← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 12917

محاضرات في علوم القرآن - غانم قدورى

غانم قدوري الحمد

Полный текст (258 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد: فإن القرآن الكريم هو كلام الله تعالى، أنزله على رسوله سيدنا محمد ﷺ لهداية البشرية إلى الدين القويم، فقرأه على الناس، ودعاهم إليه، وعلّمه لصحابته الذين آمنوا بدعوته، فحفظوه في الصدور، ودوّنوه في السطور، وعاشوا يهتدون بهديه، ويقتبسون من نوره، ويعملون بأحكامه، ويتخلّقون بآدابه، حتى تحقّق فيهم قول الله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (١١٠) [آل عمران]. ولا شك في أن الوقوف على تأريخ القرآن وعلومه يكشف عن حقيقة هذا الكتاب ومصدره، ويبيّن كيفية كتابته وجمعه، وقراءته، وتفهّم معانيه، ويوضح جهود علماء الأمة من لدن عصر الصحابة في حفظ النص القرآني وصيانته وتيسير تلاوته ومعرفة معانيه، تلك الجهود التي يتبين للمتأمل من خلالها سرّ الخلود لهذا الكتاب العظيم الذي تكفل الله تعالى بحفظه بقوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) [الحجر]. وكان علماء الأمة قد كتبوا في علوم القرآن وفي المباحث المتصلة بتأريخه، منذ بدء عصر تدوين العلوم الإسلامية إلى زماننا، مئات الكتب التي يعجز المرء غير المتخصص عن الوقوف على كثير منها، أو الاستفادة منها، لما كانت تتّسم به من التفصيل والشمول الذي لا يحتاج إلى كثير منه القارئ في هذا العصر، كما أن أسلوب كتابتها لم يعد مألوفا لدى كثير من قراء زماننا الذين ضعفت صلتهم بكتب التراث. ومن هنا كانت الحاجة تدعو إلى تقديم خلاصة تلك المباحث إلى القراء

стр. 2

غير المتخصصين عامة، وإلى طلبة الدراسات الإسلامية والعربية الجامعية خاصة، في أسلوب يجمع بين التركيز على الموضوعات الأساسية في تأريخ القرآن وعلومه، وبين السهولة في العرض، والوضوح في التعبير، مع عدم التفريط بمتطلبات البحث العلمي الجاد، من الاعتماد على المصادر الأصلية، والمنهجية الموضوعية التي تقرر الحقائق من خلال الأدلة والنصوص الموثقة. وكانت هذه المحاضرات قد كتبت وصدرت طبعتها الأولى منذ عشرين سنة (١)، وهذه إن شاء الله الطبعة الثانية مزيدة ومنقحة بعد أن أعدت كتابة موضوعاتها، لتحقيق غرضين هما: استدراك ما فاتني في الطبعة الأولى من مصادر ومعلومات، وتيسير كتابة بعض المباحث لتكون أقرب إلى فهم القارئ المبتدئ أو غير المتخصص، مع المحافظة على المنهج الذي ظهرت فيه الطبعة الأولى المستندة إلى دراسة موضوعات علوم القرآن من خلال الأبواب أو الفصول الأربعة الآتية: الأول: نزول القرآن الكريم. الثاني: تدوين القرآن الكريم. الثالث: قراءة القرآن الكريم. الرابع: تفسير القرآن الكريم. وقد حرصت في هذه المحاضرات على الاعتماد على المصادر الأصلية الموثقة من نصوص القرآن الكريم والسنّة المشرفة، والروايات التاريخية الصحيحة، وفهم علماء الأمة العدول لها. مع التركيز على الحقائق الثابتة المتفق عليها، وترك الآراء الشاذة التي لا تقوم على دليل ولا تسندها حجة. والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل. المؤلف ١٥/ صفر/ ١٤٢٠ هـ ٣٠/ مايس/ ١٩٩٩ م

стр. 3

تمهيد علوم القرآن وتأريخ التأليف فيها تعني عبارة (علوم القرآن) المباحث والدراسات التي كتبت حول القرآن الكريم، وهي تتناول أربعة موضوعات أساسية، الأول: مصدر القرآن أو كيفية إنزاله وتلقي النبي ﷺ له، والثاني: كتابة القرآن وجمعه ونسخه في المصاحف، والثالث: تلاوة القرآن وقراءاته، والرابع: تفسير القرآن وكيفية فهم آياته. ويتألف كل موضوع من هذه الموضوعات من عدد من المباحث التي يتكون من مجموعها ما يعرف بعلوم القرآن، ويتصل بعلوم القرآن أيضا المباحث المتعلقة بفضائل القرآن، والدراسات التي تبحث في وجوه إعجازه. وترتبط نشأة (علوم القرآن) ببدء نزول القرآن الكريم على سيدنا محمد ﷺ وتلاوته على الناس، وأمره أصحابه بكتابته. وتطورت تلك النشأة مع تطور الحياة العلمية والثقافية للأمة- وانتقلت من مرحلة الملاحظات المتفرقة إلى مرحلة البحث المنهجي المدوّن. ويمكن أن ندرس نشأة (علوم القرآن) وتطورها من خلال المراحل الأربع الآتية: المرحلة الأولى: علوم القرآن قبل عصر تدوين العلوم: يمكن للباحث أن يجد بدايات علوم القرآن في عصر النبوة متمثلة بالملاحظات والأحاديث التي تلقّاها الصحابة عن رسول الله ﷺ المتصلة بالقرآن الكريم، فمن سؤال الصحابة النبي ﷺ عن كيفية تلقيه القرآن بدأت المباحث المتعلقة بنزول القرآن، ومن قراءته ﷺ القرآن على أصحابه وحثّهم على تلاوته وحفظه نشأت المباحث الخاصة بالقراءات القرآنية، ومن أمره ﷺ كتّاب الوحي بكتابة ما ينزل عليه من القرآن تأكدت سنّة كتابة القرآن وجمعه في الصحف،

стр. 4

ونشأت من ذلك المباحث المتعلقة بكتابته ورسمه، ومن بيانه ﷺ لمعنى عدد من الآيات والكلمات القرآنية حين أشكل فهمها على بعض الصحابة نشأت المباحث المتعلقة بفهم القرآن وتفسيره. وتجمعت تلك الملاحظات لدى علماء الصحابة، واختزنتها ذاكرتهم، ونقلوها إلى تلامذتهم من التابعين، لكنهم لم يدوّنوها تدوينا منظما، لأن العلوم لم تكن قد دوّنت في عصرهم، وكان القرآن الكريم أول كتاب مدوّن عرفته الأمة، وحرصوا في الجيل الأول ألّا يظهر بجانبه كتاب آخر، لكن الضرورة أملت على علماء الأمة من التابعين وتابعيهم تدوين العلوم، وكان نصيب علوم القرآن من جهودهم كبيرا. المرحلة الثانية: علوم القرآن في عصر التدوين يمكن القول إن تدوين علوم اللغة العربية وعلوم القرآن وغيرها قد بدأ في أواخر القرن الأول الهجري ومطلع القرن الثاني، وأن القرن الثاني لم ينقض إلا ومعظم العلوم قد دوّنت وظهرت فيها المؤلفات، ومن أوائل الكتب المؤلفة في علوم القرآن كتاب «التفسير» لعبد الله بن عباس (ت ٦٨ هـ) الذي رواه تلميذه مجاهد بن جبر المكي (ت ١٠٤ هـ) (١)، ومنها كتاب في هجاء (رسم) المصاحف لعبد الله بن عامر اليحصبي الدمشقي (ت ١١٨ هـ) (٢). وكتاب قراءة أبي عمرو بن العلاء (ت ١٥٤ هـ) (٣)، ثم تتابع التأليف وكثر في علوم القرآن. ويقدّم ابن النديم صورة واضحة في كتابه «الفهرست» عن حركة التأليف في علوم القرآن، حتى سنة ٣٧٧ هـ وهي سنة تأليفه الكتاب، حيث ذكر أكثر من ٢٥٠ كتابا في موضوعات متعددة من علوم القرآن، نشير إلى أهمها (٤):

