- شروط صحتها:
تقديم غسل الميت أو تيممه - عند العجز عن الغسل - على الصلاة، ويصح تأخير تكفينه عنها مع الكراهة.
ويشترط فيها إضافة لما ذكر، ما يشترط في كل صلاة، من طهارة، وستر عورة، واستقبال القبلة.
стр. 492
- أركانها:
- ١ - النية، ويجب فيها ما يجب في نية سائر الفرائض؛ القصد والتعيين ونية الفرض، بأن يقصد معنى قوله: أصلي فرض كفاية صلاة الجنازة على هذا الميت، أو على من صلى عليه الإمام، ولا يجب تعيين الميت الحاضر. وتصح الصلاة ولو اختلفت نية الإمام عن نية المأموم، فلو نوى الإمام الصلاة على ميت حاضر أو غائب، ونوى المأموم على غيره صحت الصلاة.
- ٢ - القيام للقادر.
- ٣ - أربع تكبيرات بما فيها تكبيرة الإحرام، لما روي عن جابر ﵁ (أن النبي ﷺ صلى على أصحمة النجاشي فكبر أربعاً) (١) ، وروى حميد قال: (صلى بنا أنس ﵁ فكبر ثلاثاً ثم سلم، فقيل له، فاستقبل القبلة ثم كبر الرابعة ثم سلم) (٢) .
- ٤ - قراءة الفاتحة، أو بدلها عند العجز عنها، لعموم قوله ﷺ : (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) (٣) .
- ٥ - الصلاة على النبي ﷺ بعد التكبيرة الثانية، لأنها صلاة، فوجب فيها الصلاة عليه ﷺ كسائر الصلوات، ولا تجزئ بعد غير الثانية للإتباع، وأقلها: اللهم صل على محمد.
- ٦ - تخصيص الميت بالدعاء، ولا يكفي الدعاء للمؤمنين والمؤمنات، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء) (٤) .
ويتعين كون الدعاء بعد التكبيرة الثالثة (٥) ، وأقله ما يقع عليه اسم الدعاء.
ويكفي في الطفل الدعاء لوالديه، لحديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال: ( ... والسقط يصلى عليه، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة) (٦) .
- ٧ - التسليمة الأولى، بحسب كيفيتها في سائر الصلوات. لما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (ثلاث خلال كان رسول الله ﷺ يفعلهن، تركهن الناس: إحداهن التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة ... ) (٧) .
стр. 493
- سننها:
- ١ - أن تكون الصلاة في المسجد، لما روي عن عائشة ﵂ قالت: (ما صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن البيضاء إلا في المسجد) (١) .
- ٢ - أن تصلى جماعة، وبثلاثة صفوف فأكثر، لما روي مالك بن هبيرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من مسلم يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا أوجب) (٢) . وكلما كثر الجمع كان أفضل. لحديث ابن هبيرة ﵁ المتقدم، ولحديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: (ما من ميت تصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة، كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه) (٣) .
- ٣ - أن يقف الإمام عند رأس الميت إن كان رجلاً، وعند عجيزته إن كان امرأة، وأن تكون معظم الجنازة عن يمين الإمام، لما روي عن غالب قال: (صليت مع أنس بن مالك على جنازة رجل، فقام حيال رأسه، ثم جاؤوا بجنازة امرأة من قريش، فقالوا يا أبا حمزة (٤) صل عليها، فقام حيال وسط السرير، فقال له العلاء بن زياد: هكذا رأيت النبي ﷺ قام صل عليها، فقام حيال وسط السرير، فقال له العلاء بن زياد: هكذا رأيت النبي ﷺ قام على الجنازة مقامك منها، ومن الرجل مقامك منه؟ قال: نعم. فلما فرغ قال: احفظوا (٥) .
- ٤ - رفع اليدين عند كل تكبيرة، حذو المنكبين، ثم يجمعهما عقب ذلك ويجعلهما تحت صدره، واضعاً اليمنى على اليسرى، كما في سائر الصلوات.
- ٥ - إيقاع قراءة الفاتحة بعد التكبيرة الأولى.
- ٦ - أن تكون الصلاة على النبي ﷺ بصيغة الإبراهيمية.
- ٧ - أن يدعو، قبل دعائه للميت، بما روى أبو هريرة ﵁ قال: (صلى رسول الله ﷺ على جنازة فقال: (اللهم اغفر لحينا وميتنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، وشاهدنا وغائبنا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان، ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده) (٦) .
ويسن أن يكون الدعاء بما جاء في الأحاديث الشريفة، ومنها حديث عوف بن مالك ﵁ قال: (سمعت النبي ﷺ وصلى على جنازة - يقول: (اللهم اغفر له وارحمه، واعف عنه وعافه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بماء وثلج وبرد، وثقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره وأهلاً خيراً من أهله، وزجاً خيراً من زوجه، وقه فتنة القبر وعذاب النار) (٧) .
وأكمله ما التقطه الشافعي ﵁ من مجموع الأحاديث الواردة، ورتبه، واستحبه، وهو: (اللهم هذا عبدك وابن عبدك، خرج من روح الدنيا وسعتها، ومحبوبه وأحباؤه فيها، إلى ظلمة القبر، وما هو لاقيه، كان يشهد أن لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك، وأن محمداً عبدك ورسولك، وأنت أعلم به منا، اللهم نزل بك وأنت خير منزول به، وأصبح فقيراً إلى رحمتك، وأنت غني عن عذابه، وقد جئناك راغبين إليك، شفعاء له، اللهم إن كان محسناً فزد في إحسانه، وإن كان مسيئاً فتجاوز عنه، ولَقِّهِ برحمتك رضاك، وقه فتنة القبر وعذابه، وأفسح له في قبره، وجاف الأرض عن جنبيه، ولقه برحمتك الأمن من عذابك، حتى تبعثه إلى جنتك يا أرحم الراحمين) (٨) .
