاج إلى جواب عاجل، فلا بأس حينئذ أن يقلد؛ لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها. يقول الناظم-رحمه الله تعالى-: ومن شرط السائل المستفتي ... ألا يكون عالماً كالمفتي فحيث كان مثله مجتهدا ... فلا يجوز كونه مقلدا وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد. سم. طالب:. . . . . . . . . كيف؟ طالب:. . . . . . . . . هو يهمه الأحكام، يهمه الأحكام، فالذي تستنبط منه الأحكام وتستمد منه الأحكام يهتم به، وما عدا ذلك من العلوم، في هذا الباب، في هذا الباب على وجه الخصوص نعم؛ لأن العقيدة فن، والأحكام فن، هم عندهم في الأحكام العملية، يفتي يعني فقيه، فقيه يفتي في الفقه، لكن إذا أراد أن يفتي في كل علم، يفتي في الفقه، يفتي في الحديث، يفتي في التفسير، يفتي في جميع العلوم، نعم، لا بد أن يعرف كل هذه العلوم. سم.

стр. 381

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فقد قال المؤلف-رحمه الله تعالى-: وليس للعالم أن يقلد، والتقليد: قبول قول القائل بلا حجة، فعلى هذا قبول قول النبي ﷺ لا يسمى تقليداً، ومنهم من قال: التقليد: قبول قول القائل، وأنت لا تدري من أين قاله، فإن قلنا: إن النبي ﷺ كان يقول بالقياس، فيجوز أن يسمى قبول قوله تقليداً. وأما الاجتهاد: فهو بذل الوسع في بلوغ الغرض، فالمجتهد إن كان كامل الآلة في الاجتهاد، فإن اجتهد في الفروع فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فيها وأخطأ فله أجر، ومنهم من قال: كل مجتهد في الفروع مصيب، ولا يجوز أن يقال: كل مجتهد في الأصول الكلامية مصيب؛ لأن ذلك يؤدي إلى تصويب أهل الضلالة من النصارى والمجوس والكفار والملحدين، ودليل من قال: ليس كل مجتهد في الفروع مصيباً قوله ﷺ : ((من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد))، وجه الدليل أن النبي ﷺ خطأ المجتهد تارة، وصوبه أخرى. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، لما ذكر المؤلف-رحمه الله تعالى- شروط المفتي وهو المجتهد، وشروط المستفتي وهو السائل، ثم ذكر أن العالم يعني المجتهد ليس له أن يقلد، مراده بذلك أن من تحققت لديه الأهلية -أهلية الاستنباط من الكتاب والسنة- ليس له أن يقلد في دينه الرجال؛ لأن المرد عند التنازع إلى الله ورسوله، وليس إلى قول فلان ولا علان، مهما كانت سابقته وقدمه في .. ، ورسوخ قدمه، فالمتأهل فرضه الاجتهاد، كما أن العامي ومن في حكمه فرضه سؤال أهل العلم، وقبول قولهم، وهذا تقدم. ثم بين-رحمه الله تعالى- حقيقة التقليد، وحقيقة الاجتهاد، فالتقليد يقول: قبول قول القائل بلا حجة: وهو في الأصل مصدر قلد يقلد تقليداً. التقليد: وضع الشيء في العنق كالقلادة، لإحاطتها بالعنق، ومنه تقليد الهدي، شيئاً يعلم به أنه هدي، ومنه تقليد الولايات من قبل الإمام الأعظم لولاة الأقاليم، والذين كانوا يعرفون في السابق بالعمال.

