Полный текст (164 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
حَدَّثَنَا الْحَضْرَمِيُّ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ بَهْرَامَ، وَهِشَامُ بْنُ يُونُسَ، قَالَا: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، ثنا أَبِي، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ عَمَّرَهُ اللَّهُ سِتِّينَ سَنَةً فَقَدْ أَعْذَرَ إِلَيْهِ فِي الْعُمُرِ» يُرِيدُ: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]
стр. 37
حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ الصَّنْعَانِيِّ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨] ، قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ وَهُوَ ابْنُ سِتِّينَ أَوْ خَمْسٍ وَسِتِّينَ سَنَةً
стр. 38
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ زَكَرِيَّا، ثنا أَزْهَرُ بْنُ مَرْوَانَ، ثنا دَاوُدُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ، ثنا مَطَرٌ الْوَرَّاقُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، أَنَّ أَبَا سَبْرَةَ قَالَ لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 39
: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ النَّحْلَةِ، أَكَلَتْ طَيِّبًا وَوضِعَتْ طَيِّبًا، وَإِنَّ مَثَلَ الْمُؤْمِنِ مَثَلُ الْقِطْعَةِ الْجَيِّدَةِ مِنَ الذَّهَبِ، أُدْخِلَتِ النَّارَ فَنُفِخَ عَلَيْهَا فَخَرَجَتْ جَيِّدَةً» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا مَثَلٌ لِلْمُؤْمِنِ فِي صِحَّةِ عَقْدِهِ، وَعَهْدِهِ، وَسِرِّهِ، وَعَلَانِيَتِهِ، وَسَائِرِ أَحْوَالِهِ، وَمُثِّلَ بِالنَّحْلَةِ تَارَةً، وَبِالْقِطْعَةِ مِنَ الذَّهَبِ تُسْبَكُ فَيَعُودُ وَزْنُهَا مِثْلُهُ قَبْلَ سَبْكِهَا لِصَفَائِهَا وَخُلُوصِ جَوْهَرِهَا لِأَنَّ الْخَالِصَ مِنَ الذَّهَبِ لَا يَحْمِلُ الْخَبَثَ، وَلَا يَقْبَلُ الصَّدَأَ، وَلَا تُنْقِصُهُ النَّارُ، وَلَا يُغَيِّرُهُ مُرُورُ الْأَوْقَاتِ، وَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ فِي حَالِ مَنْشَطِهِ وَمَكْرَهِهِ، وَعُسْرِهِ وَيُسْرِهِ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ، وَيَقِينٍ مِنْ أَمْرِهِ، لَا يُنْقِصُهُ الِاخْتِبَارُ، وَلَا يُزِيلُهُ عَنْ إِيمَانِهِ وَيَقِينِهِ تَفَرَّقُ الْأَحْوَالِ، وَالذَّهَبُ أَسْنَى الْجَوْهَرِ وَأَشْرَفِهِ، وَيُقَالُ لِلشَّيْءِ فِي بُلُوغِ الْغَايَةِ فِي تَفْضِيلِهِ وَشَرَفِهِ وَخَطَرِهِ كَأَنَّهُ الْإِبْرِيزُ الْخَالِصُ، وَمَا هُوَ إِلَّا الذَّهَبُ الْأَحْمَرُ، وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
[البحر الرجز]
كَالْخَالِصِ الْإِبْرِيزِ إِنْ لَمْ تُجْلِهِ ... فَجَلَاؤُهُ فِيهِ وَإِنْ صَحِبَ الْأَبَدْ
لَا يَسْتَحِيلُ عَلَى اللَّيَالِي لَوْنُهُ ... أَنَّى وَجَوْهَرُهُ شِهَابٌ يَتَّقِدْ
وَقَالَ آخَرُ:
لَا يَعْلَقُ الْعَارُ جَنْبِي إِنْ رُمِيتُ بِهِ ... نَأَيْتُ عَنْهُ كَمَا لَا يصدأُ الذَّهَبُ
وَحَدَّثَنِي عَبْدَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي صَالِحٍ صَاحِبُ التَّفْسِيرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ الزِّنْبَقِيِّ الْبَصْرِيِّ، عَنِ الْأَصْمَعِيِّ، عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ قَالَ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ صِيغَ مِنْ ذَهَبٍ فَلْيَنْظُرْ إِلَى الْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
[البحر البسيط]
قَدْ صَاغَهُ اللَّهُ مِنْ مِسْكٍ وَمِنْ ذَهَبٍ ... وَصَاغَ رَاحَتَهُ مِنْ عَارِضٍ هَطِلِ
وَالنَّحْلَةُ كَرِيمَةٌ تَغْتَذِي بِأَلْطَفِ الْغِذَاءِ وَأَشْرَفِ مَا يَغْتَذِي بِهِ ذُو حَيَاةٍ، وَتَمُجُّ الْعَسَلَ، وَهُوَ أَطْيَبُ طَعَامٍ وَأَعْذَبُهُ، وَإِلَيْهِ الْمَثَلُ فِي الْحَلَاوَةِ الَّتِي هِيَ أَعْجَبُ الطُّعُومِ مَذَاقًا، وَأَفْضَلُهَا مَأْكُولًا وَمَشْرُوبًا، وَأَوْقَعُهَا مِنَ النُّفُوسِ مَوَاقِعَ الْغَايَةِ. وَيُقَالُ: إِنَّهَا بِإِذْنِ اللَّهِ
стр. 40
وَقُدْرَتِهِ تَحْمِلُ الْعَسَلَ فِي أَفْوَاهِهَا، وَالشَّمْعَ عَلَى أَفْخَاذِهَا وَظُهُورِهَا. وَتَقُولُ: نَحْلَةٌ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَالْجَمْعُ نَحْلٌ، وَالنَّحْلُ مُذَكَّرَاتٌ وَمُؤَنَّثَاتٌ، وَيُقَالُ لِلنَّحْلِ: ذُبَابُ الْخِصْبِ، وَذُبَابُ الرَّبِيعِ. أُفْرِدَ لَهَا هَذَا الِاسْمُ لِشَرَفِهَا، مَقْرُونٌ بِشَرَفِ الْوَقْتِ الَّذِي تَنْتَشِرُ فِيهِ، وَهُوَ الْفَصْلُ الَّذِي يَكْثُرُ فِيهِ الذُّبَابُ وَالْخِصْبُ وَالْخَيْرُ وَالْمَرْعَى. وَسُمِّيَ الْمُعْتَدُ مِنَ الرِّجَالِ السَّيِّدُ الْمُؤْتَمِرُ لَهُ يَعْسُوبًا تَشْبِيهًا بِيَعْسُوبِ النَّحْلِ، وَهُوَ أَمِيرُهَا. وَفِي الْحَدِيثِ: «عَلَيٌ يَعْسُوبُ الْمُؤْمِنِينَ» . أَيْ سَيِّدُهُمْ. وَالْمَالُ يَعْسُوبُ الْمُنَافِقِينَ. وَوَقَفَ عَلِيُّ ﵁ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَتَّابٍ يَوْمَ الْجَمَلِ وَهُوَ مَقْتُولٌ، فَاسْتَرْجَعَ ثُمَّ قَالَ: هَذَا يَعْسُوبُ قُرَيْشٍ. أَيْ سَيِّدُهُمْ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْيَعْسُوبِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ نَحْلَةٌ ذَكَرٌ أَكْبَرُ مِنَ الْإِنَاثِ، يَجْتَمِعُ إِلَيْهِ النَّحْلُ وَيَتَفَرَّقْنَ عَنْهُ، وَهُوَ مُقِيمٌ لَا يَبْرَحُ، فَإِنْ خَرَجَ خَرَجْنَ مَعَهُ، وَإِنْ غَابَ طَلَبْنَهُ، وَإِنْ ضَاعَ تَمَزَّقْنَ وَتَشَتَّتْنَ، وَلَمْ يَصْلُحْنَ إِلَّا بِهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ هُوَ الْأُنْثَى وَتُسَمَّى الْأُمَرَاءُ، وَالنَّحْلُ يُسَمَّى النَّحَّالُ وَذَكَرُ النَّحْلِ فِي أَشْعَارِ الْعَرَبِ كَثِيرٌ لِعَجِيبِ صَنْعَتِهَا، وَجَلِيلِ مَا يُخْرِجُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ بُطُونِهَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمَنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرُشُونَ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] . وَتَنَاهَى مَا جَاءَ فِي ذِكْرِهِ مِنَ الشِّعْرِ كَثِيرٌ، كَمَا قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ:
[البحر الطويل]
وَلَا مَا تَمُجُّ النَّحْلُ فِي مَتَمَنِّعٍ ... فَقَدْ ذُقْتُهُ مُسْتَطْرَفًا وَصَفَا لِيَا
стр. 41
وَكَمَا قَالَ آخَرُ:
وَإِنَّ حَدِيثًا مِنْكِ لَوْ تَبْذُلِينَهُ ... جَنَى النَّحْلِ فِي أَبْكَارِ عُوذٍ مَطَافِلِ
стр. 42
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي سَمِينَةَ، ثنا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ مَثَلُ النَّخْلَةِ، أَوِ النَّحْلَةِ إِنْ شَاوَرْتَهُ نَفَعَكَ، وَإِنْ مَاشَيْتَهُ نَفَعَكَ، وَإِنْ شَارَكْتَهُ نَفَعَكَ» حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ صُدْرَانَ، ثنا أَزْهَرُ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ذَكَرَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الشَّجَرَةِ» . . . . . وَذَكَرَهُ