ويسن في جنازة الطفل أن يدعو الدعاء الوارد عنه ﷺ من رواية أبي هريرة ﵁، والذي تقدم: (اللهم اغفر لحينا وميتنا ... ) . ثم يدعو لوالديه بالدعاء التالي: (اللهم اجعله فرطاً (٩) لأبويه، وسلفاً (١٠) وذخراً، وعظة واعتباراً، وشفيعاً، وثقل به موازينهما (١١) ، وأفرغ الصبر على قلوبهما، ولا تفتنهما بعده، ولا تحرمهما أجره (١٢) ، وذلك إن كان الوالدان حيين مسلمين.
- ٨ - الدعاء بعد التكبيرة الرابعة، بقوله: (اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله) (١٣) .
- ٩ - التسليمة الثانية.
стр. 494
- بناء على ما تقدم تكون الكيفية الفضلى للصلاة كالتالي:
- ١ - يقرن النية مع تكبيرة الإحرام.
- ٢ - يقرأ الفاتحة سراً (٢١) بعد التكبيرة الأولى والتعوذ، دون دعاء الافتتاح، ويؤمن بعدها ندباً (٢٢) .
- ٣ - ثم يكبر الثانية ويصلي بعدها على النبي ﷺ .
- ٤ - ثم يكبر الثالثة ويدعو للميت بعدها.
- ٥ - ثم يكبر الرابعة ويدعو.
- ٦ - يسلم بعد التكبيرة الرابعة.
تنبيهان خاصان بالمأموم:
الأول: إذا تخلف المأموم عن الإمام بتكبيرة إلى أن شرع في الثانية، بدون عذر، بطلت صلاته، لأن كل تكبيرة تقوم مقام ركعة. والتقدم كالتخلف.
الثاني: إذا أدرك المقتدي الإمام بعد غير التكبيرة الأولى مشى على ترتيب صلاة نفسه، ثم بعد سلام الإمام يأتي بما بقي عليه من التكبيرات وأذكارها.
стр. 495
- أولى الناس بالصلاة على الميت:
أولى الناس بالصلاة على الميت عصباته، ثم الولاء، ثم الإمام أو نائبه، ثم ذوو الأرحام لأن القصد من الصلاة الدعاء للميت، ودعاء هؤلاء على الترتيب الذي ذكرنا أرجى للإجابة.
стр. 496
- تعقيبات:
- ١ - تصح الصلاة على الغائب، لما صح أنه ﷺ صلى على النجاشي بالمدينة يوم موته بالحبشة، عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن أخاً لكم قد مات، فقوموا فصلوا عليه) يعني النجاشي (١) .
- ٢ - تصح الصلاة على المدفون ممن كان من أهل فرض الصلاة عليه يوم الموت، وحال بينه وبين الصلاة عليه حائل. لما روي عن ابن نمير قال: (انتهى رسول الله ﷺ إلى قبر رطب فصلى عليه، وصفوا خلفه، وكبر أربعاً) (٢) .
- ٣ - تجوز الصلاة على الميت أكثر من مرة، كأن يصلي عليه وهو في المسجد، ويصلي عليه بعد الدفن، وكذا يجوز للنساء أن يصلين على الميت قبل صلاة الرجال عليه في المسجد لما روي عن عائشة ﵂ (أنها لما توفي سعد بن أبي وقاص أرسل أزواج النبي ﷺ أن يمروا بجنازته في المسجد فيصلين عليه، ففعلوا، فوقف به على حجرهن يصلين عليه) (٣) .
стр. 497
حمل الجنازة:
стр. 498
- هو فرض كفاية، وليس فيه دناءة، ولا سقوط مروءة، بل هو بر وطاعة وإكرام للميت، فعله الصحابة والصالحون. ويحمل الجنازة الرجال دون النساء، لما رُوي عن أبو سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا وضعت الجنازة، واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها، أين يذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعه صعق (١) .
والأفضل أن يحمل الجنازة خمسة، ويحرم حملها على هيئة مزرية، كحمله في قفة وغراره، كما يحرم حملها على هيئة يخاف منها سقوطه، ويسن الإسراع بها لما روى أبو هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تقدمونها، وإن يك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم" (٢) .
стр. 499
اتباع الجنازة:
стр. 500
- يستحب اتباع الجنازة، وعدم الانصراف حتى يدفن، لما روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى
تدفن فله قيراطان، قيل وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين" (١) .
ويسن المشي أمامها قريباً منها، على أنه يجوز له المشي حيث شاء قريباً منها، لحديث المغيرة بن شعبة ﵁ المتقدم بعضه وفيه: "الراكب يسير خلف الجنازة، والماشي يمشي خلفها وأمامها، وعن يمينها، وعن يسارها، قريباً منها" (٢) . وروى سالم عن أبيه ﵄ قال "رأيت النبي ﷺ وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة" (٣) ولأنه شفيع الميت، والشفيع يتقدم المشفوع.
