Полный текст (52 стр.). Показаны 36–52 · переход к 41.
стр. 36
عَمَلِي هَذَا، وَلَوْ عَمِلْتُ سَفِينَةً وَاسْتَقبَلْتُ تِجَارَةَ الْبَحْرِ رَجَوْتُ أَنْ أَتَمَوَّلَ، فَهُوَ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِ الْقَدُومِ. فَلَمَّا عَرَضَ ذَلِكَ مِنْ رَأْيِهِ عَلَى أَبِيهِ قَالَ: يَا بُنَيَّ، لَا تَفْعَلْ، فَإِنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُنَجِّمِينَ أَخْبَرَنِي أَيَّامَ وُلِدْتَ أَنَّكَ تَمُوتُ غَرَقًا. قَالَ: فَمَا أَخْبَرَكَ أَنِّي أُصِيبُ مَالًا؟ قَالَ: بَلَى، وَلِذَلِكَ نَهَيْتُكَ عَنِ التِّجَارَةِ وَالْتَمَسْتُ لَكَ عَمَلًا تَعِيشُ فِيهِ يَوْمًا بِيَوْمٍ. قَالَ: أَمَّا إِذَا كَانَ فِي قَوْلِهِ أَنِّي أُصِيبُ مَالًا فَوَاللَّهِ مَا جُلُّ إِصَابَةِ الْمَالِ إِلَّا فِي التِّجَارَةِ فِي الْبَحْرِ. قَالَ: يَا بُنَيَّ، لَا تَفْعَلْ، فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ الْهَلَاكَ. قَالَ: أَلَيْسَ يَكُونُ لِي مَالٌ، إِنْ عِشْتُ عِشْتُ بِخَيْرٍ، وَإِنْ مُتُّ تَرَكْتُ أَوْلَادِي بِخَيْرٍ؟ قَالَ: يَا بُنَيَّ، لَا يَكُونَنَّ وَلَدُكَ آثَرَ عِنْدَكَ مِنْ نَفْسِكَ. قَالَ: لَا وَاللَّهِ، مَا أَنَا بِنَازِعٍ عَنْ رَأْيِي. فَعَمِلَ سَفِينَةً وَأَجَادَ عَمَلَهَا، ثُمَّ حَمَّلَهَا مِنْ صُنُوفِ التِّجَارَاتِ، ثُمَّ رَكِبَ فِيهَا، فَغَابَ عَنْ أَهْلِهِ سَنَةً، ثُمَّ قَدِمَ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ بِقِيمَةِ مِائَةِ قِنْطَارٍ ذَهَبٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَالِدُهُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَكَرِهَ لَهُ مَا أَصَابَ مِنَ الْمَالِ، فَقَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ، إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ لِلَّهِ إِنْ رَدَّكَ اللَّهُ سَالِمًا أَنْ أُحَرِّقَ سَفِينَتَكَ. قَالَ: يَا أَبَهْ، لَقَدْ أَرَدْتَ هَلَاكِي وَخَرَابَ بَيْتِي. قَالَ: يَا بُنَيَّ، إِنَّمَا أَرَدْتُ بِذَلِكَ حَيَاتَكَ، وَقِوَامَ بَيْتِكَ، وَأَنَا أَعْلَمُ بِالْأُمُورِ مِنْكَ، وَأَرَاكَ قَدْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْكَ، فَأَقْبِلْ عَلَى الْعَمَلِ بِرِضْوَانِ اللَّهِ تَعَالَى وَالشُّكْرِ لَهُ، فَإِنَّكَ قَدْ أَصَبْتَ غِنَى الدَّهْرِ، وَأَمِنْتَ بِإِذْنِ اللَّهِ مِنَ الْفَقْرِ، وَإِنَّمَا أَرَدْتُ بِمَا جَعَلْتُ عَلَيَّ السَّلَامَةَ لِبَدَنِكَ، فَلَا تُفْجِعْنِي يَا بُنَيَّ
стр. 37
