← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 13048

الفقيه والمتفقه - الخطيب البغدادي

الخطيب البغدادي

Полный текст (1 462 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

أنا أَبُو سَعِيدٍ الصَّيْرَفِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ , نا أَبُو النَّضْرِ , حَدَّثَنَا الْمُسْتَلِمُ بْنُ سَعِيدٍ , عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ , عَنِ الْحَسَنِ , قَالَ ⦗٢٢⦘: «شِرَارُ عِبَادِ اللَّهِ يِنْتَقُونَ شِرَارَ الْمَسَائِلِ يُعْمُونَ بِهَا عِبَادَ اللَّهِ» وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ , وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ , وَغَيْرِهِمَا مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ تَكَمَّلُوا فِي أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ قَبْلَ نُزُولِهَا , وَتَنَاظَرُوا فِي عِلْمِ الْفَرَائِضِ وَالْمَوَارِيثِ , وَتَبِعَهُمْ عَلَى هَذِهِ السَّبِيلِ التَّابِعُونَ , وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ , فَكَانَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ غَيْرُ مَكْرُوهٍ وَمُبَاحٌ غَيْرُ مَحْظُورٍ وَأَمَّا حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ , وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ , وعَمَّارِ بْنِ كَعْبٍ , وعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ , فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ تَوَقَّوَا الْقَوْلَ بِرَأْيِهِمْ خَوْفًا مِنَ الزَّلَلِ , وَهَيْبَةً لِمَا فِي الِاجْتِهَادِ مِنَ الْخَطَرِ , وَرَأَوْا أَنَّ لَهُمُ عَنْ ذَلِكَ مَنْدُوحَةً فِيمَا لَمْ يَحْدُثْ: مِنَ النَّوَازِلِ , وَأَنَّ كَلَامَهُمْ فِيهَا إِذَا حَدَثَتْ تَدْعُوا إِلَيْهِ الْحَاجَةُ , فَيُوَفِّقُ اللَّهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ مَنْ قَصَدَ إِصَابَةَ الْحَقِّ , وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ نَحْوَ هَذَا الْقَوْلِ

стр. 772

أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْمُقْرِئُ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْآجُرِّيُّ , نا ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْوَاسِطِيُّ , نا زُهَيْرٌ يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدِ بْنِ قَمِيرٍ , أنا مَنْصُورُ بْنُ صُقَيْرٍ , نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ , نا الصَّلْتُ بْنُ رَاشِدٍ , قَالَ: سَأَلْتُ طَاوُسًا عَنْ شَيْءٍ , فَانْتَهَرَنِي , وَقَالَ: أَكَانَ هَذَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ وَقَالَ: اللَّهِ , قُلْتُ: اللَّهِ , قَالَ ⦗٢٣⦘: إِنَّ أَصْحَابَنَا أَخْبَرُونَا عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّهُ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ , لَا تَعْجَلُوا بِالْبَلَاءِ قَبْلَ نُزُولِهِ فَيَذْهَبَ بِكُمْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا , فَإِنَّكُمْ إِنْ لَمْ تَعْجَلُوا بِالْبَلَاءِ قَبْلَ نُزُولِهِ , لَمْ يَنْفَكَّ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَنْ إِذَا سُئِلَ سُدِّدَ , أَوْ قَالَ وُفِّقَ» وَهَذَا فِعْلُ أَهْلِ الْوَرَعِ وَالْمُشْفِقِينَ عَلَى دِينِهِمْ , وَلِأَجْلِ مَا ذَكَرْنَاهُ كَانَ خَلْقٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إِذَا سُئِلَ أَحَدُهُمْ عَنْ حُكْمِ حَادِثَةٍ حَادَ عَنِ الْجَوَابِ وَأَحَالَ عَلَى غَيْرِهِ

стр. 773

أنا ابْنُ الْفَضْلِ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دَرَسْتُوَيْهِ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , نا أَبُو بَكْرٍ الْحُمَيْدِيُّ , نا سُفْيَانُ , نا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى , قَالَ: «أَدْرَكْتُ مِائَةً وَعِشْرِينَ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , يَسْأَلُ أَحَدُهُمْ عَنِ الْمَسْأَلَةِ فَيَرُدُّهَا هَذَا إِلَى هَذَا , وَهَذَا إِلَى هَذَا حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى الْأَوَّلِ»

стр. 774

أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ , أنا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ , ⦗٢٤⦘ نا حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ , نا قَبِيصَةُ , وأنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَزَّازُ , بِالْبَصْرَةِ , وَاللَّفْظُ لَهُ , نا أَبُو عَلِيٍّ: الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْفَسَوِيُّ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , نا أَبُو نُعَيْمٍ , قَالَا: نا سُفْيَانُ , عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ , قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى , قَالَ: «لَقَدْ أَدْرَكْتُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ عِشْرِينَ وَمِائَةً مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , مَا أَحَدٌ مِنْهُمْ يُحَدِّثُ حَدِيثًا إِلَّا وَدَّ أَنَّ أَخَاهَ كَفَاهُ الْحَدِيثَ , وَلَا يَسْأَلُ عَنْ فُتْيَا , إِلَّا وَدَّ أَنَّ أَخَاهَ كَفَاهُ الْفُتْيَا»

стр. 775

أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْمُقْرِئُ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْآجُرِّيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ سَهْلٍ الْأُشْنَانِيُّ , نَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْعِجْلِيُّ , نا يَحْيَى بْنُ آدَمَ , نَا حَمَّادُ بْنُ شُعَيْبٍ , عَنْ حَجَّاجٍ , عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ , قَالَ: سَأَلْتُ عَلْقَمَةَ عَنْ مَسْأَلَةٍ , فَقَالَ: ائْتِ عَبِيدَةَ فَسَلْهُ , فَأَتَيْتُ عُبَيْدَةَ فَقَالَ: ائْتِ عَلْقَمَةَ , فَقُلْتُ: عَلْقَمَةُ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ , فَقَالَ: ائْتِ مَسْرُوقًا فَسَلْهُ , فَأَتَيْتُ مَسْرُوقًا فَسَأَلْتُهُ , فَقَالَ: ائْتِ عَلْقَمَةَ فَسَلْهُ , فَقُلْتُ: عَلْقَمَةُ أَرْسَلَنِي إِلَى عُبَيْدَةَ , وَعُبَيْدَةُ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ , قَالَ: فَأْتِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى , فَأَتَيْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى فَسَأَلْتُهُ فَكَرِهَهُ , ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى عَلْقَمَةَ فَأَخْبَرْتُهُ , قَالَ: كَانَ يُقَالُ «أَجْرَأُ الْقَوْمِ عَلَى الْفُتْيَا أَدْنَاهُمْ عِلْمًا»