ويكره اللغط فيها، واتباعها بنائحة أو نار، لما روي عن عمرو بن العاص رضى الله عنه أنه قال وهو في سياقة الموت (٤) : " ... فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار ... " (٥) .
كما يكره اتباع النساء للجنازة، لما روت أم عطية رضى الله عنها قالت: "نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا " (٦) .
ويكره الركوب في الذهاب معها إلا لعذر، فإن ركب في الانصراف لم يكن به بأس، لما روى جابر بن سمرة رضى الله عنه "أن النبي ﷺ اتبع جنازة أبي الدحداح ﵁ ماشياً ورجع على فرس" (٧) .
ولا يكره للمسلم اتباع جنازة قريبه الكافر، لما روى عن علي ﵁ قال: "قلت للنبي ﷺ : إن عمك الشيخ الضال قد مات. قال: "اذهب فوار أباك " (٨) . ويستحب لمن مرت به جنازة أن يقول: سبحان الله الذي لا يموت، أو سبحان الملك القدوس، وأن يدعو لها ويثني عليها إن كانت أهلا لذلك.
стр. 501
دفن الميت:
стр. 502
- هو فرض على الكفاية، كما قدمنا، لأن في تركه على وجه الأرض هتكاً لحرمته، وأذى للناس برائحته. ويتولاه الرجال لأنه يحتاج إلى بطش وقوة، وأولاهم بذلك أولاهم بالصلاة عليه، إلا المرأة فالأولى بدفنها زوجها، ثم أحد محارمها.
стр. 503
- الواجب في الدفن:
الواجب فيه أن يوضع الميت في القبر مستقبلا القبلة، ولا يجزئ وضعه على وجه الأرض، والبناء عليه إلا إذا تعذر الحفر.
أما إذا توفي في السفينة بعيداً عن الساحل، فيشد بين لوحين لئلا ينتفخ ويلقى في البحر بعد غسله وتكفينه والصلاة عليه.
стр. 504
- شروط القبر:
أقل القبر حفرة تكتم رائحة الميت، وتحرسه من السباع (١) ، وأكمله حفرة بعمق قامة وبسطة، لما روي أن عمر ﵁ أوصى أن يعمق قامة وبسطة (٢) . ولحديث هشام بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ قال لهم يوم أحد: "احفروا وأعمقوا وأحسنوا" وفي رواية "وأوسعوا" (٣) .
стр. 505
- ما يسن في الدفن:
-١- أن يكون الدفن في المقبرة، لأن النبي ﷺ كان يدفن الموتى بالبقيع، ولأنه يكثر الدعاء له ممن يزوره، ويجوز الدفن في البيت لأن النبي ﷺ دفن في حجرة السيدة عائشة ﵂.
-٢- يستحب أن يجمع الأقارب في موضع واحد، لما روى المطلب ﵁ "أن النبي ﷺ ترك عند رأس عثمان بن مظعون صخرة وقال: "أتعلم قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي " (٤) .
-٣- أن يكون في غير الليل. وفي غير وقت حرمة الصلاة، إلا أنه يجوز الدفن في هذين الوقتين من غير كراهة. ودليل عدم كراهته في الليل حديث ابن عباس رضى الله عنهما " أن رسول
ﷺ مر بقبر قد دفن ليلاً فقال: "متى دفن هذا؟ " قالوا: البارحة. قال: "أفلا آذنتموني؟ " قالوا: دفناه في ظلمة الليل فكرهنا أن نوقظك. فقام، فصففنا خلفه، قال ابن عباس: وأنا فيهم، فصلى عليه " (٥) .
-٤ - أن يكون الدافنون رجالا، لأن المرأة أضعف، ولئلا ينكشف بدنها حين الدفن، وأن يكونوا وتراً، فإن حصلت الكفاية بواحد وإلا ثلاثة، وإلا فخمسة، إن أمكن، واحتيج إليه.
-٥- يسن الدفن باللحد إذا كانت الأرض صلبة، وفي الشق إذا كانت رخوة، لئلا ينهار عليه اللحد. روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال في مرضه الذي هلك فيه: "ألحدوا لي لحداً، وانصبوا على اللبن نصباً كما صنع برسول الله ﷺ " (٦) .
والشق هو ما يحفر في قعر القبر كالنهر، وتوضع بلاطة فوقه، واللحد هو حفرة في الجدار القبلي للقبر من الأسفل، بقدر حجم الميت. فبعد أن يحفر القبر ويعمق بقدر قامة وبسطة يحفر
في جانبه اللحد. ثم يسد اللحد بعد وضع الميت بلبنة، ثم ينهال عليه التراب إلى أن يملأ القامة والبسطة.
-٦- أن يستر القبر عند الدفن بثوب، سواء كان المدفون رجلاً أو امرأة، لما روى ابن عباس ﵄ قال: "جلل رسول الله ﷺ قبر سعد بثوبه" (٧) .
-٧- أن يوضع رأس الميت عند رجل القبر، ثم يسل فيه سلا، لما روي عن ابن عباس ﵄ قال: "سُلَّ رسول الله ﷺ من قبل رأسه " (٨) . ولأن ذلك أسهل.
-٨- أن يفضى بخده إلى الأرض، ويكره أن يجعل له وسادة، أو صندوق، ولو أوصى بذلك، إلا إذا احتيج إليه لنداوة الأرض، روي عن عمر ﵁ أنه قال: "إذا أنزلتموني في اللحد فأفضوا بخدي إلى الأرض" (٩) ، وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: "لا تجعلوا بيني وبين الأرض شيئاً" (١٠) .
