← Книги сунны

Книги сунны · id 13084

بحر الفوائد المسمى بمعاني الأخبار للكلاباذي

أبو بكر الكلاباذي

Полный текст (520 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَرْزُبَانِ، قَالَ: ح أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَمْزَةَ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ، وَالْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ» ⦗٣٧⦘ قَالَ الشَّيْخُ ﵀: هَذِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ كَثْرَةِ الْأَكْلِ وَقِلَّتِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْكَافِرَ يَأْكُلُ لِلشَّهْوَةِ، وَالْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ لِلضَّرُورَةِ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَوِ التَّابِعِينَ أَنَّهُ قَالَ: وَدِدْتُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ رِزْقِي فِي حَصَاةٍ أَلُوكُهَا، حَتَّى أَمُوتَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «حَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ» ، وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ وِعَاءٍ إِذَا مُلِئَ شَرٌّ مِنَ الْبَطْنِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَثُلُثٌ لِلطَّعَامٍ، وَثُلُثٌ لِلشَّرَابِ، وَثُلُثٌ لِلنَّفَسِ» . وَهَذَا نِهَايَةُ مَا صَحَّ مِنَ الْأَكْلِ، وَهُوَ ثُلُثُ الْبَطْنِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: «فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ» ، فَإِنَّهُ بِقَوْلِهِ: لَا تَمْلَأُنَّ بُطُونَكُمْ؛ فَإِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ مَالِئِيهِ فَامْلَئُوا ثُلُثَهُ بِالطَّعَامِ، وَلَا تَزِيدُوا عَلَيْهِ، جَعَلَ النِّهَايَةَ ثُلُثَ الْبَطْنِ، فَيَجِبُ أَنْ لَا يُزَادَ عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ النِّهَايَةُ ثُلُثَ الْبَطْنِ جَازَ أَنْ يَكُونَ الِاخْتِيَارُ نِصْفَ ذَلِكَ، وَهُوَ السُّدُسُ، ثُمَّ يُنْقِصُ الْمُؤْمِنُ مِنْ هَذَا الْحَدِّ شَيْئًا، فَيَصِيرُ سُبْعَ الْبَطْنِ، فَكَأَنَّهُ يَأْكُلُ سُبْعَ مَا يَأْكُلُ الْمُمْتَلِئُ جَوْفُهُ الَّذِي يَصِيرُ بَطْنُهُ شَرَّ وِعَاءٍ مُلِئَ، وَالْكَافِرُ يَمْلَأُهُ، فَيَكُونُ بَطْنُهُ شَرَّ وِعَاءٍ، كَمَا أَنَّهُ شَرُّ الْخَلْقِ، وَأَحْرَى أَنَّ شَهَوَاتِ الطَّعَامِ تَنْقَسِمُ عَلَى سَبْعَةِ أَقْسَامٍ مِنْهَا: شَهْوَةُ الطَّبْعِ، وَشَهْوَةُ النَّفْسِ، وَشَهْوَةُ الْعَيْنِ، وَشَهْوَةُ الْفَمِ، وَشَهْوَةُ الْأُذُنِ، وَشَهْوَةُ الْأَنْفِ، وَالضَّرُورَةُ سَابِعُهَا ⦗٣٨⦘. فَالطَّعَامُ يُؤْكَلُ لِلضَّرُورَةِ، وَهُوَ الْجُوعُ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْ تَسْكِينِهِ، وَيَرَى الْإِنْسَانُ الطَّعَامَ فَيَشْتَهِيهِ فَيَأْكُلُ، وَلَيْسَ لَهُ إِلَيْهِ حَاجَةٌ، وَيَشُمُّ رَائِحَةَ الطَّعَامِ فَيَشْتَهِيهِ فَيَأْكُلُ، وَيَسْتَلِذُّ الطَّعَامَ فَيَأْكُلُ، وَيَسْمَعُ بِذَلِكَ الطَّعَامِ فَيَشْتَهِيهِ فَيَأْكُلُ، وَكُلُّ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَوْفَى مِنَ الطَّعَامِ، وَيَشْتَهِي الْحَامِضَ، وَالْحُلْوَ، وَالْمُرَّ، وَالْمِزَّ، فَيَأْكُلُ بِشَهْوَةِ طَبْعِهِ، فَأَمَّا شَهْوَةُ النَّفْسِ فَإِنَّهَا لَا تَقِفُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَرْءَ رُبَّمَا يَعَافُ الطَّعَامَ لِامْتِلَائِهِ، وَيَشْتَهِي مَا يَشْتَهِيهِ، وَيُهَيِّئُ الطَّعَامَ لِوَقْتٍ مُسْتَقْبَلٍ، فَالَّذِي يَأْكُلُ لِلشَّهْوَةِ رُبَّمَا جَمَعَ هَذِهِ الشَّهَوَاتِ كُلَّهَا، وَالْمُؤْمِنُ لَا يَأْكُلُ لِلشَّهْوَةِ، وَلَكِنْ يَأْكُلُ لِلضَّرُورَةِ، فَهُوَ سُبْعُ مَا يَأْكُلُ الْكَافِرُ