стр. 776

أنا ابْنُ الْفَضْلِ , أنا ابْنُ دَرَسْتُوَيْهِ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , نا قَبِيصَةُ , نا سُفْيَانُ , عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ , قَالَ: سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ شَيْءٍ , فَقَالَ: «أَمَا وَجَدْتَ أَحَدًا تَسْأَلُهُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ غَيْرِي» وَهَكَذَا كَانَ إِمْسَاكُ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ الْكَلَامِ فِي حَادِثَةٍ لَمْ تَنْزِلْ بِهِ , وَإِنْ كَانَتْ نَزَلَتْ بِغَيْرِهِ , وَمَا حَكَى مَالِكٌ عَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنَ الْإِكْثَارِ فِي الْمَسَائِلِ , كُلُّ ذَلِكَ خَوْفُ الزَّلَلِ فِي الرَّأْيِ , وَرَأَوْا أَنَّ النَّاسَ يَقْتَدُونَ بِهِمْ وَيُقَلِّدُونَهُمْ أَمْرَ دِينِهِمْ , وَيَحْتَجُّونَ بِأَقْوَالِهِمْ , فَإِذَا: عَلِمَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ أَنَّ جَوَابَهُ يَنْفُذُ فِيمَا سُئِلَ عَنْهُ بِالتَّحْلِيلِ أَوِ التَّحْرِيمِ , حَمَلَ نَفْسَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي سُئِلَ عَنْهَا مِنْ شِدَّةِ مُعَالَجَتِهَا وَالِاسْتِقْصَاءِ فِي إِدْرَاكِ حَقِيقَتِهَا عَلَى مَا كَانَ غَيْرَ خَائِفٍ مِنْهُ لَوْ قَصَّرَ فِيهِ قَبْلَ نُزُولِهَا وَالسُّؤَالِ عَنْهَا , وَمَنْ قُلِّدَ أَمْرَ الدِّينِ وَاسْتُفْتِيَ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ , فَخَطَرُ زَلَلِهِ عَظِيمٌ , وَهُوَ الَّذِي تَخَوَّفُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أُمَّتِهِ

стр. 777

أنا أَبُو الْحَسَنِ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى بْنِ ⦗٢٦⦘ هَارُونَ بْنِ الصَّلْتِ الْأَهْوَازِيُّ , أنا أَبُو الْعَبَّاسِ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ عُقْدَةَ الْكُوفِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الصُّوفِيُّ , نا أَبُو غَسَّانَ , نا مَسْعُودُ بْنُ سَعْدٍ , عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَشَدُّ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي ثَلَاثَةً: زَلَّةُ عَالِمٍ , وَجِدَالُ مُنَافِقٍ بِالْقُرْآنِ , أَوْ دُنْيَا تَقْطَعُ رِقَابِكُمْ فَاتَّهِمُوهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ " قَالَ أَبُو غَسَّانَ: قَالَ لِي بَنُو أَبِي شَيْبَةَ: لَوْ رَحَلَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِلَى خُرَاسَانَ كَانَ قَلِيلًا

стр. 778

أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْخَزَّازُ , نا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ , نا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ , أنا ⦗٢٧⦘ ابْنُ الْمُبَارَكِ , نا ابْنُ لَهِيعَةَ , قَالَ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ , قَالَ: قِيلَ لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ: يَا رُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ , مَنْ أَشَدُّ النَّاسِ فِتْنَةً؟ قَالَ: «زَلَّةُ الْعَالِمِ , إِذَا زَلَّ الْعَالِمُ زَلَّ بِزَلَّتِهِ عَالَمٌ كَثِيرٌ»

стр. 779

أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْفَوَارِسِ , أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ , نا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدِّمَشْقِيُّ , قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزِّ: «زَلَّةُ الْعَالِمِ كَانْكِسَارِ السَّفِينَةِ , تَغْرَقَ وَيَغْرَقُ مَعَهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ»

стр. 780

أنا عَلِيُّ بْنُ يَحْيَى بْنِ جَعْفَرٍ الْأَصْبَهَانِيُّ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ بُنْدَارٍ الْمَدِينِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ مَهْدِيٍّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْحَجَبِيُّ , نا حَمَّادٌ يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ , نا الْمُثَنَّى بْنُ سَعِيدٍ , وأنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ الْأَزْجِيُّ , نا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَجَلِيُّ , وأنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ الدَّقَّاقُ , ومُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَسْنُونَ النَّرْسِيُّ , قَالَا: أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هَارُونَ , قَالَا: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ , نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَرْوَزِيُّ , نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ , عَنِ الْمُثَنَّى بْنِ سَعِيدٍ , قَالَ إِسْحَاقُ: وَقَدْ قَالَ مَرَّةً أُخْرَى: عَنِ الْمُثَنَّى بْنِ سَعْدٍ , وَفِي حَدِيثِ الْأَزْجِيِّ , وَقَالَ إِسْحَاقُ مَرَّةً أُخْرَى: عَنِ الْمُثَنَّى بْنِ سَعْدٍ , عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: «وَيْلٌ لِلْأَتْبَاعِ مِنْ عَثَرَاتِ الْعَالِمِ» , قِيلَ: وَكَيْفَ ذَاكَ؟ قَالَ: «يَقُولُ الْعَالِمُ بِرَأْيِهِ , فَيَبْلُغُهُ الشَّيْءُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خِلَافَهُ , فَيَرْجِعُ وَيَمْضِي ⦗٢٨⦘ الْأَتْبَاعُ بِمَا سَمِعُوا» وَاللَّفْظُ لِحَدِيثِ إِسْحَاقَ

стр. 781

أنا أَبُو الْفَتْحِ: عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ الضَّبِّيُّ , نا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ , قَالَ: حَدَّثَنَا مُكْرَمُ بْنُ أَحْمَدَ , نا أَحْمَدُ بْنُ عَطِيَّةَ , نا بِشْرٌ يَعْنِي ابْنَ الْوَلِيدِ وَابْنَ سَمَاعَةَ , عَنْ أَبِي يُوسُفَ , قَالَ: «كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ إِذَا عَمِلَ الْقَوْلَ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ , رَاضَهُ سَنَةً لَا يُخْرِجُهُ إِلَى أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ , فَإِذَا كَانَ بَعْدَ سَنَةٍ , وَأَحْكَمَهُ خَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ , وَإِذَا تَكَلَّمَ فِي الِاسْتِحْسَانِ هَمَّهُ مُنَاظَرَةُ نَفْسِهِ»

стр. 782

أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْمُقْرِئُ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْآجُرَّيُّ , نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّنْدَلِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى , قَالَ: سَمِعْتُ بِشْرَ بْنَ الْحَارِثِ , يَقُولُ: سَمِعْتُ الْمُعَافَى بْنَ عِمْرَانَ , يَذْكُرُ عَنْ سُفْيَانَ , قَالَ: «أَدْرَكْتُ الْفُقَهَاءَ وَهُمْ يَكْرَهُونَ أَنْ يُجِيبُوا فِي الْمَسَائِلِ وَالْفُتْيَا , حَتَّى لَا يَجِدُوا بُدًّا مِنْ أَنْ يُفْتُوا» وَقَالَ الْمُعَافَى , سَأَلْتُ سُفْيَانَ , فَقَالَ: أَدْرَكْتُ النَّاسَ مِمَّنْ أَدْرَكْتُ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْفُقَهَاءِ وَهُمْ يَتَرَادُّونَ الْمَسَائِلَ , يَكْرَهُونَ أَنْ يُجِيبُوا فِيهَا , فَإِذَا أُعْفُوا مِنْهَا كَانَ ذَلِكَ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ

стр. 783

أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الْبَرْمَكِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ الدَّقَّاقُ , نا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ , نا أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ , يَقُولُ: «مَنْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلْفُتْيَا فَقَدْ عَرَّضَهَا لِأَمْرٍ عَظِيمٍ , إِلَّا أَنَّهُ قَدْ تَجِيءُ الضَّرُورَةُ» قَالَ الْحَسَنُ: إِنْ تَرَكْنَاهُمْ وَكَلْنَاهُمْ إِلَى عِيٍّ شَدِيدٍ , فَإِنَّمَا تَكَلَّمَ الْقَوْمُ عَلَى هَذَا , وَكَانَ قَوْمٌ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهِمْ فَتَكَلَّمُوا , قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: فَأَيُّمَا أَفْضَلُ الْكَلَامُ أَوِ الْإِمْسَاكُ؟ قَالَ: «الْإِمْسَاكُ أَحَبُّ إِلَيَّ لَا شَكَّ» , قِيلَ لَهُ: فَإِذَا كَانَتِ الضَّرُورَةُ؟ فَجَعَلَ يَقُولُ: «الضَّرُورَةُ الضَّرُورَةُ» وَقَالَ: «الْإِمْسَاكُ أَسْلَمُ لَهُ» قُلْتُ: الْإِمْسَاكُ أَقْرَبُ إِلَى السَّلَامَةِ , لَكِنْ مَا يَجُوزُهُ الْمُجْتَهِدُ إِذَا نَصَحَ وَبَذَلَ مَجْهُودَهُ فِي طَلَبِ الْحَقِّ مِنَ الْفَضْلِ وَعَظِيمِ الثَّوَابِ وَالْأَجْرِ أَوْلَى مَا رَغِبَ فِيهِ الرَّاغِبُونَ , وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ

стр. 784

أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ , أنا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى الْمَرْزَبَانِيُّ , نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْمَكِّيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ خَلَّادٍ , قَالَ: كَانَ يُقَالُ: " مَنْ لَمْ يَرْكَبِ الْمَصَاعِبَ لَمْ يَنَلِ الرَّغَائِبَ ⦗٣٠⦘ وَلِأَبِي إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ يَحْيَى الْمُزَنِيِّ , كَلَامٌ مُسْتَقْصًى فِيمَنْ أَنْكَرَ السُّؤَالَ عَمَّا لَمْ يَكُنْ , أَنَا أَسُوقُهُ لِمَا يَتَضَمَّنُ مِنَ الْفَوَائِدِ الْكَثِيرَةِ وَالْمَنَافِعِ الْغَزِيرَةِ

стр. 785

أنا أَبُو الْحَسَنِ: مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الصَّابُونِيُّ , أنا أَبُو سُلَيْمَانَ: مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَرَّانِيُّ , أنا أَبُو عَلِيٍّ: أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شُعَيْبٍ الْمَدَائِنِيُّ , قَالَ: قَالَ الْمُزَنِيُّ: " يُقَالُ لِمَنْ أَنْكَرَ السُّؤَالَ فِي الْبَحْثِ عَمَّا لَمْ يَكُنْ لِمَ أَنْكَرْتُمْ ذَلِكَ؟ فَإِنْ قَالُوا: لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَرِهَ الْمَسْأَلَةَ , قِيلَ: وَكَذَلِكَ كَرِهَهَا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ تُرْفَعُ إِلَيْهِ لِمَا كَرِهَ مِنَ افْتِرَاضِ اللَّهِ الْفَرَائِضَ بِمُسَاءَلَتِهِ وَثِقَلِهَا عَلَى أُمَّتِهِ لِرَأْفَتِهِ بِهَا وَشَفَقَتِهِ عَلَيْهَا , فَقَدِ ارْتَفَعَ ذَلِكَ بِرَفْعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا فَرْضَ بَعْدَهُ يَحْدُثُ أَبَدًا وَإِنْ قَالُوا: لِأَنَّ عُمَرَ أَنْكَرَ السُّؤَالَ عَمَّا لَمْ يَكُنْ , قِيلَ: فَقَدْ يَحْتَمِلُ إِنْكَارُهُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّعَنُّتِ وَالْمُغَالَطَةِ , لَا عَلَى التَّفَقُّهِ , وَالْفَائِدَةِ , وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ , فَإِنْ كَانَ عِنْدَنَا , وَإِلَّا سَأَلْنَا عَنْهُ غَيْرَنَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَكَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ إِنْكَارِهِ عَلَى ابْنِ الْكَوَّاءِ أَنْ يَسْأَلَ تَعَنُّتًا , وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْأَلَ تَفَقُّهًا , وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ , وَعَلِيٍّ , وَابْنِ مَسْعُودٍ , وَزَيْدٍ , فِي الرَّجُلِ يُخَيَّرُ امْرَأَتَهُ , فَقَالَ عُمَرُ , وَابْنُ مَسْعُودٍ: إِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا , فَلَا شَيْءَ ,

стр. 786

وَإِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا , فَوَاحِدَةٌ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ , وَقَالَ عَلِيٌّ: إِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا , فَوَاحِدَةٌ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ , وَإِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَوَاحِدَةٌ بَائِنٌ , وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: إِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَثَلَاثٌ , وَإِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا , فَوَاحِدَةٌ بَائِنٌ , وَأَجَابُوا جَمِيعًا فِي أَمْرَيْنِ , أَحَدُهُمَا لَمْ يَكُنْ , وَلَوْ كَانَ الْجَوَابُ فِيمَا لَمْ يَكُنْ مَكْرُوهًا لَمَا أَجَابُوا إِلَّا فِيمَا كَانَ , وَلَسَكَتُوا عَمَّا لَمْ يَكُنْ وَعَنْ زَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَلِيٍّ فِي الْمُكَاتَبِ: أَكُنْتَ رَاجِمَهُ لَوْ زَنَا؟ قَالَ: لَا , قَالَ: أَفَكُنْتَ تَقْبَلُ شَهَادَتَهُ لَوْ شَهِدَ؟ قَالَ: لَا، فَقَدْ سَأَلَهُ زَيْدٌ وَأَجَابَهُ عَلِيٌّ فِيمَا لَمْ يَكُنْ عَلَى التَّفَقُّهِ وَالتَّفَطُّنِ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي مُسَاءَلَتِهِ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيَّ: أَرَأَيْتَ , أَرَأَيْتَ , وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى مَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: سَلْنِي , وَقَوْلِ عَلِيٍّ: سَلُونِي , وَقَوْلِ أَبِي الدَّرْدَاءٍ: ذَاكِرُوا هَذِهِ الْمَسَائِلَ , وَلَوْ كَانَ هَذَا السُّؤَالُ لَا يَجُوزُ إِلَّا عَمَّا كَانَ لِمَا تَعَرَّضَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ جَوَابًا لَا يَجُوزُ أَبَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ , وَيُقَالُ لَهُ: أَلَيْسَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَطْلُبَ الْفَرَائِضَ فِي الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ , وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ , قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ ذَلِكَ وَهُوَ دِينٌ؟ فَإِذَا قَالَ: نَعَمْ , قِيلَ: فَكَيْفَ يَجُوزُ طَلَبُ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الدِّينِ , وَالْجَوَابُ فِيهِ , وَلَا يَجُوزُ فِي بَعْضٍ , وَكُلُّ ذَلِكَ دِينٌ؟ وَيُقَالُ لَهُ: هَلْ تَخْلُوَ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي أَنْكَرْتُمْ جَوَابَهَا , قَبْلَ أَنْ تَكُونَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهَا حُكْمٌ خَفِيٌّ , حَتَّى لَا يُوصَلَ إِلَيْهِ إِلَّا بِالنَّظَرِ

