Полный текст (53 стр.). Показаны 36–53 · переход к 41.
стр. 36
٤١ - قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ: وَحَدَّثنَا أَبُو الْفَضْلِ الشَّكَلِيُّ , أَيْضًا قَالَ: حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ الْأَزْدِيُّ قَالَ: " قَدِمَ الْمَصِّيصَةَ فَتًى مِنَ الْمُتَعَبِّدِينَ , فَنَزَلَ فِي مَسْجِدِ أَسَدٍ الْخَشَّابِ , وَكَانَ يَسْمَعُ مِنَ النَّاسِ الْحَدِيثَ , وَكَانَ عَلَيْهِ أَطْمَارٌ , وَكَانَ نَاحِلَ الْجِسْمِ ذَابِلًا فَأَشْرَفَ أَسَدٌ عَلَى بَعْضِ اجْتِهَادِهِ فَقَرَّبَهُ وَأَدْنَاهُ وَخَصَّهُ بِالْحَدِيثِ , فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ هَرَبَ مِنْهُ فَافْتَقَدَهُ فَحَزِنَ عَلَيْهِ حُزْنًا شَدِيدًا , فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
[البحر المجتث]
يَا مَنْ رَأَى لِي غَرِيبًا ... ثِيَابُهُ أَطْمَارُ
الْجِسْمُ مِنْهُ نَحِيلٌ ... وَالْوَجْهُ فِيهِ اصْفِرَارُ
عَلَيْهِ آثَارُ حُزْنٍ ... بِوَجْهِهِ وَاغْبِرَارُ
يَقُومُ فِي جَوْفِ لَيْلٍ ... يُنَاجِي الْجَبَّارَ
⦗٥٦⦘
يَقُولُ يَاسُؤَلَ قَلْبِي ... يَا مَاجِدٌ غَفَّارُ
فَالدَّمْعُ يَجْرِي بِحُزْنٍ ... فَدَمْعُهُ مِدْرَارُ
يَبْغِي جِنَانَ نَعِيمٍ ... يَا حُسْنَ دَارِ الْقَرَارِ
فِيهَا جَوَارٍ حِسَانٌ ... يَا حُسْنَ تِلْكَ الْجِوَارِ
عَرَائِسُ فِي خِيَامٍ ... مِنَ اللَّآلِئِ الْكِبَارِ
كَوَاعِبُ غَنِجَاتٌ ... نَوَاهِدُ أَبْكَارُ
لِبَاسُهُنَّ حَرِيرٌ ... يُحَيِّرُ الْأَبْصَارَ
وَفِي الذِّرَاعِ سِوَارٌ ... يَا حُسْنَهُ مِنْ سِوَارٍ
شَرَابُهُنَّ رَحِيقٌ ... يُفَجِّرُ الْأَنْهَارَ
وَسَلْسَبِيلٌ وَخَمْرٌ ... تَبَارَكَ الْجَبَّارُ
يَا مَنْ رَأَى لِي غَرِيبًا ... ثِيَابُهُ أَطْمَارُ
стр. 37
٤٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ الْعَطَّارُ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَتَّابٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ بْنَ مُسْلِمٍ يَقُولُ:
[البحر الكامل]
يَا مَنْ يُرِيدُ بِزَعْمِهِ الْإِخْمَالَا ... إِنْ كَانَ حَقًّا فَاسْتَعِدَّ خِصَالَا
تَرْكُ التَّذَاكُرِ وَالْمَجَالِسِ كُلِّهَا ... وَاجْعَلْ خُرُوجَكَ لِلصَّلَاةِ خَيَالَا
⦗٥٧⦘
بَلْ كُنْ بِهَا حَيٌّا كَأَنَّكَ مَيِّتٌ ... لَا يَرْتَجِي مِنْهُ الْقَرِيبُ وِصَالَا
وَأْنَسْ بِرَبِّكَ وَاعْلَمْنَ بِأَنَّهُ ... عَوْنُ المُرِيدِ يُسَدِّدُ الْإِخْلَالَا
يُعْطِي وَيُثْنِي بِالْعَطَاءِ تَفَضُّلًا ... بَعْدَ الثَّوَابِ وَيَبْسُطُ الْآمَالَا
مَنْ ذَا يُرِيدُ مَعَ الْوَدُودِ مُؤْنِسًا ... مَنْ ذَا يُرِيدُ لِغَيْرِهِ أشْغَالَا
مَنْ ذَا يَلَذُّ بِغَيْرِ ذِكْرِ مَلِيكِهِ ... مَنْ ذَا يُرِيدُ لِغَيْرِهِ أَعْمَالَا
لَا تَقْنَعَنَّ مِنَ الْحَيَاةِ بِغَيْرِهِ ... وَابْذُلْ قُوَاكَ وَقَطِّعِ الْأَوْصَالَا
فَلَئِنْ بَلَغْتَ لَأَنْتَ أَكْرَمُ مَنْ بِهَا ... وَلَئِنْ هَلَكْتَ فَمَا ظَلَمْتَ حَلَالًا
مَنْ ذَاقَ كَأْسَ الْخَوْفِ ضَاقَ بِذَرْعِهِ ... حَتَّى يَنَالَ مُرَادَهُ إِنْ نَالَا
حَاشَا مُؤَمَّلٍ سَيِّدِي مِنْ خَيْبَةٍ ... جَلَّ الْجَوَادُ بِفِعْلِهِ وَتَعَالَا
стр. 38
٤٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ الشَّكَلِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ الحَنَّاطُ قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ الْمِصْرِيَّ يَقُولُ: " بَيْنَا أَنَا فِي مَسِيْرِي إِذْ لَقِيَتْنِي امْرَأَةٌ مِنَ الْمُتَعَبِّدَاتِ , كَأَنَّهَا وَالِهَةٌ فَقَالَتْ لِي: مِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: أَنَا رَجُلٌ غَرِيبٌ , فَقَالَتْ لِي: يَا غَرِيبُ وَهَلْ تُوجَدُ مَعَ اللَّهِ أَحْزَانُ الْغُرْبَةِ وَهُوَ مُؤْنِسُ الْغُرَبَاءِ وَمُعِينُ الضُّعَفَاءِ؟ قَالَ: فَبَكَيْتُ , فَقَالَتِ: اعْلَمْ أَنَّ الْبُكَاءَ رَاحَةٌ لِلْقَلْبِ وَمَلْجَأٌ يُلْجَأُ إِلَيْهِ , وَمَا كَتَمَ الْقَلْبُ شَيْئًا هُوَ أَوْلَى مِنَ الشَّهِيقِ وَالزَّفِيرِ , قُلْتُ: عَلِّمِينِي شَيْئًا , فَقَالَتْ: حِبَّ رَبَّكَ وَاشْتَقْ إِلَيْهِ , فَإِنَّ لَهُ يَوْمًا يَتَجَلَّى فِيهِ لِأَهْلِ مَحَبَّتِهِ فَيُنِيلُهُمْ مَا أَمَّلُوا مِنْ رُؤْيَتِهِ , ثُمَّ أَخَذْتُ فِي الشَّهِيقِ وَالزَّفِيرِ فَتَرَكْتُهَا عَلَى حَالِهَا وَمَضَيْتُ "