بِنَفْسِكَ. قَالَ: أَلَيْسَ الْحَقُّ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنَ الْبَاطِلِ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَمَا أُرِيدُ أَنْ أُقِيمَ إِلَّا أَيَّامًا حَتَّى أَرْجِعَ فَأَجُولَ جَوْلَةً أُصِيبُ فِيهَا أَضْعَافَ مَا قَدْ تَرَى. فَخَرَجَ فَغَابَ سَنَةً وَبَعْضَ أُخْرَى ثُمَّ قَدِمَ بَأَضْعَافِ مَا قَدِمَ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ مِنَ الْأَمْوَالِ، ثُمَّ قَالَ لِأَبِيهِ: كَيْفَ تَرَى؟ لَوْ أَنِّي أَطَعْتُكَ لَمْ أُصِبْ مِنْ هَذَا الْمَالُ شَيْئًا. قَالَ أَبُوهُ: يَا بُنَيَّ، أَرَاكَ تَعْمَلُ لِغَيْرِكَ، وَلَوَدِدْتُ أَنَّ هَذَا صُرِفَ عَنْكَ فِي سَلَامَةِ بَدَنِكَ، وَسَيُجَرِّعُكَ مَا تَرَى غُصَّةً، فَتَتَمَنَّى لَوْ كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ هَذِهِ اللَّذَّةِ جِبَالُ الْمَشْرِقِ. قَالَ: يَا أَبَهْ، إِنَّمَا دَعَاكَ إِلَى هَذَا قَوْلُ الْمُنَجِّمِ، وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أَصَابَ فِي الْغِنَى وَأَخْطَأَ فِي الْغَرَقِ. ثُمَّ أَمَرَ بِصَنْعَةِ سَفِينَةٍ أُخْرَى فَلَمْ يَقُمْ إِلَّا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً حَتَّى أَجْمَعَ أَنْ يَرْكَبَ الْبَحْرَ. فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ يَمْنَعُنِي مِنَ الْإِلْحَاحِ عَلَيْكَ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ إِلَّا مَا قَدْ يَكُونُ مِنْ مَعْصِيَتِكَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى، فَقَدْ رَأَيْتُ أَشْيَاءَ صَدَّقَتْ عِنْدِي قَوْلَ الْمُنَجِّمِ، وَانْسَكَبَتْ عَيْنَاهُ بِالدُّمُوعِ، فَرَّقَ لِذَلِكَ ابْنُهُ. وَقَالَ: يَا أَبَهْ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ، اصْبِرْ لِي مَرَّتَكَ هَذِهِ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ رَدَّنِي اللَّهُ سَالِمًا لَا رَكِبْتُ بَحْرًا مَا عِشْتُ. قَالَ الشَّيْخُ: يَا بُنَيَّ، الْيَوْمَ وَاللَّهِ أَيْقَنْتُ بِفَقْدِكَ، وَاللَّهِ لَا تَرْجِعُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ حَتَّى تَرْجِعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا. ثُمَّ تَلَهَّفَ عَلَيْهِ وَبَكَى إِلَيْهِ، وَنَاشَدَهُ اللَّهَ، فَلَمْ يَسْمَعْ مَقَالَةَ أَبِيهِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ خَرَجَ فِي سِفَينَتَيْنِ قَدْ شَحَنَهُمَا تِجَارَةً، فَلَمَّا تَوَسَّطَ الْبَحْرَ أَصَابَهُ مَوْجٌ شَدِيدٌ، فَأَصَابَتْ إِحْدَى سَفِينَتَيْهِ الْأُخْرَى فَانْصَدَعَتَا فَغَرِقَتَا، فَذَكَرَ التَّاجِرُ وَهُوَ يَسْبَحُ مَقَالَةَ
стр. 38
الْمُنَجِّمِ، وَتَلَهَّفَ عَلَى عِصْيَانِهِ وَالِدَهُ، وَهَلَكَ هُوَ وَجَمِيعُ أَصْحَابِهِ بَعْدَ سِبَاحَةِ يَوْمٍ، فَنَبَذَهُمُ الْبَحْرُ إِلَى السَّاحِلِ مِنْ مَنْزِلِ أَبِيهِ عَلَى مَسِيرَةِ يَوْمَيْنِ، فَلَمْ تَمُرَّ بِهِمْ أَيَّامٌ حَتَّى وَصَلَ إِلَى الشَّيْخِ الْخَبَرُ، فَصَبَرَ وَاحْتَسَبَ، وَنَحِلَ وَكَمِدَ حَتَّى هَلَكَ أَيْضًا، وَقُسِّمَ الْمِيرَاثُ عَلَى امْرَأَةِ التَّاجِرِ، وَابْنِهِ، وَابْنَتِهِ، فَتَزَوَّجَ ابْنُهُ، وَتَزَوَّجَتِ امْرَأَتُهُ وَابْنَتُهُ، فَصَارَ مَا جَمَعَ إِلَى زَوْجِ امْرَأَتِهِ، وَزَوْجِ ابْنَتِهِ، وَامْرَأَةِ ابْنِهِ، وَكُلُّ مَا يَجْمَعُ الْأَشْقِيَاءُ إِلَى ذَلِكَ يَصِيرُ.