стр. 787

وَالِاسْتِنْبَاطِ , أَوْ لَا يَكُونَ لَهَا حُكْمٌ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا حُكْمٌ فَلَا وَجْهَ لِذَلِكَ مَا وَجْهُ الْمَسْأَلَةِ فِيهَا كَانَتْ أَوْ لَمْ تَكُنْ , وَإِنْ كَانَ لَهَا حُكْمٌ لَا يُوصَلُ إِلَيْهِ بِالْمُنَاظَرَةِ وَالِاسْتِنْبَاطِ , فَالتَّقَدُّمُ بِكَشْفِ الْخَفِيِّ , وَمَعْرِفَتِهِ وَإِعْدَادِهِ لِلْمَسْأَلَةِ قَبْلَ نُزُولِهَا أَوْلَى , فَإِذَا نَزَلَتْ كَانَ حُكْمُهَا مَعْرُوفًا فَوَصَلَ بِذَلِكَ الْحَقَّ إِلَى أَهْلِهِ , وَمَنَعَ بِهِ الظَّالِمَ مِنْ ظُلْمِهِ , وَكَانَ خَيْرًا أَوْ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ يَتَوَقَّفُوا إِلَى أَنْ يَصِحَّ النَّظَرُ فِي الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ الْمُنَاظَرَةِ , وَقَدْ يُبْطِئُ ذَلِكَ وَيَكُونُ فِي التَّوَقُّفِ ضَرَرٌ يَمْنَعُ الْخَصْمَ مِنْ حَقِّهِ , وَالْفَرْجَ مِنْ حِلِّهِ , وَتَرْكَ الظَّالِمِ عَلَى ظُلْمِهِ وَشَبَّهُوا أَوْ بَعْضُهُمُ النَّازِلَةَ فِيمَا بَلَغَنِي إِذَا كَانَتْ بِالضَّرُورَةِ , وَالْجَوَابَ فِيهَا بِأَكْلِ الْمَيْتَةِ , فَأَحَلُّوا الْجَوَّابَ فِي النَّازِلَةِ , كَمَا أَحَلُّوا الْمَيْتَةَ بِالضَّرُورَةِ , فَيُقَالُ لَهُمْ: أَفَتَزْعُمُونَ أَنَّ الَّذِيَ ذَكَرْنَا رِوَايَتَكُمْ عَنْهُمْ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فِيمَا أَجَابُوا فِيهِ مِمَّا لَمْ يَكُنْ وَتَعَرُّضَهُمْ جَوَابَ مَا لَمْ يَسْأَلُوا عَنْهُ قَدْ صَارُوا بِذَلِكَ فِي مَعْنًى مِنْ أَكْلِ الْمَيْتَةِ عَلَى غَيْرِ ضَرُورَةٍ؟ وَيُقَالُ لَهُمْ: مَا يُشْبِهُ خَوْفَ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ الْمَوْتَ , فَأَمَرَ بِإِحْيَائِهَا مِنْ أَكْلِ الْمَيْتَةِ مِنَ الْمُجِيبِ , إِلَّا مِمَّا حَلَّ لِصَاحِبِ الْمَسْأَلَةِ , وَلَوْ كَانَ هَذَا التَّشْبِيهُ لَكَانَ إِذَا حَلَّ بِرَجُلٍ ضَرُورَةٌ حَلَّ لِغَيْرِهِ أَكْلُ الْمَيْتَةِ , كَمَا إِذَا حَلَّتْ بِرَجُلٍ مَسْأَلَةٌ , حَلَّ لِغَيْرِهِ جَوَّابُ الْمَسْأَلَةِ , وَكَانَ أَوْلَى التَّشْبِيهَيْنِ , إِنْ جَازَ أَنْ يُقَاسَ عَلَى الْمَيْتَةِ أَنْ يَكُونَ الْجَاهِلُ الْمَنْزُولُ بِهِ الْمَسْأَلَةَ أَحَقَّ بِالْجَوَابِ الَّذِي يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ مَكْرُوهَ الْمَسْأَلَةِ , كَمَا كَانَ بِضَرُورَةِ الْمَضْرُورِ تَحِلُّ لَهُ الْمَيْتَةُ , يَدْفَعُ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ مَكْرُوهَ الضَّرُورَةِ ,

стр. 788

قَالَ الْمُزَنِيُّ: وَإِنْ قَالُوا أَوْ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا زَعَمْنَا أَنَّ الْمَسْأَلَةَ إِذَا نَزَلَتْ فَسُئِلَ عَنْهَا الْعَالِمُ كَانَ كَالْمُضْطَرِّ , فَعَلَيْهِ أَنْ يُجِيبَ كَمَا كَانَ عَلَى الْمُضْطَرِّ أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ قِيلَ لَهُمْ: فَرِوَايتُكُمْ عَنْ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا سُئِلُوا رَدُّ الْمَسْأَلَةِ هَذَا إِلَى هَذَا حَتَّى تَدُورَ الْمَسْأَلَةُ فَتَرْجِعَ إِلَى الْأَوَّلِ تُوجِبُ فِي قَوْلِكِمْ أَنَّهُمْ تَرَكُوا مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ , لِأَنَّ عَلَى الْمُضْطَرِّ فَرْضًا أَنْ يُحْيِيَ نَفْسَهُ بِالْمَيْتَةِ , وَلَا يَقْتُلُهَا بِتَرْكِ أَكْلِ الْمَيْتَةِ , قَدْ تَرَكَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا فُرِضَ عَلَيْهِمْ فِي مَعْنَى قَوْلِكِمْ وَيُقَالُ لَهُمْ: أَلَيْسَ إِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ جَوَابُ الْمَنْزُولِ بِهِ لِيَدْفَعَ بِهِ جَهْلَهُ , وَلِيَعْلَمَ بِالْجَوَابِ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِ وَحَلَّ لَهُ؟ فَإِذَا قَالَ: نَعَمْ , قِيلَ لَهُ: فَقَدْ رَجَعَتِ الْمَسْأَلَةُ إِلَى أَنَّ الضَّرُورَةَ بِغَيْرِهِ أَوْجَبَتِ الْجَوَابَ عَلَيْهِ , فَكَذَلِكَ لِضَرُورَةِ الْمُضْطَرِّ بِغَيْرِهِ يَجِبُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ عَلَيْهِ , وَإِلَّا فَهُمَا مُفْتَرِقَانِ لَا يُشْبِهُ الْجَوَابُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَيْتَةَ , وَيُقَالُ لَهُ: أَلَيْسَ إِذَا نَزَلَتِ الْمَسْأَلَةُ فَسُئِلَ عَنْهَا الْعَالِمُ حَلَّ لَهُ الْجَوَابُ بِالسُّؤَالِ , كَمَا إِذَا نَزَلَتْ بِهِ ضَرُورَةٌ حَلَّ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ بِالِاضْطِرَارِ؟ فَإِذَا قَالَ: بَلَى , قِيلَ: وَكَذَلِكَ إِذَا ارْتَفَعَ السُّؤَالُ رَجَعَ الْجَوَابُ حَرَامًا كَمَا إِذَا ارْتَفَعَ الِاضْطِرَارُ رَجَعَتِ الْمَيْتَةُ حَرَامًا , فَإِذَا قَالُوا: نَعَمْ , قِيلَ لَهُمْ: فَلِمَ سَأَلْتُمْ عَنْ جَوَابِ الْمَاضِينَ وَمَلَأْتُمْ مِنْهَا الْكُتُبَ , وَهِيَ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ , وَإِنَّمَا حَلَّتْ لِلْعَالِمِ بِالسُّؤَالِ , ثُمَّ حُرِّمَتْ بِارْتِفَاعِ السُّؤَالِ كَمَا حَلَّتْ لِلْمُضْطَرِّينَ الْمَيْتَةَ بِالِاضْطِرَارِ , ثُمَّ حُرِّمَتْ