стр. 43
حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ⦗٧٠⦘: " أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ كَالرَّجُلِ الْمُسْلِمِ، ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٥] لَا يَتَحَاتُّ وَرَقُهَا. ثُمَّ قَالَ: هِيَ النَّخْلَةُ "
стр. 44
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ النَّاقِدُ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ الْعَلَّافُ، ثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَأْكُلُ جُمَّارًا فَقَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ كَالرَّجُلِ الْمُؤْمِنِ» . فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: هِيَ النَّخْلَةُ، فَنَظَرْتُ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ فَإِذَا أَنَا أَحْدَثُهُمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هِيَ النَّخْلَةُ» قَوْلُهُ: «لَا يَتَحَاتُّ وَرَقُهَا» يَعْنِي: لَا يَتَسَاقَطُ كَمَا يَتَسَاقَطُ وَرَقُ الشَّجَرِ، وَوَرَقُهَا: خُوصُهَا، وَأَصْلُ الْحَتِّ: الْفَرْكُ قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الطويل]
تَحُتُّ بِقَرْنَيْهَا بَرِيرُ أَرَاكَةٍ ... وَتَعْطُو بَظَلْفَيْهَا إِذَا الْغُضْنُ طَالَهَا
وَسَمَّى الْخُوصَ وَرَقًا كَمَا سُمَّى النَّخْلَةَ شَجَرَةً. وَفِي هَذَا كَلَامٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَالنَّخْلَةُ سَيِّدَةُ الشَّجَرِ، ضَرَبَهَا اللَّهُ تَعَالَى مَثَلًا لِقَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ. وَمَثَّلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالرَّجُلِ الْمُؤْمِنِ الْقَوِيِّ فِي إِيمَانِهِ، الْمُنْتَفِعِ بِهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ. وَالْعَرَبُ تُعَظِّمُهَا وَيَكْثُرُ فِي أَشْعَارِهِمْ ذِكْرُهَا. وَزَعَمَ قَوْمٌ مِمَّنْ يَتَعَمَّقُ فِي الِاشْتِقَاقِ أَنَّ اسْمَهَا مُشْتَقٌّ مِنَ الِانْتِخَالِ، وَهُوَ التَّصْفِيَةُ وَالِاخْتِبَارُ. قَالُوا: فَهِيَ صَفْوَةُ، وَمُخْتَارُ الْمَعَاشِ ⦗٧١⦘. وَهَذَا قَوْلٌ نَادِرٌ شَاذُّ. تَقُولُ: نَخَلْتُ الشَّيْءَ إِذَا صَفَّيْتَهُ، وَنَخَلْتُ الْكَلَامَ وَالشِّعْرَ إِذَا هَذَّبْتَهُ وَلَخَّصْتَهُ. قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الكامل]
تَنَخَّلْتُهَا مَدْحًا لِقَوْمٍ وَلَمْ أَكُنْ ... لِغَيْرِهِمْ فِيمَا مَضَى أَتَنَخَّلُ
وَبِهِ سُمِّيَ الْمُتَنَخِّلُ الشَّاعِرُ، وَيَقُولُ: أَشَدُّ مِنْ نَخْلَةٍ، وَأَعْظَمُ بَرَكَةً مِنْ نَخْلَةٍ، وَتُوصَفُ الْمَرْأَةُ الْجَزْلَةُ بِهَا، وَتُوصَفُ الْفَرَسُ بِجِذْعِهَا، وَالْقَمَرُ حِينَ يَبْدُوَ بِعُرْجُونِهَا، وَيُشَبَّهُ الْخَلْقُ فِي تَمَامِهِ وَشَطَاطِهِ بِمَجَالِهَا، وَيُسَمَّى طَلْعُهَا الْكَافُورُ، وَجُمَّارُهَا الْإِغْرِيضُ - وَهُوَ الْفِضَّةُ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَأْكُولِ أَنْظَفُ مِنْهَا. وَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ يَصِفُ نِسْوَةً: كَلَامُهُنَّ أَقْتَلُ مِنَ النَّبْلِ، وَأَوْقَعُ فِي الْقُلُوبِ مِنَ الْوَبْلِ فِي الْمَحْلِ، وَفُرُوعُهُنَّ أَحْسَنُ مِنْ فُرُوعِ النَّخْلِ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الوافر]
كَأَنَّ فُرُوعَهُنَّ بِكُلِّ رِيحٍ ... عَذَارَى بِالذَّوَائِبِ يَنْتَصِينَا
وَقَالَ الْعَرَجِيُّ:
[البحر الكامل]
حَوْرَاءُ يَمْنَعُهَا الْقِيَامُ - إِذَا ... قَعَدَتْ - تَمَامُ الْخَلْقِ وَالْبُهْرُ
⦗٧٢⦘
كَالْعِذْقِ فِي رَأْسِ الْكَثِيبِ نَمَا ... طُولًا وَمَالَ بِفَرْعِهِ الْوِقْرُ
وَقَالَ الْحَارِثُ الْمَخْزُومِيُّ:
[البحر الكامل]
كَالْعِذْقِ زَعْزَعَهُ رِيَاحٌ حَرْجَفٌ ... فَاهْتَزَّ بَعْدَ فُرُوعِهِ قِنْوَانُهُ
وَيُقَالُ فِي بُلُوغِ الْغَايَةِ فِي صَفَاءِ الشَّيْءِ وَلَيَانِهِ وَمُخِّهِ: مَا هُوَ إِلَّا جُمَّارَةٌ، وَكَأَنَّهُ جُمَّارَةُ النَّخْلِ، كَمَا قَالَ الْجُهَنِيُّ:
[البحر الرمل]
أَنْتُمُ جُمَّارَةٌ مِنْ هَاشِمٍ ... وَالْكَرَانِيفُ سِوَاكُمْ وَالْحَطَبُ
стр. 45
حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيْبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤] قَالَ: «هِيَ النَّخْلَةُ، لَا يَزَالُ فِيهَا شَيْءٌ يُنْتَفَعُ بِهِ، إِمَّا ثَمَرُهُ وَإِمَّا حَطَبُهُ، وَكَذَلِكَ الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ يَنْتَفِعُ بِهَا صَاحِبُهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ»
стр. 46
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْمُثَنَّى، ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: «الشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ النَّخْلَةُ، وَالْخَبِيثَةُ الْحَنْظَلَةُ، مَثَلُ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ»
стр. 47
حَدَّثَنَا يُوسُفُ، ثنا الْمُقَدَّمِيُّ، ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، ثنا شُعَيْبُ بْنُ الْحَبْحَابِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَجِيءَ بِطَبَقٍ مِنْ رُطَبٍ فَقَالَ: " كُلُوا، فَإِنَّ هَذِهِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيَّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤] ، قَالَ: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٢٦] تِلْكُمُ الْحَنْظَلَةُ "
стр. 48
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْجُشَمِيُّ، ثنا عَلِيُّ بْنُ الْمُؤَمِّلِ، مِنْ أَهْلِ وَادِي الْقُرَى قَالَ: سَمِعْتُ مُوسَى بْنَ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵃ يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ آبَائِهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «نِعْمَ الْمَالُ النَّخْلُ الرَّاسِخَاتُ فِي الْوَحْلِ، الْمُطْعِمَاتُ فِي الْمَحْلِ» وَالْمَحْلُ: الْجَدْبُ وَقَالَ الشَّاعِرُ
[البحر الطويل]
نَأَيْنَ فَلَمْ تَلْحَقْ بِهَا كَفُّ جَاذِبٍ ... وَلَمْ يَتَبَاعَدْ خَيْرُهَا ابْنَ سَبِيلِ
وَقَالَ آخَرُ:
إِذَا اغْبَرَّ وَجْهُ الْأَرْضِ وَاصْفَرَّ عُودُهَا ... أَقَمْنَ فَهُنَّ الْمُطْعِمَاتُ عَلَى الْمَحْلِ
стр. 49