стр. 39
قِصَّةُ صَاحِبِ الْحُوتِ وَلَقَدْ عَجِبْتُ لِلْمُدَّخِرِ عَنْ نَفْسِهِ، وَالْمُؤْثِرِ لِغَيْرِهِ، فَوَيْحَكَ، قَابِلْ هُمُومَكَ بِخِفَّةِ الْمَالِ، وَتَبَلَّغْ بِالْكَفَافِ تَبْلُغِ الْمَنْزِلَ، وَادَّخِرِ الْفَضْلَ لِنَفْسِكَ، وَلَا تُؤْثَرْ غَيْرَكَ فَتَلْقَ مَا لَقِيَ صَاحِبُ الْحُوتِ. قَالُوا: وَمَا الَّذِي لَقِيَ صَاحِبُ الْحُوتِ؟ قَالَ أَنْطُونِسُ: زَعَمُوا أَنَّ صَيَّادَ سَمَكٍ أَصَابَ فِي صَيْدِهِ حُوتًا عَظِيمًا سَمِينًا، فَقَالَ: لَيْسَ مِثْلُ هَذَا يُبَاعُ، وَمَا أَحَدٌ أَحَقُّ بِأَكْلِهِ مِنِّي فَانْقَلَبَ بِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُهْدِيَهُ إِلَى جَارٍ لَهُ مِنَ الْحُكَمَاءِ، فَلَمَّا أَتَاهُ بِهِ دَعَا لِلصَّيَّادِ بِعِوَضٍ مِنْهُ، فَأَبَى الصَّيَّادُ أَنْ يَقْبَلَهُ، فَقَالَ لَهُ الْحَكِيمُ: فَمَا دَعَاكَ إِلَى هَذَا، لَعَلَّ لَكَ حَاجَةً تُحِبُّ قَضَاءَهَا؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَحْبَبْتُ أَنْ أُوثِرَكَ بِهِ. قَالَ: قَدْ قِبْلَتُهُ، ثُمَّ أَمَرَ خَادِمًا لَهُ فَقَالَ: اذْهَبْ بِهَذَا الْحُوتِ إِلَى جَارِنَا هَذَا الْمُقْعَدِ الْمِسْكِينِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الصَّيَّادُ ضَرَبَ جَبْهَتَهُ، وَقَالَ: يَا وَيْلَهُ مِمَّا حَرَمَ نَفْسَهُ مِنْ أَكْلِ هَذَا الْحُوتِ، ثُمَّ صَارَ إِلَى أَعْدَى النَّاسِ لَهُ. قَالَ لَهُ
стр. 40
الْحَكِيمُ: إِنَّ هَذِهِ الْأُثْرَةَ الَّتِي آثَرْتُ بِهَا الْمُقْعَدَ إِنَّمَا هِيَ ذَخِيرَةٌ لِي وَضَعْتُهَا عِنْدَهُ لِيَوْمِ فَاقَتِي. قَالَ: وَمَتَى ذَاكَ الْيَوْمُ؟ قَالَ: يَوْمَ يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَى ذَخَائِرِهِمْ فِي الْآخِرَةِ. فَتَعَجَّبَ الصَّيَّادُ لِذَلِكَ وَنَدِمَ.
стр. 41
قِصَّةُ هَلَاكِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ وَلَقَدْ عَجِبْتُ لِهَذَا الشُّغْلِ الَّذِي غَرَّ أَهْلَ الْعَقْلِ وَالْجَهْلِ حَتَّى هَلَكُوا جَمِيعًا بِالرَّجَاءِ وَالطَّمَعِ، كَمَا هَلَكَ الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ. قَالُوا: أَخْبِرْنَا كَيْفَ كَانَ ذَلِكَ؟ . قَالَ أَنْطُونِسُ: اصْطَحَبَ رَجُلَانِ يَهُودِيٌّ وَنَصْرَانِيٌّ إِلَى أَرْضٍ يَبْتَاعَانِ الْجَوْهَرَ، فَسَارَا فِي عُمْرَانٍ مِنَ الْأَرْضِ وَاتِّصَالٍ مِنَ الْمِيَاهِ، حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى بِئْرٍ، وَمِنْ وَرَاءِ تِلْكَ الْبِئْرِ مَفَازَةٌ مَسِيرَتُهَا أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ، وَمَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِرْبَةٌ، فَمَلَأَ الْيَهُودِيُّ قِرْبَتَهُ، وَأَرَادَ النَّصْرَانِيُّ أَنْ يَمْلَأَ قِرْبَتَهُ فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ: تَكْفِينَا قِرْبَتُنَا هَذِهِ، وَلَا تُثْقِلُ دَوَابَّنَا، فَقَالَ لَهُ النَّصْرَانِيُّ: أَنَا أَعْلَمُ بِالطَّرِيقِ. فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ: تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَشْرَبَ الْمَاءَ كُلَّمَا عَطِشْتَ. قَالَ: لَا، فَتَرَكَ النَّصْرَانِيُّ قِرْبَتَهُ فَارِغَةً وَسَارَ مَعَ صَاحِبِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ سَيَحْتَاجُ إِلَى الْمَاءِ، فَلَمَّا تَوَسَّطَا الْمَفَازَةَ أَصَابَهُمَا سَمُومٌ شَدِيدَةٌ أَنْفَدَ مَا كَانَ فِي الْقِرْبَةِ، فَقَعَدَا فِي الطَّرِيقِ يَتَلَاوَمَانِ وَيَقُولُ النَّصْرَانِيُّ لِلْيَهُودِيِّ: مَا أَهْلَكْنَا إِلَّا رَأْيُكَ الْقَبِيحُ، وَمَا صَنَعْتَ ذَلِكَ إِلَّا لِعَدَاوَةِ مَا بَيْنَنَا فِي أَمْرِ الْمَسِيحِ قَالَ الْيَهُودِيُّ: أَتَرَانِي كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أَقْتُلَكَ وَأَقْتُلَ نَفْسِي؟ قَالَ النَّصْرَانِيُّ: أَبْعَدَكَ اللَّهُ كَمَا لَمْ تَرْحَمْنِي. قَالَ الْيَهُودِيُّ: وَيْحَكَ، إِنَّمَا نَهَيْتُكَ عَنْ حَمْلِ الْمَاءِ لِضَعْفِ حِمَارِكَ، وَكَرِهْتُ لَكَ الْمَشْيَ. قَالَ
стр. 42
النَّصْرَانِيُّ: لَعَمْرِي لَلْمَشْيُ كَانَ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنَ الْمَوْتِ، وَمَا فَعَلْتَ هَذَا إِلَّا لِعَدَاوَتِكُمُ الْقَدِيمَةِ، وَإِنَّمَا يَحْزُنُنِي أَنْ نَمُوتَ فَنُدْفَنَ جَمِيعًا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ فَيَمُرَّ بِنَا مِنَ الْقِسِّيسِينَ مِنْ يُصَلِّي عَلَيْنَا. قَالَ الْيَهُودِيُّ: وَيْحَكَ، وَلِمَ يَشُقُّ عَلَيْكَ أَنْ نُدْفَنَ جَمِيعًا وَيُصَلِّيَ مَنْ يُصَلِّي عَلَيْنَا؟ قَالَ النَّصْرَانِيُّ: لِأَنَّكَ قَتَلْتَ نَفْسَكَ وَصَاحِبَكَ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُصَلَّى عَلَيْكَ، فَبَيْنَمَا هِيَ تَخْرُجُ أَنْفُسُهُمَا إِذْ مَرَّ بِهِمَا رَجُلٌ مَاشٍ يَسُوقُ حِمَارًا عَلَيْهِ قِرْبَتَانِ مِنْ مَاءٍ، فَلَمَّا رَأَيَاهُ ابْتَدَرَا فَقَالَا: احْتَسِبْ عَلَيْنَا بِشَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ عَافَاكَ اللَّهُ قَالَ: هَذَا طَرِيقٌ لَيْسَ فِيهِ حِسْبَةٌ. قَالَا لَهُ: أَخْبِرْنَا مَا دِينُكَ؟ قَالَ: دِينِي دِينِكُمَا. قَالَا: فَإِنَّ أَحَدَنَا يَهُودِيٌّ وَالْآخَرَ نَصْرَانِيٌّ. قَالَ: الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ وَالْمُسْلِمُ إِذَا لَمْ يَعْمَلْ بِمَا فِي كِتَابِهِ، وَاتَّكَلَ عَلَى الْغِرَّةِ فِي الرَّجَاءِ وَالطَّمَعِ، لَقِيَ مَا لَقِيتُمَا، وَوَلَّى عَنْهُمَا وَلَمْ يَسْقِهِمَا. فَقَالَا: هَذَا رَجُلٌ حَازِمٌ. فَقَالَ: مَا أَقَلَّ مَا يُغْنِي عَنْكُمَا حَزْمِي، وَعَمَّنْ فَرَّطَ فِي الْأَخْذِ بِالْوَثِيقَةِ، وَاتَّكَلَ عَلَى الرَّجَاءِ وَالطَّمَعِ، وَقَدْ يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَأْخُذَ بِالْحَزْمِ فِي أَمْرِ آخِرَتِهِ، كَمَا يَأْخُذُ بِهِ فِي أَمْرِ دُنْيَاهُ، وَلَا يَتَّكِلَ عَلَى الرَّجَاءِ وَالطَّمَعِ فِي الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ بِغَيْرِ اتِّبَاعٍ لِمَا أُمِرَ بِهِ، وَالتَّرْكِ لِمَا نُهِيَ عَنْهُ
стр. 43
قِصَّةُ صَاحِبِ الدَّيْرِ وَلَقَدْ عَجِبْتُ لِأَهْلِ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ وَاسْتِتَارِهِمْ مِنَ الْعِبَادِ بِقَبِيحِ أَعْمَالِهِمْ، وَلَا يَسْتَتِرُونَ مِمَّنْ يَلِي عُقُوبَتَهُمْ، وَلَا يُرَاقِبُونَهُ وَهُوَ الَّذِي يُثِيبُ عَلَى الْحَسَنِ، وَيَجْزِي بِالسَّيِّءِ، كَيْفَ أَمِنُوا أَنْ يُصِيبَهُمْ مَا أَصَابَ صَاحِبَ الدَّيْرِ