-٩- يسن أن يسند وجه الميت ورجلاه عند الدفن إلى جدار القبر، وظهره بنحو لبنة أو حجر لئلا ينكب على وجهه. وأن يوضع على شقه الأيمن، قياساً على النائم، وعلى المصلى مضطجعاً، وقد تقدم قوله ﷺ للبراء بن عازب ﵁: "إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن".
-١٠- ويسن أن يقول عند إضجاع الميت: "بسم الله، على ملة رسول الله ". قال الشافعي ﵁، ثم يقول: "اللهم أسلمه إليك الأشحاء من ولده وأهله وقرابته وإخوانه، وفارق من كان يحب قربه، وخرج من سعة الدنيا والحياة إلى ظلمة القبر وضيقه، ونزل بك وأنت خير منزول به، إن عاقبته فبذنب، وإن عفوت فأهل العفو أنت، غني عن عذابه، وهو فقير إلى رحمتك، اللهم اشكر حسنته، واغفر سيئته، وأعذه من عذاب القبر، واجمع له برحمتك الأمن من عذابه، واكفه كل هول دون الجنة، اللهم اخلفه في تركته في الغابرين، وارفعه في عليين، وعد عليه برحمتك يا أرحم الراحمين" (١١) وله أن يدعو بغيره إن شاء.
-١١- ويسن لكل من على القبر أن يحثو عليه ثلاث حثيات تراب بيديه جميعاً، روى عامر ابن ربيعة عن أبيه قال: "رأيت النبي ﷺ حين دفن عثمان بن مظعون ﵁، فصلى عليه، وكبر عليه أربعا وحثا بيديه ثلاث حثيات من التراب وهو قائم على القبر" (١٢) .
-١٢- ويسن ألا يزاد على التراب الذي أخرج من القبر، فإن زادوا قليلا فلا بأس به. ويشخص القبر من الأرض قدر شبر، لما روى القاسم بن محمد قال: "دخلت على عائشة فقلت: يا أمَّه اكشفي لي عن قبر النبي ﷺ وصاحبيه ﵄، فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء " (١٣) .
-١٣- كما يسن أن يسطح القبر، ويوضع عليه الحصى، ويرش عليه بالماء لأنه ﷺ فعل ذلك في قبر ابنه إبراهيم. ولأنه إذا لم يرش زال أثره فلا يعرف.
-١٤- يسن أن يقف جماعة بعد دفنه يدعون للميت، ويستغفرون له، ويقرؤون عنده شيئاً من القرآن، وختمه أفضل، ويسألون الله له التثبيت، لما روى عثمان ﵁ قال: "وكان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت، ووقف عليه قال: "استغفروا لميتكم وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل" (١٤) .
كما يسن تلقينه، لما روى سعيد بن عبد الله الأودي قال: "شهدت أبا أمامة ﵁ وهو في النزع فقال: إذا أنا مت فاصنعوا في كما أمر رسول الله ﷺ ، فقال: "إذا مات أحد من إخوانكم، فسويتم التراب على قبره، فليقم أحد على رأس قبره ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة فإنه يسمعه ولا يجيب، ثم يقول: يا فلان بن فلانة فإنه يستوي قاعداً، ثم يقول يا فلان بن فلانة، فإنه يقول: أرشدنا رحمك الله، ولكن لا تشعرون. فليقل؟ اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، وبالقران إماماً" (١٥) .
-١٥- يسن وضع الجريد الأخضر والريحان على القبر لأنه يستغفر للميت ما دام رطباً. ودليله الحديث المتقدم في المعذبين في القبر، وفيه أن النبي ﷺ وضع الجريد على القبرين وقال: "لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا". ولا يجوز أخذه قبل أن ييبس من غير واضعه.
стр. 506
- ما يكره في الدفن:
يكره أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يكتب عليه، لما روى جابر ﵁ قال: "نهى النبي ﷺ أن تجصص القبور، وأن يكتب عليها، وأن يبنى عليها، وأن توطأ " (١) ، ولأن ذلك من الزينة.
стр. 507
- ما يحرم في الدفن:
- لا يجوز أن يدفن ميت في موضع ميت، إلا أن يعلم أنه قد بلى، ولم يبق منه شيء، ويرجع فيه إلى أهل الخبرة بتلك الأرض، كما لا يجوز أن يدفن اثنان في قبر، لأن النبي ﷺ لم يدفن في كل قبر إلا واحداً، فإن دعت الضرورة إلى ذلك جاز، لأن النبي ﷺ كان يجمع الاثنين
من قتلى أحد في ثوب واحد، روى جابر بن عبد الله ﵄ "أن النبي ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد" (١) .
وإن دعت الضرورة أن يدفن مع امرأة رجل جعل بينهما حائل من التراب، وجعل الرجل أمامها اعتباراً بحال الحياة، وإن كان لها ابناً.
- كذلك لا يجوز أن يدفن كافر في مقبرة المسلمين، ولا مسلم في مقبرة الكفار.
- كما لا يجوز نبش القبر قبل البلى.
стр. 508
زيارة القبور:
стр. 509
- تسن زيارة القبور للرجال، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: "زار النبي ﷺ قبر أمه ... وفيه قوله ﷺ : (فزوروا القبور فإنها تذكر الموت) " (١) .