стр. 5

الكتب المؤلفة في تفسير القرآن: ذكر ١٤ كتابا. الكتب المؤلفة في معاني القرآن ومشكله ومجازه: ذكر ٢٥ كتابا. الكتب المؤلفة في غريب القرآن: ذكر ١٤ كتابا. الكتب المؤلفة في القراءات: ذكر ٢٢ كتابا. الكتب المؤلفة في الوقف والابتداء في القرآن: ذكر ١٢ كتابا. الكتب المؤلفة في متشابه القرآن: ذكر ١٠ كتب. الكتب المؤلفة في فضائل القرآن: ذكر ١٢ كتابا. الكتب المؤلفة في عدد آي القرآن: ذكر ١٩ كتابا. الكتب المؤلفة في ناسخ القرآن ومنسوخه: ذكر ١٨ كتابا. الكتب المؤلفة في أحكام القرآن: ذكر ١١ كتابا. وتتميز هذه المرحلة بأن لكل علم من علوم القرآن كتبا خاصة به، فالكتاب الواحد لا يتناول إلا مباحث علم واحد، فلم تكن المؤلفات الجامعة قد ظهرت بعد. المرحلة الثالثة: مرحلة المؤلفات الجامعة خصص ابن النديم الفن الثالث من المقالة الأولى من كتابه الفهرست، لعلوم القرآن، وقال في مطلعه: «الفن الثالث: في نعت الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وأسماء الكتب المصنفة في علومه، وأخبار القراء وأسماء رواتهم» (١). وما فعله ابن النديم هنا يمثل بداية اتجاه جديد للتأليف في علوم القرآن يتمثل بجمع خلاصة لعلوم القرآن كافة في مكان واحد، بعد أن كانت كتب علوم القرآن يختص كل كتاب منها بمباحث علم واحد. وأشهر الكتب التي اتبعت هذا المنهج:

стр. 6

١ - كتاب فنون الأفنان في عجائب علوم القرآن، تأليف ابن الجوزي (أبو الفرج عبد الرحمن بن علي المتوفى سنة ٥٩٧ هـ) (١). ٢ - جمال القراء وكمال القراء، تأليف علم الدين السخاوي. (أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الصمد المتوفى سنة ٦٤٣ هـ) (٢). ٣ - المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز، لأبي شامة المقدسي. (أبو القاسم عبد الرحمن بن اسماعيل المتوفى سنة ٦٦٥ هـ) (٣). ٤ - البرهان في علوم القرآن، تأليف بدر الدين الزركشي. (محمد بن عبد الله المتوفى سنة ٧٩٤ هـ) (٤). ٥ - الإتقان في علوم القرآن، تأليف جلال الدين السيوطي (عبد الرحمن بن أبي بكر المتوفى سنة ٩١١ هـ) (٥). وكتاب «الإتقان» هو أكبر كتاب في علوم القرآن، جمع فيه السيوطي خلاصة ثمانين مبحثا من مباحث علوم القرآن، استخلصها من المؤلفات السابقة له، وكان خاتمة للمؤلفات الجامعة في العصور المتقدمة. المرحلة الرابعة: علوم القرآن في العصر الحديث: عاد العلماء إلى التأليف في علوم القرآن في العصر الحديث، وتنوعت اتجاهات التأليف عندهم:

стр. 7

فمنهم من اتبع منهج المؤلفات الجامعة، مثل الشيخ طاهر الجزائري (ت ١٩٢٠ م) في كتابه «التبيان لبعض المباحث المتعلقة بالقرآن»، الذي اختصر فيه بعض مباحث (الاتقان) للسيوطي. والشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني (ت ١٩٤٨ م) في كتابه «مناهل العرفان في علوم القرآن». ونحا هذا المنحى الدكتور صبحي الصالح في كتابه «مباحث في علوم القرآن» وغير هؤلاء كثير. ومنهم من ألّف في علم واحد من علوم القرآن أو قضية من قضايا تأريخ القرآن، مثل كتاب «الظاهرة القرآنية» لمالك بن نبي، وكتاب «النبأ العظيم» للدكتور محمد عبد الله دراز، وكتاب «النسخ في القرآن» للدكتور مصطفى زيد، وكتاب «الإعجاز البياني للقرآن» للدكتورة عائشة عبد الرحمن، وكتاب «التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن» للأستاذ حنفي أحمد، وغيرها كثير أيضا. وكان للمستشرقين دور في الدراسات الحديثة عن القرآن وعلومه، لكن أكثر تلك الدراسات كانت تنطلق من نظرة يشوبها التعصب (١)، وأشهر ما كتبوه كتاب «تاريخ القرآن» للمستشرق الألماني تيودور نولدكه، الذي صدرت طبعته الأولى سنة ١٨٦٠ م، والذي قال عنه المستشرق آثر جفري: «وهو الآن أساس كل بحث في علوم القرآن في أوربا» (٢)، وكتاب «مذاهب التفسير الإسلامي» للمستشرق المجري الأصل جولد تسهير (ت ١٩٢٠ م) (٣)، وكتاب «القرآن: نزوله، تدوينه، ترجمته وتأثيره» للمستشرق الفرنسي بلاشير (٤). ومن الكتب التي كتبها باحث غربي واتسمت بالموضوعية إلى حد كبير،

стр. 8

كتاب «التوراة والإنجيل والقرآن والعلم» للكاتب الفرنسي موريس بوكاي (١)، الذي أراد في هذا الكتاب (اختبار الكتب المقدسة في ضوء المعارف العلمية الحديثة) (٢)، والذي ختمه بقوله: «وبالنظر إلى حال المعارف في عصر محمد، لا نستطيع أن نفهم بأن كثيرا من الأخبار القرآنية التي لها سمة علمية يمكن أن تكون عمل إنسان، ولذلك فإن المشروع ليس بأن يعتبر القرآن تعبيرا لوحي فقط، بل بأن يعطى مركزا ممتازا لما يتمتع به من الأصالة الفريدة ولوجود أخبار علمية لديه ظهرت كتحد للتفسير الإنساني» (٣). إن التأليف في علوم القرآن في اتجاهيه العام والخاص لم ينقطع منذ بدئه إلى زماننا، وهو يعكس مقدار عناية الأمة بالقرآن الكريم، والحاجة الدائمة إلى مؤلفات توضح تأريخ النص القرآني، وتكشف عن وجوه إعجازه، وتبين ما يتضمنه من الحكمة ومعالم الهداية التي تتطلع إليها البشرية أفرادا وجماعات في جميع العصور.

стр. 9

الفصل الأول نزول القرآن الكريم المبحث الأول: مصدر القرآن لقد علم الناس أجمعون علما لا يخالطه شك أن القرآن الكريم جاء على لسان رجل عربي أميّ ولد بمكة في القرن السادس الميلادي، اسمه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ﷺ وأن البشرية لم تعرف هذا الكتاب إلا عن طريقه، لا خلاف في ذلك بين مؤمن وملحد، لأن شهادة التاريخ المتواترة لا يماثلها ولا يداخلها شهادته لكتاب غيره، ولا لحادث غيره ظهر على وجه الأرض. ولكن من أين جاء به محمد بن عبد الله ﷺ ، أمن عند نفسه ومن وحي ضميره، أم من عند معلّم؟ ومن هو ذلك المعلم (١)؟ إن الناس في الإجابة عن هذا السؤال ينقسمون إلى قسمين، قسم يعتقدون أن هذا الكتاب كلام الله تعالى أوحاه إلى نبيه محمد ﷺ وقسم ينكرون ذلك ولكنهم كانوا متحيرين في نسبته إلى مصدر معين، وقد حكى القرآن الكريم أقاويل كفار مكة بشأن القرآن وردّ عليها ردا ساحقا، مؤكدا مصدره الإلهي. قال الله تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣) [سبأ].

стр. 10

وقال تعالى: بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦) وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧) وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩) لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠) [الأنبياء]. وقال تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً (٤) وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٦) وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً (٧) [الفرقان]. وفي القرآن آيات أخرى حكت أقوال المشركين وبينت موقفهم من القرآن والدعوة الجديدة (١)، لكن القرآن بيّن في مقابل ذلك بيانا واضحا أن هذا القرآن من عند الله، وأنه وحي أوحاه الله إلى رسوله ﷺ ، كما أوحى إلى النبيين من قبله، قال تعالى: قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩) [الأحقاف]. وقال تعالى:* إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً (١٦٤) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٦٥) لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (١٦٦) [النساء]. وبيّن القرآن أيضا أن الرسول ﷺ ليس له في القرآن من عمل إلا الحفظ

стр. 11

والتبليغ، قال الله تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦) [يونس]. وقد أكدت آيات القرآن الكريم على أن الله تعالى هو الذي أنزل القرآن على سيدنا محمد ﷺ ، ونكتفي بإيراد أمثلة منها تذكّر القارئ بهذه الحقيقة الأساسية في العقيدة الإسلامية، فمنها: قوله تعالى: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) [آل عمران]. وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ ... (٤٨) [المائدة]. إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) [يوسف]. لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠) [الأنبياء]. إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) [الإنسان]. وإذا كانت الآيات الكريمة قد أكّدت على هذا المعنى فإن الأحاديث النبوية الشريفة قد أكدت عليه أيضا، فهذا رسول الله ﷺ يعلن أن هذا القرآن الذي يتلوه على الناس ليس من تأليفه، وإنما هو وحي أوحاه الله عليه ليبلغه للناس، وأنه المعجزة الخالدة التي أيده الله تعالى بها، فمن ذلك قوله: «ما من الأنبياء نبيّ إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» (١). قال ابن حجر في شرحه:

стр. 12

«أي أن معجزتي التي تحدّيت بها هي الوحي الذي أنزل عليّ، وهو القرآن، لما اشتمل عليه من الإعجاز الواضح ... » (١). وقال رسول الله ﷺ أيضا: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ... » (٢). يعني بالكتاب القرآن، ومثله يعني السنة. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة تؤكد على أن القرآن لم يصدر عن الرسول ﷺ ابتداء، وإنما أنزل عليه، وأنه كلام الله تعالى. وقد آمن بهذه الحقيقة أجيال المسلمين من لدن عصر الصحابة، ولا تزال هذه الحقيقة هي الركيزة الأساسية لإيمان المؤمنين، لا يحيد عنها إلا هالك. المبحث الثاني بدء نزول القرآن إن من يريد أن يتعرف على بدء الظاهرة القرآنية فعليه أن يدرس البيئة التي ظهرت فيها، فإن القرآن وإن لم يكن من صنع تلك البيئة فإن كثيرا من معانيه لا تفهم إلا بمعرفتها، كما أن دراسة سيرة الرجل الذي نزل عليه القرآن ضرورة لتفهم كيفية نزول القرآن وإدراك حقيقة الدعوة التي تضمنها. ولا يتسع المكان لعرض تلك التفاصيل هنا، ونفترض أن القارئ على معرفة مناسبة لها. ونكتفي بنقل قول محمد بن سعد الذي يلخص فيه معالم شخصية النبي ﷺ قبل البعثة، حيث قال: «شبّ رسول الله ﷺ مع أبي طالب، يكلؤه الله ويحفظه ويحوطه من أمور الجاهلية ومعايبها، لما يريد به من كرامته، وهو على دين قومه، حتى بلغ أن كان رجلا أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقا، وأكرمهم مخالطة، وأحسنهم جوارا، وأعظمهم حلما وأمانة، وأصدقهم حديثا، وأبعدهم من الفحش والأذى،

стр. 13

وما رئي ملاحيا ولا مماريا أحدا، حتى سماه قومه الأمين، لما جمع الله له من الأمور الصالحة، فقد كان الغالب عليه بمكة الأمين» (١). وفي السنة التي بلغ فيها النبي ﷺ الأربعين من عمره بدأ تحول كبير في حياته لم يكن قد تهيأ له من قبل، لكن العناية الإلهية كانت ترعى ذلك التحول وتوجهه نحو النبوة الكاملة التي تنكشف فيها حجب الغيب، ويتنزل الوحي بالقرآن عليه. وكانت أولى مظاهر ذلك التحول أن النبي ﷺ قال لخديجة، ﵂: «إني أرى ضوءا وأسمع صوتا» (٢). وتتابعت إرهاصات النبوة التي انتهت باللقاء الأول بين رسول الله ﷺ والملك جبريل ﵇ الذي حمل الرسالة إليه. وتقدّم الروايات التاريخية والأحاديث الصحيحة وصفا لبدء نزول القرآن على رسول الله ﷺ ، ونقل البخاري في كتابه الجامع الصحيح، كما جاء في غيره من المصادر المعتمدة تفاصيل ذلك الحدث العظيم عن عائشة، ﵂، حيث قالت (٣): «كان أوّل ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة (أو الصالحة) في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. قالت: فمكث على ذلك ما شاء الله، وحبّب إليه الخلوة، فلم يكن شيء أحبّ إليه منها، وكان يخلو بغار حراء (٤) فيتحنث فيه- وهو التعبد- الليالي ذوات العدد، قبل أن يرجع إلى أهله فيتزود لمثلها، حتى فجئه الحق وهو في غار حراء.

стр. 14

فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطّني (١) حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: أقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني، فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) [العلق]. فرجع بها الرسول ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد، ﵂، فقال: زمّلوني (٢)، حتى ذهب عنه الرّوع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا، والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرّحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، ابن عم خديجة، كان امرأ تنصّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء أن يكتب (٣). وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس (٤) الذي نزّل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ : أو مخرجيّ هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم ينشب (٥) ورقة أن توفي، وفتر الوحي».

стр. 15

قال ابن سعد: «نزل الملك على رسول الله ﷺ بحراء، يوم الاثنين، لسبع عشرة خلت من شهر رمضان (١)، ورسول الله يومئذ ابن أربعين سنة، وجبريل الذي كان ينزل عليه بالوحي» (٢). وقد قال الله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ (١٨٥) [البقرة]. المبحث الثالث فتور (٣) الوحي إن الارتقاء إلى مقام النبوة الذي تنكشف معه حجب الغيب، ويتصل الإنسان فيه بعالم الروح- أمر يستدعي كثيرا من الإعداد النفسي الذي ينقل الإنسان إلى ذلك المقام من غير أن يصاب بانهيار نفسي أو اضطراب عقلي. ويلمس المتأمل جوانب ذلك الإعداد الإلهي في حياة النبي محمد ﷺ متمثلة بأمور عدة منها: ١ - ما رآه وسمعه من الضوء والصوت غير المألوف له من قبل. ٢ - الرؤيا الصادقة التي صارت تتكرر وتتحقق مما يخرج عن العادة. ٣ - الميل نحو الخلوة، وتفرغه لها في أعلى جبل حراء، وما توحيه تلك الخلوة في ليلها الساجي الساكن ونهارها الضاحي الطويل من شعور. ٤ - ما لقيه ﷺ من الضم الشديد من الملك في اللقاء الأول، لإعداده لتحمل الثقل المصاحب لإيحاء القرآن إليه.

стр. 16

وقد كان رسول الله ﷺ بعد ذلك اللقاء المبارك في غار حراء في حاجة إلى وقت للراحة والتأمل في حقيقة هذا الأمر الجديد في حياته، وتحقق ذلك بانقطاع نزول جبريل عليه مدة من الوقت جعلته يتشوق إلى لقائه مرة أخرى، بعد أن زال عنه الرّوع، وأخذ يتفكر في كلمات ورقة بن نوفل الذي لم يلبث أن توفي بعد أن سمع منه تفسيره لما وقع له في غار حراء، فروى ابن سعد عن عبد الله بن عباس «أن رسول الله ﷺ لمّا نزل عليه الوحي بحراء مكث أياما لا يرى جبريل، فحزن حزنا شديدا، حتى كان يغدو إلى ثبير (١) مرة وإلى حراء مرة، يريد أن يلقي نفسه منه، فبينا رسول الله ﷺ كذلك عامدا لبعض تلك الجبال إذ سمع صوتا من السماء. فوقف رسول الله ﷺ صعقا للصوت، ثم رفع رأسه، فإذا جبريل يقول: يا محمد أنت رسول الله حقا، وأنا جبريل، قال: فانصرف رسول الله ﷺ وقد أقرّ الله عينه، وربط جأشه، ثم تتابع الوحي بعد وحمي» (٢). ونقل البخاري الرواية بتفصيل آخر عن جابر بن عبد الله الأنصاري «قال وهو يحدّث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء، فرفعت بصري، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرعبت منه، فرجعت فقلت: زمّلوني، فدثّروه، فأنزل الله يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) [المدثر]، ثم تتابع الوحي» (٣). وهكذا ذهب في هذه الفترة ما وجده رسول الله ﷺ من الرّوع في لقاء غار حراء، وكذلك تشوّق، بعد ذهاب الرّوع عنه، إلى رؤية الملك مرة أخرى (٤).