стр. 44
قَالُوا: وَمَا الَّذِي أَصَابَ صَاحِبَ الدَّيْرِ؟ قَالَ أَنْطُونِسُ: زَعَمُوا أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَبِيعُ الْعَسَلَ، وَالسَّمْنَ، وَالزَّيْتَ، وَالْخَمْرَ، وَكَانَ يَشْتَرِيهِ طَيِّبًا نَقِيًّا، وَيَبِيعُهُ غَالِيًا مَغْشُوشًا، وَكَانَ ذَا لِحْيَةٍ عَظِيمَةٍ جَمِيلَةٍ، وَكَانَ أَكْثَرُ مَنْ يَرَاهُ إِنَّمَا يَقُولُ لَهُ: لَوْ كُنْتَ أُسْقُفًا، فَمَا صَلُحَتْ لِحْيَتُكَ إِلَّا لِلْأَسَاقِفَةِ، فَلَمَّا كَثُرَ قَوْلُهُمْ ذَلِكَ لَهُ وَقَعَتْ فِي نَفْسِهِ الرَّهْبَانِيَّةُ لِرَجَاءِ مَنْزِلَةٍ يُصِيبُهَا، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ ذَاتَ يَوْمٍ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ أَكْثَرُوا فِي لِحْيَتِي، وَلَا يَعْلَمُونَ عَمَلِي، وَلَوْ أَنِّي تَرَهَّبْتُ لَرَجَوْتُ أَنْ أُصِيبَ مَالًا وَمَنْزِلَةً، فَجَزِعَتْ لِذَلِكَ امْرَأَتُهُ جَزَعًا شَدِيدًا، وَقَالَتْ: لَقَدْ أَرَدْتَ أَنْ تُؤَيِّمَنِي وَتُيَتِّمَ أَوْلَادِي. قَالَ: وَيْحَكِ، لَمْ أَرُدْ ذَلِكَ لِنِيَّةٍ فِي الْعِبَادَةِ، وَلَكِنْ رَجَوْتُ أَنْ تَكُونَ لِي مَنْزِلَةٌ، وَأَنَالَ فَضِيلَةً فِي أَهْلِ مِلَّتِي. قَالَتْ: أَخَافُ أَنْ تُدَاخِلَكَ حَلَاوَةُ الْعِبَادَةِ إِذَا صِرْتَ مَعَ الرُّهْبَانِ، فَتَلِجَ وَتَتْرُكَنِي، فَحَلَفَ لَهَا وَأَقْبَلَ عَلَى تَعَلُّمِ الْإِنْجِيلِ وَالْمَزَامِيرِ وَأَشْيَاءَ مِنْ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ، ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى دَيْرٍ عَظِيمٍ فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الرُّهْبَانِ فَنَزَلَهُ، فَلَمْ يُقِمْ فِيهِ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى أَعْجَبَ الرُّهْبَانَ مَا رَأَوْا مِنْ جَمَالِهِ وَنُبلِ لِحْيَتِهِ، فَأَجْمَعُوا عَلَى رِئَاسَتِهِ، وَوَلَّوْهُ أَمْرَهُمْ، فَلَمَّا بَلَغَ هِمَّتَهُ، وَأَمْكَنَتْهُ الْأُمُورُ مِنْ أَمْوَالِ الدَّيْرِ وَخَزَانَتِهِ لَاطَفَ عُظَمَاءَ النَّاسِ وَأَشْرَافَهُمْ، فَعَظُمَتْ مَنْزِلَتُهُ فِي أَعْيُنِهِمْ، وَصَغُرَتْ مَنْزِلَةُ الرُّهْبَانِ فِي عَيْنِهِ فَأَذَلَّهُمْ، وَنَقَصَ أَرْزَاقَهُمْ، وَغَيَّرَ مَرَاتِبَهُمْ، وَعَمَدَ إِلَى أَهْلِ الْعِبَادَةِ مِنْهُمْ فَوَلَّاهُمْ غَلَّاتِ الدَّيْرِ وَخَزَانَتِهِ، وَتَفَرَّغَ يُنَعِّمُ نَفْسَهُ، وَالْتَذَّ بِالنِّسَاءِ، وَشَرِبَ الْخَمْرَ، وَأَكَلَ الطَّيِّبَ، وَلَبِسَ
стр. 45
اللَّيِّنَ، فَلَمَّا رَأَى الرُّهْبَانُ ذَلِكَ غَاظَهُمْ، وَفِيهِمْ رَجُلٌ سَنَّاطٌ كَانَ يَحْسُدُهُ عَلَى نُبْلِ لِحْيَتِهِ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِنَّ هَذَا الْفَاسِقَ يُذِلَّكُمْ، وَيَسْتَعِينُ بِكُمْ عَلَى فِسْقِهِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي أَنْفُسِكُمْ، قَالُوا: قَدِ اعْتَزَلْنَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَتَفَرَّغْنَا لِلْعِبَادَةِ فَابْتُلِينَا مِنْ هَذَا الرَّجُلِ بِالشُّغُلِ، وَالْهَمِّ، وَالْحَزَنِ. قَالَ السَّنَّاطُ: هَذَا مَا عَمِلَ بِكُمْ سُوءُ رَأْيِكُمْ، وَحُسْنُ نَظَرِكُمْ فِي طُولِ اللِّحَى، وَمَنْ قَلَّدَ أَمْرَهُ أَهْلَ اللِّحَى وَالرِّيَاءِ، وَتَرَكَ أَهْلَ الْعَفَافِ وَالدِّينِ وَالْوَرَعِ فَلْيَصْبِرْ لِمَا جَنَى عَلَى نَفْسِهِ، فَأَجْمَعُوا رَأْيَهُمْ عَلَى أَنْ يَعِظُوهُ، فَأَتَاهُ السَّنَّاطُ فِي جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ قَدْ أَسْرَفْتَ عَلَى نَفْسِكَ، وَقَدْ ظَهَرَ لِأَصْحَابِكَ مَا تَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ خَفِيَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْرِكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِ، فَاحْذَرْ عُقُوبَةَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ رُبَّمَا عَجَّلَهَا فِي الدُّنْيَا لِلْعَبْدِ قَبْلَ الْآخِرَةِ، فَقَالَ لَهُمُ الرَّاهِبُ: أَلَيْسَ إِنَّ الْخَطِيئَةَ قَدْ أَحَاطَتْ بِبَنِي آدَمَ حَتَّى نَالَتِ
стр. 46
الْأَنْبِيَاءَ؟ فَقَدْ أَخْطَأَ دَاوُدُ، وَسُلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ، وَيَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا. قَالَ السَّنَّاطُ: أَرَاكَ عَالِمًا بِخَطَايَا الْأَنْبِيَاءِ، جَاهِلًا بِالتَّوْبَةِ الَّتِي كَانَتْ مِنْهُمْ، إِنَّمَا كَانَتْ خَطِيئَةُ دَاوُدَ نَظْرَةً وَاحِدَةً، فَخَرَّ لِلَّهِ سَاجِدًا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَإِنَّمَا سَهَا سُلَيْمَانُ عَنْ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ فَأَخَّرَ وَقْتَهَا لِلَذَّةٍ فِي الْخَيْلِ، فَتَابَ وَاسْتَغْفَرَ وَضَرَبَ أَعْنَاقَهَا وَعَرْقَبَهَا، وَإِنَّمَا تَرَكَ يَحْيَى صَلَاةً وَاحِدَةً مِنْ نَوَافِلِ اللَّيْلِ، اتَّهَمَ بِذَلِكَ كَثْرَةَ طَعَامِهِ، فَمَا مَلَأَ بَطْنَهُ مِنَ الطَّعَامِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ ، وَكَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ فَرَقًا مِنَ اللَّهِ ، وَخَوْفًا مِنْ عِقَابِهِ، وَرَجَاءً لِثَوَابِهِ، قَالَ صَاحِبُ الدَّيْرِ: أَرْجُو التَّوْبَةَ، قَالَ السَّنَّاطُ: رُبَّمَا عَاجَلَ الْمَوْتُ صَاحِبَ الْخَطِيئَةِ عَنِ التَّوْبَةِ. فَأَقَامَ صَاحِبُ الدَّيْرِ عَلَى خَطِيئَتِهِ حَتَّى أَذِنَ اللَّهُ فِي هَلَاكِهِ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ مِنَ اللُّصُوصِ، كَانَ لَهُ أَصْحَابٌ مُتَفَرِّقُونَ فِي الْقُرَى فَبَعَثَ رَأْسُ اللُّصُوصِ أَصْحَابَهُ يُبَيِّتُونَ الْقَرْيَةَ الَّتِي فِيهَا امْرَأَةُ الرَّاهِبِ صَاحِبِ الدَّيْرِ، فَلَمَّا بَيَّتُوهُمْ وَجَدُوا الرَّاهِبَ مَعَ امْرَأَتِهِ فِي لِحَافٍ، فَأَتَوْا بِهِ رَأْسَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ لَمْ يَكُنْ رَاهِبًا لَعَذَرْنَاهُ، وَلَكِنَّمَا نُقِيمُ فِيهِ حَدَّ اللَّهِ فِيمَنْ حَرَّمَ النِّسَاءَ ثُمَّ رَكِبَهُنَّ
стр. 47
، فَسَأَلَ عَنْ عُقُوبَتِهِ أَهْلَ الْعِلْمِ، فَقِيلَ عُقُوبَتُهُ أَنْ يُحْرَقَ بِالنَّارِ، فَأُلْقِيَ فِي تَنُّورٍ مَسْجُورٍ، وَكَفَى اللَّهُ الرُّهْبَانَ مَؤُنَتَهُ، وَعَجَّلَهُ لِلنَّارِ فِي الدُّنْيَا، لِعَبَادَتِهِ الَّتِي نَوَاهَا لِلدُّنْيَا.