وتكره للنساء تنزيها لقلة صبرهن، والدليل على عدم حرمتها عليهن ما روي عن أنس ﵁ "أن النبي ﷺ مر بامرأة تبكي، عند قبر، فقال: (اتقي الله واصبري) " (٢) فلم ينهها عن الزيارة. لكن إن كان في خروجهن إلى القبور فتنة فتحرم عليهن الزيارة، وعليه حمل حديث ابن عباس ﵄ قال: "لعن رسول ﷺ زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسُّرُج" (٣) ، ويستثنى من ذلك قبر الرسول ﷺ فتندب لهن زيارته، وكذا قبور سائر الأنبياء والأولياء.
ويندب أن يقول الزائر ما كان رسول الله ﷺ يعلمهم قوله إذا خرجوا إلى المقابر، فيما رواه بُرَيْدة ﵁: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله للاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية) (٤) . وله أن يزيد: اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم. كما يندب له أن يقرأ ما تيسر من القرآن، كسورة يس، ويدعو له ولجميع أهل المقبرة، يتصدق على روحه، ويسن أن يقترب من قبر المزور بقدر ما كان يدنو من صاحبه لو كان حياً وزاره، وأن يسلم عليه من قبل رأسه.
ويكره تقبيل القبر واستلامه، وتقبيل التابوت واستلامه، لأن ذلك عادة النصارى وفيه تعظيم للقبر، وقد صح النهي عن تعظيم القبور.
ويكره الجلوس على القبر، ووطؤه إلا لضرورة والاتكاء عليه، لما روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده، خير له من أن يجلس على قبر" (٥) .
كما يكره المبيت في المقبرة، لما فيها من الوحشة.
стр. 510
التعزية:
стр. 511
- التعزية لغة: التصبير لمن أصيب بمن يعز عليه.
حكمها: هي سنة، لما روى أسامة بن زيد ﵁ كما قال: "أرسلت ابنة النبي ﷺ إليه أن ابناً لي قبض فائتنا، فأرسل يقرئ السلام ويقول: (إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل عنده بأجل مسمى، فلتصبر، ولتحتسب) " (١) .
ويستحب أن يعزي جميع أقارب الميت، أهله الكبار والصغار، الرجال والنساء، إلا أن تكون المرأة شابة فلا يعزيها إلا محارمها، وتعزية الصلحاء، والضعفاء عن احتمال المصيبة، والصبيان، آكد.
صيغتها: يستحب أن يعزي بتعزية الخضر ﵇ أهل بيت رسول الله ﷺ وهو أن يقول: "إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفاً من كل هالك ودركاً من كل فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإن المصاب من حرم الثواب" (٢) .
ويستحب أن يجمع بين الدعاء للميت والمعزى به، والمشهور تقديم الدعاء للمعزى فيقول: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاك، وغفر لميتك.
فإن عزى مسلماً بكافر قال: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاك.
وإن عزى كافراً بمسلم قال: أحسن الله عزاك، وغفر لميتك.
وإن عزى كافراً بكافر قال: أخلف الله عليك، ولا نقص عددك (٣) .
وقتها: من حين الموت إلى حين الدفن، وبعد الدفن بثلاثة أيام. وتكره بعدها إلا إذا كان المعزي أو المعزى غائباً، فلم يحضر إلا بعد ثلاثة أيام، فإنه يعزيه، وعلة كراهتها بعد ثلاثة أيام أن المقصود منها تسكين قلب المصاب، والغالب سكونه بعد الثلاثة، فلا يجدد له الحزن. وهى بعد الدفن أفضل منها قبله، لانشغال الأهل قبل الدفن بتجهيز ميتهم، ولأن وحشتهم بعد دفنه لفراقه أكثر.
أما الجلوس للتعزية، بأن يجتمع أهل الميت فيقصدهم من أراد التعزية فمكروه، وينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم، فمن صادفهم عزاهم، ولا فرق في كراهة الجلوس لها بين الرجال والنساء. قال الشافعي ﵀: وأكره المآتم وهي الجماعة، وإن لم يكن لهم بكاء (٤) .
стр. 512
البكاء على الميت:
стр. 513
- هو جائز، من غير ندب ولا نياحة (١) ، روي عن عبد الله بن عمر رصي الله عنهما قال: "اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه النبي ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد ابن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود ﵃، فلما دخل عليه فوجده في غاشية أهله فقال: (قد قضى؟) . قالوا: لا يا رسول الله، فبكى النبي ﷺ فلما رأى القوم بكاء النبي ﷺ بكوا، فقال: (ألا تسمعون إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم، وإن الميت بعذب ببكاء أهله عليه) " (٢) . وهو جائز قبل الموت وبعده.
ولا يجوز لطم الخدود، ولا شق الجيوب، ولا رفع الصوت بإفراط، وما إلى ذلك من خمش الوجه، ونشر الشعر، والدعاء بالويل، لما روى عبد الله بن مسعود رض الله عنه قال: قال النبي ﷺ : (ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية (٣) . هذا إذا كان مختاراً، فإن كان مغلوبا لم يؤاخذ به لأنه غير مكلف.
стр. 514
فصل في اللباس
стр. 515
- يحرم لبس الحرير للذكر البالغ، إلا لضرورة، وكذا يحرم استعماله، لحديث حذيفة ﵁ قال: "نهانا النبي ﷺ أن نشرب في آنية الذهب والفضة، وأن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه" (١) .