стр. 382

المقصود أن كل هذا تقليد؛ لأنه تفويض للأمر كما في القاموس: أعطيته قلد أمري، أي فوضته إليه، فالمقلد يفوض أمر سؤاله إلى من يقلده من أهل العلم، ويقبل قوله من غير نقاش، ومن غير معرفة دليل، ولذا قال المؤلف: التقليد: قبول قول القائل بلا حجة: أي يذكرها لمن أراد تقليده، فلا يذكر الدليل لمن سأله، المجتهد إذا سئل عن مسألة ما، يفتي بما يدين الله به، بما توصل إليه باجتهاده، ولا يلزمه بيان مستنده، ينصون على هذا، لكن هذا يختلف باختلاف أحوال السائلين، فإن كان السائل عامياً لا يعرف درك المسألة فمثل هذا يعطى الحكم، وإن كان متعلماً طالباً للدليل؛ ليبني عليه فيما يستقبل من حياته العلمية، فمثل هذا يعلم الدليل، ويخبر بالدليل، ويعلم ويخبر بمأخذ المسألة من هذا الدليل. في مختصر التحرير يقول: التقليد عرفاً أخذ مذهب الغير بلا معرفة دليله، وفي الأحكام لابن حزم: التقليد على الحقيقة إنما هو قبول ما قاله قائل دون النبي ﷺ بغير برهان، دون النبي ﷺ بغير برهان، ثم قال: فهذا هو الذي أجمعت الأمة على تسميته تقليداً وقام البرهان على بطلانه، هذا كلام ابن حزم، وسيأتي أن ابن حزم والشوكاني شددا في أمر التقليد، ويأتي ما في كلامهما –إن شاء الله-والشوكاني في إرشاد الفحول عرف التقليد بأنه قبول رأي من لا تقوم به الحجة بلا حجة. من لا تقوم به الحجة: يعني من يستدل لكلامه ولا يستدل بكلامه، فكلامهم المجرد ليس بحجة، إنما يلتمس له الحجة من كلام الله، وكلام رسوله ﵊. بلا حجة: بلا بيان لما اعتمد عليه هذا الغير المسؤول. يقول: فعلى هذا قبول قول النبي ﷺ يسمى تقليداً: لماذا؟ لأن التعريف الذي ذكره ينطبق عليه؛ لأن النبي ﵊ يذكر القول -يذكر حكم المسألة- ولا يذكر دليله، من هذه الحيثية سماه تقليداً، لكن هل هذا الكلام صحيح؟ التقليد: قبول قول من ليس بحجة -من يحتج لكلامه- أما تقليد من يحتج بكلامه فليس بتقليد، من يحتج بكلامه .. ، فرق بين من يحتج بكلامه وبين من يبحث الدليل للاحتجاج به لكلامه.

стр. 383

فنصوص الكتاب والسنة ما جاء عن الله وعن رسوله ﵊ هذه أصول يحتج بها، ولا يحتج لها، أما ما جاء عن غيرهما فإنه مما يحتج له ولا يحتج به. فالصواب أن قول النبي ﵊ حجة يحتج به ولا يحتج له، ولذا قال المصنف الجويني في البرهان: وذهب بعضهم إلى أن التقليد قبول قول القائل بلا حجة، ومن سلك هذا المسلك منع أن يكون قبول قول النبي ﵊ تقليداً؛ فإنه حجة بنفسه، حجة بنفسه. ومنهم من قال: كلام المؤلف، ومنهم من قال: التقليد قبول قول القائل وأنت لا تدري من أين قاله: أي لا تعرف معتمده ومأخذه والأصل الذي اعتمد عليه، فإن قلنا يقول: المؤلف: فإن قلنا: إن النبي ﵊ كان يقول بالقياس: يعني يجتهد إن كان النبي ﵊ له أن يجتهد، إن كان الرسول ﵊ له أن يأخذ بالقياس ويجتهد، فإن قبول قوله يسمى تقليداً، وإن كان لا يجوز له أن يجتهد، وإنما جميع ما يصدر عنه إنما هو توقيف من الله بدليل آية النجم، ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [(٣ - ٤) سورة النجم]، يعني ما ينطق، جميع ما ينطق لا يكون عن هوى، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، فهذه الآية تمنع اجتهاد النبي ﵊ وبها يستدل من يقول بأنه ليس له أن يجتهد. لكن الواقع يدل على أن النبي ﵊ اجتهد في مسائل، وأقر على كثير منها، ولم يقر على بعضها، اجتهد ﵊ في أسرى بدر، ولم يقر على اجتهاده، فدل على أنه ﵊ له أن يجتهد. يعني مسألة اجتهاد النبي ﵊ إثباتاً ونفياً، مسألة خلافية بين أهل العلم، الآية تدل على أن جميع ما ينطق به وحي، والواقع يشهد بأنه اجتهد، أقر في جميع اجتهاداته إلا القليل النادر التي لم يقر عليها، كقضية أسرى بدر، وهذه مسألة مشهورة، هذه مسألة .. ، ﴿عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [(٤٣) سورة التوبة]، نعم، ما كان .. هاه؟ طالب:. . . . . . . . . في الأسرى. طالب:. . . . . . . . .