стр. 39
٤٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَطَشِيُّ الْمُقْرِئُ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجُنَيْدِ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْبُرْجُلَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ⦗٥٩⦘ الْخُزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ , مِنْ أَهْلِ الشَّامِ قَالَ: " صَحِبَنِي رَجُلٌ مِنَ النَّصَارَى , فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ , فَقُلْتُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ فَقَالَ: أُرِيدُ رَاهِبًا هَا هُنَا أَقْتَبِسُ مِنْ عَلِمْهِ , قُلْتُ: أَجِيءُ مَعَكَ؟ قَالَ: إِنْ شِئْتَ قَالَ: فَأَتَيْنَا عَلَى كَهْفِ جَبَلٍ نَاحِيَةٍ عَنِ طَرِيقِ النَّاسِ قَالَ: فَوَقَفَ النَّصْرَانِيُّ فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا مُعَلِّمَ الْخَيْرِ أَتَيْتُكَ لِأَقْتَبِسَ مِنْ عِلْمِكَ خَيْرًا فَعَلِّمْنِي نَفَعَكَ اللَّهُ بِعِلْمِكَ قَالَ: فَهَتَفَ بِهِ هَاتِفٌ مِنْ دَاخِلِ الْكَهْفِ: أَيُّهَا السَّائِلُ عَنْ سُبُلِ الْمَنَافِعِ تَيَقَّظْ حِينَ يَغْفُلُ الْجَاهِلُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ قَالَ: فَجَلَسَ النَّصْرَانِيُّ يَبْكِي , وَقَالَ: مَا أَرَاهُ إِلَّا مَرِيضًا , وَإِنِّي لَأَخَافُ أَنْ يَكُونَ قَدْ دَنَا أَجَلُهُ , وَمَا أَرَى أَنَّا نُمْطَرُ إِلَّا بِهِ , قَالَ: فَقُلْتُ: فَلَوْ دَخَلْنَا عَلَيْهِ قَالَ: إِنْ شِئْتَ قَالَ: فَانْحَدَرْنَا فِي الْكَهْفِ حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى مَوْضِعٍ مِنْهُ وَعْرٍ , فَإِذَا بِشَيْخٍ كَبِيرٍ قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ , وَإِذَا هُوَ مَكْبُوبٌ عَلَى وَجْهِهِ , وَإِذَا هُوَ يَقُولُ: لَئِنْ كُنْتَ أَطَلْتَ جَهْدِي فِي دَارِ الدُّنْيَا وَتُطِيلُ شَقَائِي فِي ⦗٦٠⦘ الْآخِرَةِ لَقَدْ أَهْمَلْتَنِي وَأَسْقَطَّتَنِي مِنْ عَيْنِكَ أَيُّهَا الْكَرِيمُ ثُمَّ قَالَ: فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَإِذَا دُمُوعُهُ قَدْ بَلَّتِ الْأَرْضَ مِنْهَا , فَقَالَ: مَا أَدْخَلَكُمْ عَلَيَّ؟ أَلَمْ تَكُنِ الْأَرْضُ لَكُمْ وَاسِعَةً , وَأَهْلُهَا لَكُمْ أُنَاسًا؟ فَلَمَّا رَأَيْتُ مِنَ عَقْلِهِ مَا رَأَيْتُ , قُلْتُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْغَبُ بِعَقْلِكَ عَنِ النَّارِ , فَبَكَى , وَقَالَ: مَا الَّذِي آيَسَنِي عِنْدَكَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ؟ قَالَ: قُلْتُ: إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ لَنْ يَنَالَهَا غَيْرُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ دِينًا قَالَ: فَبَكَى ثُمَّ قَالَ: مَا أَعْرِفُ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا قَالَ: فَاشْمَأَزَّ النَّصْرَانِيُّ وَقَالَ: يَا مُعَلِّمَ الْخَيْرِ تَرْغَبُ عَنِ النَّصْرَانِيَّةِ وَدِينِ الْمَسِيحِ؟ قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ , فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ , أَنَا عَلَى دِينِ الْمَسِيحِ , وَهَلْ كَانَ لِلْمَسِيحِ دِينٌ سِوَى الْإِسْلَامِ؟ إِنَّ اللَّهَ ﵎ لَمَّا خَلَقَ خَلْقَهُ ارْتَضَى لَهُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا , فَمَنْ رَغِبَ عَنِ الْإِسْلَامِ فَلَا حَظَّ لَهُ فِي الْآخِرَةِ وَلَا نَصِيبَ قَالَ: فَثَارَ النَّصْرَانِيُّ مُوَلِّيًا قَالَ: فَقُلْتُ انْتَظِرْ حَتَّى أَخْرُجَ مَعَكَ قَالَ: فَقَالَ الرَّاهِبُ: دَعْهُ فَمَنْ كَتِبَ عَلَيْهِ الشَّقَاءُ لَمْ يَسْعَدْ أَبَدًا قَالَ: قُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ اعْتَزَلْتَ النَّاسَ وَاغْتَرَبْتَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ قَالَ: فَقَالَ: وَأَنْتَ أَيْ أُخَيَّ فَحَيْثُمَا ظَنَنْتَ أَنَّهُ أَقْرَبُ لَكَ إِلَى اللَّهِ ⦗٦١⦘ فَابْتَغِ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا , فَلَنْ يجِدَ مُبْتَغُوهُ مِنْ غَيْرِهِ عِوَضًا , قَالَ: قُلْتُ: فَالْمَطْعَمُ؟ قَالَ: أَقِلَّ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ قَالَ: قُلْتُ: فَالْقِلَّةُ؟ فَقَالَ: إِذَا أَرَدْنَا ذَاكَ فنْبِتُ الْأَرْضِ وَقُلُوبُ الشَّجَرِ , قال: قُلْتُ: أُخْرِجُكَ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ الْوَعِرِ , فَآتيِ بِكَ أَرْضَ الرِّيفِ وَالْخِصْبِ؟ قَالَ: فَبَكَى , وَقَالَ: إِنَّمَا الْخِصْبُ حَيْثُ يُطَاعُ اللَّهُ , وَأَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ , وَإِنَّمَا أَمُوتُ الْآنَ وَلَا حَاجَةَ لِي بِالنَّاسِ قَالَ: قُلْتُ: أَوْصِنِي بِشَيْءٍ أَحْفَظُهُ عَنْكَ قَالَ: تَفْعَلُ؟ قُلْتُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: لَا تَدَّخِرَنَّ عَنْ نَفْسِكَ مِنْ نَفْسِكَ شَيْئًا , وَلَا تُؤْثِرَنَّ بِحَظِّكَ مِنَ النَّاسِ أَحَدًا , وَارْعَ حُدُودَ اللَّهِ عِنْدَ مُغَالَبَةِ الْهَوَى وَتَنَسَّمْ إِلَى مَحَابِّهِ , وَإِنْ صَعُبَ عَلَيْكَ الْمُرْتَقَى , وَأُخْرَى أَقُولُهَا لَكَ جِمَاعًا لَا تَرُدَّ بِفِعْلِكَ غَيْرَهُ , وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ ثُمَّ أَكَبَّ عَلَى وَجْهِهِ وَهُوَ يَبْكِي وَانْصَرَفْتُ "
стр. 40
٤٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي الطَّيِّبِ ﵀ يَقُولُ ⦗٦٢⦘: بَلَغَنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَرَجِ الْعَابِدِ قَالَ: " احْتَجْتُ إِلَى صَانِعٍ يَصْنَعُ لِي شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الرُّوزْجَارِيِينَ فَأَتَيْتُ السُّوقَ فَجَعَلْتُ أَرْمُقُ الصُّنَّاعَ , فَإِذَا فِي أَوَاخِرِهِمْ شَابٌّ مُصَفِّرٌ بَيْنَ يَدَيْهِ زَبِيلٌ كَبِيرٌ , وَمَرَّ وَعَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ وَمِئْزَرُ صُوفٍ فَقُلْتُ لَهُ: تَعْمَلُ؟ قَالَ: نَعَمْ , قُلْتُ: بِكَمْ؟ قَالَ: بِدِرْهَمٍ وَدَانَقٍ فَقُلْتُ لَهُ: قُمْ حَتَّى تَعْمَلَ قَالَ: عَلَى شَرِيطَةٍ , قُلْتُ: مَا هِيَ؟ قَالَ: إِذَا كَانَ وَقْتُ الظُّهْرِ وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ خَرَجْتُ فَتَطَهَّرْتُ وَصَلَّيْتُ فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةً ثُمَّ رَجَعْتُ , فَإِذَا كَانَ وَقْتُ الْعَصْرِ فَكَذَلِكَ , قُلْتُ: نَعَمْ , فَقَامَ مَعِي فَجِئْنَا الْمَنْزِلَ فَوَافَقْتُهُ عَلَى مَا يَنْقُلُهُ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى ⦗٦٣⦘ مَوْضِعٍ , فَشَدَّ وَسَطَهُ وَجَعَلَ يَعْمَلُ وَلَا يُكَلِّمُنِي بِشَيْءٍ حَتَّى أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ للظُّهْرِ , فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ قَدْ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ , قُلْتُ: شَأْنَكَ , فَخَرَجَ فَصَلَّى فَلَمَّا رَجَعَ عَمِلَ أَيْضًا عَمَلًا جَيِّدًا إِلَى الْعَصْرِ , فَلَمَّا أَذَّنَ المُؤذِّنُ , قَالَ لِي: يَا عَبْدَ اللهِ , قَدْ أَذَّنَ المُؤذِّنُ قُلْتُ: شَأْنَكَ. فَخَرَجَ فَصَلَّى العَصْرَ ثُمَّ رَجَعَ , فَلَمْ يَزَلْ يَعْمَلُ إِلَى آخِرِ النَّهَارِ فَوَزَنْتُ لَهُ أُجْرَتَهُ وَانْصَرَفَ , فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ احْتَجْنَا إِلَى عَمَلٍ , فَقَالَتْ لِي زَوْجَتِي: اطْلُبْ لَنَا ذَلِكَ الصَّانِعَ الشَّابَّ فَإِنَّهُ قَدْ نَصَحَنَا فِي عَمَلِنَا , فَجِئْتُ السُّوقَ فَلَمْ أَرَهُ فَسَأَلْتُ عَنْهُ فَقَالُوا: تَسْأَلُ عَنْ ذَاكَ الْمُصَفِّرِ الْمَشْؤُومِ الَّذِي لَا نَرَاهُ إِلَّا مِنْ سَبْتٍ إِلَى سَبْتٍ , لَا يَجْلِسُ إِلَّا وَحْدَهُ فِي آخِرِ النَّاسِ؟ قَالَ: فَانْصَرَفْتُ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ السَّبْتِ أَتَيْتُ السُّوقَ فَصَادَفْتُهُ , فَقُلْتُ لَهُ: تَعْمَلُ؟ قَالَ: قَدْ عَرَفْتَ الْأُجْرَةَ وَالشَّرْطَ؟ قُلْتُ: أَسْتَخِيرُ اللَّهَ تَعَالَى فَقَامَ فَعَمِلَ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي كَانَ عَمِلَ , قَالَ فَلَمَّا وَزَنْتُ لَهُ الْأُجْرَةَ زِدْتَهُ , فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَ الزِّيَادَةَ , فَأَلْحَحْتُ عَلَيْهِ فَضَجِرَ وَتَرَكَنِي وَمَضَى فَغَمَّنِي ذَلِكَ فَاتَّبَعْتُهُ وَأَدْرَكْتُهُ وَدَارَيْتُهُ حَتَّى أَخَذَ أُجْرَتَهُ فَقَطْ , فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ مُدَّةٍ احْتَجْنَا أَيْضًا إِلَيْهِ فَمَضَيْتُ فِي يَوْمِ السَّبْتِ فَلَمْ أُصَادِفْهُ فَسَأَلْتُ عَنْهُ , فَقِيلَ لِي: هُوَ عَلِيلٌ , فَقَالَ لِي مَنْ يُخْبِرُهُ أَمْرَهُ: إِنَّمَا كَانَ يَجِيءُ إِلَى السُّوقِ مِنْ سَبْتٍ إِلَى سَبْتٍ يَعْمَلُ بِدِرْهَمٍ وَدَانَقٍ وَيَتَقَوَّتُ كُلَّ يَوْمٍ بِدَانَقٍ , وَقَدْ مَرِضَ فَسَأَلْتُ عَنْ مَنْزِلِهِ فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ فِي بَيْتِ عَجُوزٍ , فَقُلْتُ لَهَا: هُنَا الشَّابُّ الرُّوزْجَارِيُّ , فَقَالَتْ: هُوَ عَلِيلٌ مُنْذُ أَيَّامٍ , فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَوَجَدْتُهُ لُمَّا بِهِ , وَتَحْتَ رَأْسِهِ لَبِنَةٌ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَقُلْتُ: لَكَ حَاجَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ إِنْ قَبِلْتَ , قُلْتُ: أَقْبَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: إِذَا أَنَا مُتُّ فَبِعْ هَذَا الْمُرَّ وَاغْسِلْ جُبَّتِي هَذِهِ الصُّوفَ وَهَذَا الْمِئْزَرَ وَكَفِّنِّي بِهِمَا وَافْتِقْ جَيْبَ الْجُبَّةِ , فَإِنَّ فِيهَا خَاتَمًا فَخُذْهُ ثُمَّ انْظُرْ يَوْمَ يَرْكَبُ هَارُونُ الرَّشِيدُ الْخَلِيفَةُ فَقِفْ لَهُ فِي مَوْضِعٍ يَرَاكَ فَكَلِّمْهُ وَأَرِهِ الْخَاتَمَ فَإِنَّهُ سَيَدْعُوكَ , فَسَلِّمْ إِلَيْهِ الْخَاتَمَ , وَلَا يَكُونُ هَذَا إِلَّا بَعْدَ دَفْنِي , قُلْتُ: نَعَمْ , فَلَمَّا مَاتَ فَعَلْتُ بِهِ مَا أَمَرَنِي ثُمَّ نَظَرْتُ الْيَوْمَ الَّذِي يَرْكَبُ فِيهِ الرَّشِيدُ فَجَلَسْتُ لَهُ عَلَى الطَّرِيقِ , فَلَمَّا مَرَّ نَادَيْتُهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَ عِنْدِي وَدِيعَةٌ وَلَوَّحْتُ بِالْخَاتَمِ , فَأَمَرَ بِي فَأُخِذْتُ وَحُمِلْتُ حَتَّى دَخَلَ إِلَى دَارِهِ ثُمَّ دَعَانِي وَنَحَّى جَمِيعَ مَنْ عِنْدَهُ , وَقَالَ لِي: مَنْ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَرَجِ , فَقَالَ: هَذَا الْخَاتَمُ مِنْ أَيْنَ لَكَ؟ فَحَدَّثْتُهُ قِصَّةَ الشَّابِّ , فَجَعَلَ يَبْكِي حَتَّى رَحِمْتُهُ , فَلَمَّا أَنِسَ إِلَيَّ قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ , مَنْ هُوَ مِنْكَ؟ قَالَ: ابْنِي , قُلْتُ: كَيْفَ صَارَ إِلَى هَذِهِ الْحَالِ؟ قَالَ: وُلِدَ لِي قَبْلَ أَنْ ابْتُلَى بِالْخِلَافَةِ فَنَشَأَ نُشُوءًا حَسَنًا وَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَالْعِلْمَ , فَلَمَّا وُلِّيتُ الْخِلَافَةَ تَرَكَنِي وَلَمْ يَنَلْ مِنْ دُنْيَايَ شَيْئًا , فَدَفَعْتُ إِلَى أُمِّهِ هَذَا الْخَاتَمَ وَهُوَ يَاقُوتٌ وَيَسْوِي مَالًا كَثِيرًا , فَدَفَعْتُهُ إِلَيْهَا وَقُلْتُ لَهَا: تَدْفَعِينَ هَذَا إِلَيْهِ وَكَانَ بَارًّا بِأُمِّهِ وَتَسْأَلِينَهُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَيْهِ يَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ فَيَنْتَفِعَ بِهِ , وَتُوُفِّيَتْ أُمُّهُ فَمَا عَرَفْتُ لَهُ خَبَرًا إِلَّا مَا أَخْبَرْتَنِي بِهِ أَنْتَ , ثُمَّ قَالَ لِي: إِذَا كَانَ اللَّيْلُ اخْرُجْ مَعِي إِلَى قَبْرِهِ , فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ خَرَجَ وَحْدَهُ مَعِي يَمْشِي حَتَّى أَتَيْنَا قَبْرَهُ فَجَلَسَ إِلَيْهِ فَبَكَى بُكَاءً شَدِيدًا , فَلَمَّا طَلَعَ الْفَجْرُ قُمْنَا فَرَجَعَ ثُمَّ قَالَ لِي: تعَاهَدْنِي فِي كُلِّ الْأَيَّامِ حَتَّى أَزُورَ قَبْرَهُ , فَكُنْتُ أَتَعَاهَدُهُ فِي الْأَيَّامِ فَيَخْرُجُ فَيَزُورُ قَبْرَهُ ثُمَّ يَرْجِعُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَرَجِ: وَلَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُ ابْنُ الرَّشِيدِ حَتَّى أَخْبَرَنِي أَنَّهُ ابْنُهُ أَوْ كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي الطَّيِّبِ " قَالَ أَبُو بَكْرِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: وَقَدْ حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَخْلَدٍ الْعَطَّارُ , بِأَخْبَارِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَرَجِ وَفِيهَا هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى نَحْوٍ مِنْ هَذَا , وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: فَعَرَضَ الرَّشِيدُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَرَجِ مَالًا عَظِيمًا فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَبَلَغَنِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْفَرَجِ لَمَّا مَاتَ لَمْ تَعْلَمْ زَوْجَتُهُ لِإِخْوَانِهِ بِمَوْتِهِ وَهُمْ جُلُوسٌ بِالْبَابِ يَنْتَظِرُونَ الدُّخُولَ عَلَيْهِ فِي عِلَّتِهِ , فَغَسَّلَتُهُ وَكَفَّنَتُهُ فِي كِسَاءٍ كَانَ لَهُ وَأَخَذْتُ فَرْدَ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ بَيْتِهِ وَجَعَلَتْهُ فَوْقَهُ وَشَدَّتْهُ بِشَرِيطٍ , ثُمَّ قَالَتْ لِإِخْوَانِهِ: قَدْ مَاتَ وَقَدْ فَرَغْتُ مِنْ جِهَازِهِ , فَدَخَلُوا فَاحْتَمَلُوهُ إِلَى قَبْرِهِ وَغَلَّقَتِ الْبَابَ خَلْفَهُمْ
стр. 41
٤٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدِ بْنُ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرْبِيُّ ثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَصْرِيُّ قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي مُؤَذِّنُ بَلْهُجَيْمٍ قَالَ: نَزَلَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عِنْدَنَا فِي سْكَنِنَا , وَكَانَ يَجْلِسُ مَعَنَا وَنَحْنُ لَا نَعْرِفُهُ , نَظُنُّ أَنَّهُ أَعْرَابِيٌّ , فَكَانَ يُصْغِي إِلَى حَدِيثِنَا , فَإِذَا صِرْنَا إِلَى حَدِيثِهِ سَمِعْنَا كَلَامًا حَسَنًا يُذَكِّرُنَا الْجَنَّةَ وَيُخَوِّفُنَا النَّارَ , فَإِذَا طَرَدَتْهُ الشَّمْسُ حَلَّ حَبْوَتَهُ وَأَنْشَأَ يَقُولُ: «
⦗٦٨⦘
[البحر البسيط]
مَا ضَرَّ مَنْ كَانَ فِي الْفِرْدَوْسِ مَسْكَنُهُ ... مَا مَسَّهُ قَبْلُ مِنْ ضُرٍّ وَإِقْتَارِ
تَرَاهُ فِي النَّاسِ يَمْشِي خَائِفًا وَجِلًا ... إِلَى الْمَسَاجِدِ هَوْنًا بَيْنَ أَطْمَارٍ
تَفْنَى اللَّذَاذَةُ مِمَّنْ نَالَ صَفْوَتَهَا ... مِنَ الْحَرَامِ وَيَبْقَى الْخِزْيُ وَالْعَارُ
تَبْقَى عَوَاقِبُ سُوءٍ فِي مَغَبَّتِهَا ... لَا خَيْرَ فِي لَذَّةٍ مِنْ بَعْدِهَا النَّارُ»
стр. 42
بَابٌ فِي مَوْتِ الْغَرِيبِ
стр. 43
٤٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ الْعَابِدُ قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: ثَنَا حُيَيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ , عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تُوُفِّيَ رَجُلٌ بِالْمَدِينَةِ مِمَّنْ وُلِدَ بِالْمَدِينَةِ , فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: «يَا لَيْتَهُ مَاتَ فِي غَيْرِ مَوْلِدِهِ» , فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ النَّاسِ: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَاتَ فِي غَيْرِ مَوْلِدِهِ قِيسَ لَهُ مِنْ مَوْلِدِهِ إِلَى مُنْقَطَعِ أَثَرِهِ مِنَ الْجَنَّةِ»
⦗٧٠⦘
٤٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَطَشِيُّ قَالَ: ثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَرَفَةَ قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ , وَذَكَرَ الْحَدِيثَ
стр. 44
٤٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: وَثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ الْعَطَّارُ قَالَ: ثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: ثَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ , عَنْ حُيَيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَعَافِرِيِّ , عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى قَبْرِ رَجُلٍ بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ: «يَا لَهُ لَوْ مَاتَ غَرِيبًا» , قِيلَ: وَمَا لِلْغَرِيبِ مِنَّا يَمُوتُ بِغَيْرِ أَرْضِهِ؟ فَقَالَ: «مَا مِنْ غَرِيبٍ يَمُوتُ بِغَيْرِ أَرْضِهِ إِلَّا قِيسَ لَهُ مِنْ تُرْبَتِهِ إِلَى مَوْلِدِهِ فِي الْجَنَّةِ»
стр. 45
٥٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَخْلَدٍ , أَيْضًا قَالَ: ثَنَا حَفْصُ بْنُ عَمْرٍو الرَّبَالِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا هُذَيْلُ بْنُ الْحَكَمِ الْأَزْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ⦗٧١⦘ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَوْتُ الْغَرِيبِ شَهَادَةٌ»
стр. 46