стр. 17

قال الحافظ ابن حجر: «وفتور الوحي عبارة عن تأخره مدة من الزمان، وكان ذلك ليذهب ما كان رسول الله ﷺ وجده من الرّوع، وليحصل له التشوّف إلى العود ... » (١). وقد أيقن رسول الله ﷺ بعد هذا كله أن الله تعالى قد اختاره رسولا، وصار يتلقى القرآن عن طريق جبريل فحمل أعباء الرسالة وأخذ يدعو إليها واستمر جهاده ثلاثا وعشرين سنة اكتمل خلالها نزول القرآن، وترسخت الدعوة والعقيدة في أرجاء الجزيرة العربية، قبل وفاته ﷺ (٢).

стр. 18

المبحث الرابع كيف تلقى رسول الله ﷺ القرآن ليس من شأن البشر التلقي عن الله تعالى مباشرة، وقد أكد القرآن ذلك، وبيّن السّبل التي يبلّغ الله بها كلماته إلى المصطفين من عباده، قال الله تعالى: * وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١) وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣) [الشورى]. فهذه الآيات تبيّن أنّ هناك ثلاث طرق لتبليغ المعرفة الإلهية هي: ١ - الوحي: ومعناه في اللغة الإعلام الخفي (١)، وقد يكون بالرؤيا الصادقة أو بالإلهام، وهو أن يلقي الله في النفس أمرا يبعث على الفعل أو الترك (٢). ٢ - من وراء حجاب، كما كلّم الله تعالى موسى، ﵇ (سورة النساء ١٦٤ وسورة طه ١١). ٣ - الرسول، وهو الملك الذي ينزل إلى الانبياء والرسل (٣).

стр. 19

وقد أشارت الآية السابقة إلى أن ما أوحاه الله إلى النبي محمد ﷺ هو من جنس ما أوحاه إلى الأنبياء السابقين وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً (٥٢) [الشورى]، وقد أكدت هذا المعنى آيات أخرى، منها قوله تعالى:* إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ... (١٦٣) [النساء]. وقد سمّي نزول جبريل ﵇ بالقرآن على رسول الله ﷺ وحيا لأنه أسرّه على الخلق، وخصّ به النبيّ المبعوث إليه (١). فلم يكن الصحابة يرون الملك وقت نزوله بالقرآن، مع أنهم شاهدوا آثار نزوله. ولا شك في أن الوحي من الغيب الذي لا يعرف بالحواس ولا يدرك بالعقل المجرد، ومن ثم فإن القول في حقيقته وكيفيته يتوقف على ما ورد عنه في القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة، وقد جاء في عدد من الأحاديث والآثار وصف لحالة النبي ﷺ وقت نزول جبريل ٥ بالقرآن، منها ما يتعلق بالجانب الخفي من الوحي، ومنها ما يتعلق بآثاره الظاهرة التي لاحظها الصحابة، ﵃. أما الجانب الخفي من الوحي فقد سأل الصحابة عنه رسول الله ﷺ فقال عبد الله بن عمرو: «سألت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله: هل تحسّ بالوحي؟ قال: نعم، أسمع صلصلة، ثم أسكت عند ذلك» (٢). وروى البخاري «عن عائشة أم المؤمنين، ﵂، أن الحارث بن هشام، ﵁، سأل رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ : أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشدّه عليّ، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانا يتمثّل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول» (٣).

стр. 20

ويؤكد هذا الحديث أن للوحي صورتين، لكن يجب ملاحظة تأكيد النبي ﷺ على وعيه لما يلقيه إليه الملك في كلتا الصورتين، فهو يتلقاه بقلبه وينطبع في عقله، وقد قال الله تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) [الشعراء]. وأما الجانب الظاهر المتعلق بآثار الوحي المحسوسة فقد تحدث عنها الصحابة، رضوان الله عليهم، ونقلوها إلى أجيال الأمة، وأول ما لاحظوا أن النبي ﷺ كان يعاني من التنزيل شدّة، فقد نقل مسلم بن الحجاج في صحيحه عن عبادة بن الصامت أنه قال: «كان نبي الله ﷺ إذ أنزل عليه كرب لذلك» (١). وأنه إذا أنزل عليه الوحي أخذته البرحاء- كما روى البخاري (٢) - والبرحاء شدّة الحمّى، وهي هنا شدّة الكرب من ثقل الوحي (٣). وقد لاحظ الصحابة تصبب العرق من جبينه، قالت السيدة عائشة، ﵂: «ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصّد عرقا» (٤). وكانت تلك الشّدّة المصاحبة للوحي التي تغشى رسول الله ﷺ يمتد تأثيرها إلى ما يتصل به أو يلامسه، فها هم الصحابة يشهدون رسول الله ﷺ يوحى إليه وهو على ناقته، فتغشى الناقة تلك الشدة، كما روى ابن سعد عن أبي أروى الدّوسي، قال: «رأيت الوحي ينزل على النبي ﷺ وإنه على راحلته، فترغو وتفتل يديها، حتى أظن أن ذراعها ينقصم، فربما بركت، وربما قامت موتّدة يديها، حتى يسرّى عنه من ثقل الوحي، وأنه ليتحدّر منه مثل الجمان» (٥).

стр. 21

وها هو زيد بن ثابت كاتب الوحي يقول: «إني لقاعد إلى جنب النبي ﷺ إذ أوحي إليه، وغشيته السكينة، فوضع فخذه على فخذي، قال زيد، فلا والله ما وجدت شيئا قطّ أثقل منها» وفي رواية: «فثقلت عليّ حتى خفت أن ترضّ فخذي» (١). وكان مما لاحظه الصحابة عند نزول الوحي ما رواه عدد من المحدّثين عن عمر بن الخطاب أنه قال: «كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي يسمع عند وجهه دويّ كدويّ النحل» (٢). إن المتأمل لحالة نزول الوحي في جانبيها الغيبي الذي وضّحه النبي ﷺ والمحسوس الذي وصفه الصحابة، ﵃، يدرك أنها أبعد ما تكون عن حالة السبات الطبيعي الذي يعتري المرء في وقت حاجته إلى النوم، فإنها كانت تعرو النبي ﷺ قائما أو قاعدا أو سائرا أو راكبا، بكرة أو عشيا، وكانت تعروه فجأة وتنقضي في لحظات يسيرة، لا بالتدريج الذي يعرض للوسنان الذي يغفو ويغرق في النوم، كما أنها حالة تباين كليا تلك الأعراض المرضية والنوبات العصبية التي تصفرّ فيها الوجوه، وتبرد الأطراف، وتصطكّ الأسنان، وتتكشف العورات، ويحتجب نور العقل، لأنها حالة تتسم بالجلال والوقار، وهي مبعث نور لا ظلمة، ومصدر علم لا جهالة (٣).