стр. 384

أي نعم، نعم ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [(٦٧) سورة الأنفال]، لم يقر على هذا الاجتهاد، لم يقر على هذا الاجتهاد، فدل على أنه يجتهد، إذن كيف نوفق بين هذا وبين الآية؟ له أن يجتهد ولا ينطق عن الهوى، إن وافق الاجتهاد الصواب أقر، ويكون الإقرار حينئذ عمله واجتهاده مؤيد بالوحي –بالإقرار- إن لم يقر ﵊ فلا يعتبر من نطقه، إن لم يقر، إن لم يقر، يعني لا يخلو إما أن يكون اجتهاده موافقاً وأقر عليه، هذا ما شي، هذا داخل في الوحي، إن لم يقر عليه، فعدم الإقرار –أيضاً- وحي، فالثابت في النهاية هو الوحي. على كل حال مثل ما ذكرنا سابقاً إن مسألة الاجتهاد والتقليد مسألة حصل فيها الإفراط والتفريط، والقول الوسط في المسألة أن العامي ومن في حكمه فرضه التقليد، ومن تأهل للاجتهاد، واكتملت لديه الآلة للاستنباط من الكتاب والسنة فإنه حينئذ لا يسوغ له أن يقلد إلا إذا لم يتمكن من التقليد في وقت مثلاً، وهذا سبقت الإشارة إليه.

стр. 385

شدد ابن حزم والشوكاني في مسألة التقليد، يقول الشوكاني في تفسيره -فتح القدير في تفسير سورة الزخرف كلاماً طويلاً جداً-: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ* بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ* وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ* قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾ [(٢١ - ٢٤) سورة الزخرف]، سئلوا فأجابوا بأنهم وجدوا آبائهم على هذا، ولن يغيروا ما وجدوا عليه آبائهم، ويشبه إلى حد كبير ما يتفوه به بعض متعصبة المذاهب، سواءً كانت المذاهب الأصلية أو الفرعية، تأتي له بالدليل -دليل المسألة- من الكتاب أو من الصحيحين أو من غيرهما، مما صح عن النبي ﵊ فيقول: هذا المذهب، هذا المذهب وعليه العمل، هذا المذهب وعليه العمل، وكل عمر الناس يفعلون كذا، طيب هل هذه حجج، هل هذه حجج تعارض بها النصوص؟ هذه يقولها بعض متعصبة المذاهب. ماذا يقول الشوكاني، قال بعد أن فسر الآيات يقول: وهذا من أعظم الأدلة الدالة على بطلان التقليد وقبحه، فإن هؤلاء المقلدة في الإسلام إنما يعملون بقول أسلافهم، ويتبعون آثارهم، ويقتدون بهم، فإذا رام الداعي إلى الحق أن يخرجهم من ضلالة، أو يدفعهم عن بدعة قد تمسكوا بها، وورثوها عن أسلافهم بغير دليل نير، ولا حجة واضحة، بل بمجرّد قال وقيل لشبهة داحضة، وحجة زائفة، ومقالة باطلة، قالوا بما قاله المترفون من هذه الملل: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾. الأمة -كما قال قتادة وأبو عبيد وغيرهم والجوهري- يقولون: الأمة الطريقة والدين، إنا وجدنا آباءنا على طريقة -على منهج- سائرين عليه، ولن نخالفهم، ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾.