٥١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ مَخْلَدٍ , أَيْضًا قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ نَصْرٍ أَبُو عِمْرَانَ الْبَزَّارُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَافِعٍ أَبُو زِيَادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ الْخُرَاسَانِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ , عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ , عَنِ ابْنِ سِيرِينَ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَوْتُ الْغَرِيبِ شَهَادَةٌ»
стр. 47
٥٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ بْنِ الْحُسَيْنِ , قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ صَاعِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَارِثُ بْنُ يَزِيدَ , عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعُدْوَانِيِّ , أَنَّهُ سَمِعَ سُفْيَانَ بْنَ عَوْفٍ الْقَارِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا حِينَ طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ: «سَيَأْتِي نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ نُورُهُمْ كَضَوْءِ الشَّمْسِ» , قُلْنَا: وَمَنْ أُولَئِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ تُتَّقَى بِهِمُ الْمَكَارِهُ , يَمُوتُ أَحَدُهُمْ وَحَاجَتُهُ فِي صَدْرِهِ , يُحْشَرُونَ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ»
стр. 48
٥٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ الْعَابِدُ قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ السَّمَّاكِ , عَنْ عَائِذِ بْنِ نُسَيْرٍ , عَنْ عَطَاءٍ , عَنْ عَائِشَةَ , قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ مَاتَ فِي هَذَا الطَّرِيقِ مِنْ حَاجٍّ أَوْ مُعْتَمِرٍ لَمْ يُعْرَضْ وَلَمْ يُحَاسَبْ , وَقِيلَ لَهُ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ "
⦗٧٤⦘
٥٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ وَحَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَخْلَدٍ قَالَ: ثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ الطَّائِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ الْجُعْفِيُّ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ السَّمَّاكِ , عَنْ عَائِذٍ , عَنْ عَطَاءٍ , عَنْ عَائِشَةَ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ
стр. 49
٥٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: وَثَنَا ابْنُ مَخْلَدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَسَارٍ الْبَزَّارُ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ , صَاحِبِ الرَّقَائِقِ قَالَ: حَدَّثَنِي الصَّلْتُ بْنُ حَكِيمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو زَيْدٍ , رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ قَالَ: " غَسَّلْتُ مَيِّتًا بِالْبَحْرَيْنِ , فَإِذَا مَكْتُوبٌ عَلَى لَحْمِهِ: طُوبَاكَ يَا غَرِيبُ: قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ بَيْنَ الْجِلْدِ وَالْعَظْمِ "
стр. 50
٥٦ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنْشَدَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ الْحَسَنِ السَّرَّاجُ قَالَ: أَنْشَدَنِي أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الصَّفَّارِ:
[البحر المنسرح]
نَمْ عَلَى سِرٍّ وَجْدَهُ النَّفْسُ ... فَالدَّمْعُ مِنْ مُقْلَتَيْهِ مُنْبَجِسُّ
مُدَلَّهٌ وَالِهٌ لَهُ حَرَقٌ ... أَنْفَاسُهُ بَالْحَنِينِ تَخْتَلِسُ
يَا بَابِي وَجْهَهُ الْجَمِيلَ الَّذِي ... يَفُوقُ وَجْهَ الْمُدَلَّلِ الْمُلْسِ
يَا بَابِي، جِسْمُهُ الزَّكِيُّ وَإِنْ ... كَانَ عَلَيْهِ خَلِيقُ دَنَسٍ
إِنْ مَاتَ فِي غُرْبَةِ الْغَرِيبِ فَقَدْ ... نَاحَ عَلَيْهِ الضِّيَاءُ وَالْغَلَسُ"
⦗٧٦⦘
٥٧ - قَالَ أَبُو بَكْرِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَكُلُّ مَنْ مَاتَ غَرِيبًا يَكُونُ مَوْتُهُ شَهَادَةً عَلَى ظَاهِرِ الْخَبَرِ , قِيلَ لَهُ: الْغَرِيبُ عَلَى وَجْهَيْنِ , فَغَرِيبٌ يَمُوتُ طَائِعًا لِلَّهِ بِغُرْبَتِهِ , وَهُمْ عَلَى أَصْنَافٍ شَتَّى , كُلُّهَا مَحْمُودَةٌ فَهُمُ الَّذِينَ يُرْتَجَى أَنْ يَكُونَ مَوْتُ أَحَدِهِمْ شَهَادَةً , وَغَرِيبٌ عَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى بِغُرْبَتِهِ وَهُمْ عَلَى أَصْنَافٍ شَتَّى كُلُّهَا مَذْمُومَةٌ , وَفُرِضَ عَلَيْهِمُ التَّوْبَةُ مِنَ الْغُرْبَةِ وَالرُّجُوعِ عَمَّا تَغَرَّبُوا لَهُ ,