стр. 22

إن حالة الوحي تكررت مرات كثيرة، في حياة رسول الله ﷺ بعد بعثته، وكانت تلك الحالة معروفة للصحابة، وكانت تتسم لحظاتها بالسكينة والوقار، وكان الصحابة يطرقون خلالها بانتظار سماع الوحي الجديد، روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، ﵁، أنه قال: «وكان إذا جاء الوحي لا يخفى علينا، فإذا جاء فليس أحد يرفع طرفه إلى رسول الله ﷺ حتى ينقضي الوحي» (١). إن التلقي عن الله تعالى، حتى وإن كان عن طريق الملك، أمر خارج عن معهود الناس، إنه أمر عجيب، لكنه حدث مرات كثيرة على عهد رسول الله ﷺ وأحس بحدوثه كثيرون، ورأوا مظاهره رأي العين، وتلقّوا ثمرته، وهي هذا القرآن العظيم الذي تلاه رسول الله ﷺ على الناس، وحفظه عنه صحابته، وكتبوه، وعلّموه من جاء بعدهم، وتناقلته الأمة خلال العصور. المبحث الخامس حفظ النبي ﷺ للقرآن أدرك رسول الله ﷺ حقيقة دوره الجديد بعد ما نزل عليه قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ (١) [العلق]، ونداء جبريل له: يا محمد أنت رسول الله حقا، ثم نزول قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) [المدثر]. وأن عليه أن يحمل الرسالة الإلهية ويدعو إليها الناس من حوله، وكانت طريقة تلقيه القرآن من جبريل ﵇ لا تعطيه الفرصة للمراجعة والحفظ في لحظة التلقي، فكانت هذه الحالة تثير قلقه وخوفه من فقدان شيء من ألفاظ القرآن في وقت تلقيه من الملك. وكان رسول الله ﷺ يتعجّل في بادئ الأمر في حفظ القرآن، فيسابق جبريل، وهو يلقي إليه القرآن ساعة الوحي، فيردد الآيات قبل أن ينتهي الملك، مخافة أن ينسى منها شيئا، وكان ذلك مما يشق عليه، فجاء القرآن يطمئنه في أول

стр. 23

الطريق، ويتكفل له بالحفظ المطلق للقرآن، وينهاه عن تلك العجلة، قال الله تعالى: وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً (١١٣) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (١١٤) [طه]. وجاءت آيات أخرى تؤكد أن حفظ القرآن مكفول للنبي ﷺ وهي قوله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (١٩) [القيامة]. وقد روى البخاري في صحيحه تفسيرا لهذه الآيات عن عبد الله بن عباس، ﵄، جاء فيه: إن رسول الله ﷺ كان يعالج من التنزيل شدّة، وكان مما يحرك به لسانه وشفتيه، يخشى أن ينفلت منه، فأنزل الله لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) جمعه: أن نجمعه في صدرك (أي أن تحفظه) وقرآنه: أن تقرأه. فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨): فإذا أنزلناه فاستمع وأنصت. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (١٩): ثم إن علينا أن نبيّنه بلسانك، فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي ﷺ كما قرأه جبريل (١). وهذه الآيات الكريمة تؤكد أمرا هامّا، هو تكفّل الله المطلق بشأن القرآن، وحيا وحفظا وجمعا وبيانا، وإسناده إليه- سبحانه- بكليته، فليس للرسول ﷺ من أمره إلا وعيه وحفظه وتبليغه، بعد أن أعطاه الله ملكة تامة للحفظ، فصار إذا أتاه جبريل استمع، فإذا ذهب جبريل قرأه كما قرأه عليه جبريل، يحفظ السورة الطويلة كما يحفظ السورة القصيرة، وليس هناك فرصة لنسيان شيء منه أو ضياعه. وإلى جانب هذا الاستعداد الدائم الذي خص الله به النبي ﷺ لحفظ القرآن، فإن جبريل ﵇ كان يدارسه ما نزل عليه من القرآن في كل مرة، كما في الحديث

стр. 24

الذي رواه البخاري عن ابن عباس، حيث قال: «كان رسول الله أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة» (١). وكانت ثمرة ذلك التمكين لحفظ القرآن، وهذه المدارسة له بين رسول الله وجبريل أن حفظ رسول الله ﷺ القرآن حفظا لا حظّ للنسيان فيه، قال مجاهد: كان رسول الله ﷺ يتذكر القرآن في نفسه، مخافة أن ينسى، فقال الله : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) [الأعلى]» (٢). فقرأه على الصحابة، فكان بعضهم يكتبه، وكان آخرون يحفظونه، وأدّوه إلى من جاء بعدهم من أجيال المسلمين، وظل القرآن محفوظا كما تلقاه الصحابة عن رسول الله ﷺ حتى يومنا هذا. المبحث السادس تنجيم القرآن والحكمة منه أولا- نزول القرآن منجّما: لم ينزل القرآن الكريم على رسول الله ﷺ مرة واحدة، وإنما نزل مفرّقا، وظل جبريل ينزل عليه بالقرآن مدة ثلاث وعشرين سنة، في الرأي الراجح، فقد روى البخاري عن عبد الله بن عباس أنه قال: «بعث رسول الله ﷺ لأربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، ثم أمر بالهجرة، فهاجر عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستين» (٣). ونزول القرآن مفرقا يسميه العلماء تنجيم القرآن، ويسمّون الشيء النازل منه في المرة الواحدة نجما، لأن من معاني النجم في اللغة «الوقت المضروب» وقد

стр. 25

قالت العرب: «نجّمت المال، إذا أدّيته نجوما ... وقد جعل فلان ماله على فلان نجوما معدودة يؤدي عند انقضاء كل شهر منها نجما، وقد نجّمها عليه تنجيما» (١). قال أبو شامة المقدسي: «فلما قطّع الله سبحانه القرآن وأنزله مفرقا قيل لتفاريقه نجوم» (٢). وأثار المشركون مسألة نزول القرآن منجما في سلسلة معارضتهم الباطلة للنبي ﷺ وتمنوا نزول القرآن جملة واحدة، على نحو ما حكى القرآن في قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً (٣٣) [الفرقان]. وللعلماء والمفسرين تحقيقات في الجهة التي ينزل منها جبريل ﵇ بالقرآن على النبي ﷺ وهذه قضية تستند أساسا إلى ما ورد عنها في القرآن الكريم، ويعتقد العلماء أن القرآن مثبت عند الله تعالى في أم الكتاب، في اللوح المحفوظ، مستندين في ذلك إلى قوله تعالى: حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤) [الزخرف]، وقوله تعالى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢) [البروج]. قال المفسرون: إن القرآن مثبت عند الله سبحانه في اللوح المحفوظ، وسمّي أمّ الكتاب لأنه الأصل الذي أثبتت فيه الكتب السماوية (٣). وقد حمل بعض المفسرين قوله تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) [الواقعة] على اللوح المحفوظ، والمطهرون الملائكة (٤).

стр. 26

ويعتقد كثير من العلماء والمفسرين أن القرآن أنزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، وكان جبريل ﵇ ينزل بالقرآن بعد ذلك مفرقا على النبي ﷺ وكانوا في ذلك يستندون إلى تفسير عدد من الآيات الكريمة التي تتحدث عن إنزال القرآن الكريم، وهي قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ (١٨٥) [البقرة]. حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ (٣) [الدخان]. إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) [القدر]. وهذه الآيات الكريمة تتحدث عن وقت نزول القرآن، ولا تشير إلى الكيفية إلا إشارة عامة، كما أشارت آيات أخرى إلى هذا المعنى أيضا، لكن المفسرين ينقلون عن عبد الله بن عباس، ﵄، أنه فسّر هذه الآيات بقوله: «أنزل الله تعالى القرآن كله جملة واحدة في ليلة القدر، وهي الليلة المباركة، في شهر رمضان إلى السماء الدنيا، ثم نزل به جبريل ﵇ مفرقا على النبي ﷺ في ثلاث وعشرين سنة، حتى أتمّه (١). ونقل المفسرون قولا آخر في تفسير هذه الآيات عن أحد كبار التابعين هو عامر بن شراحيل الشعبي (ت ١٠٣ هـ على خلاف) الذي قال: نزل أول القرآن في ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك منجما في أوقات مختلفة (٢). وقد قال ابن حجر: إن القول المعتمد الصحيح هو أن القرآن نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم أنزل بعد ذلك مفرقا (٣).