стр. 386

يقول: يجيب هؤلاء بما قاله المترفون من هذه الملل: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾، أو بما يلاقي معناه معنى ذلك، يعني ما يلزم أن يقولوا إنا وجدنا آباءنا على أمة، لا، يقول: كل عمر الناس يسوونه، أو هذا المذهب وعليه العمل.

стр. 387

يقول: فإن قال لهم الداعي إلى الحقّ: قد جمعتنا الملة الإسلامية، وشملنا هذا الدين المحمدي، ولم يتعبدنا الله، ولا تعبدكم، وتعبد آباءكم من قبلكم إلاّ بكتابه الذي أنزله على رسوله ﷺ ، وبما صحّ عن رسوله ﵊، فإنه المبين لكتاب الله، الموضح لمعانيه، الفارق بين محكمه ومتشابهه، فتعالوا نردّ ما تنازعنا فيه إلى كتاب الله، وسنّة رسوله ﵊، كما أمرنا الله بذلك في كتابه بقوله: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول﴾ [(٥٩) سورة النساء]، فإن الردّ إليهما أهدى لنا ولكم من الردّ إلى ما قاله الأسلاف، ودرج عليه الآباء، إذا قيل لهم ذلك، نفروا نفور الوحش، ورموا الداعي لهم إلى ذلك بكل حجر ومدر، كأنهم لم يسمعوا قول الله : ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المؤمنين إِذَا دُعُواْ إِلَى الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [(٥١) سورة النور]، ولا قوله: ﴿فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً﴾ [(٦٥) سورة النساء]، يقول: فإن قال لهم القائل: هذا العالم الذي تقتدون به، وتتبعون أقواله هو مثلكم، هذا العالم مثلكم من أي وجه، يعني في كونه متعبداً بالكتاب والسنة، مطلوباً منه ما هو مطلوب منكم، وإذا عمل برأيه عند عدم وجدانه الدليل، فذلك رخصة له لا يحلّ أن يتبعه غيره عليها، ولا يجوز له العمل بها، وقد وجد الدليل الذي لم يجده، يعني المتأخر وجد دليلاً لم يقف عليه المتقدم، وها أنا أوجدكموه في كتاب الله، أو فيما صحّ من سنّة رسوله ﵊، وذلكم أهدى لكم مما وجدتم عليه آباءكم، قالوا: لا نعمل بهذا، ولا سمع لك ولا طاعة، ووجدوا في صدورهم أعظم الحرج هناك، ﴿ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مّمَّا قَضَيْتَ﴾، وهؤلاء يجدون في صدورهم أعظم الحرج، من حكم الكتاب والسنّة، ولم يسلموا ذلك، ولا أذعنوا له، وقد وهب لهم الشيطان عصاً يتوكئون عليها عند أن يسمعوا من يدعوهم إلى الكتاب