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ , وَيُلَقَّبُ بِمَرْدَكٍ، وَالْحَسَنُ بْنُ أَبِي شُجَاعٍ الْبَلْخِيُّ قَالَ: ثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، ثنا مَسْرُورُ بْنُ سَعِيدٍ التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنِي الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَكْرِمُوا عَمَّتَكُمُ النَّخْلَةَ، فَإِنَّهَا خُلِقَتْ مِنَ الطِّينِ الَّذِي خُلِقَ مِنْهُ آدَمُ، وَلَيْسَ مِنَ الشَّجَرِ شَيْءٌ يُلَقَّحُ غَيْرَهَا، فَأَطْعِمُوا نِسَائَكُمُ الْوُلَّدَ الرُّطَبَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الرُّطَبُ فَالتَّمْرَ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الشَّجَرِ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ شَجَرَةٍ نَزَلَتْ عِنْدَهَا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي يَعْتَرِضُ عَلَيْهَا مَنْ يَشْنَأُ الْحَدِيثَ، وَيُبْغِضُ أَهْلَهُ، وَيُحِبُّ أَنْ يُعَدَ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ، وَيَتَحَلَّى بِالْخَلَافِ عَلَى الْأَثَرِ فَقَالَ: رُوِّيتُمْ أَنَّ النَّخْلَةَ عَمَّةٌ، كَمَا رُوِّيتُمْ أَنَّ الْفَأْرَةَ يَهُودِيَّةٌ، وَرُوِّيتُمْ كَذَا، وَرُوِّيتُمْ كَذَا ⦗٧٤⦘، وَمَا أَدْرِي مَا الَّذِي يُنْكَرُ مِنْ هَذَا؟، وَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْرِيَ لَهَا هَذَا الِاسْمُ عَلَى التَّمْثِيلِ مَعَ مَا رُوِيَ أَنَّهَا خُلِقَتْ مِنَ الطِّينِ الَّذِي خُلِقَ مِنْهُ آدَمُ؟ وَإِنَّمَا أَخْبَرَ ﵇ عَنْ قِدَمِهَا إِنْ كَانَ الْحَدِيثُ مَحْفُوظًا، وَأَعْلَمَنَا أَنَّهَا خُلِقَتْ مَعَ آدَمَ مِنَ الطِّينِ، وَالْعَرَبُ تَذْكُرُ النَّخْلَةَ بِالْقِدَمِ، وَتَصِفَهَا بِالْبَقَاءِ، وَمِنْ كَلَامِهِمْ إِذَا طَالَ عُمُرُ الْإِنْسَانِ: كَأَنَّهُ نَخْلَتَا ثَرْوَانَ. قَالَ الشَّاعِرُ فَجَعَلَهَا بَنَاتِ الدَّهْرِ، يُرِيدُ أَنَّهُنَّ يَبْقَيْنَ بَقَاءَ الدَّهْرِ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي الْبَقَاءِ:
[البحر الوافر]
ضَرَبْنَ الْعِرْقَ فِي يَنْبُوعِ عَيْنٍ ... طَلَبْنَ مَعِينَهُ حَتَّى رَوِينَا
بَنَاتُ الدَّهْرِ لَا يَخْشَيْنَ مَحْلًا ... إِذَا لَمْ تَبْقَ سَائِمَةٌ بَقِينَا
كَأَنَّ فُرُوعَهُنَّ بِكُلِّ رِيحٍ ... عَذَارَى بِالذَّوَائِبِ يَنْتَصِينَا
وَقَالَ أُحَيْحَةُ بْنُ الْجُلَاحِ - فَسَمَّى الصِّغَارَ مِنْهُنَّ طِفْلًا:
[البحر المتقارب]
هُوَ الظِّلُّ فِي الصَّيْفِ حَقَّ الظَّلِيلِ ... وَالْمَنْظَرِ الْأَحْسَنِ الْأَجْمَلِ
فَعَمٌّ لِعَمِّكُمُ نَافِعٌ ... وَطِفْلٌ لِطِفْلِكُمُ يُؤْمَلُ
الْعَمُّ: الطُّوَلُ ضَرَبَ بِهَا الْمَثَلَ فَقَالَ: هَذِهِ الطُّوَلُ لِلرِّجَالِ، وَهَذِهِ الصِّغَارُ لِلْأَحْدَاثِ نَشَأَتْ مَعَهُمْ. وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ - فَسَمَّى الْعِظَامَ مِنْهَا أُمَّهَاتٍ:
[البحر الطويل]
وَلَمَّا أَتَمَّ الطَّلْعُ مِنْهَا وَشُبِّهَتْ ... شَمَارِيخُهَا الْكِتَّانَ أَخْلَصْنَ بِالرَّحْضِ
كَفَى أُمَّهَاتِ الْحَمْلِ مِنْهَا بَنَاتُهَا ... بِنِضَدِ الْعُذُوقِ بَعْضُهُنَّ عَلَى بَعْضِ
⦗٧٥⦘
وَقَالَ آخَرُ:
لَنَا لِقْحَةٌ لَمْ تَغْدُ يَوْمًا بَنَاتِهَا ... إِذَا بَرَكَتْ فِي مَنْزِلٍ لَمْ تُحَوَّلِ
لَهَا أَخَوَاتٌ حَوْلَهَا مِنْ بَنَاتِهَا ... حَوَادِثُ لَمْ تَحْلِلْ بِبَيْدَاءَ مُجْهَلِ
قِيَامٌ حَوَالَيْ فَحْلِهَا وَهْوَ قَائِمٌ ... تُلَقَّحُ عَنْهُ وَهْوَ عَنْهَا بِمَعْزِلِ
تَرَى الشَّارِبَ النَّشْوَانَ مِنْ حَلَبَاتِهَا ... إِذَا رَاحَ يَمْشِي مِثْلَ مَشْيِ الْمُخَبَّلِ
حَدَّثَنَا ابْنُ دُرَيْدٍ، ثنا السِّجِسْتَانِيُّ، عَنِ الْأَصْمَعِيِّ قَالَ: لَقِيتُ أَعْرَابِيًّا فَقُلْتُ: مِمَّنْ أَنْتَ؟، فَقَالَ: أَسَدِيُّ، قُلْتُ: مِنْ أَيِّهِمْ؟ قَالَ: نَمِرِيُّ، قُلْتُ: مِنْ أَيِّ الْبِلَادِ؟ قَالَ: مِنْ أَهْلِ عُمَانَ، قُلْتُ: فَأَنَّى لَكَ هَذِهِ الْفَصَاحَةُ؟ قَالَ: سَكَنَّا بِأَرْضٍ لَا نَسْمَعُ فِيهَا نَاجَحَةَ التَّيَّارِ، أَوْ نَافِجَةَ التَّيَّارِ، يَعْنِي صَوْتَ الْبَحْرِ، قُلْتُ: فَصِفْ لِي أَرْضَكَ، قَالَ: سَيْفٌ أَفْيَحُ، وَفَصْلٌ ضَحْضَحٌ، وَجَبَلٌ صَلْدَحٌ، وَرَمْلٌ أَصْبَحُ، قُلْتُ: فَمَا مَالُكَ؟ قَالَ: النَّخْلُ، قُلْتُ: فَأَيْنَ أَنْتَ مِنَ الْإِبِلِ؟ قَالَ: إِنَّ النَّخْلَ حَمْلُهَا غِذَاءٌ، وَسَعْفُهَا ضِيَاءٌ، وَجَذَعُهَا بِنَاءٌ، وَكَرْبُهَا صَلَاءٌ، وَلِيفُهَا وِشَاءٌ، وَخُوصُهَا وِعَاءٌ، وَقُورُهَا إِنَاءٌ وَقَالَ الْأَعْشَى فِي صِفَةِ الْفَرَسِ:
[البحر الكامل]
أَمَا إِذَا اسْتَقْبَلْتُهُ فَكَأَنَّهُ ... جِذْعٌ سَمَا فَوْقَ النَّخِيلِ مُشَذَّبُ
وَقَالَ الْجَعْدِيُّ فِي الْإِغْرِيضِ:
[البحر الطويل]
لَيَالِيَ تَصْطَادُ الرِّجَالُ بِفَاحِمٍ ... وَأَبْيَضَ كَالْإِغْرِيضِ لَمْ يَتَلَثَّمِ
وَقَالَ آخَرُ فِي الْكَافُورِ:
كَأَنَّ عَلَى أَسْنَانِهَا عِذْقُ نَخْلَةٍ ... مُدَلًّى مِنَ الْكَافُورِ غَيْرُ مُكَمَّمِ
⦗٧٦⦘
وَقَالَ أَعْرَابِيٌّ وَيَصِفُ امْرَأَةً:
[البحر الكامل]
يَا طِيبَ وَصْلِكِ فِي النِّسَاءِ مُبَيِّنٌ ... لِخَلَائِقٍ يَأْبَى النِّسَاءُ مَدَاهَا
بِعَفَافَةٍ وَحَلَاوَةٍ وَتَقَبُّلٍ ... أَعْيَى النِّسَاءَ - وَإِنْ جَهَدْنَ - سِوَاهَا
فَكَأَنَّ طِيبَةُ نَخْلَةٍ فِي جَدْوَلٍ ... عَذَبَتْ مَغَارِسُهَا فَطَابَ جَنَاهَا
وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ - فَشَبَّهَ اللِّيفَ بِحَوَاشِي الْبُرُودِ:
[البحر الطويل]
رَبَتْ فِي كَثِيبٍ ذِي أَبَارِيقَ عَذْبَةٍ ... عَوَاقِبُهَا فِي الْمَاءِ وَرْدٌ شَوَارِعُ
لَهَا سَعَفٌ جَعْدٌ وَلِيفٌ كَأَنَّهُ ... حَوَاشِي بُرُودٍ حَاكَهُنَّ الْصَوَانُعُ
وَقَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ يَذْكُرُ الْجَنَّةَ:
[البحر الكامل]
فِيهَا الْفَوَاكِهُ كُلُّهَا وَتَزَخْرَفَتْ ... بِطَلْعٍ يُرْضِي النَّاظِرِينَ نَضِيرُ
стр. 50
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الْحَافِظُ أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ السِّلَفِيُّ الْأَصْبَهَانِيُّ ﵁: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْمُشَرَّفِ بْنِ الْمُسْلِمِ الْأَنْمَاطِيُّ، ثنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى الدَّقَّاقُ بِمِصْرَ، ثنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ طَالِبٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَلَّادٍ الرَّامَهُرْمُزِيُّ بِرَامَهُرْمُزَ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى، ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ أَيُّوبَ، ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ مَنْجُوفٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الْقَوِيِّ مَثَلُ النَّخْلَةِ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ كَخَامَةِ الزَّرْعِ»
стр. 51
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْحَنَفِيُّ، ثنا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَوْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ ⦗٨٠⦘ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الْخَامَةِ مِنَ الزَّرْعِ تُفِيئُهُ الرِّيَاحُ، تَعْدِلُهَا مَرَّةً، وَيُقُيمُهَا مَرَّةً أُخْرَى حَتَّى يَأْتِيَهُ أَجَلُهُ، وَمَثَلُ الْكَافِرِ كَمَثَلِ الْأَرَزَةِ الْمُجْذِيَةِ عَلَى أَصْلِهَا، لَا يُقِيمُهَا حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ الثَّوْرِيِّ فَقَالَ: «لَا يُصِيبُهَا شَيْءٌ حَتَّى يَسْتَجِمَّهُ» . وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ فَقَالَ: «لَا تَزَالُ قَائِمَةً حَتَّى تَنْقَصِفَ» . وَرَوَاهُ الْأَعْمَشُ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «لَا تَزَالُ قَائِمَةً حَتَّى تَنْقَعِرَ» . وَقَالَ: الْأَرَزَنَةُ، بِالنُّونِ