стр. 37

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 38

حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ سَهْلُ بْنُ السَّرِيِّ بْنِ الْخَضِرِ الْحَافِظُ قَالَ: ح سَهْلُ بْنُ شَاذَوَيْهِ قَالَ: ح عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: ح أَبِي قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ مَرْوَانَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ رَاشِدٍ، شَيْخٍ مِنْ أَهْلِ مَرْوَ، عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَفِيهِ حَسَدٌ، وَسُوءُ ظَنٍّ، وَطِيَرَةٌ، فَذَهَابُ حَسَدِهِ أَلَّا يَبْغِيَ أَخَاهُ غَائِلَةً، وَذَهَابُ سُوءِ ظَنِّهِ أَنْ لَا يَحْقِرَهُ بِقَوْلٍ يَقُولُهُ، وَذَهَابُ طِيَرَتِهِ أَنْ يَمْضِيَ لِحَاجَتِهِ وَلَا تَرُدَّهُ الطِّيَرَةُ» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ ﵀: الْمُؤْمِنُونَ مُتَفَاوِتُونَ فِي أَحْوَالِهِمْ، وَمَقَامَاتِهِمْ، وَدَرَجَاتِهِمْ، فَمِنْهُمُ الضَّعِيفُ فِي إِيمَانِهِ، وَمِنْهُمُ الْقَوِيُّ، وَمِنْهُمُ الْعَالِي، وَمِنْهُمُ الدَّانِي، وَقَوْلُهُ ﷺ : مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَفِيهِ كَذَا وَكَذَا عَمَّ الْجَمِيعَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ الَّتِي فِيهَا هَذَا الْخَبَرُ تَحْمِلُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ وَبِحَالِهِ، فَالَّذِي وَصَفَ النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حَالَةُ الْمُتَوَسِّطِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، بِقَوْلِهِ: ذَهَابُ حَسَدِهِ أَلَّا يَبْغِيَ أَخَاهُ غَائِلَةً، فَحَسَدُ الَّذِي يَبْغِي صَاحِبُهُ أَخَاهُ غَائِلَةً هَذَا هُوَ الْحَسَدُ الْمَذْمُومُ الَّذِي يَعْرِفُهُ الْمُؤْمِنُ مِنْ نَفْسِهِ، فَيُجَاهِدُهَا بِأَنْ لَا يَبْغِيَ أَخَاهُ غَائِلَةً، لِأَنَّ صِفَةَ الْحَسَدِ أَنْ يَغْتَالَ الْحَاسِدُ مَحْسُودَهُ، فَكَأَنَّ نَفْسَهُ تُطَالِبُهُ بِأَنْ يَبْغِيَ أَخَاهُ غَائِلَةً، فَهُوَ مُجَاهِدُهَا، وَكَذَلِكَ إِذْ سَاءَ ظَنُّهُ بِأَخِيهِ، فَإِنَّ نَفْسَهُ تُطَالِبُهُ بِأَنْ يَبْغِيَ أَخَاهُ غَائِلَةً، فَهُوَ مُجَاهِدُهَا، وَالطِّيَرَةُ تَمْنَعُ صَاحِبَهَا عَنِ الْمُضِيِّ فِي حَاجَاتِهِ، فَهُوَ يُجَاهِدُ