стр. 388

والسنّة، وهي أنهم يقولون: إن إمامنا الذي قلدناه، واقتدينا به أعلم منك بكتاب الله، وسنّة رسوله – ﷺ ، نعم، هذه قيلت بالحرف، تقول للواحد منهم، من أهل الفضل والخير والعلم والعمل والصلاح، تقول له: الدليل في البخاري أو في مسلم، يقول: هل عندنا علم أكثر من علم الإمام أحمد بالسنة؟ ما عدل الإمام أحمد عن هذا الدليل إلا لأنه وجد ما يعارضه مما هو أقوى منه، ما احنا بأعلم من الإمام أحمد، وقل مثل هذا في مالك والشافعي وغيرهم، يعني هل مثل هذا الكلام يخفى على أحمد، هذا كلامهم، وهذه حجتهم، هذه عصاً أعطاهم إياها الشيطان، وهيأها لهم يتوكئون عليها في دفع النصوص، وهي حجة في ظاهرها، يعني لها حظ من النظر؛ أئمة كبار، الأئمة المقلدون كبار يحفظون مئات الألوف من السنن، فيأتي شخص حديث عهد بعلم ويرد على كبار الأئمة، لكن هذا الشخص الذي بيده الدليل الحق معه، حتى يوجد دليل يعارض هذا الدليل ويكون أقوى منه. وقد وهب لهم الشيطان عصاً يتوكئون عليها عند أن يسمعوا من يدعوهم إلى الكتاب والسنّة، وهي أنهم يقولون: إن إمامنا الذي قلدناه واقتدينا به أعلم منكم بكتاب الله، وسنّة رسوله ﷺ ؛ وذلك لأن أذهانهم قد تصوّرت من يقتدون به تصوراً عظيماً بسبب تقدّم العصر وكثرة الأتباع؛ لأنه قد يقول قائل: كم أتباع أبي حنيفة منذ أن قام مذهبه إلى يومنا هذا؟ من يحصيهم والمشرق كله حنفية، وبقية الأقطار الإسلامية فيها أيضاً حنفية، خلال قرون وأئمة كبار فحول قلدوا هذا الإمام، يمكن أن يخفى عليهم مثل هذا الكلام؟ هذه من الحجج الذي يلبس بها المتعصبة حينما يدعون إلى الأخذ بالكتاب والسنة، وما علموا أن هذا منقوض عليهم، مدفوع به في وجوههم، فإنه لو قيل: إن التابعين، أو إن في التابعين من هو أعظم قدراً، وأقدم عصراً من صاحبكم، فإن كان لتقدم العصر وجلالة القدر مزية حتى توجب الاقتداء، فتعالوا حتى أريكم من هو أقدم عصراً، وأجلّ قدراً، يعني في الفقهاء السبعة -فقهاء المدينة السبعة من التابعين- من هو أهل لأن يقلد، فإذا كان القدم يؤهل للتقليد، ويبرر ويبرهن للتقليد، ففي من تقدم عصر الأئمة –أيضاً- من هو أهل للتقليد.

стр. 389

ثم قال: فإن أبيتم ذلك، ففي الصحابة ﵃ من هو أعظم قدراً من صاحبكم علماً وعملاً وفضلاً، وجلالة قدر، تقولون: أبو حنيفة أهل لأن يقلد؛ لأنه إمام، نقول: أي إمامة أبي حنيفة أو إمامة أبي بكر؟ أبو بكر أهل لأن يقلد، تقولون: مالك، أي مالك وعمر –مثلاً- تقولون: أحمد يحفظ من السنة، ومالك نجم السنن، أي هؤلاء وأبو هريرة في الحفظ، لماذا لا نطلع فوق ونقلد الصحابة؟ هذا كلام الشوكاني. فإن أبيتم ذلك، فها أنا أدلكم على من هو أعظم قدراً، وأجلّ خطراً، وأكثر أتباعاً، وأقدم عصراً، وهو: محمد بن عبد الله نبينا ونبيكم ﵊ ورسول الله إلينا وإليكم، فتعالوا، فهذه سنّته موجودة في دفاتر الإسلام، ودواوينه التي تلقتها جميع الأمة قرناً بعد قرن، وعصراً بعد عصر، وهذا كتاب ربنا خالق الكل، ورازق الكل، وموجد الكل بين أظهرنا موجود في كل بيت، وبيد كل مسلم لم يلحقه تغيير ولا تبديل، ولا زيادة، ولا نقص، ولا تحريف، ولا تصحيف، ونحن وأنتم ممن يفهم ألفاظه، ويتعقل معانيه، فتعالوا لنأخذ الحقّ من معدنه، ونشرب صفو الماء من منبعه، فهو أهدى مما وجدتم عليه آباءكم. قالوا –يعني بلسان الحال-: لا سمع ولا طاعة، يقول: إما بلسان المقال، وإما بلسان الحال، يقول: فتدبر هذا، وتأمله إن بقي فيك بقية من إنصاف، وشعبة من خير، ومزعة من حياء، وحصة من دين، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم. يقول: وقد أوضحت هذا غاية الإيضاح في كتابي الذي سميته «أدب الطلب ومنتهى الأرب»، فارجع إليه إن رمت أن تنجلي عنك ظلمات التعصب، وتتقشع لك سحائب التقليد" انتهى كلامه بحروفه. ابن حزم –أيضاً- له كلام طويل جداً في إبطال التقليد في الباب السادس والثلاثين من الأحكام. هذا الكلام وإن كان فيه شدة على جماهير المسلمين الذين يتبعون المذاهب الأربعة، هذا فيه شدة عليهم، لكنه أقرب إلى الحق والصواب، نعم، مما يتذرع به كثير من متعصبة المذاهب؛ لأن كلام مثل هؤلاء يدعون إلى الكتاب والسنة الذي هو الأصل، وأولئك يدعون إلى تقليد الرجال ثقة بهم وبإمامتهم وعلمهم وعملهم.