стр. 52
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْوَلِيدِ السُّلَمِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ هُدْبَةَ بْنَ خَالِدٍ الْقَيْسِيَّ، يَقُولُ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ مَثَلُ السُّنْبُلَةِ، تَقُومُ أَحْيَانًا، وَتَمِيلُ أَحْيَانًا» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْخَامَةُ: الْغَضَّةُ الرَّطْبَةُ قَالَ الطِّرِمَّاحُ
[البحر الخفيف]
إِنَّمَا نَحْنُ مِثْلُ خَامَةِ زَرْعٍ ... فَمَتَى يَأْنِ يَأْتِ مُحْتَصِدُهُ
⦗٨١⦘
وَالْأَرَزَةُ: الثَّابِتَةُ مِنَ الشَّجَرِ , وَاخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَتِهَا، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْأَرَزَةُ، مِثَالُ فَعَلَةٍ، مُحَرَّكَةٌ مَفْتُوحَةُ الْعَيْنِ، وَهُوَ لَفْظُ الْحَدِيثِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْآرِزَةُ، مِثَالُ فَاعِلَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، قَالَ: وَمِنْهُ تَقُولُ: أَرِزَ يَأْرِزُ، وَمِنْهُمْ مِنْ يَقُولِ: الْأَرْزَةُ، مِثَالُ فَعْلَةٍ، سَاكِنَةُ الْعَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ: وَهُوَ شَجَرٌ مَعْرُوفٌ بِالشَّامِ، وَقَدٍ رَأَيْتُهُ يُقَالُ لَهُ: الْأَرْزُ، وَاحِدَتُهَا أَرْزَةٌ، وَهِيَ الَّتِي تُسَمَّى بِالْعِرَاقِ الصَّنَوْبَرُ، وَالصَّنَوْبَرُ: ثَمَرُ الْأَرْزَةِ، وَالْمُجْذِيَةُ: الثَّابِتَةُ فِي الْأَرْضِ، يُقَالُ مِنْهُ: جَذَتْ تَجْذُو، وَأَجْذَتْ تُجْذِي، وَالِانْجِعَافُ: الِانْقِلَاعُ، وَمِنْهُ قِيلَ: جَعَفْتُ بِهِ الْأَرْضَ إِذَا صَرَعْتُهُ فَضَرَبْتُ بِهِ الْأَرْضَ، وَالِانْقِصَافُ مِثْلُهُ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هَذَا فِيمَا نَرَى أَنَّهُ شَبَّهَ الْمُؤْمِنَ بِالْخَامَةِ الَّتِي تُمِيلُهَا الرِّيحُ لِأَنَّهُ مُرْزَأٌ فِي نَفْسِهِ، وَأَهْلِهِ، وَوَلَدِهِ، وَمَالِهِ، وَالْكَافِرُ كَمَثَلِ الْأَرْزَةِ الَّتِي لَا تُمِيلُهَا الرِّيحُ أَيْ لَا يُرْزَأُ شَيْئًا، وَإِنْ أُرْزِيَ لَمْ يُؤْجَرْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمُوتَ، فَشَبَّهَ مَوْتَهُ بِانْجِعَافِ تِلْكَ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ بِذُنُوبِهِ
стр. 53
حَدَّثَنِي قَتَادَةُ بْنُ رُسْتُمَ الطَّائِيُّ، ثنا عُبَيْدُ بْنُ آدَمَ الْعَسْقَلَانِيُّ، ثنا أَبِي، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ وَالْإِيمَانِ كَمَثَلِ الْفَرَسِ فِي آخِيَّتِهِ، يَجُولُ مَا يَجُولُ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى آخِيَّتِهِ، وَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ يَقْتَرَفُ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى الْإِيمَانِ، فَأَطْعِمُوا طَعَامَكُمُ الْأَبْرَارَ، وَخُصُّوا بِمَعْرُوفِكُمُ الْمُؤْمِنِينَ» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْآخِيَّةُ: عُودٌ يُعْرَضُ عَلَى الْحَائِطِ تُشَدُّ إِلَيْهِ الدَّابَّةُ، وَالْجَمْعُ: الْأَوَاخِي، وَيُقَالُ: لِفُلَانٍ آخِيَّةٌ عِنْدَ الْأَمِيرِ
стр. 54
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْمَرْوَزِيُّ، ثنا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، ثنا شُعْبَةُ، عَنْ مُجَالِدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ، يَقُولُ: عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ⦗٨٢⦘: «الْمُؤْمِنُونَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى شَيْءٌ مِنْهُ تَدَاعَى سَائِرُهُ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»
стр. 55
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ غَنَّامٍ، ثنا جَعْفَرُ بْنُ حُمَيْدٍ، ثنا الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثْلُ الْمُسْلِمِينَ فِي تَوَاصُلِهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَالَّذِي جَعَلَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ مَثْلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى شَيْءٌ مِنْهُ تَدَاعَى سَائِرُهُ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: التَّوَادُّ، وَالتَّحَابُّ، وَالتَّرَاحُمُ، وَالتَّوَاصُلُ مَصَادِرُ، مِنْ قَوْلِكِ: تَحَابَّ الرَّجُلَانِ، وَتَوَادَّا، وَتَوَاصَلَا، وَتَرَاحَمَا، وَهُوَ أَنْ يَقَعَ فِعْلُ الْمَحَبَّةِ، وَالْمَوَدَّةِ، وَالْوَصْلَةِ، وَالرَّحْمَةِ مِنْ أَحَدِهِمَا مِثْلُ مَا يَقَعُ مِنَ الْآخَرِ وَشُبِّهَ الْمُؤْمِنُونَ فِي هَذِهِ الْخِصَالِ وَإِنْ تَغَايَرَتْ أَجْسَامُهُمْ وَتَبَايَنَتْ بِالْجَسَدِ الْوَاحِدِ الَّذِي يَأْلَمُ جَمِيعُهُ بِمَا يَأْلَمُ بَعْضُهُ، فَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُونَ مُتُكَافِئُونَ فِي السَّرَّاءِ، وُمُشْتَرِكُونَ فِي الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ
стр. 56
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، ثنا دُحَيْمٌ، ثنا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ عَمْرٍو، ثنا الشَّعْبِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، تَرَاحَمُوا، فَإِنِّي سَمِعْتُ بِأُذُنَيَّ هَاتَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: «الْمُسْلِمُونَ كَالرَّجُلِ الْوَاحِدِ، إِذَا اشْتَكَى عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِهِ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ»
стр. 57
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ، ثنا عَلِيُّ بْنُ بَهْرَامَ، ثنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي ⦗٨٣⦘ كَرِيمَةَ، عَنْ غَالِبٍ، عَنْ صَالِحٍ، مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا»
стр. 58