стр. 48
قِصَّةُ الْأَعْمَى فِي مُصِيبَتِهِ وَلَقَدْ عَجِبْتُ لِأَهْلِ الْمَصَائِبِ، كَيْفَ لَا يَسْتَعِينُونَ عَلَى مَصَائِبِهِمْ بِالصَّبْرِ، وَيَذْكُرُونَ مَا يُؤَمِّلُونَ مِنَ الثَّوَابِ، فَإِنَّهُ سَيَأْتِي عَلَى صَاحِبِ الْمُصِيبَةِ يَوْمٌ يَتَمَنَّى فِيهِ مَا تَمَنَّى الْأَعْمَى فِي مُصِيبَتِهِ. قَالُوا: وَمَا تَمَنَّى الْأَعْمَى فِي مُصِيبَتِهِ؟ قَالَ أَنْطُونِسُ: زَعَمُوا أَنَّ تَاجِرًا دَفَنَ مِائَةَ دِينَارٍ فِي مَوْضِعٍ، فَبَصُرَ بِهَا جَارٌ لَهُ فَأَخْرَجَهَا، فَلَمَّا فَقَدَهَا التَّاجِرُ جَزِعَ جَزَعًا شَدِيدًا، ثُمَّ طَالَ بِهِ الْعُمُرُ حَتَّى عَمِيَ وَاحْتَاجَ حَاجَةً شَدِيدَةً، فَلَمَّا حَضَرَتْ جَارَهُ الْوَفَاةُ تَخَوَّفَ الْحِسَابَ، فَأَوْصَى أَنْ تُرَدَّ الْمِائَةُ دِينَارٍ إِلَى الْأَعْمَى، فَرُدَّتْ عَلَيْهِ، وَأَخْبَرُوهُ بِالْقَصَّةِ، فَسُرَّ الْأَعْمَى سُرُورًا لَمْ يُسَرَّ بِمِثْلِهِ قَطُّ، وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّهَا عَلَيَّ أَحْوَجَ مَا كُنْتُ إِلَيْهَا، فَيَا لَيْتَ كُلَّ مَالٍ كَانَ لِي يَوْمَئِذٍ قُبِضَ عَنِّي ثُمَّ رُدَّ عَلَيَّ الْيَوْمَ، فَيَنْبَغِي لِمَنْ عَرَفَ أَنَّ لَهُ عَمَلًا صَالِحًا أَنْ يُوقِنَ أَنَّهُ سَيَلْقَاهُ يَوْمَ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ.
стр. 49
قِصَّةُ صَاحِبِ الْمَسِيلِ وَلَقَدْ عَجِبْتُ لِنَفَاذِ عُقُولِهِمْ، كَيْفَ لَا يَعْمَلُونَ بِمَا يَعْلَمُونَ، كَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَهْلِكُوا كَمَا هَلَكَ صَاحِبُ الْمَسِيلِ. قَالُوا: وَكَيْفَ كَانَ ذَلِكَ؟ ⦗٥٣⦘ قَالَ أَنْطُونِسُ: زَعَمُوا أَنَّ رَجُلًا نَزَلَ بَطْنَ مَسِيلٍ، فَقِيلَ لَهُ: تَحَوَّلْ عَنْ هَذَا الْمَنْزِلِ، فَإِنَّهُ مَنْزِلٌ خَطِرٌ. فَقَالَ: قَدْ عَمِلْتُ، وَلَكِنْ يُعْجِبُنِي نُزْهَتُهُ وَمَرَافِقُهُ. فَقِيلَ لَهُ: إِنَّمَا تَطْلُبُ الرِّفْقَ لِصَلَاحِ نَفْسِكَ، فَلَا تُخَاطِرْ بِهَا. قَالَ: مَا أُرِيدُ التَّحَوُّلَ عَنْ مَنْزِلِي. فَغَشِيَهُ السَّيْلُ وَهُوَ نَائِمٌ فَذَهَبَ بِهِ، فَقَالَ النَّاسُ: أَبْعَدَهُ اللَّهُ. وَهُمْ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ، كَأَنَّهُمْ يَعْمَلُونَ عَلَى قَوْلِ صَاحِبِ الدَّهْرِ الَّذِينَ قَالُوا: نُنْشَأُ وَنَبِيدُ، وَالْهَالِكُ مِنَّا لَا يَعُودُ.