ونوعا الحرير: القز (٢) والإبريسم (٣) في الحرمة سواء، وكذا نوعا قماشه: الديباج (٤) والسندس (٥) . أما الحرير الصناعي فلا يحرم لبسه ولا استعماله.
والعلة في التحريم ما ذكره الإمام الغزالي ﵁ قال: في الحرير خنوثة (٦) لا تليق بشهامة الرجال.
ويستثنى من الحرمة ما ركب من حرير وغيره إن استويا في الوزن، وكذا التطريز والترقيع بالحرير الخالص، والحشو، والخياطة به، ما لم يبلغ كل من ذلك وزن الثوب، أما التطريف (٧) بالحرير فالعبرة فيه بعادة أمثاله. روى ابن عباس ﵄ قال: "إنما نهى رسول الله ﷺ عن الثوب المُصْمَت (٨) من الحرير، فأما العلم من الحرير، وسدى الثوب، فلا بأس به" (٩) .
كذلك يحرم على الرجل استعمال الحرير الخالص، كالجلوس عليه، والاستناد عليه من غير حائل بينهما، وكذا يحرم الجلوس تحته (١٠) .
ويستثنى من تحريم الاستعمال للرجال كيس المصحف، وعلاقته، وخيط السبحة، وخيط المفتاح، وما يوضع منه على قبور الأنبياء والأولياء، إن خلا عن النقد. ويجوز ستر الكعبة به.
ويجوز استعماله للضرورة، كفجاءة الحرب، أو لحر أو برد مهلكين، إذا لم يجد غيره، وكدفع جرب أو حكة، أو ستر عورة، إن لم يجد غيره من دواء أو لباس، فمتى وجد حرم الاستعمال، لحديث أنس ﵁ قال: "رخص النبي ﷺ للزبير وعبد الرحمن في لبس الحرير لحكة بهما" (١١) .
والتحريم يقتصر على الذكر البالغ العاقل، أما إن كان صبياً أو مجنوناً فلا يحرم.
أما النساء فيحل لهن لبس الحرير واستعماله، لما روى علي رضى الله عنه قال: "إن نبي الله ﷺ أخذ حريراً فجعله في يمينه، وأخذ ذهباً فجعله في شماله، ثم قال: (إن هذين حرام على ذكور أمتي) " (١٢) .
ويحرم على الرجال لبس المزعفر (١٣) واستعماله. أما المنقط بالزعفران فلا يحرم، لحديث أنس ﵁ قال: "نهى النبي ﷺ أن يتزعفر الرجل" (١٤) .
ويكره للرجال لبس المعصفر كله أو بعضه، واستعماله كذلك، إلا المنقط أو المقلم فلا يكره، لما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: "رأى رسول الله ﷺ عليّ ثوبين معصفرين فقال: (إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها) " (١٥) .
ولا يحرم، ولا يكره الأحمر والأصفر والأخضر والأسود والمخطط.
ويحرم التختم بالذهب للرجل، لحديث علي ﵁ قال: "نهاني رسول الله ﷺ عن التحتم بالذهب" (١٦) . أما الفضة فيجوز التختم بها، بل يسن، ما لم يسرف فيه عرفاً، والأفضل جعله في اليد اليمنى، ولبسه في الخنصر، لحديث روي عن ابن عمر ﵄، وفيه " ... ثم اتخذ - رسول الله ﷺ خاتماً من فضة، فاتخذ الناس خواتيم الفضة، فلبس الخاتم بعد النبي ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، حتى وقع من عثمان في بئر أريس" (١٧) .
стр. 516
كتاب الصوم
стр. 517
التعريف به:
стр. 518
- الصوم لغة: الإمساك مطلقا، بدليل قوله تعالى: ﴿إني نذرت للرحمن صوماً فلن اكلم اليوم إنسيا﴾ (١) .
وشرعا: الإمساك عن المفطر، بنية مخصوصة، طيلة نهار (٢) ، قابل للصوم (٣) .
стр. 519
أقسام الصوم
стр. 520
أولا - الصوم المفروض، وهو نوعان:
-١- فرض أصالة: وهو صوم شهر رمضان، وصوم القضاء عنه.
-٢- فرض عرضا: وهو الصوم المنذور، وصوم الكفارات، والصوم الذي يقوم مقام دماء الحج.
ثانيا- الصوم المسنون: بعضه ثبت بدليل خاص، كالتسعة الأولى من ذي الحجة، وبعضه طلب بأدلة الترغيب بالصوم دون تعيين.
ثالثا- الصوم المكروه.
رابعا- الصوم المحرم.
стр. 521
القسم الأول: الصوم المفروض (صوم رمضان) (١)
стр. 522
دليل صوم رمضان:
стр. 523
- من الكتاب قوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القران هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ (٢) .
ومن السنة: ما رواه ابن عمر ﵄ كما قال: قال رسول الله ﷺ : (بني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان) (٣) .
وإجماع الأمة.
ويكفر جاحد وجوب صوم رمضان، إلا إن كان قريب العهد بالإسلام، أو نشأ بعيدا عن العلماء. ومن تركه غير جاحد وجوبه، من غير عذر، حبس ومنع من الطعام والشراب نهارا لتحصل له صورة الصوم.
стр. 524
ثبوت شهر رمضان:
стр. 525
- يجب صوم رمضان بأحد أمور أربعة:
-١- يجب - بصورة عامة - لاستكمال شعبان ثلاثين يوماً.