حَدَّثَنِي أَبِي، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ، ثنا عَبْدُ الْكَبِيرِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الْحَنَفِيُّ، عَنْ غَالِبٍ الْجَزَرِيِّ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مَثَلَ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ الشَّاةِ الْعَائِرَةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ، تَكِرُّ إِلَى هَذِهِ مَرَّةً، وَإِلَى هَذِهِ مَرَّةً، لَا تَدْرِي أَيُّهَا تَتْبَعُ؟» حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ النَّيْسَابُورِيُّ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصٍ، ثنا أَبِي، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ ⦗٨٤⦘ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمُبَارَكِيُّ، ثنا أَبِي، ثنا إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَوْلُهُ «بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ» يُرِيدُ بَيْنَ الْقَطِيعَيْنِ مِنَ الْغَنَمِ، وَيُقَالُ: عَارَتِ الشَّاةُ إِذَا فَارَقَتْ جَمَاعَةَ الْغَنَمِ وَعَدَلَتْ إِلَى بَعْضِ النَّوَاحِي وَمِنْهُ قِيلَ لِلَّذِي يَعِيرُ نَحْوَ الْبَاطِلِ وَيُفَارِقُ أَهْلَ الِاسْتِقَامَةِ وَالْحَقِّ: الْعَيَّارُ. قَالَ أَوْسُ بْنُ حُجْرٍ: لَيْثٌ عَلَيْهِ مِنَ الْبُرْدِيِّ هِبْرِيَةٌ كَالْمَرْزُبَانِيِّ عَيَّارٌ بِأَوْصَالِ يَصِفُ أَسَدًا يُعَيِّرُ بِأَوْصَالِ مَا يَفْتَرِسُهُ، وَيُرْوَى عَيَّالٌ، يَعْنِي يَتَبَخْتَرُ فِي مِشْيَتِهِ بِالْعَشَايَا. وَيُقَالُ: قَصِيدَةٌ عَائِرَةٌ أَيْ سَائِرَةٌ. وَقَالَ بَعْضُ الرُّوَاةِ: مَا قَالَتِ الْعَرَبُ بَيْتًا أَعْيَرَ مِنْ قَوْلِهِ: فَمَنْ يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدُ النَّاسُ أَمْرَهُ وَمَنْ يَغْوِ لَا يَعْدِمْ عَلَى الْغَيِّ لَائِمَا فَصَاحِبُ النِّفَاقِ يَعِيرُ إِلَى أَهْلِ الْإِيمَانِ تَارَةً، وَإِلَى الْمُشْرِكِينَ أُخْرَى، مُتَرَدِّدٌ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ
стр. 59
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ خَلَّادٍ الْقَطَّانُ، ثنا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، ثنا هَمَّامٌ، ثنا قَتَادَةُ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْمَرْوَزِيُّ، وَيُوسُفُ بْنُ الْحَكَمِ، قَالَا: ثنا سُرَيْجُ بْنُ ⦗٨٥⦘ يُونُسَ، ثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الْأُتْرُجَّةِ، طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ التَّمْرَةِ، طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ لَهَا، وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الْحَنْظَلَةِ، خَبِيثٌ طَعْمُهَا، خَبِيثٌ رِيحُهَا» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: الْأُتْرُجَّةُ، بِلَا نُونٍ، وَالَّذِي يَقُولُهُ الْعَامَّةُ بِالنُّونِ خَطَأٌ، وَلَيْسَ فِي الْمَشْمُومَاتِ شَيْءٌ يُجْمَعُ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ وَطَيِّبُ الطَّعْمِ غَيْرَهَا، وَالرَّيْحَانُ اسْمٌ يَجْمَعُ الْمَشْمُومَاتِ مِنَ النَّبَاتِ سِوَى الشَّجَرِ هَكَذَا قَالَهُ الْحَامِضُ. وَقَالَ صَاحِبُ كِتَابِ الْعَيْنِ: الرَّيْحَانُ: أَطْرَافُ كُلِّ بَقْلَةٍ طَيِّبَةِ الرِّيحِ إِذَا خَرَجَ عَلَيْهِ أَوَائِلُ النَّوْرِ وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الرَّيْحَانُ: فَعْلَانُ مِنَ الرِّيحِ، وَالرِّيحُ وَالرَّوْحُ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا صَارَ الْوَاوُ يَاءً فِي الرِّيحِ لِأَنَّ الْحَرْفَ الَّذِي قَبْلَهُ مَكْسُورٌ، وَتَصْغِيرُهَا رُوَيْحَةٌ، وَتَقُولُ: أَرْوَحَ الْمَاءُ وَغَيْرُهُ إِذَا تَغَيَّرَ أَخْبَرَنَا أَبُو خَلِيفَةَ، عَنِ الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ قَالَ: يُقَالُ: انْشَقَّ الصُّبْحُ عَنْ رَيْحَانَةٍ، إِذَا انْشَقَّ عَنْ نَسِيمِهِ، وَالنَّسِيمُ: الرَّائِحَةُ الطَّيِّبَةُ تَجِدُهَا. تَقُولُ: انْشَقَّ النَّهَارُ عَنْ أَطْيَبِ أَوْقَاتِهِ
стр. 60
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَهْدِيٍّ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَلَّى الْآدَمَيُّ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ صُبَيْحٍ، ثنا يَحْيَى بْنُ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُثْمَانَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْقُرْآنَ كَجِرَابٍ مَلَأْتَهُ مِسْكًا، ثُمَّ رَبَطْتَ عَلَى فِيهِ، فَإِنْ فَتَحْتَهُ فَاحَ لَكَ رِيحُهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ كَانَ مِسْكًا مَرْفُوعًا، فَكَذَلِكَ مَثَلُ الْقُرْآنِ، إِنْ قَرَأْتَهُ أَوْ كَانَ فِي صَدْرِكَ»
стр. 61
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَضْرَمِيُّ، ثنا إِسْحَاقُ بْنُ نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَلَا يَفْرِضُ مَثَلُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ رَأْسٌ»
стр. 62
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَمَّادِ بْنِ سُفْيَانَ الْكُوفِيُّ، ثنا عُثْمَانُ بْنُ حَفْصٍ، ثنا الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَثَلُ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ الْإِبِلِ الْمُعَلَّقَةِ، إِذَا تَعَاهَدَ صَاحِبُهَا عَقْلَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِذَا أَغْفَلَهَا ذَهَبَتْ، وَإِذَا قَامَ صَاحِبُ الْقُرْآنِ يَقْرَؤُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَآنَاءَ النَّهَارِ ذَكَرَهُ، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ نَسِيَهُ» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀ ⦗٨٧⦘: قَوْلُهُ «إِذَا تَعَاهَدَ صَاحِبُهَا عَقْلَهَا» ، مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَمِنْهُمْ مِنْ يَقُولُ: بِفَتْحِهَا، وَأَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ يَخْتَارُونَ الْفَتْحَ، وَهُوَ مَصْدَرُ قَوْلِكَ: عَقَلْتُ الْبَعِيرَ أَعْقِلُهُ عَقْلًا، إِذَا شَدَدْتَ يَدَهُ بِعِقَالٍ، وَالْعَقْلُ: الْحَبْلُ الَّذِي تَرْبِطُهُ بِهِ، وَمَنْ قَالَ بِالضَّمِ فَإِنَّمَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى حَرَكَةِ الْقَافِ لِيَكُونَ جَمْعًا لِلْعِقَالِ، كَمَا تَقُولُ: حِمَارٌ وَحُمُرٌ، وِعِقَالٌ وَعُقُلٌ، وَجِرَابٌ وَجُرُبٌ، وَتَسْكِينُ الْقَافِ خَطَأٌ، وَهُوَ لَفْظُ الْمُحَدِّثِينَ
стр. 63
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، ثنا الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ، ثنا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْوَلِيدِ التُّجِيبِيُّ، عَنِ النَّخَعِيِّ، عَنْ أَبِي حَفْصٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ مَثَلَ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَرْضِ مَثَلُ النُّجُومِ فِي السَّمَاءِ، يُهْتَدَى بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبِرِّ وَالْبَحْرِ، فَإِذَا انْطَمَسَتِ النُّجُومُ أَوْشَكَ أَنْ يَضِلَّ الْهُدَاةُ»
стр. 64
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي ⦗٨٨⦘ أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " أَنَّ لُقْمَانَ قَالَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ، عَلَيْكَ بِمَجَالَسَةِ الْعُلَمَاءِ، وَاسْتِمَاعِ كَلَامِ الْحُكَمَاءِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْقُلُوبَ بِنُورِ الْحِكْمَةِ كَمَا يُحْيِي الْأَرْضَ بِوَابِلِ الْمَطَرِ "
стр. 65
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي مُعَاوِيَةَ، ثنا أَبِي، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ مَثَلُ نَهَرٍ جَارٍ عَلَى بَابِ أَحَدِكُمْ، يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ»