стр. 27

وقال أبو شامة المقدسي: إنه لا منافاة بين الآيات الثلاث، فليلة القدر هي الليلة المباركة، وهي في شهر رمضان (١). ثم قال: «إن أول ما نزل على النبي ﷺ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) وذلك بحراء عند ابتداء نبوته، ويجوز أن يكون قوله أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ (١٨٥) [البقرة] إشارة إلى كل ذلك، وهو كونه أنزل جملة إلى السماء الدنيا، وأول نزوله إلى الأرض، وعرضه وإحكامه، في شهر رمضان، فقويت ملابسة شهر رمضان للقرآن إنزالا جملة وتفصيلا وعرضا وإحكاما، فلم يكن شيء من الأزمان تحقق له من الظرفية للقرآن ما تحقق لشهر رمضان، فلمجموع هذه المعاني قيل أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ» (٢). ولا شك في أن نزول القرآن جملة إلى السماء الدنيا هو من أمر الغيب الذي تتوقف معرفته على ورود نص في القرآن أو الحديث يبينه، ولكن قول الصحابي في الأمور التي ليست موضع اجتهاد، إذا ثبت، حكمه حكم الحديث المرفوع، وهو ما ينطبق على تفسير ابن عباس هنا، فقد نص السيوطي على صحة أسانيد الأحاديث التي نقلت ذلك التفسير عن ابن عباس (٣). فمن المرجح أن يكون ابن عباس قد فهم التفسير من النبي ﷺ . على أن مما يجب الالتفات إليه في موضوع نزول القرآن هو أن هذا الاختلاف في تفسير هذه الآيات لا يؤثر في شيء على نص القرآن الكريم، فسواء ثبت ما نقل عن ابن عباس أو ما روي عن عامر الشعبي فنص القرآن واحد في كلا القولين، وهما يؤولان إلى نتيجة واحدة وهي أن النبي ﷺ تلقى القرآن مفرقا في ثلاث وعشرين سنة، لكن العلماء قالوا إن في إنزاله جملة إلى السماء الدنيا «تفخيم لأمره وأمر من أنزل عليه، وذلك بإعلام سكان السماوات السبع أن هذا

стр. 28

آخر الكتب، المنزل على خاتم الرسل، لأشرف الأمم، قد قربناه إليهم لننزله عليهم، ولولا أن الحكمة الإلهية اقتضت وصوله إليهم منجما بحسب الوقائع لهبط به إلى الأرض جملة كسائر الكتب المنزلة قبله، ولكن الله تعالى باين بينه وبينها، فجمع له الأمرين: إنزاله جملة ثم إنزاله مفرقا» (١)». ثانيا- حكمة نزول القرآن منجما: استغرق نزول القرآن الكريم ثلاثا وعشرين سنة، فهو لا يشكل ظاهرة مؤقتة أو خاطفة، ولقد نزلت الآيات منجمة، قد تنزل السورة الكاملة أو الآيات، أو الآية الواحدة، وبين كل وحي وما يليه مدة انقطاع قد تطول وقد تقصر، بحسب التقدير الإلهي، لا برغبة النبي ﷺ فإن رسول الله ﷺ لم يكن يملك من أمر الوحي غير التلقي الواعي، ثم الحفظ والتبليغ. فالله سبحانه هو الذي اختار هذا الطريق لتنزيل القرآن. وقد تمنى الكفار نزول القرآن جملة واحدة، ولكن الله تعالى بيّن أن وراء نزوله مفرقا حكمة يتعلق بها استمرار الدعوة ونجاحها، فقال سبحانه: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً (٣٣) [الفرقان]. ويقدم المفسرون لقوله تعالى: ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ (١٢٠) [هود] تفسيرين، هما: (٢) ١ - لنقوّي به قلبك، فإن الوحي إذا كان يتجدد في كل حادثة كان أقوى للقلب، وأشد عناية بالمرسل إليه. ٢ - لتحفظه، فيكون فؤادك ثابتا به غير مضطرب، وكان النبي ﷺ أميا لا يكتب ولا يقرأ، ففرّق عليه القرآن ليتيسر عليه حفظه.

стр. 29

ولا شك أن تفريق النص الذي يراد حفظه ييسر الأمر على من يريد أن يحفظه، لكن ذلك قد لا ينطبق على الواقع، فقد صرح القرآن أن حفظ الوحي مكفول للنبي ﷺ كما مر ذلك، والله تعالى يقول: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) [الأعلى] و (لا) هنا نافية، والآية تعني أنك تحفظه ولن تنساه، إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ (١٨٨) [الأعراف]. والدارس اليوم والمتأمل لتاريخ الدعوة تتجلى أمامه حكمة نزول القرآن مفرقا، بالنسبة إلى النبي ﷺ وبالنسبة إلى المؤمنين، فالدعوة الإسلامية جاءت لتصلح أوضاع البشرية الفاسدة في العقيدة والسلوك والتشريع، ولا يناسب تحقيق ذلك إلا الدعوة المتأنية، قال الله تعالى: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً (١٠٥) وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) [الإسراء] أي لتقرأه على الناس على تؤدة، فترتله وتبينه ولا تعجل في تلاوته (١). وتلك في الواقع هي الطريقة التربوية الوحيدة الممكنة في حقبة تتسم بميلاد دين وبزوغ حضارة، فكان الوحي خلال ثلاثة وعشرين عاما يهدي سير النبي ﷺ وأصحابه خطوة خطوة نحو هذا الهدف، وهو يحوطهم كل لحظة بالعناية الإلهية المناسبة، فهو يعزز جهودهم، ويقوي إرادتهم، حتى تكلل ذلك الكفاح بالنصر المبين، فالحركة التاريخية والاجتماعية والروحية التي نهض بأعبائها الإسلام لا سر لها إلا في هذا التنجيم (٢). جاء هذا القرآن ليربي أمة، ويقيم لها نظاما، وجاء ليكون منهج تربية ومنهاج حياة، لا ليكون كتاب ثقافة يقرأ لمجرد الاستمتاع العقلي ولا لمجرد المعرفة، ومن ثم جاء هذا القرآن وفق الحاجات الحية للجماعة المسلمة، وهي في طريق نشأتها ونموها، ووفق استعدادها الذي كان ينمو يوما بعد يوم في ظل ذلك المنهج التربوي الإلهي الدقيق.

стр. 30

وقد أدرك الصحابة تلك الحكمة التربوية من نزول القرآن الكريم مفرقا، وهم الذين عاشوا تجربة تلقي القرآن على ذلك النحو، فلمسوا ثمار ذلك المنهج عمليا في حياتهم، قالت السيدة عائشة أم المؤمنين، ﵂، كما جاء في صحيح البخاري: « ... إنما نزل أوّل ما نزل منه (أي من القرآن) سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزنا أبدا، لقد نزل بمكة على محمد ﷺ وإني لجارية ألعب: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (٤٦) [القمر] وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده ... (١). قال ابن حجر في شرحه للحديث: «أشارت إلى الحكمة الإلهية في ترتيب التنزيل، وأن أول ما نزل من القرآن الدعاء إلى التوحيد، والتبشير للمؤمن والمطيع بالجنة، وللكافر والعاصي بالنار، فلما اطمأنت النفوس على ذلك أنزلت الأحكام ... » (٢). لم يكن نزول القرآن الكريم مفرقا مصادفة إذن، ولم تكن تلاوة النبي ﷺ للقرآن على الناس على مكث وأناة دون حكمة، فقد ظل القرآن ينزل في مكة مدة ثلاث عشرة سنة وهو يعالج أسس العقيدة وأصول الدين، حتى إذا استوفت هذه القضية ما تستحقه من البيان واستقرت في قلوب الجماعة المؤمنة استقرارا مكينا ثابتا، نزلت الآيات تفصّل ما يتعلق بنظام الإسلام في الحياة، فكانت النفوس المؤمنة تتلقى التشريعات بالرضا والقبول، فأبطلت الخمر وأبطل الربا وأبطل الميسر، وأبطلت العادات الجاهلية كلها، أبطلت بآيات من القرآن، أو كلمات من الرسول ﷺ بفضل ذلك المنهج التربوي الرباني العظيم.