стр. 390

انظروا إلى كلام في الطرف الآخر، إذا قارنا كلام الشوكاني السابق بكلام الصاوي في حاشيته على الجلالين في الجزء الثالث (صفحة ١٠) عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ﴾ [(٢٣ - ٢٤) سورة الكهف]، اسمعوا ما يقول، يعني الكلام الذي سمعناه من كلام الشوكاني في غاية القوة في طرف، واسمعوا كلام الصاوي أيش يقول. يقول: ولا يجوز تقليد ما عدا المذاهب الأربعة، ولا يجوز تقليد ما عدا المذاهب الأربعة، ولو وافق أيش يعني؟ يعني ما عدا المذاهب الأربعة، ولو وافق قول الصحابة والحديث الصحيح والآية، ولا يجوز تقليد ما عدا المذاهب الأربعة، ولو وافق قول الصحابة والحديث الصحيح والآية، فالخارج عن المذاهب الأربعة ضال مضل، وربما أداه ذلك للكفر، يقول: لأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر! يعني هل هذا كلام يقبله عاقل، هل هذا الكلام يقبله عاقل منصف؟ معارك في مسألة الاجتهاد والتقليد، لا نختلف في أن الأصل الكتاب والسنة، لا يختلف على هذا أحد، لكن هل التقليد مذموم وهل الاجتهاد واجب، وهل المطالب بذلك جميع الناس؟ أو المطالب به فئة من الناس. يعني قبل ربع قرن ثارت ثورة على التقليد وعلى كتب الفقهاء، وعلى أئمة الإسلام ونبذ أقوالهم، والتفقه من الكتاب والسنة مباشرة، هذه دعوى أو دعوة إلى الأخذ بالأصول، والمظنون بمن أطلقها الظن الحسن، وقد ساءه وأهمه وأغمه ما يرد في ثنايا كلام متعصبة المذاهب في المسائل الأصلية والفرعية، ومن ذلكم ما سمعنا من كلام الصاوي. ظهرت دعوى لنبذ التقليد وعدم النظر في كتب الفقهاء، والتفقه مباشرة من الكتاب ولسنة، دعوة إلى أخذ العلم من معدنة، لكن ينبغي أن يفرق بين الناس، ولا شك أن من تأهل للاستنباط من الكتاب والسنة أنه ليس له أن يقلد أحداً، وإنما عليه أن يجتهد، ولا يجوز له أن يقلد في دينه الرجال؛ لأن المرد عند التنازع إلى الكتاب والسنة، والذي لم يتأهل سواءً كان عامياً أو مبتدئاً في الطلب، ليست لديه الأهلية، وليست لديه الآلة كاملة، مثل هذا فرضه سؤال أهل العلم، وفي حكم سؤال أهل العلم الأخذ من كتبهم، وهذا هو التقليد.
следующие страницы →