стр. 39

نَفْسَهُ، وَلَا تُثْنِيهِ الطِّيَرَةُ عَنْ وَجْهِهِ بَلْ يَمْضِي فِيهِ. هَذِهِ صِفَةُ أَوْسَاطِ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَمَّا مَنْ عَلَتْ رُتْبَتُهُ، وَارْتَفَعَتْ مَنْزِلَتُهُ، وَجَلَّتْ صِفَتُهُ، فَإِنَّهُ يَكُونُ فِيهِ هَذِهِ الْخِصَالُ غَيْرَ أَنَّهَا لَا تَكُونُ مَذْمُومَةً، وَذَلِكَ أَنَّهَا تَكُونُ فِي أَسْبَابِ الدِّينِ لِلَّهِ تَعَالَى، لَا فِي أَسْبَابِ الدُّنْيَا، وَلَا لِنَفْسِهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ حَسَدُهُ فِي فَضِيلَةٍ يَرَاهَا فِي أَخِيهِ وَخَلَّةٍ مِنْ خِلَالِ الْخَيْرِ يَجِدُهَا فِيهِ فَيَتَمَنَّاهَا لِنَفْسِهِ كَمَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا

стр. 40

ح نَصْرُ بْنُ فَتْحٍ قَالَ: ح أَبُو عِيسَى قَالَ: ح ابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَ: ح سُفْيَانُ قَالَ: ح الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ تَعَالَى الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ " فَيُسَمَّى هَذَا حَسَدًا، فَهَذَا حَسَدُ مَنْ عَلَتْ رُتْبَتُهُ فِي الدِّينِ عَنْ دَرَجَةِ أُولَئِكَ، وَسُوءُ ظَنِّهِ يَكُونُ بِنَفْسِهِ لَا بِغَيْرِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَهُوَ لِسُوءِ ظَنِّهِ بِنَفْسِهِ يَخَافُ عَلَيْهَا مَعَ حُسْنِ عَمَلِهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] ، أَيْ يَفْعَلُونَ مِنَ الْخَيْرِ وَالطَّاعَةِ وَالْبِرِّ، وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ لِسُوءِ ظُنُونِهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ قَصَّرُوا فِي الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ، كَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فِيمَا

стр. 41

ح خَلَفُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: ح أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ، وَأَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ قَالَا: ح ابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَ: ح سُفْيَانُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ الْهَمْذَانِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ، ﵂، أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] هُمُ الَّذِينَ ⦗٤٠⦘ يَشْرَبُونَ الْخُمُورَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: «لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ، وَيَصُومُونَ، وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا تُقْبَلَ مِنْهُمْ، أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ» وَأَمَّا الطِّيَرَةُ: فَإِنَّهَا تَكُونُ لَهُمْ فِي أَسْبَابِ الدُّنْيَا إِذَا فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ تَطَيَّرُوا أَنَّهَا لَهُمْ فِتْنَةٌ، وَسَبَبُ الِاشْتِغَالِ عَنِ اللَّهِ ، وَيَرَوْنَ أَنَّهَا سَبَبُ الْمَقْتِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٤٤] ، وَفِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ: إِذَا رَأَيْتَ الْغِنَاءَ مُقْبِلًا فَقُلْ: ذَنْبٌ عُجِّلَتْ عُقُوبَتُهُ، فَهَذِهِ طِيَرَةُ هَؤُلَاءِ، وَسُوءُ ظَنِّهِمْ، وَحَسَدُهُمْ فِي الدِّينِ؛ فَإِنَّ الَّذِينَ اصْطَفَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى لِنَفْسِهِ، وَانْتَخَبَهُمْ لِوِلَايَتِهِ، وَجَعَلَهُمْ فِي قَبْضَتِهِ، كُلُّ خِصَالِهِمْ مَحْمُودَةٌ، وَجَمِيعُ حَرَكَاتِهِمْ عَلَى مَا يَجِبُ، وَعَامَّةُ صِفَاتِهِمْ صِفَاتُ الْمَدْحِ، وَإِنْ كَانَتْ غَلَبَةُ أَحْوَالِ الْآدَمِيِّينَ لَا تَكُونُ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ

стр. 42

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 43

حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ الْفَتْحِ، قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْحَارِثِ الْبَاغَنْدِيُّ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: ح سُلَيْمَانُ بْنُ رَجَاءٍ، عَنْ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، ﵁، أَوْ غَيْرِهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ أَبْدَالَ أُمَّتِي لَمْ يَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِالْأَعْمَالِ، وَلَكِنْ دَخَلُوا الْجَنَّةَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَسَخَاوَةِ الْأَنْفُسِ، وَسَلَامَةِ الصُّدُورِ، وَرَحْمَةً لِلْمُسْلِمِينَ» ⦗٤١⦘ قَالَ الشَّيْخُ ﵀: إِنَّمَا سُمُّوا أَبْدَالًا؛ لِأَنَّهُمْ بَدَلٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالصِّدِّيقِينَ، وَالشُّهَدَاءِ الَّذِينَ هُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ وَالْأَنْصَارِ فِي أَنْ يَصْرِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْعَذَابَ عَنْ أَهْلِ الْأَرْضِ بِعِصْيَانِهِمْ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ أَمَانًا فِي أُمَّتِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] ، ثُمَّ أَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَهْلُ بَيْتِهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَهْلُ بَيْتِي أَمَانٌ لِأُمَّتِي» ، وَقَالَ ﵇: «أَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، إِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى كَذَلِكَ أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ» ، فَلَمَّا قَبَضَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ إِلَى رَحْمَتِهِ جَعَلَ مِنْهُمْ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَحِينٍ بَدَلًا مِنْهُمْ عَلَى حَسَبِ مَا يَنْبَغِي بِأَهْلِ ذَلِكَ الْعَصْرِ، فَيَدْفَعُ بِهِمْ عَنْهُمُ الْعَذَابَ. قَوْلُهُ: «لَمْ يَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِالْأَعْمَالِ» يَعْنِي بِالْحَرَكَاتِ الظَّاهِرَةِ، فَإِنَّهُمْ عَسَى أَتَوْا بِأَكْثَرَ صَلَاةً، وَصِيَامًا، وَجِهَادًا، وَنَفَقَةً مِنْ غَيْرِهِمْ مِنْ صَالِحِي الْمُؤْمِنِينَ، وَلَكِنْ دَخَلُوهَا بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الَّتِي تَفَرَّدُوا بِهَا عَنْ غَيْرِهِمْ، فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي عَصْرِهِمْ مَنْ هُوَ أَكْثَرُ عَمَلًا مِنْهُمْ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أَبِي بَكْرٍ ﵁: «إِنَّهُ لَمْ يَفْضُلْكُمْ بِكَثْرَةِ صَلَاةٍ، وَلَا صِيَامٍ، وَلَكِنْ بشَيْءٍ وَقَرَ فِي صَدْرِهِ» . وَقَوْلُهُ: «سَخَاوَةُ الْأَنْفُسِ» أَيْ بِسَخَاوَتِهَا بِفَوَاتِ مَا دُونَ اللَّهِ، وَسَلَامَةِ الصُّدُورِ مِنَ السُّكُونِ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩] ، قِيلَ: سَلِيمٌ عَمَّا دُونَ اللَّهِ، وَقَوْلُهُ: «وَرَحْمَةً لِلْمُسْلِمِينَ» بِالشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ فِي تَحَمُّلِ أَثْقَالِهِمْ، وَتَخْفِيفِ مُؤَنِهِمْ عَنْهُمْ

стр. 44

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 45

حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ الْهَيْثَمِ قَالَ: ح الْحَسَنُ بْنُ مُكْرَمٍ قَالَ: ح رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ قَالَ: ح شُعْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا التَّيَّاحِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، ﵁ يُحَدِّثُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يَسِّرُوا، وَلَا تُعَسِّرُوا، وَسَكِّنُوا، وَلَا تُنَفِّرُوا» قَالَ الشَّيْخُ: مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : «يَسِّرُوا» إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَيِ: اصْرِفُوا وُجُوهَ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ، وَرُدُّوهُمْ فِي طَلَبِ الْحَوَائِجِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَرُدُّوهُمْ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ الْيُسْرَ كُلَّهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ، وَقَالَ ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦] . «وَلَا تُعَسِّرُوا» أَيْ: لَا تَرُدُّوهُمْ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ فِي طَلَبِ الْحَوَائِجِ مِنْهُمْ، وَقَضَائِهَا مِنْ عِنْدِهِمْ، فَإِنَّهُمْ مُحْتَاجُونَ إِلَى مِثْلِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِمْ فِيهِ، فَكَأَنَّهُمْ يَتَجَاذَبُونَ شَيْئًا بَيْنَهُمْ كُلٌّ يُرِيدُهُ لِنَفْسِهِ، فَيَعْسَرُ عَلَيْكُمُ الْوُصُولُ إِلَى مَا يَتَجَاذَبُونَهُ بَيْنَكُمْ. وَقَوْلُهُ: «سَكِّنُوا» تَصْدِيقًا لِمَا قُلْنَا بِأَنَّ السُّكُونَ هُوَ الطُّمَأْنِينَةُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] ، فَلَا يَزَالُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ فِي اضْطِرَابٍ فِي نِيلِ مَا يَرْجُوهُ، وَكَذَلِكَ مَا يُرِيدُهُ حَتَّى يَرُدَّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَهُنَاكَ يَسْكُنُ اضْطِرَابُهُ ضَرُورَةً وَاخْتِيَارًا. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: «لَا تُنَفِّرُوا» أَيْ: لَا تُفَرِّقُوهُمْ فِي دَلَالَتِهِمْ عَلَى غَيْرِ اللَّهِ، وَرَدِّهِمْ إِلَى مَنْ سَوَاهُ، فَيَتَفَرَّقُ بِهِمُ الْمَذَاهِبُ، وَيَخْتَلِفُ عَلَيْهِمُ الْمَسَالِكُ وَالطُّرُقُ فِي طَلَبِ مَا يُرِيدُونَهُ فَالتَّنَافُرُ فُرْقَةٌ، وَالسُّكُونُ جَمْعٌ، فَكَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ: يَسِّرُوا، أَيْ: رُدُّوهُمْ إِلَى الْيُسْرِ ⦗٤٣⦘، وَلَا تُعَسِّرُوا، أَيْ: لَا تَرُدُّوهُمْ إِلَى الْعُسْرِ، وَسَكِّنُوا: أَيِ اجْمَعُوهُمْ، وَلَا تُنَفِّرُوا أَيْ: لَا تُفَرِّقُوهُمْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ أَصْبَحَ وَهَمُّهُ الدُّنْيَا شَتَّتَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَمَنْ أَصْبَحَ وَهَمُّهُ الْآخِرَةُ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ شَمْلَهُ» ، هَذَا فِيمَنْ أَرَادَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ، فَمَا ظَنُّكَ فِيمَنْ أَرَادَ بِهِمَا. يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ مَا