٥٨ - فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَصِفْ لَنَا الْغَرِيبَ الطَّائِعَ لِلَّهِ بِغُرْبَتِهِ , حَتَّى لَا نَتَغَرَّبَ إِلَّا فِي طَاعَةٍ اللَّهِ , قِيلَ لَهُ مَنْ تَغَرَّبَ فِي حَجٍّ أَوْ فِي عُمْرَةٍ أَوْ جِهَادٍ , فَمَاتَ فِي خُرُوجِهِ أَوْ رُجُوعِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ , وَمَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ عِلْمٍ يُرِيدُ وَجْهَ اللَّهِ الْكَرِيمَ بِعِلْمِهِ لِيَعْلَمَ مَا ⦗٧٧⦘ افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَيَسْتَعْمِلُهُ , وَيَعْلَمُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فَيَنْتَهِي عَنْهُ , فَمَاتَ فَهُوَ شَهِيدٌ , وَمَنْ خَرَجَ زَائِرًا لِأَخٍ فِي اللَّهِ أَوْ لِزِيَارَةِ رَحِمٍ يَبَرُّهُمْ بِزِيَارَتِهِ فَمَاتَ فَهُوَ شَهِيدٌ , وَمَنْ كَانَ بِبَلَدٍ فَظَهَرَتْ فِيهِ الْفِتَنُ فَخَشِيَ عَلَى دِينِهِ وَمَالِهِ وَأَهْلِهِ فَفَرَّ مِنْهُ إِلَى بَلَدٍ غَيْرِهِ فَمَاتَ فَهُوَ شَهِيدٌ , وَمَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ الْكَسْبُ الْحَلَالُ فِي بَلَدِهِ فَخَرَجَ إِلَى بَلَدٍ غَيْرِهِ لِيَكْتَسِبَ الْحَلَالَ فَمَاتَ فَهُوَ شَهِيدٌ , وَمَنْ شَرَدَ لَهُ وَلَدٌ أَوْ أَبَقَ لَهُ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ فَخَرَجَ فِي طَلَبِهِمْ فَمَاتَ فَهُوَ شَهِيدٌ ,
٥٩ - وَأَمَّا صِفَةُ مَنْ تَغَرَّبَ فِي مَعْصِيَةٍ , مِثْلَ أَنْ يَقْطَعَ الطَّرِيقَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ , أَوْ أَنْ يُعِينَ الْخَوَارِجَ , أَوْ خَرَجَ يَسْعَى فِي الْأَرْضِ لِلْفَسَادٍ , أَوْ خَدَعَ وَلَدًا لِرَجُلٍ أَوْ عَبْدًا أَوْ أَمَةً فَهَرَبَ بِهِمْ , فَتَغَرَّبَ , أَوْ خَرَجَ فِي تِجَارَةٍ مُحَرَّمَةٍ لَا يُبَالِي مَا نَقَصَ مِنْ دِينِهِ إِذَا سَلِمَتْ لَهُ دُنْيَاهُ , فَهَؤُلَاءِ وَمَا يُشْبِهُ أَمْثَالَهُمْ عُصَاةٌ لِلَّهِ بِتَغَرُّبِهِمْ وَفَرَضَ عَلَيْهِمُ التَّوْبَةَ وَالرُّجُوعَ عَنْ قَبِيحِ مَا خَرَجُوا لَهُ , فَإِنْ مَاتُوا فِي غُرْبَتِهِمْ لَمْ تُحْمَدْ أَحْوَالُهُمْ
стр. 51
٦٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ الْقَرَاطِيسِيُّ , قَالَ: ثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ الْقُرَشِيُّ قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ: حَدَّثَنَي زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي خَالِدٍ , قَالَ: " خَرَجَ فَتًى يَطْلُبُ الدُّنْيَا فَتَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ فَكَتَبَ إِلَى أُمِّهِ: سَأَكْسَبُ مَالًا أَوْ أُرَى فِي ضَرِيحَةٍ مِنَ الْأَرْضِ لَا يَبْكِي عَلَيَّ سَكُوبٌ وَلَا وَالِهٌ، حَرَّى عَلَيَّ حَزِينَةٌ , وَلَا أَحَدَ مِمَّنْ أُحِبُّ قَرِيبٌ سِوَى أَنْ يَرَى قَبْرِي غَرِيبٌ , فَرُبَّمَا بَكَى إِنْ يَرَى قَبْرَ الْغَرِيبِ غَرِيبٌ، قَالَ ⦗٧٨⦘: فَوَافَى الْكِتَابُ وَقَدْ مَاتَتْ أُمُّهُ , فَأَجَابَتْهُ خَالَتُهُ:
[البحر الطويل]
تَذَكَّرْتُ أَحْوَالًا وَأذْرَيْتُ عَبْرَةً ... وَهَيَّجْتَ أَحْزَانًا فَذَاكَ عَجِيبُ
فَإِنْ تَكُ مُشْتَاقًا إِلَيْنَا فَإِنَّنَا ... إِلَيْكَ ظَمَاءٌ وَالْحَبِيبُ حَبِيبُ
فَامْنُنْ عَلَى أُمٍّ عَلَيْكَ شَفِيقَةٌ ... بَوَجْهِكَ لَا تَثْوَى وَأَنْتَ غَرِيبُ
فَإِنَّ الَّذِي يَأْتِيكَ بِالرِّزْقِ نَائِيًا يَجِيءُ ... بِهِ وَالْحَيُّ مِنْكَ قَرِيبُ
стр. 52
٦١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَنْشَدَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ:
[البحر الكامل]
زَعَمَ الَّذِينَ تَشَرَّقُوا وَتَغَرَّبُوا ... أَنَّ الْغَرِيبَ وَإِنْ أَعَزَّ ذَلِيلُ
فَأَجْبُتُهُمْ أَنَّ الْغَرِيبَ إِذَا اتَّقَى ... حَيْثُ اسْتَقَلَّ بِهِ الرِّكَابُ خَلِيلُ
قَالُوا الْغَرِيبُ يُهَانُ قُلْتُ تَجَلَّدَا ... إِنَّ الْإِلَهَ بِنَصْرِهِ لَكَفِيلُ
قَالُوا الْغَرِيبُ إِذَا يَمُوتُ بِبَلْدَةٍ ... لَمْ يُبْكَ أَوْ يُسْمَعْ عَلَيْهِ عَوِيلُ
قُلْتُ الْغَرِيبُ كَفَاهُ رَحْمَةُ رَبِّهِ ... وَغِنَى الْبُكَاءِ عَلَى الْفَقِيدِ قَلِيلُ