-٢- يجب في من رأى هلال رمضان، ولو كان فاسقأ، لما روى ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا رأيتموه (١) فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم (٢) عليكم فاقدروا له) (٣) ، وفي رواية عن أبي هريرة ﵁: (فأكملوا عدة شعبان ثلاثين) (٤)
-٣- يجب بحق من أخبر برؤية الهلال من قبل من يثق به، أو من قبل من يعتقد صدقه، ولو كان امرأة، أو صبيا عاقلا، أو فاسقا، وإن لم يقبل الحاكم شهادته، فإن صام ثم بان أنه من رمضان أجزأه لأنه نوى الصوم بظن وصادفه، فأشبه البينة.
-٤- يجب بحق من لم يره بإخبار عدل عند الحاكم، وتثبت رؤيته عند الحاكم بشهادة عدل واحد حر ذكر مكلف، لما روى عبد الله بن عمر ﵄، قال: "تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته فصامه، وأمر الناس بصومه" (٥) ولأنه إيجاب عبادة فقبل من واحد احتياطا للفرض.
وأما هلال بقية الأشهر فلا بد لإثباته من عدلين، فلا يقبل في هلال الفطر - هلال شوال - إلا شاهدان، لأنه إسقاط فرض فاعتبر فيه العدد احتياطا للفرض، فمن رأى هلال شوال وحده لزمه الفطر، ويفطر سرا لئلا يتعرض للتهمة في دينه.
وإذا رئي ببلد لزم من وافق مطلعهم مطلعه (٦) ، والدليل على عدم وجوب الصوم إن اختلفت المطالع ما روى كريب "أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها، واستهل علي رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبد الله بن عباس ﵄، ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة. فقال أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس وصاموا، وصام معاوية. فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه. فقلت: أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمر رسول الله ﷺ " (٧) . ولو شك في اتفاق المطالع لم يلزم الصوم الذين لم يروا، لأن الأصل عدم الوجوب، ولأن الصوم إنما يجب بالرؤية للحديث، ولم تثبت الرؤية في حق هؤلاء لعدم ثبوت قربهم من بلد الرؤية.
وإذا رأوا الهلال بالنهار فهو لليلة المستقبلة، سواء رأوه قبل الزوال أو بعده، لما روى أبو وائل قال: "جاءنا كتاب عمر ﵁ ونحن بخانقين أن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهارا فلا تفطروا حتى تمسوا إلا أن يشهد رجلان مسلمان أنهما أهلاه بالأمس عشية" (٨) .
ولو سافر من بلد إلى آخر، ووجدهم مفطرين أو صائمين لزمته موافقتهم، سواء في أول الشهر أو في آخره.
وإذا اشتبه رمضان على أسير أو حبيس وجب عليه الاجتهاد ثم الصوم، فإن استمر الإشكال عليه ولم يعلم أنه صادف رمضان أم لا فصومه مجزئ، وكذلك إن وافق صومه رمضان، أو وافق صومه ما بعد رمضان. أما إن صادف صومه ما قبل رمضان فينظر: إن أدرك رمضان بعد بيان الحال لزمه صومه بلا خلاف لتمكنه منه في وقته، وإن لم يبن الحال إلا بعد مضى رمضان وجب القضاء. أما إن صام بغير اجتهاد ووافق رمضان، لم يجزئ بلا خلاف.
стр. 526
شروط وجوب صوم رمضان:
стр. 527
-١- الإسلام: فلا يجب على الكافر الأصل وجوب مطالبة، ويجب على المرتد وجوب مطالبة، بأن نقول له: ارجع إلى الإسلام ثم صم، ولا يصح منه في ردته، لكن بعد عودته للإسلام يجب عليه قضاء ما فاته فترة الردة، بخلاف الكافر الأصلي إذا أسلم، فليس عليه أن يقضي ما فاته خلال فترة كفره، لأنه لم يكن واجبا عليه آنذاك وجوب مطالبة، ولحديث رواه عمرو بن العاص ﵁ عن النبي ﷺ : (أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله) (١) .
-٢- العقل: فلا يجب الصوم على المجنون، ولا المغمى عليه، ولا السكران سواء كان متعديا بجنونه أو إغمائه أو سكره أم لا، لما روى على بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ قال: (رفع القلم (٢) عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل) (٣) . ويجب القضاء في حالة التعدي بالجنون والسكر، أما في حالة الإغماء فيجب القضاء ولو لم يكن متعديا، لقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ (٤) والإغماء مرضن، ويخالف الجنون فإنه نقص، وكل من زال عقله بمرض أو بشرب دواء شربه لحاجة، أو بعذر آخر، لزمه قضاء الصوم.
-٣- البلوغ: فلا يجب الصوم على الصبي المميز، لكن صومه صحيح، ويؤمر به لسبع إن أطاقه، ويضرب على تركه لعشر، قياسا على الصلاة.
-٤- الإطاقة: ويقصد بذلك القدرة على الصوم بلا مشقة.
стр. 528
شروط صحة الصوم (١) :
стр. 529
- أولا: النية: لما روى عمر ﵁ عن النبي ﷺ قوله: (إنما الأعمال بالنية وإنما لامرئ ما نوى) (٢) ولأنه عبادة محضة، فلم يصح من غير نية، كالصلاة.