стр. 31

المبحث السابع أسباب النّزول أولا- معنى أسباب النزول: لم يرتبط نزول جبريل ﵇ بالقرآن على النبي ﷺ بأمر معين، كما أن رسول الله ﷺ لم يكن يملك اختيار الوقت الذي ينزل فيه القرآن عليه، فذلك أمر مرتبط بمشيئة الله تعالى، وما على الرسول إلا البلاغ المبين، فكان القرآن يتنزل عليه في الليل أو النهار، في السفر أو في الحضر، قائما أو قاعدا، ماشيا أو راكبا، من غير أن يكون له في ذلك رأي أو اختيار. وكان نزول القرآن- مع ذلك- يواكب سير الدعوة، ويربّي المؤمنين ويسدد خطواتهم، ومن ثمّ فإن نزول عدد من الآيات والسور ارتبط بأحداث معينة، فرسول الله ﷺ كان يسأل من أصحابه أو من غيرهم. فربما أجاب من فوره، وربما انتظر نزول القرآن مبيّنا الجواب، أو موضحا الحكم، فإذا تأملت هذه الآيات الكريمة: * يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ (١٨٩) [البقرة]. يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ ... (٢١٥) [البقرة]. يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي (١٨٧) [الأعراف]. وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي (٨٥) [الإسراء]. إذا تأملت هذه الآيات أحسست أن نزولها ارتبط بسؤال، ومن الآيات ما ارتبط نزوله بحادثة وقعت أو مشكلة ظهرت في المجتمع الإسلامي وقت التنزيل. وقد عبّر السلف من الصحابة والتابعين، ومن جاء بعدهم من العلماء والدارسين، عن ذلك السؤال وتلك الواقعة أو المشكلة التي تنزل عقبها الآية أو الآيات بعبارة (سبب النزول) فيقولون: نزلت هذه الآية بسبب كذا، وهذه

стр. 32

الأسباب في الواقع «ما هي إلا مناسبات لا أسباب حقيقية، وإن سمّيت أسبابا على طريق التسامح والتجوز» (١). وقد قسم العلماء آيات القرآن بالنسبة إلى ارتباط نزولها بسؤال أو حادثة على قسمين: ١ - قسم نزل ابتداء. ٢ - قسم نزل عقب حادثة أو سؤال (٢). ويلاحظ أن القسم الأول الذي نزل ابتداء تتحدث أكثر آياته عن أمور العقيدة ووصف مشاهد القيامة، ووصف الجنة ونعيمها والنار وأهوالها، وكذلك تتحدث عن أخبار الأمم الغابرة وما حلّ بأهلها. أما القسم الثاني، وهو ما نزل مرتبطا بأسباب ووقائع، فمعظم آياته مما يتعلق بالتشريع والأحكام والآداب. وفي ارتباط نزول الآيات بمناسبة معينة، وهو ما يسمّى بأسباب النزول- حكمة تشريعية وتربوية عظيمة، تجعل من الحكم الذي تتضمنه تلك الآيات تجربة واقعية، وتطبيقا عمليا في المجتمع، يتم تحت نظر النبي ﷺ وتوجيهه، ويدرك حكمة التشريع الذي تتضمنه تلك الآيات كل من كان شاهدا وقت نزولها، وكل من وقف على تلك المناسبة وعرف قصتها، فنزول الحكم وقت الحاجة إليه يكون أبعد أثرا في نفوس المخاطبين، ويكونون أكثر استجابة له (٣). ثانيا- الطريق إلى معرفة أسباب النزول: اعتنى المفسرون والمؤلفون في علوم القرآن ببيان أسباب النزول كثيرا، لكن تحديد سبب النزول ليس فيه مجال للرأي والاجتهاد، وإنما سبيله سبيل الأحداث

стр. 33

التأريخية، ومن ثم فإن لمعرفة سبب النزول طريق واحد هو النقل الصحيح عن الصحابة الذين عاصروا تنزيل القرآن وشاهدوا الأحداث التي وقعت حينذاك، يقول الواحدي: «ولا يحلّ القول في أسباب نزول الكتاب إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل ووقفوا على الأسباب، وبحثوا في علمها، وجدّوا في الطلاب» (١). وقد جعل العلماء قول الصحابي في سبب النزول حجة ثابتة بمنزلة الحديث المرفوع إلى النبي ﷺ ، قال الإمام الحاكم النيسابوري: «فإن الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل فأخبر عن آية من القرآن أنها نزلت في كذا وكذا فإنه حديث مسند» (٢). وكان الصحابة، ﵃، يذكرون أسباب النزول وينقلونها إلى التابعين، كما روى البخاري عن نافع مولى عبد الله بن عمر أنه قال: «كان ابن عمر، ﵄، إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه، فأخذت عليه يوما (أي: أمسكت المصحف، وهو يقرأ عن ظهر قلب) فقرأ سورة البقرة حتى انتهى إلى مكان قال: تدري فيم أنزلت؟ قلت: لا. قال: أنزلت في كذا وكذا، ثم مضى» (٣). والروايات المنقولة في سبب النزول بعضها يصرّح بأن الآية نزلت بسبب كذا، وبعضها يأتي بصيغة أن هذه الآية نزلت في كذا، أي يراد بها كذا. فمن الأول ما رواه البخاري عن عبد الله بن مسعود، ﵁، أنه قال: «بينا أنا مع النبي ﷺ في حرث، وهو متّكئ على عسيب، إذ مرّ اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فسألوه، فأمسك النبي ﷺ فلم يردّ عليهم شيئا، فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت مقامي، فلما نزل الوحي قال:

стр. 34

وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥) [الإسراء]» فهذا بيان صريح لسبب النزول. ومن الثاني قول مجاهد في الآيات التي في أول سورة البقرة: «أربع آيات من أول هذه السورة نزلت في المؤمنين، وآيتان بعدها نزلت في الكافرين، وثلاث عشرة بعدها نزلت في المنافقين، فهذا ليس بيانا لسبب النزول، وإنما هو توضيح للمعنى. فهو يريد أنها نزلت في نعت المؤمنين والكافرين والمنافقين (١). ومن ذلك أيضا قول الواحدي في حديثه عن سورة الفيل: «نزلت في قصة أصحاب الفيل، وقصدهم تخريب الكعبة، وما فعل الله بهم من إهلاكهم وصرفهم عن البيت، وهي معروفة» (٢). فهذا ليس بيانا لسبب النزول، وقد علّق السيوطي على قول الواحدي هذا بقوله: «والذي يتحرر في سبب النزول أنه ما نزلت الآية أيام وقوعه، ليخرج ما ذكره الواحدي في سورة الفيل من أن سببها قصة قدوم الحبشة، فإن ذلك ليس من أسباب النزول في شيء، بل هو من باب الإخبار عن الوقائع الماضية» (٣). وقد جمع العلماء الروايات المنقولة في أسباب النزول من كتب التفسير وكتب الحديث في مؤلفات مستقلة، وأول من صنّف في هذا الموضوع علي بن عبد الله بن المديني المتوفى سنة ٢٣٤ هـ، وأشهرها كتاب (أسباب نزول القرآن) لعلي بن أحمد الواحدي المتوفى سنة ٤٦٨ هـ، وأجمعها كتاب (لباب النقول في أسباب النزول) لجلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ (٤).