стр. 66
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ زَكَرِيَّا، ثنا دَاوُدُ بْنُ بِلَالٍ، ثنا أَبُو الْأَشْهَبِ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ مَثَلُ رَجُلٍ عَلَى بَابِهِ نَهَرٌ جَارٍ غَمْرٌ عَذْبٌ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، فَمَاذَا يُبْقِينَ مِنْ دَرَنِهِ؟»
стр. 67
حَدَّثَنَا شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ مَدِينَةِ السَّلَامِ، ثنا مُحْرِزُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ ⦗٨٩⦘، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ مَاعِزِ بْنِ سُوَيْدٍ الْعَرَجِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵁ , أَنَّ النَّبِيَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ الَّذِي لَا يُتِمُّ صَلَاتَهُ مَثَلُ الْمَرْأَةِ حَمَلَتْ حَتَّى إِذَا دَنَا نِفَاسُهَا أَسْقَطَتْ، فَلَا حَامِلٌ وَلَا ذَاتُ رَضَاعٍ، وَمَثَلُ الْمُصَلِّي كَمَثَلِ التَّاجِرِ لَا يَخْلُصُ لَهُ الرِّبْحُ حَتَّى يَخْلُصَ لَهُ رَأْسُ مَالِهِ، فَكَذَلِكَ الْمُصَلِّي، لَا يُقْبَلُ لَهُ نَافِلَةٌ حَتَّى يُؤَدِّيَ الْفَرِيضَةَ»
стр. 68
٥٦ - أَخْبَرَنَا الْحَضْرَمِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، ثنا أَبِي، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا» الْأَسْفَارُ: وَاحِدُهُمَا سِفْرٌ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٦] . السَّفَرَةُ: الْكَتَبَةُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَيُقَالُ إِنَّهُمْ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا الَّذِينَ يُحْصُونَ أَعْمَالَ الْعِبَادِ وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ - يُعَيِّرُ قَوْمًا بِالرِّوَايَةِ دُونَ الدِّرَايَةِ:
[البحر الطويل]
زَوَامِلُ لِلَأْسَفَارِ لَا عَلِمَ عِنْدَهُمُ ... بِجَيِّدِهَا إِلَّا كعلمِ الْأَبَاعِرِ
لَعَمْرُكَ مَا تَدْرِي الْمَطِيُّ إِذَا غَدَا ... بِأَحْمَالِهِ أَوْ رَاحَ مَا فِي الْغَرَائِرِ
⦗٩٠⦘
وَهَذَا مَثَلٌ لِمَنْ شَهِدَ الْجُمُعَةَ بِجِسْمِهِ، وَلَمْ يَشْهَدْهَا بِقَلْبِهِ، فَجَهِلَ مَا يَجُوزُ مِنْ ثَوَابِهَا بِحُضُورِهِ إِذَا أَنْصَتَ وَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ، فَهُوَ كَالْحِمَارِ الَّذِي لَا يَعْقِلُ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ﴾ [الجمعة: ٥] . وَضَرَبَ اللَّهُ هَذَا مَثَلًا لِلَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ وَلَمْ يَحْمِلُوا مَا فِيهَا مِنَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، فَصَارُوا بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَحْمِلْهَا لِعَدِمِ الِانْتِفَاعِ بِهَا، وَخَصَّ الْحِمَارَ بِهَذَا الْمَثَلِ لِأَنَّهُ الْمَذْمُومُ عِنْدَ الْعَرَبِ مِنَ الدَّوَابِّ، وَالْغَايَةُ فِيمَا يُسْتَبْهَمُ، وَهُمْ يَقُولُونَ لِلْإِنْسَانِ الْمَذْمُومِ: كَأَنَّهُ حِمَارٌ، أَوْ كَأَنَّهُ عِيرٌ. أَنْشَدَنَا ابْنُ عَرَفَةَ، أَنْشَدَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ:
[البحر الطويل]
دُفِعْتُ إِلَى شَيْخٍ بِجَنْبِ فِنَائِهِ ... هُوَ الْعِيرُ إِلَّا أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ
وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ:
[البحر الطويل]
سَوَاسَيَةٌ سُودُ الْوُجُوهِ كَأَنَّهُمْ ... حَمِيرُ بَنِي ذَكْوَانَ إِذْ ثَارَ صَيْقُهَا،
وَالصَّيْقُ: الْغُبَارُ وَضَرَبَ اللَّهُ لِلْمُعْرِضِينَ عَنِ الذِّكْرِ النَّائِينَ عَنْهُ مَثَلَ الْحَمِيرِ الْمُسْتَنْفِرِةِ مِمَّنْ يُقْسِرُهَا وَيَقْهَرَهَا، قَالَ: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٥٠]
⦗٩١⦘، وَكَذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ؟» . وَيُرْوَى «وَجْهَهُ وَجْهَ حِمَارٍ» ، وَاعْتَرَضَ بَعْضُ مَنْ يَتَحَلَّى بِالْخِلَافِ عَلَى الْأَثَرِ وَيَطْعَنُ عَلَى أَهْلِهِ فَقَالَ: وَكَيْفَ لَحِقَ هَذَا الذَّنْبِ الْيَسِيرِ مِثْلُ هَذَا الْوَعِيدِ الْعَظِيمِ فَقَالَ فِيهِ قَوْلًا قَبِيحًا؟ وَإِنَّمَا الْمَعْنَى: أَمَا يَخْشَى مَنْ جَهِلَ الِاقْتِدَاءَ بِإِمَامِهِ، وَقَدْ قَامَ مَقَامَ الْمُقْتَدِي أَنْ يُشْرِكَ الْبَهِيمَةَ فِي صُورَتِهِ كَمَا شَرَكَهُ فِي جَهْلِهِ؟ وَهَذَا عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي ذَمِّ الْجَهْلِ، وَأَهْلِهِ، وَخُصَّ الْحِمَارُ بِذَلِكَ لِمَا قَدَّمْنَا الْقَوْلَ فِيهِ، وَلَأَنَّ الْعَرَبَ تَجْعَلُهُ الْغَايَةَ فِيمَا تَسْتَبْهِمُ وَتَذُمُّ وَتَسْتَجِهِلُ، حَتَّى ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ بِفَسَادِ الدِّينِ، كَمَا قَالَ الْأَخْطَلُ:
[البحر المتقارب]
فَدِينُكَ عِنْدِي كَدِينِ الْحِمَارِ ... بَلْ أَنْتَ أَكْفُرُ مِنْ هُرْمُزِ
وَلِهَذَا قَالَتِ الْإِخْوَةُ مِنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ لِعُمَرَ حِينَ أَسْهَمَ لِلْإخْوَةِ مِنَ الْأُمِّ دُونَهُمْ: هَبَ أَنَّ أَبَانَا كَانَ حِمَارًا. وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ حِينَ بَالَغَ فِي ذَمِّ الدَّهْرِ، وَصَرْفِهِ الْأُمُورَ عَنْ جِهَتِهَا، وَإِجْرَائِهَا عَلَى غَيْرِ حَقَائِقِهَا:
[البحر الوافر]
فَلَوْ ذَهَبَتْ سِتَارُ الدَّهْرِ عَنْهُ ... وَأُلْقِيَ عَنْ مَنَاكِبِهِ الدِّثَارُ
لَعَدَّلَ قِسْمَةَ الْأَيَّامِ فِينَا ... وَلَكِنْ دَهْرُنَا هَذَا حِمَارُ
وَقَالَ حَيَّانُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ مَالِكٍ:
[البحر الطويل]
إِذَا حَلَّ أَهْلِي بِالشَّرِيَّةِ فَاللِّوَى ... فَلَيْسَ عَلَى قَتْلِي لَبِيدٌ بِقَادِرِ
وَلَا تَقْتُلُونِي وَاقْتُلُوا بِأَخِيكُمُ ... حِمَارًا مَهِينًا مِنْ حَمِيرِ قَرَاقِرِ
стр. 69
حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ مُوسَى، ثنا بُنْدَارٌ، ثنا أَبُو أَحْمَدَ، ثنا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٨] قَالَ: إِنْ شَاءَ حِمَارًا، وَإِنْ شَاءَ خِنْزِيرًا
стр. 70
٥٧ - حَدَّثَنَا أَبُو خَلِيفَةَ، ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَوْسِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " مَثَلُ الَّذِي يَسْمَعُ الْحِكْمَةَ وَلَا يَحْمِلُ إِلَّا شَرَّهَا كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى رَاعِيًا فَقَالَ: أَجْزِرْنِي شَاةً مِنْ غَنَمِكَ، قَالَ: انْطَلِقْ فَخُذْ بِأُذُنِ شَاةٍ مِنْهَا، فَذَهَبَ فَأَخَذَ بِأُذُنِ كَلْبِ الْغَنَمِ"،