٦٢ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنْشَدَنِي بَعْضُ الْمِصْرِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِنَا لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ:
[البحر الطويل]
تَغَرَّبْتُ عَنْ أَهْلِي فَظَلْتُ مُشَرَّدًا ... وَحِيدًا طَرِيدًا فِي الْبِلَادِ أَدُورُ
وَخَلَّفْتُ إِخْوَانِي وَأَهْلِي وَجِيرَتِي ... يَنُوحُونَ شَجْوًا إِنَّنِي لَصَبُورُ
وَلِي وَطَنٌ مَا إِنْ عَلَى الْأَرْضِ مِثْلُهُ ... وَلَكِنْ مَقَادِيرُ جَرَتْ وَأُمُورُ
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: أَغْرَبُ الْغُرَبَاء فِي وَقْتِنَا هَذَا مَنْ أَخَذَ بِالسُّنَنِ وَصَبَرَ عَلَيْهَا , وَحَذِرَ الْبِدَعَ وَصَبَرَ عَنْهَا , وَاتَّبَعَ آثَارَ مَنْ سَلَفَ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ , وَعَرَفَ زَمَانَهُ وَشِدَّةَ فَسَادِهِ وَفَسَادَ أَهْلِهِ , فَاشْتَغْلَ بِإِصْلَاحِ شَأْنِ نَفْسِهِ مِنْ حِفْظِ جَوَارِحِهِ , وَتَرْكِ الْخَوْضِ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ وَعَمِلَ فِي إِصْلَاحِ كَسْرَتِهِ , وَكَانَ طَلَبُهُ مِنَ الدُّنْيَا مَا فِيهِ كِفَايَتُهُ وَتَرْكُ الْفَضْلِ الَّذِي يُطْغِيهِ , وَدَارَى أَهْلَ زَمَانِهِ وَلَمْ يُدَاهِنُهُمْ , وَصَبَرَ عَلَى ذَلِكَ , فَهَذَا غَرِيبٌ وَقَلَّ مَنْ يَأْنَسُ إِلَيْهِ مِنَ الْعَشِيرَةِ وَالْإِخْوَانِ , وَلَا يَضُرَّهُ ذَلِكَ , فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: افْرُقْ لَنَا بَيْنَ الْمُدَارَاةِ وَالْمُدَاهَنَةِ , قِيلَ لَهُ: الْمُدَارَاةُ الَّتِي يُثَابُ عَلَيْهَا الْعَاقِلُ , وَيَكُونُ مَحْمُودًا بِهَا عِنْدَ اللَّهِ , وَعِنْدَ مَنْ عَقَلَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يُدَارِي جَمِيعَ النَّاسِ الَّذِينَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُمْ , وَمِنْ مُعَاشَرَتِهِمْ لَا يُبَالِي مَا نَقَصَ مِنْ دُنْيَاهُ , وَمَا انْتُهِكَ بِهِ مِنْ عِرْضِهِ بَعْدَ أَنْ سَلِمَ لَهُ دِينُهُ , فَهَذَا رَجُلٌ كَرِيمٌ غَرِيبٌ فِي زَمَانِهِ. وَالْمُدَاهَنَةُ: فَهُوَ الَّذِي لَا يُبَالِي مَا نَقَصَ مِنْ دِينِهِ إِذَا سَلِمَتْ لَهُ دُنْيَاهُ , قَدْ هَانَ عَلَيْهِ ذَهَابُ دِينِهِ وَانْتِهَاكُ عِرْضِهِ , بَعْدَ أَنْ تَسْلَمَ لَهُ دُنْيَاهُ , فَهَذَا فِعْلُ مَغْرُورٍ , فَإِذَا عَارَضَهُ الْعَاقِلُ فَقَالَ: هَذَا لَا يَجُوزُ لَكَ فِعْلُهُ قَالَ: نُدَارِي فَيَكْسُو الْمُدَاهَنَةَ الْمُحَرَّمَةَ اسْمَ الْمُدَارَاةِ , وَهَذَا غَلَطٌ كَبِيرٌ مِنْ قَائِلِهِ , فَاعْلَمْ ذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مُدَارَاةُ النَّاسِ صَدَقَةٌ , وَقَالَ الْحَسَنُ: الْمُؤْمِنُ يُدَارِي وَلَا يُمَارِي , يَنْشُرُ حِكْمَةَ اللَّهِ , فَإِنْ قُبِلَتْ حَمِدَ اللَّهَ , وَإِنْ رُدَّتْ حَمِدَ اللَّهَ , وَقَالَ مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ ﵁: لَيْسَ بِحَكِيمٍ مَنْ لَمْ يُعَاشِرْ بِالْمَعْرُوفِ لِمَنْ لَا يَجِدُ مِنْ مُعَاشَرَتِهِ بُدًّا , حَتَّى يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَمَنْ كَانَ هَكَذَا فَهُوَ غَرِيبٌ طُوبَى لَهُ ثُمَّ طُوبَى لَهُ
стр. 53
٦٣ - ثَنَا أَبُو الْفَضْلِ الْعَبَّاسُ بْنُ يُوسُفَ الشَّكَلِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْعَلَاءِ الْبَلْخِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مُعَاذٍ الرَّازِيَّ يَقُولُ: «يَا ابْنَ آدَمَ طَلَبْتَ الدُّنْيَا طَلَبَ مَنْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا , وَطَلَبْتَ الْآخِرَةَ طَلَبَ مَنْ لَا حَاجَةَ لَهُ إِلَيْهَا , وَالدُّنْيَا قَدْ كُفِيتَهَا وَإِنْ لَمْ تَطْلُبْهَا , وَالْآخِرَةُ بِالطَّلَبِ مِنْكَ تَنَالُهَا فَاعْقِلْ شَأْنَكَ» , وَقَالَ يَحْيَى: " ابْنُ آدَمَ: حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ , وَأَنْتَ تَكْرَهُهَا , وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ وَأَنْتَ تَطْلُبُهَا , فَمَا أَنْتَ إِلَّا كَالْمَرِيضِ الشَّدِيدِ الدَّاءِ إِنْ صَبَرْتَ عَلَى نَفْسِكَ عَلَى مَضَضِ الدَّوَاءِ اكْتَسَبْتَ بِالصَّبْرِ عَاقِبَةَ الشِّفَاءِ , وَإِنْ جَزِعَتْ نَفْسُكَ عَلَى مَا تَلْقَى مِنْ أَلَمِ الدَّوَاءِ طَالَتْ
١ - بِكَ عِلَّتُكَ "