стр. 35

ثالثا- أهمية معرفة أسباب النزول: لهذا النوع من البحث التأريخي في الآيات الكريمة أهمية كبيرة في تيسير فهم معناها واستنباط الحكم الشرعي منها «لامتناع معرفة تفسير الآية وقصد سبيلها دون الوقوف على قضيتها وبيان سبب نزولها» (١)، فإن بعض من تلا هذه الآية لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣) [المائدة] ظن أنّ من كان كذلك جاز له أن يأكل ما يشاء، ويشرب ما يشاء، حتى ولو كان ذلك محرما (٢). لكن الوقوف على مناسبة نزول هذه الآية يوضّح حقيقة معناها، ومن يشملهم حكمها، فقد روى البخاريّ ومسلم وغيرهما أنه لما نزل تحريم الخمر قال بعض الصحابة: كيف لأصحابنا الذين ماتوا وكانوا يشربونها؟ قبل نزول التحريم طبعا، فنزلت هذه الآية لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا ... (٩٣) (٣). وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن حكم الآية التي تنزل بسبب سؤال من شخص معين، أو عقب حادثة تتعلق بشخص معين، يشمل الحالات التي تشبه حالة من نزلت الآية بسببه، وهو ما يعبرون عنه بعبارة (الأخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السّبب) (٤). فمن ذلك قول الطبري، بعد أن تحدث عن سبب نزول قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ ... (٧) [آل عمران]، وهو: «وهذه الآية وإن كانت نزلت فيمن ذكرناه أنها نزلت فيه من أهل الشرك، فإنه معنيّ بها كل مبتدع في دين الله بدعة، فمال قلبه إليها، تأويلا منه لبعض متشابه آي القرآن» (٥).

стр. 36

وورد هذا المعنى في حديث النبي ﷺ فقد روى البخاري عن عبد الله بن مسعود، ﵁، أن رجلا اقترف إثما، فأتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك كله، فأنزلت عليه: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) [هود]، فقال الرجل: ألي هذه؟ قال: لمن عمل بها من أمّتي (١). ومن ثمّ قال العلماء: «وقد تنزل الآية في معنى، ثم يكون داخلا في حكمها كل ما كان في معنى ما نزلت فيه» (٢). المبحث الثامن عربيّة القرآن وعالمية رسالته أولا- عربيّة القرآن: لا بد أن تكون لغة الرسالة التي يحملها الرسول هي لغة قومه الذين يدعوهم إليها، حتى تحقق الغاية منها، وقد أكد القرآن الكريم هذه القاعدة في قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤) [إبراهيم]، ومعنى (بلسان قومه) أي بلغتهم (٣). وقد جاء القرآن عربيا لأن الله تعالى أنزله على النبي العربي محمد ﷺ وأمره أن ينذر عشيرته الأقربين أولا، في مكة، فقال تعالى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧) [الشورى]، وأم القرى هي مكة (٤). وبلغ عدد الآيات الكريمة التي تؤكد نزول القرآن باللغة العربية أكثر من عشر

стр. 37

آيات، وهذه حقيقة واضحة لمن قرأ القرآن أو سمعه، لكن تأكيد القرآن عليها لا بد أن يكون لمعنى مقصود، ومن ثم أجمع العلماء على عدم جواز قراءة القرآن بغير العربية، في الصلاة وخارجها (١)، ولا تسمى ترجمة معاني القرآن قرآنا، كما لا يسمى التفسير في العربية قرآنا، لأن إعجاز القرآن في لفظه ومعناه، وليس في معناه فقط. ولا شك في أن عرض تلك الآيات أمام نظر القارئ سوف يوضح المعنى الذي يريد أن يثبته القرآن في نفس القارئ، مع نقل شيء مما قاله المفسرون في بيان معناها، قال الله تعالى: ١ - الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) [يوسف]. ٢ - وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ (٣٧) [الرعد]. ٣ - وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً (١١٣) [طه]. ٤ - وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨) [الزمر]. ٥ - حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) [فصلت]. ٦ - وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها (٧) [الشورى]. ٧ - حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) [الزخرف].

стр. 38

٨ - وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢) [الأحقاف]. ٩ - وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) [النحل] ١٠ - وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) [الشعراء]. ١١ - وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٤٤) [فصلت]. فالله تعالى جعل القرآن عربيا، وأنزله عربيا لأن المخاطبين من قوم النبي ﷺ كانوا عربا، ليعقلوا معانيه، وما فيه من مواعظ، ولم ينزله بلسان العجم فيقولوا: نحن عرب، وهذا كلام أعجمي لا نفقه معانيه، فأنزله بلسانهم، حتى يفقهوا ما فيه، فيتقوا ما حذّرهم الله منه، وينيبوا إلى عبادته وطاعته (١). ومما يلفت النظر في الآيات السابقة قوله تعالى: وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا (٣٧) [الرعد]، قال الطبري: «كذلك أنزلنا الحكم والدين حكما عربيا، وجعل ذلك عربيا ووصفه به لأنه أنزل على محمد ﷺ وهو عربي فنسب الدين إليه» (٢). ولا شك في أن لغة العرب في أنحاء الجزيرة العربية لم تكن موحدة حين

стр. 39

بعث الله تعالى نبيه ﷺ فكان لكل قبيلة أو مدينة لهجة تميزت بها (١)، لكن التباين بين تلك اللهجات لم يكن يحول بينهم وبين التواصل والتفاهم، وقد وردت نصوص تؤكد أن القرآن الكريم نزل بلغة قريش خاصة، وهم قوم النبي ﷺ ، وسكان مكة وما حولها. منها ما رواه البخاري أن عثمان بن عفان قال لكتّاب المصاحف: «إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في عربية من عربية القرآن، فاكتبوها بلسان قريش، فإن القرآن أنزل بلسانهم» (٢). ومنها رسالة عمر بن الخطاب إلى عبد الله بن مسعود حين بلغه أنه يعلّم الناس القرآن في الكوفة بلغة هذيل وهي: «أما بعد، فإن الله تعالى أنزل القرآن بلغة قريش، فإذا أتاك كتابي هذا فأقرئ الناس بلغة قريش، ولا تقرئهم بلغة هذيل» (٣). وقد قال مجاهد بن جبر المكي المفسر المشهور، وأشهر تلامذة ابن عباس، في تفسير قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ (٤) [إبراهيم]: نزل القرآن بلسان قريش (٤). وقد حاز القرآن الكريم أعلى درجات البلاغة وأصفى صور الفصاحة، فأعجز البلغاء وبهر الفصحاء، فهو وإن كان بلغة العرب فإنه كلام رب العالمين، وهو معجزة خاتم الأنبياء والمرسلين، وهو مع ذلك ميسّر، قال الله تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧) [القمر]، وأكدت هذا المعنى آيتان أخريان هما قوله تعالى: فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا (٩٧) [مريم]، وقوله: فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) [الدخان]. قال الطبري في تفسير قوله يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ: «فإنما سهّلنا قراءة هذا القرآن الذي أنزلناه إليك يا محمد بلسانك ليتذكر هؤلاء المشركون الذين أرسلناك إليهم بعبره

стр. 40

وحججه، ويتعظوا بعظاته، ويتفكروا في آياته» (١). ومن المفسرين من قال إن معنى يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ: أنزلناه بلغتك، وكلا التفسيرين يؤولان إلى التيسير الذي خص الله به كتابه الكريم (٢). ثانيا- عالمية رسالة القرآن: ليس جديدا القول إن رسالة القرآن ودعوة الإسلام جاءت للناس عامة، ولا يتناقض ذلك مع كون القرآن أنزل باللغة العربية على النبي العربي محمد ﷺ وسط بلاد العرب، لأن البشرية لا تملك لغة عالمية يفهمها الجميع، فكان لا بد من أن تكون الرسالة الخاتمة بإحدى اللغات البشرية، ثم على المؤمنين من أبناء اللغات الأخرى أن يتعلموا من تلك اللغة ما يعرّفهم بمضمون تلك الرسالة. وقد بعث الله تعالى محمدا ﷺ بالرسالة، واللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ (١٢٤) [الأنعام] ومن ثمّ أنزل القرآن بالعربية، وكان العرب أول من تلقى الدعوة الجديدة، ثم حملوها إلى الناس أجمعين، قال ابن بطال القرطبي (علي بن خلف ت ٤٤٩ هـ): «إن الوحي كله إنما نزل بلسان العرب، ولا يرد على هذا كونه ﷺ بعث إلى الناس كافة عربا وعجما وغيرهم لأن اللسان الذي نزل عليه به الوحي عربي، وهو يبلغه إلى طوائف العرب، وهم يترجمونه إلى غير العرب بألسنتهم» (٣). وجاءت آيات القرآن الكريم تؤكد هذا المعنى وتوضحه، قال الله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧) [الأنبياء]. وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٨) [سبأ].
следующие страницы →