٥٨ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، ثنا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ الَّذِي يَسْمَعُ الْخُطْبَةَ ثُمَّ لَا يَعِي مَا يَسْمَعُ. . . . . . .» . وَذَكَرَ مِثْلَهُ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَلْبُ الْغَنَمِ خَيْرٌ مِنْ شَاةٍ، وَالْحِكْمَةُ لَا تُسَمَّى شَرًّا، فَالْجَوَابُ أَنَّ الْحِكْمَةَ مَسْمُوعَةٌ وَمَعْقُولَةٌ، وَالْمَسْمُوعُ الْكَلَامُ الَّذِي بُنِيَ عَلَى جِهَةِ الصَّوَابِ وَأُحْكِمَ مَعْنَاهُ، وَقَالَ صَاحِبُ كِتَابِ الْعَيْنِ: الْحِكْمَةُ مَرْجِعُهَا إِلَى الْعَدْلِ وَالْعِلْمِ وَالْحُكْمِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: أَحْكُمَ فُلَانٌ فُلَانًا عَنْ كَذَا، أَيْ مَنَعَهُ. أَخْبَرَنَا مُسَبِّحُ بْنُ حَاتِمٍ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَاسِطِيُّ، ثنا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢] قَالَ: الصَّوَابُ ⦗٩٣⦘ وَقَالَ جَرِيرٌ:
[البحر الكامل]
أَبْنِي حَنِيفَةَ، أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ ... إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمُ أَنْ أَغْضَبَا
فَمَنِ الْحِكْمَةِ قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ الْوَرْدِ:
[البحر الوافر]
إِذَا الْمَرْءُ لَمْ يَطْلُبْ مَعَاشًا يَكْفِهِ ... شَكَا الْفَقْرَ أَوْ لَامَ الصِّدِّيقَ فَأَكْثَرَا
وَصَارَ عَلَى الْأَدْنَيْنَ كَلًّا وَأَوْشَكَتْ ... صِلَاتُ ذَوِي الْقُرْبَى لَهُ أَنْ تُنْكَرَا
فَسِرْ فِي بِلَادِ اللَّهِ وَالْتَمِسِ الْغِنَى ... تَعِشْ ذَا يَسَارٍ أَوْ تَمُوتَ فَتُعْذَرَا
فَهَذِهِ حِكْمَةٌ، وَقَدْ دَلَّ صَاحِبُهَا عَلَى طَلَبِ الرِّزْقِ، وَرَغَّبَ فِي الثَّرْوَةِ، وَأَخْبَرَ عَنْ عُيُوبِ الْفَقْرِ وَفَضْلِ الْغِنَى، وَأَعْلَمَ أَنَّ فِيَ الْغِنَى صِيَانَةً لِلْعِرْضِ، وَقَضَاءً لِلْحَقِّ، وَصِلَةً لِلرَّحِمٍ، وَعَوْنًا عَلَى الْمُرُوءَةِ، وَهُوَ بِذَا الْكَلَامِ الْحَسَنِ وَالْمَعْنَى الْجَيِّدِ الَّذِي ضَمَّنَهُ غَيْرُ سَالِكٍ بِهِ سَبِيلَ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ، يُرِيدُ بِهِ الْغَارَةَ، وَيَبْعَثُ عَلَى الْقَتْلِ وَالتَّلَصُّصِ عَلَى مَا أَخْبَرُوا. وَخَيْرٌ مِنْهَا وَأَفْضَلُ قَوْلُ سَالِمِ بْنِ وَابِصَةَ:
[البحر الطويل]
غِنَى النَّفْسِ مَا يَكْفِيكَ مِنْ سَدِّ خَلَّةٍ ... فَإِنْ زَادَ شَيْئًا عَادَ ذَاكَ الْغِنَى فَقْرَا
فَإِنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ فَضْلِ الْقَنَاعَةِ، وَالرِّضَى بِالْمَيْسُورِ، وَدَلَّ عَلَى مَوَاقِعِ الْكَفَافِ، وَغِنَى النَّفْسِ، وَذَمِّ التَّكَاثُرِ بِأَوْجَزِ لَفْظٍ وَأَتَمِّهِ بَيَانًا، وَأَحْسَنِهِ مِنْ قُلُوبِ أَهْلِ الْبَصَائِرِ مَوْقِعًا، وَأَجْمَعِهِ لِحَظِّ الدُّنْيَا وَالدِّينِ، فَهِيَ خَيْرٌ مِنَ الْأُولَى وَأَفْضَلُ، وَهُمَا حِكْمَتَانِ ⦗٩٤⦘. وَقَالَ قَيْسُ بْنُ الْخَطِيمِ:
[البحر الطويل]
وَكُنْتُ امْرَأً لَا أَسْمَعُ الدَّهْرَ سُبَّةً ... أُسَبُّ بِهَا إِلَّا كَشَفْتُ غِطَاءَهَا
مَتَى يَأْتِ هَذَا الْمَوْتُ لَمْ تَبْقِ حَاجَةٌ ... لِنَفْسِيَ إِلَّا قَدْ قَضَيْتُ قَضَاءَهَا
فَانْظُرْ جَوْدَةَ هَذَا الْكَلَامِ وَحُسْنَهُ، وَقَدْ دَلَّ ظَاهِرُهُ عَلَى مُبَادَرَةِ اللَّذَّةِ بِالْفَوْتِ، وَالْأَخْذِ مِنْهَا قَبْلَ مُفَارَقَتِهَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ قَائِلُهَا أَنَّهُ شَفَى نَفْسَهُ بِدَرَكِ ثَأْرِهِ، وَالِاعْتِلَاءِ عَلَى أَعْدَائِهِ، وَهُوَ حِكْمَةٌ فِي مَعْنَاهُ. وَخَيْرٌ مِنْهُ وَأَفْضَلُ قَوْلُ الصَّلْتَانِ الْعَبْدِيِّ:
[البحر المتقارب]
نَرُوحُ وَنَغْدُو لِحَاجَاتِنَا ... وَحَاجَةُ مَنْ عَاشَ لَا تَنْقَضِي
تَمُوتُ مَعَ الْمَرْءِ حَاجَاتُهُ ... وَتَبْقَى لَهُ حَاجَةٌ مَا بَقِي
فَانْظُرْ أَيْنَ مَوْقِعُ هَذَا الْكَلَامِ إِذَا اعْتُبِرَ، وَمِقْدَارُهُ إِذَا وُزِنَ؟ . وَالْحَاجَةُ: مَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الصَّدْرُ، فَأَخْبَرَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا تَتَنَاهَى بِهِ الْحَالُ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ أَقْصَى بُغْيَتِهِ مِنْ دُنْيَاهُ، فَيَقْضِيَ مِنَ الْحَيَاةِ نَهْمَتَهُ، وَيَسْتَوْفِيَ مِنْهَا شَهْوَتَهُ، وَأَنَّهُ رَهِينٌ بِمَا يُحَاوِلُ، وَغَيْرُ بَالِغٍ جَمِيعَ مَا يُؤَمِّلُ وَإِنْ طَالَتْ أَيَّامُهُ وَامْتَدَّ عُمُرُهُ، وَالْآخِذُ بِقَوْلِ قَيْسٍ هُوَ الْحَامِلُ لِشَرِّ الْحِكْمَتَيْنِ.
⦗٩٥⦘
٩٧ - وَأَمَّا قَوْلُهُ «أَجْزِرْنِي شَاةً» فَإِنَّهُ اسْتَعْطَى مَا يُنْتَفَعُ بِلَحْمِهِ، وَالْكَلْبُ لَا يُنْتَفَعُ بِلَحْمِهِ، إِنَّمَا يَنْتَفِعُ بِصَيْدِهِ وَحِرَاسَتِهِ، وَالْجَزْرُ: كُلُّ شَيْءٍ يُبَاحُ لِلذَّبْحِ، وَالْوَاحِدُ جَزْرَةٌ. قَالَ سَابِقٌ الْبَرْبَرِيُّ:
[البحر البسيط]
أَصْبَحْتُمُ جَزَرًا لِلْمَوْتِ يَأْخُذْكُمْ ... كَمَا الْبَهَائِمُ فِي الدُّنْيَا لَكُمْ جُزُرُ
стр. 71
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الْحَافِظُ أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ السِّلَفِيُّ الْأَصْبَهَانِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْمُشَرَّفِ الْأَنْمَاطِيُّ، ثنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى الدَّقَّاقُ بِمِصْرَ، ثنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ طَالِبٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَلَّادٍ الرَّامَهُرْمُزِيُّ بِرَامَهُرْمُزَ، قَالَ: ثنا ابْنُ صَاعِدٍ، ثنا الْحُسَيْنُ الْمَرْوَزِيُّ، ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ، يَقُولُ عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّمَا بَقِيَ مِنَ الدُّنْيَا بَلَاءٌ وَفِتْنَةٌ، إِنَّمَا مَثَلُ عَمَلِ أَحَدِكُمْ كَمَثَلِ الْوِعَاءِ، إِذَا طَابَ أَعْلَاهُ طَابَ أَسْفَلُهُ، وَإِذَا خَبُثَ أَعْلَاهُ خَبُثَ أَسْفَلُهُ»
стр. 72
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْحَنَفِيُّ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ مُدْرِكٍ، ثنا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ ⦗١٠٠⦘، ثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " إِنَّ رَجُلًا كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اسْتَضَافَ قَوْمًا فَأَضَافُوهُ، وَلَهُمْ كَلْبَةٌ تَنْبَحُ، قَالَ: فَقَالَتِ الْكَلْبَةُ: وَاللَّهِ لَا أَنْبَحُ ضَيْفَ أَهْلِي اللَّيْلَةَ، قَالَ: فَعَوَى جِرَاؤُهَا فِي بَطْنِهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيًّا لَهُمْ، أَوْ قِيلًا لَهُمْ فَقَالَ: مَثَلُ هَذِهِ مَثَلُ أُمَّةٍ تَكُونُ بَعْدَكُمْ يَقْهَرُ سُفَاؤُهَا حُلَمَاءَهَا، وَيَغْلِبُ سُفَهَاؤُهَا عُلَمَاءَهَا" قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: الْجِرَاءُ جَمْعُ جِرْوٍ - بِكَسْرِ الْجِيمِ - وَهُوَ وَلَدُ الْكَلْبَةِ، وَعَوى الْكَلْبُ: إِذَا صَاحَ، وَهُوَ الْعُوَاءُ - بِضَمِّ الْعَيْنِ، مَمْدُودٌ وَهَذَا مَثَلٌ فِي اسْتِعْلَاءِ السُّفَهَاءِ، وَتَطَاوُلِ الْأَشْرَارِ، وَالسَّفَهُ نَقِيضُ الْحِلْمِ، وَهُوَ فِي مَعْنَى الْجَهْلِ، وَأَصْلُهُ التَّنَقُّصُ فِي الْعَقْلِ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي بَذَاءِ اللِّسَانِ، وَرَفَثِ الْقَوْلِ، كَمَا قَالَ جَرِيرٌ