стр. 789

بِارْتِفَاعِ الِاضْطِرَارِ؟ فَإِنْ قَالُوا: لِأَنَّ ذَلِكَ السُّؤَالَ وَالْجَوَابَ قَدْ كَانَ , قِيلَ: وَكَذَلِكَ الِاضْطِرَارُ وَأَكْلُ الْمَيْتَةِ بِالِاضْطِرَارِ قَدْ كَانَ , فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ , إِنْ كَانَ لِجَوَابٍ عِنْدَكُمْ نَظِيرًا لِلْمَيْتَةِ؟ فَإِنْ قَالُوا: إِنَّمَا ذَلِكَ حِكَايَةٌ , وَلَيْسَتْ سُؤَالًا وَلَا جَوَابًا , قِيلَ لَهُمْ: فَلَا مَعْنَى فِيمَا رَوَيْتُمْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ , فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ , أَقَامُوا الْحِكَايَةَ مَقَامَ الْجَوَابِ , وَلَزِمَهُمْ تَحْرِيمُ السُّؤَالِ وَالْجَوَابُ عَمَّا لَمْ يَكُنْ , وَهُوَ نَقْصُ قَوْلِهِمْ , وَإِنْ قَالُوا: لَا مَعْنَى أَكْثَرَ مِنَ الْحِكَايَةِ , قِيلَ: فَلَا فَرْقَ بَيْنَ حِكَايَةِ مَا لَا يَضُرُّ وَمَا لَا يَنْفَعُ , وَبَيْنَ مَا حَكَيْتُمْ مِنْ جَوَابَاتِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَمَا مَعْنَى مَا رَوَى الْفُقَهَاءُ وَالْعُلَمَاءُ عَنِ السَّابِقِينَ ثُمَّ عَنِ التَّابِعِينَ وَإِقْتِدَائِهِمْ بِجَوَابَانِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيُقَالُ لَهُمْ: أَرَأَيْتُمْ مَجُوسِيًّا أَتَاكُمْ مِنْ بَلَدِهِ , رَاغِبًا فِي الْإِسْلَامِ , مُحِبًّا لِمُحَمَّدٍ ﷺ , فَقَالَ: عَلِّمُونِي الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ , فَعَلَّمْتُمُوهُ إِيَّاهُ فَدَخَلَ فِيهِ , ثُمَّ قَالَ: إِنِّي رَاجِعٌ إِلَى بَلَدِي فَمَا عَلَيْنَا مِنَ الطَّهَارَةِ , لِأَكُونَ مِنْهَا عَلَى عِلْمٍ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟ وَمَا الَّذِي يُوجِبُ الْغُسْلَ وَيَنْقُضُ الطُّهُورَ؟ وَمَا الصَّلَاةُ وَمَا الَّذِي يُفْسِدُهَا؟ وَمَا حُكْمُ الزِّيَادَةِ فِيهَا وَالنُّقْصَانِ مِنْهَا وَالسَّهْوِ فِيهَا؟ وَمَا فِي عَشْرَةِ دَنَانِيرَ وَمِائَةِ دِرْهَمٍ مِنَ الزَّكَاةِ؟ وَمَا الصَّوْمُ؟ وَمَا حُكْمُ الْأَكْلِ فِيهِ عَامِدًا أَوْ سَاهِيًا؟ وَمَا عَلَى مَنْ كَانَ مِنَّا مَرِيضًا أَوْ كَبِيرًا أَوْ ضَعِيفًا؟ وَهَلْ بَأْسٌ بِدِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ؟ وَمَا فِيهِ الْقِصَاصُ مِنَ الدِّمَاءِ وَالْجِرَاحِ , وَحُكْمُ الْخَطَأِ؟ وَهَلْ فِي ذَلِكَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ

стр. 790

سَوَاءٌ؟ فَإِنِّي رَاجِعٌ إِلَى بَلَدِي وَأَهِلِّي وَعَشِيرَتِي , يَنْتَظِرُونَ بِإِسْلَامِهِمْ رُجُوعِي , فَأَكُونُ وَيَكُونُونَ مِنْ دِينِنَا عَلَى عِلْمٍ فَنَعْمَلُ بِذَلِكَ وَنَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ , تُؤْجَرُونَ عَلَيْهِ , وَذَلِكَ كُلُّهُ عِنْدَكُمْ وَاضِحٌ لَا تَشُكُّونَ فِيهِ أَيَجُوزُ أَنْ يُعْلِمُوهُ ذَلِكَ؟ أَمْ تَقُولُونَ: لَا نُخْبِرُكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِكَ نَازِلَةٌ , فَتَكْسِرُونَ بِذَلِكَ نَشَاطَهُ , وَتُخَبِّثُونَ نَفْسَهُ عَلَى حَدِيثِ عَهْدِهِ بِكُفْرِهِ , وَتَدْعُونَهُ عَلَى جَهْلِهِ؟ أَمْ تَغْتَنِمُونَ رَغْبَتَهُ فِي الْإِسْلَامِ , وَإِسْلَامَ مَنْ يَنْتَظِرُهُ , وَتَعْلِيمَ الْجُهَّالِ مَا يُحْسِنُونَهُ مِنَ الْعِلْمِ , وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ , جِيئَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلْجَمًا بِلِجَامٍ مِنَ النَّارِ فَإِنْ قَالُوا: نُعَلِّمُهُ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِهِ: تَرَكُوا قَوْلَهُ , لِأَنَّ بَعْضَ ذَلِكَ أَصْلٌ , وَبَعْضَهُ قِيَاسٌ , وَإِنْ قَالُوا: نُعَلِّمُهُ بَعْضًا , وَإِنْ لَمْ يَنْزِلْ , وَنَتْرُكُ بَعْضًا حَتَّى يَنْزِلَ , قِيلَ: فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ , وَكُلِّ ذَلِكَ دِينٌ؟ فَانْظُرُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ عَلَى مَا فِي أَحَادِيثِكُمُ الَّتِي جَمَعْتُمُوهَا، وَاطْلُبُوا الْعِلْمَ عِنْدَ أَهْلِ الْفِقْهِ تَكُونُوا فُقَهَاءَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ "

стр. 791

ذِكْرُ مَا لَا بُدَّ لِلْمُتَجَادِلَيْنِ مِنْ مَعْرِفَتِهِ

стр. 792

أنا أَبُو طَالِبٍ: عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَقِيهُ , أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَلِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو ذَرٍّ: الْخَضِرُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرِيُّ , قَالَ: قَالَ أَبِي: أَبُو الْعَبَّاسِ: أَحْمَدُ بْنُ أَبِي أَحْمَدَ , الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْقَاصِّ: " الْأُصُولُ سَبْعَةُ: الْحِسُّ , وَالْعَقْلُ , وَمَعْرِفَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ , وَالْإِجْمَاعُ , وَاللُّغَةُ , وَالْعِبْرَةُ , فَلَا بُدَّ لِلْمُتَنَاظِرَيْنِ مِنْ مَعْرِفَةِ جُمَلِ ذَلِكَ , فَالْحَوَاسُّ خَمْسَةُ: السَّمْعُ , وَالْبَصَرُ , وَالشَّمُّ , وَالذَّوْقُ , وَاللَّمْسُ وَالْعَقْلُ: عَلَى ضَرْبَيْنِ: فَغَرِيزِيٌّ , وَمُسْتَجْلَبٌ، وَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى حَرْفَيْنِ , فَمُجْمَلٌ وَمُفَسَّرٌ، وَطَرِيقُ السُّنَّةِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: فَمُتَوَاتِرٌ وَآحَادٌ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: فَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ , وَإِجْمَاعُ الْحُجَّةِ، وَاللُّغَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: فَمَجَازٌ , وَحَقِيقَةٌ، وَالْعِبْرَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ، فَأَحَدُهُمَا: فِي مَعْنَى الْأَصْلِ لَا يُعْذَرُ عَالِمٌ

стр. 793

بِجَهْلِهِ , وَالثَّانِي: ذَاتُ وُجُوهٍ وَشُعَبٍ، فَمَنْ أَنْكَرَ بَيِّنَةَ الْحِسِّ , أَنْكَرَ نَفْسَهُ , وَمَنْ أَنْكَرَ الْعَقْلَ أَنْكَرَ صَانِعَهُ , وَمَنْ أَنْكَرَ عُمُومَ الْقُرْآنِ أَنْكَرَ حِكْمَتَهُ , وَمَنْ أَنْكَرَ خَبَرَ الْآحَادِ أَنْكَرَ الشَّرِيعَةَ , وَمَنْ أَنْكَرَ إِجْمَاعَ الْأُمَّةِ أَنْكَرَ نَبِيَّهُ , وَمَنْ أَنْكَرَ اللُّغَةَ أُسْقِطَتْ مُحَاوَرَتُهُ , لِأَنَّ اللُّغَاتِ لِلْمُسَمَيَّاتِ سِمَاتٌ , وَمَنْ أَنْكَرَ الْعَبْرَةَ أَنْكَرَ أَبَاهُ وَأُمَّهُ " قُلْتُ: أَمَا الْحِسُّ: فَيُدْرَكُ بِهِ الْعِلْمُ الْوَاقِعُ عَنِ الْحَوَاسِ , وَهُوَ عِلْمٌ ضَرُورِيٌّ غَيْرُ مُكْتَسِبٍ , لِأَنَّ دُخُولَ الشَّكِّ عَلَيْهِ غَيْرُ جَائِزٍ , وَأَمَّا الْعَقْلُ: فَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ مَحَلُّهُ الْقَلْبُ , وَقِيلَ: إِنَّهُ نُورٌ وَبَصِيرَةٌ , مَنْزِلَتُهُ مِنَ الْقُلُوبِ مَنْزِلَةُ الْبَصَرِ مِنَ الْعُيُونِ , وَقِيلَ: هُوَ قُوَّةٌ يُفْصَلُ بِهَا بَيْنَ حَقَائِقِ الْمَعْلُومَاتِ , وَقِيلَ: هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي يَمْتَنِعُ بِهِ مِنْ فِعْلِ الْقَبِيحِ , وَقِيلَ: هُوَ مَا حَسُنَ مَعَهُ التَّكْلِيفُ , وَالْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْعِبَارَاتِ كُلِّهِ مُتَقَارِبٌ

стр. 794

أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقَوَيْهِ , أنا أَبُو مُحَمَّدٍ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ الْخُلْدِيُّ وأنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يُوسُفَ الصَّيَّادُ , وأَبُو طَاهِرٍ عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمُؤَدِّبُ , قَالَا: أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ⦗٣٨⦘ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ الْجَوْهَرِيُّ وأنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مَالِكٍ الْإِسْكَافِيُّ قَالُوا: أنا الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ التَّمِيمِيُّ , نا دَاوُدُ بْنُ الْمُحَبَّرِ , حَدَّثَنَا غِيَاثُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ لُوطٍ الْأَنْصَارِيٍّ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدِّهِ , عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ , قَالَ: كَثُرَتِ الْمَسَائِلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ , فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ لِكُلِّ سَبِيلٍ مَطِيَّةً وَثِيقَةً , وَمَحَجَّةً وَاضِحَةً , وَأَوْثَقُ النَّاسِ مَطِيَّةً , وَأَحْسَنُهُمْ دَلَالَةً وَمَعْرِفَةً بِالْحُجَّةِ الْوَاضِحَةِ , أَفْضَلُهُمْ عَقْلًا»

стр. 795

أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلِ , أنا الْحُسَيْنُ بْنُ صَفْوَانَ الْبَرْذَعِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا , قَالَ: قَالَ ⦗٣٩⦘ بَعْضَ الْحُكَمَاءِ: " إِذَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ نُورُ الْحِكْمَةِ: رَدَّهُ الْقَلْبُ إِلَى الْعَقْلِ , فَيَرُدُّهُ الْعَقْلُ إِلَى الْمَعْرِفَةِ , فَتُبَصِّرُهُ الْمَعْرِفَةُ الْمَنْفَعَةَ مِنَ الْمَضَرَّةِ "

стр. 796

أنا الْقَاضِي أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْبَجَلِيُّ , نَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْفَيَّاضِ , نَا أَبُو طَلْحَةَ: أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْوَسَاوِسِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خُبَيْقٍ , نَا يُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ , قَالَ: «الْعَقْلُ سِرَاجُ مَا بَطَنَ , وَمِلَاكُ مَا عَلَنَ , وَسَائِسُ الْجَسَدِ , وَزِينَةُ كُلِّ أَحَدٍ , وَلَا تَصْلُحُ الْحَيَاةُ إِلَّا بِهِ , وَلَا تَدُورُ الْأُمُورُ إِلَّا عَلَيْهِ»

стр. 797

أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْفَوَارِسِ الْحَافِظُ , أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ , نَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدِّمَشْقِيُّ , قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزُّ: «الْعَقْلُ كَشَجَرَةٍ , أَصْلُهَا غَرِيزَةٌ , وَفَرْعُهَا تَجْرِبَةٌ , وَثَمَرُهَا حَمْدُ الْعَاقِبَةِ , وَالِاخْتِيَارُ يَدُلُّ عَلَى الْعَقْلِ , كَمَا يَدُلُّ تَوْرِيقُ الشَّجَرَةِ عَلَى حُسْنِهَا , وَمَا أَبْيَنَ وُجُوهُ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فِي مَرْآةِ الْعَقْلِ , إِنْ لَمْ يَصُدَّهَا الْهَوَى»

стр. 798

أنا الْجَوْهَرِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ الْمَرْزَبَانِيُّ , نا أَحْمَدُ ⦗٤٠⦘ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْمَكِّيُّ , قَالَ: أَنْشَدَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ خَلَّادٍ: «الْعَقْلُ رَأْسُ خِصَالِهِ وَالْعَقْلُ يَجْمَعُ كُلَّ خَيْرٍ وَالْعَقْلُ يَجْلِبُ فَضْلَهُ وَالْعَقْلُ يَدْفَعُ كُلَّ ضَيْرٍ وَأَمَّا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ فَهُمَا الْأَصْلَانِ اللَّذَانِ يُقَدَّمُ الِاحْتِجَاجُ بِهِمَا فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ عَلَى مَا سِوَاهُمَا , وَيَتْلُوهُمَا الْإِجْمَاعُ , وَلَيْسَ يَعْرِفُهُ إِلَّا مَنْ عَرَفَ الِاخْتِلَافَ»