وتجب النية لكل يوم، لأن صوم كل يوم عبادة مستقلة فلو نوى من أول ليلة في رمضان صوم جميعه لم يجزئ إلا عن أول يوم، لكن يسن له ذلك ليصح صوم النهار الذي نسيها فيه على مذهب الإمام مالك (٣) ، كما يسن له أن ينوي أول النهار الذي نسيها فيه ليصح صومه على مذهب الإمام أبو حنيفة (٤) ، هذا إن نوى عندئذ تقليده، فإذا لم ينو التقليد كان متلبسا بعبادة فاسدة وهذا حرام. وإن نسى النية في ليلة من الليالي، ولم يقلد المذاهب الأخرى، وجب عليه قضاء ذلك اليوم.
محل النية: محل النية القلب، وتكون بأن يستحضر حقيقة الصوم التي هي الإمساك عن المفطر جميع النهار، بقلبه، ولا تكفي النية باللسان دون القلب، لكن يندب النطق بها ليساعد اللسان القلب.
ولو نوى الصوم وهو في الصلاة، أو في حالة الجماع، أو في أثناء الأكل، صحت نيته. ويشترط في نية صوم الفرض أمران:
-١- التبييت: فلا بد من إيقاع النية ليلا، بدليل قوله ﷺ في الحديث الذي روته حفصة ﵂ عن النبي ﷺ : (من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له) (٥) . ويصح التبييت في أي جزء من الليل، من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، أما إن قارنت النية الفجر فلا يصح صومه وعليه القضاء. ولا يضر الأكل والشرب والجماع بعد النية، وكذا الجنون والسكر والإغماء والنوم.
وإذا شك قبل الغروب هل وقعت نيته قبل الفجر أم بعده لم يصح للتردد بالنية، أما لو شك هل طلع الفجر أم لا بعد أن كان ناويا فيصح ذلك، وأما لو شك بعد الغروب هل نوى أم لا، ولم يتذكر فلا يؤثر لمشقة إعادة الصوم (٦) .
ولو عقب النية بقوله: إن شاء الله بقلبه أو بلسانه، فإن قصد التبرك، أو وقوع الصوم وبقاء الحياة إلى تمامه بمشيئة الله تعالى، لم يضره، وإن قصد تعليقه والشك لم يصح صومه، ومثله ما لو قال: أصوم غدا إن شاء فلان، أو إن نشطت، لم يصح صومه لعدم الجزم.
-٢- التعيين: فلا يصح الصيام دون تعيين نوع الفرض، هل هو كفارة (٧) أو نذر (٨) أو أداء أو قضاء عن رمضان، لقوله ﷺ (وإنما لامرئ ما نوى) فهذا ظاهر في اشتراط التعيين.
وإذا كان على المرء قضاء اليوم الأول من رمضان، فصام ونوى قضاء اليوم الثاني، فلا يجزئ، وكذا لو كان عليه قضاء يوم من رمضان سنة، فنوى قضاءه من صوم أخرى غلطا لا يجزئه، وإن كان لو أطلق نيته عن واجبه في الموضعين أجزأه.
وينبغي أن تكون النية جازمة، فلو نوى ليلة الثلاثين من شعبان صوم غد إن كان من رمضان وإلا فهو مفطر أو متطوع، فكان منه، لم يجزئه صوم ذلك اليوم عن رمضان إلا إذا ظن كونه منه، حين نوى، وذلك بقول من يثق به، لأن غلبة الظن هنا كاليقين، كما في أوقات الصلوات فتصح النية المبنية عليه.
وأقل النية في صوم رمضان: نويت صوم رمضان، أو نويت الصوم عن رمضان، فلا تجب نية الغد، ولا أداء، ولا إضافة لله تعالى، ولا تعيين السنة.
وأكملها: نويت صوم غد عن أداء فرض رمضان هذه السنة إيمانا واحتسابا لله تعالى.
أما نية صوم النفل فلا يشترط فيها التبييت (٩) بل تجزئه النية قبل الزوال، بشرط انتفاء المفطرات قبلها، لما ورد عن عائشة أم المؤمنين ﵂، قالت: "دخل عليّ النبي ﷺ ذات يوم فقال: (هل عندكم شيء؟) فقلنا: لا. قال: (فإني إذن صائم) . ثم أتانا يوماً آخر فقلنا: يا رسول الله أهدي لنا حَيْس (١٠) . فقال: (أرينيه فلقد أصبحت صائما، فأكل) " (١١) .
وكذا لا يجب التعيين، فتصح نية النفل بقصد القلب ما معناه: نويت صوم غد لله تعالى.
إلا أن يكون صوما مرتبا كصوم عرفة وعاشوراء وأيام البيض، وستة من شوال، وغيرها، فيشترط في صومها التعيين لتحصيل ثوابها المعين، أما الصوم فصحيح وإن لم يعين.
стр. 530
- ثانيا - الإمساك عن الجماع عمداً (١) وإن لم ينزل، والإمساك عن الاستمناء: أما الجاهل المعذور بجهله، والمكره، فالجماع غير مفطر في حقهما، وكذا الجماع ناسيا للصوم، فهو كالأكل ناسيا لا يفطر، لما روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من أكل أو شرب ناسيا فلا يفطر فإنما هو رزق رزقه الله) (٢) فالنص هنا على الأكل والشرب، ويقاس عليه الجماع وسائر المفطرات.
ويفطر بخروج المني من مباشرة، ولو لم يجامع، لذلك حرمت المباشرة إن حركت شهوة لخوف الإنزال، أما الإنزال بلا مباشرة فلا يفطر.