[البحر الكامل]
أَبَنِي حَنِيفَةَ أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ ... إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمُ أَنْ أَغْضَبَا
أَحْكِمُوا: يَعْنِي امْنَعُوا وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ:
[البحر الوافر]
إِذَا نَطَقَ السَّفِيهُ فَلَا تُجِبْهُ ... فَخَيْرٌ مِنْ إِجَابَتِهِ السُّكُوتُ
سَكَتُّ عَنِ السَّفِيهِ فَظَنَّ أَنِّي ... عَيِيتُ مِنَ الْجَوَّابِ فَمَا عَيِيتُ
وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ يُرْوَيَانِ لِعُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللَّهُ عَلَيْهِمَا
стр. 73
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، ثنا جَابِرٌ، وَهُوَ ابْنُ رِفَاعَةَ، حَدَّثَنِي الشَّعْبِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ - وَهُوَ مِنْبَرُ الْكُوفَةِ - رَجُلًا وَهُوَ ⦗١٠١⦘ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَقُولُهُ قَبْلَهُ، فَقَالَ لَهُ نُعَيْمٌ الْأَشْجَعِيُّ: مَنْ هُوَ يَا عَامِرُ؟ قَالَ: هُوَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ مَثَلَ الْمُدَّهِنِ فِي أَمْرِ اللَّهِ كَمَثَلِ رَهْطٍ رَكِبُوا سَفِينَةً فَاقْتَرَعُوا عَلَى الْمَنَازِلِ فِيهَا، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَى السَّفِينَةِ، وَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَاطَّلَعَ مُطَّلِعٌ مِنَ الَّذِينَ أَعْلَى السَّفِينَةِ فَإِذَا بَعْضُ مَنْ فِي أَسْفَلِهَا يَخْرِقُهَا، قَالَ: مَا تَصْنَعُ يَا فُلَانُ؟ قَالَ: أَحْسِبُهُ قَالَ: أَخْرِقُ مَكَانًا فَأَسْتَقِي مِنْهُ"، أَوْ قَالَ أَشْرَبُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَإِنْ غَيَّرُوا عَلَيْهِ نَجَا وَنَجَوْا، وَإِنْ تَرَكُوهُ يَخْرِقُهَا غَرِقَ وَغَرِقُوا» قَالَ نُعَيْمُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ: إِنَّ هَذِهِ عَلَيْنَا شَدِيدَةٌ، أَنَا أَخَافُ أَنْ يَغْرِقَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ وَيَغْرِقُوا، يَعْنِي بَنِي أُمَيَّةَ. قَالَ: وَهَذَا فِي زَمَانِ بَنِي أُمَيَّةَ حَدَّثَنِي أَبِي , وَمُحَمَّدُ بْنُ جُنَيْدٍ، قَالَ ابْنُ جُنَيْدٍ: ثنا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ، وَقَالَ أَبِي: ثنا يَحْيَى الْمُقَوِّمُ، قَالَا: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، ثنا جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ رِفَاعَةَ الْعِجْلِيُّ، حَدَّثَنِي نُعَيْمُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ حَدَّثَنَا ابْنُ ذَرِيحٍ الْعُكْبُرِيُّ، ثنا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَثَلُ الْمُقِيمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ ، وَالْمُدَّهِنِ فِي حُدُودِ اللَّهِ ، وَالْمُنْهَمِكِ فِيهَا كَمَثَلِ ثَلَاثَةٍ فِي سَفِينَةٍ. . . . .» . وَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: الِادِّهَانُ: اللِّينُ، يُقَالُ: ادَّهَنَ الرَّجُلُ يَدَّهِنُ ادِّهَانًا فَهُوَ مُدَّهِنٌ، وَالْمُدَاهِنُ: الْمُصَانِعُ الْمُوَارِبُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] . أَيْ تَلِينُ لَهُمْ فَيَلِينُونَ لَكَ. قَالَ شَاعِرٌ:
[البحر الطويل]
وَفِي الْحِلْمِ ادِّهَانٌ وَفِي الْعَفْوِ دُرْبَةٌ ... وَفِي الصِّدْقِ مَنْجَاةٌ مِنَ الشَّرِّ فَاصْدُقِ
وَالِانْهِمَاكُ: اللَّجَاجُ وَالتَّمَادِيِ، تَقُولُ: انْهَمَكَ فُلَانٌ فِي أَمْرِ كَذَا، إِذَا لَجَّ وَتَمَادَى وَهَذَا مَثَلٌ فِي الْإِغْضَاءِ عَنِ الْجَاهِلِ وَالتَّلَايُنِ لَهُ حَتَّى يَتَمَادَى فِي جَهْلِهِ، وَهُوَ يَقْتَضِي مَعْنَى الْقَوْلِ بِالْحَقِّ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالْأَخْذِ عَلَى أَيْدِي أَهْلِ الشَّرِّ حَتَّى لَا يُؤَدِّيَ انْهِمَاكُهُمْ فِي جَهْلِهِمْ إِلَى فَسَادِ الْعَامَّةِ، وَهُوَ فِي مَعْنَى قَوْلِ أَبِي الْأَسْوَدِ:
[البحر الطويل]
وَمَا لِحَلِيمٍ وَاعِظٍ مِثْلُ نَفْسِهِ ... وَلَا لَسَفِيهٍ وَاعِظٍ كَحَلِيمِ
وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ:
[البحر الخفيف]
وَلَقَدْ تُوقِعُ الْحَلِيمَ وَإِنْ ... كَانَ بَرِيئًا بِجَهْلِهَا السُّفَهَاءُ
وَأَخُو الْحِلْمِ حِينَ لَا يَرْمَحُ ... الْجَاهِلُ وَالْجَاهِلُ السَّفِيهُ سَوَاءُ
وَقَالَ الْعَدَوِيُّ:
[البحر الطويل]
وَمَنْ لَا يَزَلْ يَوْمًا مَعَ الْجَهْلِ مُذْعِنًا ... يَقُدْهُ إِلَى حِينٍ وَذُو الْجَهْلِ حَايِنُ
стр. 74
أَخْبَرَنَا الْحَضْرَمِيُّ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، ثنا حَفْصُ بْنُ جَمِيعٍ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَثَلُ الَّذِي يُعِينُ قَوْمًا عَلَى الظُّلْمِ مَثَلُ الْبَعِيرِ الَّذِي يَتَرَدَّى فِي الرَّكِيِّ، يَنْزِعُ بِذَنَبِهِ» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: الرَّكِيُّ: الْبِئْرُ الصَّغِيرَةُ، تَقُولُ: رَكِيَّةٌ وَرَكِّيُّ وَرَكَايَا، وَأَحْسَبُ الرَّكِيَّ - بِطَرْحِ الْهَاءِ - فِي مَعْنَى الْجَمِيعِ، وَالنَّزْعُ: قَلْعُكَ الشَّيْءَ مِنَ الشَّيْءِ، وَهَذَا مَثَلٌ فِي ذَمِّ الْحَمِيَّةِ وَالتَّعَاوُنِ عَلَى الْعَصَبِيَّةِ وَمَثَّلَ بِالْبَعِيرِ الَّذِي يَتَرَدَّى فِي الْبِئْرِ فُيُحَاوُلُ نَجَاةَ نَفْسِهِ بِهَلَاكِ بَعْضِهِ، وَكَانَ هَذَا مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ وَمَذْهَبِهَا. قَالَ وَدَّاكُ بْنُ ثُمَيلٍ الْمَازِنِيُّ يَذْكُرُ قَوْمَهُ:
[البحر الطويل]
مَقَادِيمُ وَصَّالُونَ فِي الرَّوْعِ خَطْوُهُمْ ... بِكُلِّ رَقِيقِ الشَّفْرَتَيْنِ يَمَانِ
إِذَا اسْتُنْجِدُوا لَمْ يَسْأَلُوا مَنْ دَعَاهُمُ ... لِأَيَّةِ حَرْبٍ أَوْ لِأَيِّ مَكَانِ
⦗١٠٤⦘
وَقَالَ أَخَرُ يُعَيِّرُ قَوْمَهُ بِاللِّينِ، وَيُذْكَرُ غَيْرَهُمْ بِالْحَمِيَّةِ:
[البحر الوافر]
لَا يَسْأَلُونَ أَخَاهُمْ حِينَ يَنْدُبُهُمْ ... فِي النَّائِبَاتِ عَلَى مَا قَالَ بُرْهَانَا
قَوْمٌ إِذَا الشَّرُّ أَبْدَى نَاجِذَيْهِ لَهُمْ ... طَارُوا إِلَيْهِ زَرَافَاتٍ وَوِحْدَانَا
وَهَذَا كَثِيرٌ
стр. 75
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَسْبَاطٍ السَّلُولِيُّ، ثنا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، ثنا هُشَيْمٌ، ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: وَحُمَيْدٌ , عَنِ الْحَسَنِ، وَيُونُسُ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَعِنْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا» . وَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا أَنْصُرُهُ مَظْلُومًا، أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ ظَالِمًا، قَالَ: «امْنَعْهُ مِنَ الظُّلْمِ وَاحْجِزْهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ نَصَرُهُ»
следующие страницы →