стр. 799

أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ , حَدَّثَنِي أَبِي , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الشَّطَوِيُّ , نا عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ , نا رَوَّادُ بْنُ الْجَرَّاحِ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ , عَنْ قَتَادَةَ , قَالَ: «مَنْ لَمْ يَعْرِفِ الِاخْتِلَافَ لَمْ يَشُمَّ أَنْفُهُ الْفِقْهَ»

стр. 800

أنا أَبُو بَكْرٍ الْبُرْقَانِيُّ , قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى إِسْحَاقَ النِّعَالِيِّ , حَدَّثَكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَدَائِنِيُّ , نا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ , قَالَ: سَمِعْتُ قَبِيصَةَ , يَقُولُ: «لَا يُفْلِحُ مَنْ لَا يَعْرِفُ اخْتِلَافَ النَّاسِ»

стр. 801

كَتَبَ إِلَيَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ , ونا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْقَطَّانُ النَّيْسَابُورِيُّ , عَنْهُ , قَالَ أنا أَبُو الْمَيْمُونِ بْنُ رَاشِدٍ الْبَجَلِيُّ , أنا أَبُو زُرْعَةَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو , حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ذَكْوَانَ , نا بَقِيَّةُ , قَالَ: سَمِعْتُ الْأَوْزَاعِيَّ , يَقُولُ: «تَعَلَّمْ مَا لَا يُؤْخَذُ بِهِ , كَمَا تَتَعَلَّمْ مَا يُؤْخَذُ بِهِ , وَأَمَّا اللُّغَةُ فَبَابُهَا وَاسِعٌ , وَنَزَلَ الْقُرْآنُ بِلُغَةِ الْعَرَبِ , لِأَنَّهَا أَوْسَعُ اللُّغَاتِ وَأَفْصَحُهَا , وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى آيَاتٌ مَخْرَجُهَا أَمْرٌ وَمَعَانِيهَا وُجُوهٌ مُتَغَايِرَةٌ , فَمِنْهَا تَهْدُدٌ , وَمِنْهَا إِعْجَازٌ , وَمِنْهَا إِيجَابٌ وَمِنْهَا إِرْشَادٌ , وَمِنْهَا إِطْلَاقٌ وَلَا تُدْرَكُ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ إِلَّا مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ»

стр. 802

أنا الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ: أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَيُّوبَ الْعُكْبَرِيُّ إِجَازَةً , أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي غَسَّانَ الْبَصْرِيُّ , نا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى السَّاجِيُّ , وأنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْقُرَشِيُّ , قِرَاءَةً , أنا عَيَّاشُ بْنُ الْحَسَنِ الْبُنْدَارُ , نَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الزَّعْفَرَانِيُّ , قَالَ: أَخْبَرَنِي زَكَرِيَّا السَّاجِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ بِنْتِ الشَّافِعِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: أَقَامَ الشَّافِعِيُّ عِلْمَ الْعَرَبِيَّةِ وَأَيَّامَ النَّاسِ عِشْرِينَ سَنَةً , فَقُلْنَا لَهُ فِي هَذَا , فَقَالَ: «مَا أَرَدْتُ بِهَذَا إِلَّا الِاسْتِعَانَةَ لِلْفِقْهِ»

стр. 803

أنا أَبُو الْحُسَيْنِ: مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُظَفَّرِ الدَّقَّاقُ , أنا

стр. 804

الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْقَرَضِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الدَّقَّاقِ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُمَرَ: مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْوَاحِدِ الزَّاهِدَ , يَقُولُ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيَّ , يَقُولُ: " مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْفِقْهِ بِغَيْرِ لُغَةٍ تَكَلَّمَ بِلِسَانٍ قَصِيرٍ وَأَمَّا الْعَبْرَةُ الَّتِي فِي مَعْنَى الْأَصْلِ , فَهِيَ نَحْوُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] فَكَانَ مَا هُوَ أَضَرُّ مِنْهُ حَرَامًا , اعْتِبَارًا بِهِ , وَهَذَا وَنَحْوُهُ لَمْ يَتَنَازَعِ النَّاسُ فِيهِ , وَلَا يُعْذَرْ أَحَدٌ بِجَهْلِهِ وَالضَّرْبُ الثَّانِي مِنَ الْعَبْرَةِ: هُوَ الْمَعَانِي الْمُتَشَعِّبَةُ الَّتِي تُدْرَكُ بِدَقِيقِ النَّظَرِ , وَقِيَاسِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ , وَحُكْمِ الْغَائِبَاتِ يُعْلَمُ بِالِاسْتِدْلَالِ بِالْمُشَاهَدَاتِ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجْلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى , وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥] فَأَقَامَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ حُجَّتَهُ عَلَى الْمُنْكِرِينَ رُبُوبِيَّتِهُ الدَّافِعِينَ قُدْرَتِهُ عَلَى إِحْيَاءِ الْأَمْوَاتِ وَبَعْثِ الْأَنَامِ , بِمَا تَلَوْنَا , لِيَعْتَبِرُوا أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى إِنْشَاءِ الْمَعْدُومِ , وَنَقْلِهِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ , وَإِعْدَامِهِ بَعْدَ الْوُجُودِ , وَمُحْيِيَ الْأَرْضِ الْهَامِدَةَ , قَادِرٌ عَلَى إِحْيَاءِ النُّفُوسِ , فَقَالَ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ , وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا

стр. 805

رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٧] ثُمَّ عَرَّى مِنَ الْعِلْمِ الدَّافِعِ لِمَا وَصَفْنَا مِنَ الْعِبْرَةِ , وَضَلَّلَهُ وَأَوْعَدَهُ , فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنِ النَّاسَ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ , ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج: ٨] فَيَجِبُ عَلَى مَنْ كَمُلَتْ فِيهِ الْمَعْرِفَةُ بِهَذِهِ الْأُصُولِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا وَأَرَادَ الْمُنَاظَرَةَ , أَنْ يَكُونَ نَظَرُهُ فِي دَلِيلٍ , لَا فِي شُبْهَةٍ , وَيَسْتَوْفِي شُرُوطَ الدَّلِيلِ , وَيُرَتِّبُهُ عَلَى حَقِّهِ , فَإِنَّ حُجَّتَهُ تُفْلِحُ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَوْفِيقِهِ

стр. 806

ذِكْرُ الدَّلِيلِ وَمَعْنَاهُ

стр. 807

أنا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ , نا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَيُّوبَ الطَّبَرَانِيُّ , نا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى , قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ , ﵀ يَقُولُ: " أُصُولُ الْإِيمَانِ ثَلَاثَةٌ: دَالٌ , وَدَلِيلٌ , وَمُسْتَدِلٌّ: فَالدَّالُ اللَّهُ وَالدَّلِيلُ الْقُرْآنُ وَالْمُسْتَدِلُّ الْمُؤْمِنُ , فَمَنْ طَعَنَ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى كِتَابِهِ وَعَلَى رَسُولِهِ , فَقَدْ كَفَرَ " سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ الْفَيْرُوزَآبَادِيَّ يَقُولُ: الدَّلِيلُ: هُوَ الْمُرْشِدُ إِلَى الْمَطْلُوبِ , وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ , بَيْنَ مَا يُقْطَعُ بِهِ مِنَ الْأَحْكَامِ وَبَيْنَ مَا لَا يُقْطَعُ بِهِ أَمَّا الدَّالُّ: فَهُوَ النَّاصِبُ لِلدَّلِيلِ , وَهُوَ اللَّهُ , وَقِيلَ هُوَ وَالدَّلِيلُ وَاحِدٌ , كَالْعِلْمِ وَالْعَلِيمِ , وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَبْلَغ، وَالْمُسْتَدِلُّ هُوَ: الطَّالِبُ لِلدَّلِيلِ , وَيَقَعُ ذَلِكَ عَلَى السَّائِلِ , لِأَنَّهُ يَطْلُبُ الدَّلِيلَ مِنَ الْمَسْئُولِ , لِأَنَّهُ يَطْلُبُ الدَّلِيلَ مِنَ الْأُصُولِ، وَالْمُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ هُوَ: الْحُكْمُ الَّذِي هُوَ التَّحْلِيلُ وَالتَّحْرِيمُ، وَالْمُسْتَدَلُّ لَهُ: يَقَعُ عَلَى الْحُكْمِ , لِأَنَّهُ الدَّلِيلُ يُطْلَبُ لَهُ , وَيَقَعُ

стр. 808

عَلَى السَّائِلِ , لِأَنَّ الدَّلِيلَ يُطْلَبُ لَهُ وَالِاسْتِدْلَالُ هُوَ: طَلَبُ الدَّلِيلِ , وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنَ السَّائِلِ لِلْمَسْئُولِ , وَقَدْ يَكُونُ مِنَ الْمَسْئُولِ فِي الْأُصُولِ، قُلْتُ: وَالْفُقَهَاءُ يُسَمُّونَ أَخْبَارَ الْآحَادِ دَلَائِلَ , وَالْقِيَاسُ كُلَّمَا أَدَّى إِلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ سَمُّوهُ حُجَّةً وَدَلِيلًا , وَالْمُحَقِّقُونَ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَأَهْلِ النَّظَرِ يُعِيبُونَهُمْ فِي ذَلِكَ وَيَقُولُونَ: الْحُجَّةُ وَالدَّلِيلُ مَا أَكْسَبَ الْمُحْتَجَّ وَالْمُسْتَدِلَّ عِلْمًا بِالْمَدْلُولِ عَلَيْهِ وَأَفْضَى إِلَى يَقِينٍ , فَأَمَّا مَا يُفْضِي إِلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ , فَلَيْسَ بِدَلِيلٍ فِي الْحَقِيقَةِ , وَإِنَّمَا هُوَ أَمَارَةٌ، قُلْتُ: وَمَا غَلَطَ الْفُقَهَاءُ وَلَا الْمُتَكَلِّمُونَ , أَمَّا الْمُتَكَلِّمُونَ: فَقَدْ حَكَوَا الْحَقِيقَةَ فِي الدَّلِيلِ وَالْحُجَّةِ , وَأَمَّا الْفُقَهَاءُ: فَسَمُّوا مَا كُلِّفُوا الْمَصِيرَ إِلَيْهِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ وَبِالْقِيَاسِ وَغَيْرِهِ , مِمَّا لَا يَكْسِبُ عِلْمًا , وَإِنَّمَا يُفْضِي إِلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ دَلِيلًا , لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ عَلَيْهِمُ الْحُكْمِ بِمَا أَدَّى إِلَيْهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ , فَسَمَّوْهُ حُجَّةً وَدَلِيلًا لِلْانْقِيَادِ بِحُكْمِ الشَّرْعِ إِلَى مُوجِبِهِ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّمَا سَمُّوا مَا أَفْضَى إِلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ دَلِيلًا وَحُجَّةً فِي أَعْيَانِ الْمَسَائِلِ , لِأَنَّهُ فِي الْجُمْلَةِ مَعْلُومٌ أَعْنِي أَخْبَارَ الْآحَادِ وَالْقِيَاسِ , وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ أَعْيَانُ الْمَسَائِلِ , فَأَمَّا الْأَصْلُ فَإِنَّهُ مُتَيَقَّنٌ مَقْطُوعٌ بِهِ , وَقَدْ وَرَدَ الْقُرْآنُ بِتَسْمِيَةِ مَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي الْحَقِيقَةٍ حُجَّةً , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةً بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةً إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] فَأَمَّا الْآيَةَ الْأُولَى فَإِنَّ تَقْدِيرَهَا: بَعَثْتُ الرُّسُلَ , وَأَزَحْتُ الْعِلَلَ , حَتَّى لَا يَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ , وَلَا يَقُولُوا: لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا , فَأَزَاحَ اللَّهُ الْعِلَلَ بِالرُّسُلِ , حَتَّى لَا يَكُونَ لَهُمْ حُجَّةٌ فِيمَا ارْتَكَبُوهُ مِنَ الْمُخَالَفَةِ , وَيَجِبُ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوِ ابْتَدَأَ الْخَلْقَ بِالْعَذَابِ لَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنِ الْحِكْمَةِ , وَلَا كَانَتْ عَلَيْهِ حُجَّةٌ وَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ , لِأَنَّهُ قِسْمٌ مِنْ أَقْسَامِ التَّصَرُّفِ فِي مُلْكِهِ , فَبَانَ أَنَّ مَا يَقُولُونَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ , إِذْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِ عَذَابِهِ , وَإِنَّمَا سَمَّاهُ حُجَّةً؛ لِأَنَّهُ يَصْدُرُ مِنْ قَائِلِهِ مَصْدَرِ الْحِجَاجِ وَالِاسْتِدْلَالِ , وَأَمَّا الْآيَةُ الْأُخْرَى فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ , وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَوْ لَمْ يَعْلَمْ مُحَمَّدٌ أَنَّ دِينَنَا حَقٌّ مَا صَلَّى إِلَى بَيْتِ الْمُقَدَّسِ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ [البقرة: ١٥٠] يَعْنِي الْيَهُودَ فِي قَوْلِهِمْ هَذَا , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةٌ فِي الْحَقِيقَةِ , وَلَيْسَ تَفَرُّقُ الْعَرَبِ بَيْنَ مَا يُؤَدِّي إِلَى الْعِلْمِ أَوِ الظَّنِّ أَنْ تُسَمِّيَهُ حُجَّةً وَدَلِيلًا وَبُرْهَانًا

стр. 809

أنا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ دُومَا النِّعَالِيُّ , أنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الذَّارِعُ بِالنَّهْرَوَانِ , قَالَ: سُئِلَ ثَعْلَبٌ وَأَنَا أَسْمَعُ عَنِ الْبُرْهَانِ , فَقَالَ: " الْحُجَّةُ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] أَيْ حُجَّتَكُمْ "

стр. 810

بَابُ أَدَبِ الْجِدَالِ يَنْبَغِي لِلْمُجَادِلِ , أَنْ يُقَدِّمَ عَلَى جِدَالِهِ تَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى , لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] وَلِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]
следующие страницы →