стр. 50
قِصَّةُ أَصْحَابِ أَفْرُولِيَّةَ قَالَ أَنْطُونِسُ: فَلَوْ أَخَذْنَا بِالْحَزْمِ كُنَّا كَأَصْحَابِ أَفْرُولِيَّةَ. قِيلَ: وَكَيْفَ كَانَ ذَلِكَ؟ قَالَ بَعَثَ مَلِكُ أَسْقُولِيَّةَ بَعْثًا إِلَى أَفْرُولِيَّةَ، وَكَانَ الْمَسِيرُ إِلَيْهَا فِي الْبَحْرِ سِتِّينَ لَيْلَةً، لَا يَجِدُونَ مِنَ الزَّادِ وَالْمَاءِ إِلَّا مَا حَمَلُوهُ مَعَهُمْ
стр. 51
، وَكَانَ مَعَ صَاحِبِ أَسْقُولِيَّةَ كَاهِنَانِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَمَا إِنَّ هَذَا الْجَيْشَ سَيُقِيمُونَ عَلَى أَفْرُولِيَّةَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ يَرْمُونَهَا بِالْمَجَانِيقِ، وَتُفْتَحُ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ. قَالَ الْآخَرُ: لَا، بَلْ يُقِيمُونَ سَبْعَةً وَيَنْصَرِفُونَ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ. فَلَمَّا سَمِعَ أَصْحَابُ الْبَعْثِ قَوْلَهُمَا قَالُوا: مَا نَدْرِي لِلْبَدَاءَةِ نَحْمِلُ الزَّادَ أَمْ لِلْبَدَاءَةِ وَالرَّجْعَةِ؟ قَالَ فَوْجٌ مِنْهُمْ: نَقْبَلُ قَوْلَ الْكَاهِنِ الَّذِي قَالَ نَفْتَحُهَا فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ، وَلَا نُعَنِّي أَنْفُسَنَا بِحَمْلِ ثَقِيلِ الزَّادِ. وَقَالَ الْفَوْجُ الْآخَرُ: إِنَّمَا هِيَ أَنْفُسُنَا، لَا نُخَاطِرُ بِهَا، فَحَمَلُوا الزَّادَ لِلْبَدَاءَةِِ وَالرَّجْعَةِ، ثُمَّ سَارُوا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى أَفْرُولِيَّةَ، وَقَدْ أَخَذُوا بِالْحَزْمِ، وَتَحَرَّزُوا دُونَهُمْ بِحِصْنٍ دُونَ حِصْنٍ، فَأَقَامُوا عَلَيْهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ بِالْمَجَانِيقِ فَفَتَحُوا حَائِطَهَا الظَّاهِرَ، فَنَاهَضُوهُمْ، فَلَمَّا دَخَلُوا الثَّغْرَةَ إِذَا لَهَا قَصَبَةٌ أُخْرَى حَصِينَةٌ، فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِدُخُولِ الْحَائِطِ الْأَوَّلِ، وَجَاءَهُمْ بَرِيدٌ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ أَنَّ مَلِكَهُمْ قَدْ مَاتَ، فَانْصَرَفُوا رَاجِعِينَ، فَهَلَكَ مِمَّنْ فَرَّطَ فِي حَمْلِ الزَّادِ سَبْعُونَ أَلْفًا، فَصَارُوا مَثَلًا، وَكَذَلِكَ يَهْلَكُ مَنْ فَرَّطَ فِي عَمَلِ الْآخِرَةِ، وَيَنْجُو مَنْ تَزَوَّدَ لَهَا، وَتَحَرَّزَ مِنْ بِوَائِقِهَا، كَمَا تَحَرَّزَ أَهْلُ أَفْرُولِيَّةَ، وَكَمَا نَجَا مَنْ تَزَوَّدَ مِن أَهْلِ أَسْقُولِيَّةَ لِلرَّجْعَةِ.
стр. 52
الْوَصِيَّةُ الْأَخِيرَةُ قَالَ النَّفْرُ السِّتَّةُ لِأَنْطُونِسَ: مَا أَحْسَنَ قَوْلَكَ، وَأَبْلَغَ مَوْعِظَتَكَ ⦗٥٥⦘. قَالَ: أَمَا إِنَّ حَلَاوَةَ عِظَتِي لَا تُجَاوِزُ آذَانَكُمْ، أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ فِيمَا جَاءَ بِهِ مُوسَى فِي النَّامُوسِ، وَفِيمَا جَاءَ بِهِ دَاوُدُ مِنَ الزَّبُورِ، وَالْمَسِيحُ مِنَ الْإِنْجِيلِ، وَفِي كُتُبِ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ: إِنَّمَا تُجْزَوْنَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. وَالثَّوَابُ لِمَنْ عَمِلَ يُعْطَى بِقَدْرِ عَمَلِهِ. وَالْأَجِيرُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْرِفَ مَا يَصِيرُ إِلَيْهِ عِنْدَ رَبِّ أَجْرِهِ، فَانْظُرُوا فِي أَعْمَالِكُمْ، واقْضُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ يَتَبَيَّنْ لَكُمْ مَا لَكُمْ وَمَا عَلَيْكُمْ، وَانْصَرِفُوا عَنِّي رَاشِدِينَ. فَانْصَرَفُوا عَنْهُ، فَاقْتَرَعُوا بَيْنَهُمْ، وَمَلَّكُوا أَحَدَهُمْ، وَرَضُوا بِهِ.