стр. 46

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْخُزَاعِيُّ، قَالَ: ح سَعِيدُ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: ح جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، ﵂ قَالَتْ: مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ، إِلَّا اخْتَارَ الَّذِي هُوَ أَيْسَرُ " يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: اخْتَارَ الَّذِي هُوَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ إِذَا اخْتَارَ مَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى فَقَدِ اخْتَارَ الْيُسْرَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُرِيدُ الْيُسْرَ

стр. 47

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 48

حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْبُجَيْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْلِمٍ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ح هِشَامٌ، وَهَمَّامٌ قَالَا: ح يَحْيَى، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ، لَا يُشَكُّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْوَالِدِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ " وَرُوِيَ: «دَعْوَةُ الْوَلَدِ عَلَى وَالِدِهِ» ، وَالْوَلَدُ مُخْلِصٌ فِي دَعَاءِ وَالِدَيْهِ، وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَجَابَ دَعْوَةَ الصِّبْيَانِ لِوَالِدِيهِمْ» ؛ لِطَهَارَتِهِمْ، وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ أَطْهَرَ مِنْهُمَا، وَأَقَلَّهُمْ ذَنْبًا، جِئْنَا إِلَى الْحَدِيثِ ⦗٤٤⦘ قَالَ الشَّيْخُ ﵀: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى التَّبَرُّئِ عَمَّا سِوَى اللَّهِ، وَالِانْقِطَاعِ إِلَى اللَّهِ، وَالشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسَافِرَ مُسْتَوْفِزٌ مُضْطَرِبُ الْحَالِ، قَلَّ مَا يُسَاكِنُ شَيْئًا، أَوْ يُوَافِقُ حَالًا؛ لِأَنَّهُ مُنْتَقِلٌ فِي الْمَكَانِ مُخْتَلِفُ الْعِشْرَةِ مِنَ الْأَحْزَانِ، عَلَى وَجَلٍ مِنْ حَوَادِثِ الزَّمَانِ، كَثِيرُ الرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ إِلَى الرَّحْمَنِ، قَدْرُ مَا انْفَصَلَ سِرُّهُ مِنَ الِاعْتِبَارِ اتَّصَلَ سِرُّهُ مِنَ الْخِيَارِ، صَفَا سِرُّهُ، فَأَسْرَعَتِ الْإِجَابَةُ إِلَيْهِ إِذَا دَعَاهُ، وَالْمَظْلُومُ مُضْطَرٌّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢] ، وَالْمُضْطَرُّ مُنْقَطِعٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالْوَالِدُ مُشْفِقٌ عَلَى وَلَدِهِ، مُؤْثِرٌ لِحَظِّهِ عَلَى حَظِّ نَفْسِهِ، فَصَحَّتْ شَفَقَتُهُ، فَأُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ

стр. 49

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 50

حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ إِمَامُ جَامِعِ سَرَخْسَ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رَجَاءٍ السَّرَخْسِيَّانِ قَالَا: ح أَبُو عُبَيْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ السَّامِيُّ، ح أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ الْمَخْزُومِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: ح يُوسُفُ بْنُ خَالِدٍ السَّمْتِيُّ قَالَ: ح عُمَرُ بْنُ إِسْحَاقَ، أَنَّهُ سَمِعَ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ، يُحَدِّثُ عَنْ مَيْمُونَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ آذَى لِي وَلِيًّا فَقَدِ اسْتَحَلَّ مَحَارِمِي، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي فِي مِثْلِ أَدَاءِ فَرِيضَتِي، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَحَبَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ رِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَلِسَانَهُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ، وَقَلْبَهُ الَّذِي يَعْقِلُ بِهِ، إِنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ، وَإِنْ دَعَانِي أَجَبْتُهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ مَوْتِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ يَكْرَهُهُ، وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ " قَالَ الشَّيْخُ ﵀: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: «كُنْتُ رِجْلَهُ وَيَدَهُ» ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَيْ: كُنْتُ حَافِظًا لَهُ أَعْصِمُهُ، وَأَعْصِمُ جَوَارِحَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، أَنْ يَتَصَرَّفَ إِلَّا فِي نَجَاتِي؛ لِأَنَّهُ إِذَا أَحَبَّهُ كَرِهَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيمَا يَكْرَهُهُ مِنْهُ ⦗٤٥⦘، وَقَوْلُهُ: «مَا تَرَدَّدْتُ» ، يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ عِبَارَةً عَنِ الْفِعْلِ بِالصِّفَةِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ: مَا رَدَدْتُ شَيْئًا مِمَّا أُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَهُ بِعَبْدِي كَمَا رَدَدْتُ عَلَيْهِ فِي إِزَالَةِ كَرَاهَةِ الْمَوْتِ عَنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَرِهَ الْمَوْتَ رَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَحْوَالًا مُخْتَلِفَةً، حَالًا بَعْدَ حَالٍ، وَمَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى مِمَّا يُحْدِثُهُ فِي نَفْسِهِ مِنْ عَجْزٍ يَجِدُهُ، وَضَعْفٍ يَرَاهُ فِي نَفْسِهِ، وَأَسْبَابٍ تَحْدُثُ لَهُ فِي مُدَّةِ عُمُرِهِ حَتَّى يَسْأَمَ لِذَلِكَ حَيَاتَهُ، فَيَتَمَنَّى الْمَوْتَ،

стр. 51

كَمَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " يُوشِكُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَسْعَى إِلَى قَبْرِ قَرَابَتِهِ، أَوْ ذِي رَحِمِهِ، فَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَكَ، وَلَا أُعَايِنُ مَا أُعَايِنُ " ح بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْحَارِثِ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو نُعَيْمٍ النَّخَعِيُّ، قَالَ: ح أَبُو الْغُبَيْشِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَيَبْلُغُ مِنْ تَمَنِّيهِ الْمَوْتَ مَا يَسْأَلُ اللَّهَ ذَلِكَ» ، حَتَّى وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ» أَلَا تَرَى إِلَى مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ فَقَالَ: مَا يَحْبِسُ أَشْقَاهَا أَنْ يَخْضِبَ هَذِهِ مِنْ هَذَا، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى رَأْسِهِ، فَهَذَا تَمَنِّيهِ لِلْمَوْتِ لِاخْتِلَافِ رَعِيَّتِهِ عَلَيْهِ، وَإِذَا هُمْ لَهُ فِي أَحْوَالٍ مُخْتَلِفَةٍ، مَرَّةً يُقَاتِلُ النَّاكِثِينَ، وَمَرَّةً يُقَاتِلُ الْقَاسِطِينَ، وَمَرَّةً يُقَاتِلُ الْمَارِقِينَ مِنَ الْجَمَلِ إِلَى صِفِّينَ، وَمِنْهَا إِلَى النَّهْرِ، ثُمَّ مُخَالَفَةِ رَعِيَّتِهِ لَهُ، وَكُلُّ هَذَا يُرَدِّدُهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، حَتَّى بَلَغَ مِنْ تَمَنِّيهِ الْمَوْتَ مَا ذَكَرَ، وَقَدْ يُحْدِثُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ مِنَ الرَّغْبَةِ فِيمَا عِنْدَهُ وَالشَّوْقِ إِلَيْهِ وَالْحُبِّ لِلِقَائِهِ مِمَّا يَشْتَاقُ إِلَى الْمَوْتِ فَضْلًا عَنْ زَوَالِ الْكَرَاهَةِ عَنْهُ لَهُ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَيَسُؤُهُ، وَيَكْرَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَسَاءَتَهُ، فَيُزِيلُ عَنْهُ كَرَاهَةَ الْمَوْتِ بِمَا يُرَدِّدُهُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَحْوَالِ، فَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ وَهُوَ لَهُ مُؤْثِرٌ، وَإِلَيْهِ مُشْتَاقٌ وَتَرَدَّدَ: قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى رَدَّدَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، كَمَا ذَكَرْنَا، فَقَدْ جَاءَ عَنْهُمْ تَفَكَّرَ وَفَكَّرَ، وَتَدَبَّرَ وَدَبَّرَ، وَتَهَدَّدَ وَهَدَّدَ، فَيَكُونُ تَرَدَّدَ بِمَعْنَى رَدَّدَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ

стр. 52

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 53

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَاضِي قَالَ: ح أَبُو سَعِيدٍ الْعَدَوِيُّ قَالَ: ح الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ قَالَ: ح مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا، فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا، وَأَمَّا قَوْمٌ يُرِيدُ اللَّهُ بِهِمُ الرَّحْمَةَ، فَإِذَا أُلْقُوا فِيهَا أَمَاتَهُمْ، حَتَّى يَأْذَنَ بِإِخْرَاجِهِمْ، فَيُدْخِلَهُمُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ» قَالَ الشَّيْخُ ﵀: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَمَاتَهُمْ عِبَارَةً عَنْ تَغْيِيبِهِ إِيَّاهُمْ عَنْ آلَامِهَا فِيهَا، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مَوْتًا عَلَى الْحَقِيقَةِ، فَإِنَّ النَّوْمَ قَدْ يُغَيِّبُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْآلَامِ وَالْمَلَاذِ، وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَفَاةً، فَقَالَ ﷻ : ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] ، فَهِيَ وَفَاةٌ وَلَيْسَ بِمَوْتٍ فِي الْحَقِيقَةِ الَّذِي هُوَ خُرُوجُ الرُّوحِ عَنِ الْبَدَنِ، وَكَذَلِكَ الصَّعْقَةُ قَدْ عَبَّرَ اللَّهُ عَنِ الْمَوْتِ بِهَا، فَقَالَ: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ : وَأَخْبَرَ عَنْ مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، أَنَّهُ خَرَّ صَعِقًا، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَوْتًا عَلَى الْحَقِيقَةِ غَيْرَ أَنَّهُ لَمَّا غَيَّبَ عَنْ أَحْوَالِ الشَّاهِدِ، وَعَنِ الْمَلَاذِ، وَالْآلَامِ جَازَ أَنْ يُسَمَّى مَوْتًا، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: أَمَاتَهُمْ أَيْ: غَيَّبَهُمْ عَنِ الْآلَامِ، وَهُمْ أَحْيَاءٌ بِلَطِيفَةٍ يُحْدِثُهَا اللَّهُ فِيهِمْ، كَمَا غَيَّبَ النِّسْوَةَ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ بِشَاهِدٍ ظَهَرَ لَهُنَّ، فَغِبْنَ فِيهِ عَنْ آلَامِهِنَّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَوْتًا عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَأَنَّهُ يُمِيتُهُمْ فِيهَا بِخُرُوجِ أَرْوَاحِهِمْ، فَيَكُونُوا أَمْوَاتًا عَلَى الْحَقِيقَةِ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [طه: ٧٤] : لِأَنَّ أَهْلَ النَّارِ أَحْيَاءٌ فِي الْحَقِيقَةِ، وَلَيْسُوا بِأَمْوَاتٍ، لِأَنَّ الْحَيَوَانَ إِذَا لَمْ يُوصَفْ بِالْحَيَاةِ، فَهُوَ مَوْصُوفٌ بِالْمَوْتِ، وَلَمَّا لَمْ يَكُونُوا فِيهَا مَوْتَى، فَهُمْ أَحْيَاءٌ. فَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونُوا أَحْيَاءً مَعَ قَوْلِهِ: ﴿لَا يَحْيَى﴾ [طه: ٧٤] جَازَ أَنْ يَكُونَ الْمُوَحِّدُونَ فِيهَا أَمْوَاتًا مَعَ قَوْلِهِ: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [طه: ٧٤] : وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [طه: ٧٤] أَيْ: لَا يَمُوتُ فَيَسْتَرِيحُ، وَلَا يَحْيَى فَيَنْتَفِعُ بِحَيَاتِهِ ⦗٤٧⦘. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا مَعْنَى إِدْخَالِهِمُ النَّارَ، وَهُمْ فِيهَا غَيْرُ مُتَأَلِّمِينَ؟ قِيلَ: أَنْ يُدْخِلَهُمُ النَّارَ تَأْدِيبًا لَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يُعَذِّبَهُمْ فِيهَا، وَيَكُونُ صَرَفَ نِعَمَ الْجَنَّةِ عَنْهُمْ مُدَّةَ كَوْنِهِمْ فِيهَا عُقُوبَةً لَهُمْ كَالْمَحْبُوسِينَ فِي السُّجُونِ، فَإِنَّ الْحَبْسَ عُقُوبَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَلٌّ، وَلَا قَيْدٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا مُتَأَلِّمِينَ غَيْرَ أَنَّ آلَامَهُمْ تَكُونُ أَخَفَّ مِنْ آلَامِ الْمُغَيَّبِينَ، وَهُمْ مَوْتَى أَخَفُّ مِنْ عَذَابِهِمْ، وَهُمْ أَحْيَاءٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ آلِ فِرْعَوْنَ: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] ، فَأَخْبَرَ أَنَّ عَذَابَهُمْ إِذَا بُعِثُوا يَكُونُ أَشَدَّ مِنْ عَذَابِهِمْ، وَهُمْ مَوْتَى، وَهُمْ فِي حَالَةِ الْمَوْتِ مُعَذَّبُونَ، فَكَذَلِكَ الْمُوَحِّدُونَ يُمِيتُهُمْ فِي النَّارِ، وَيَكُونُونَ مُعَذَّبِينَ مُتَأَلِّمِينَ، وَهُمْ مَوْتَى، وَيَكُونُ عَذَابُهُمْ، وَآلَامُهُمْ أَخَفَّ مِنْ عَذَابِ الْكُفَّارِ، عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [طه: ٧٤] فِي صِفَةِ الْكُفَّارِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [الأعلى: ١٢] ، وَالْأَشْقَى: هُوَ الَّذِي بَلَغَتْ شَقَاوَتُهُ نِهَايَتَهَا، وَهُوَ الَّذِي لَا يَسْعَدُ أَبَدًا، وَهُوَ الَّذِي يُخَلَّدُ فِيهَا، فَأَمَّا الْمُوَحِّدُ وَإِنْ شَقِيَ بِدُخُولِهِ فِيهَا، فَإِنَّهُ يَسْعَدُ بِخُرُوجِهِ مِنْهَا، فَهُوَ وَإِنْ شَقِيَ، فَلَيْسَ بِالْأَشْقَى، وَإِذَا كَانَ قَوْلُهُ: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [طه: ٧٤] فِي الْكُفَّارِ خَرَجَ الْمُوَحِّدُونَ مِنْهَا، فَيَجُوزُ أَنْ يَمُوتُوا، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ خِلَافًا لِلْآيَةِ. وَإِنْ قِيلَ بِأَنَّ الْمُخَلَّدِينَ فِيهَا لَيْسُوا بِصِفَةِ الْأَحْيَاءِ، وَلَا الْمَوْتَى لَمْ يَبْعُدْ، فَإِنَّ الْجَمَادَ لَا يُوصَفُ بِالْحَيَاةِ، وَلَا بِالْمَوْتِ، وَهُمْ وَإِنَّ لَمْ يَكُونُوا بِأَحْيَاءَ، وَلَا مَوْتَى بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِمُ الْآلَامَ الشَّدِيدَةَ، وَيَكُونُونَ مُعَذَّبِينَ أَبَدَ الْأَبَدِ بِأَشَدِّ الْعَذَابِ، وَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْجَمَادِ الْأَلَمَ، وَهُوَ الْجِذْعُ الَّذِي كَانَ يَخْطُبُ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهُ لَمَّا اتَّخَذَ لَهُ الْمِنْبَرَ مِنْ حَنِينِ النَّاقَةِ، حَتَّى نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَاحْتَضَنَهُ، فَسَكَنَ، وَإِنَّمَا حَنَّ حُزْنًا عَلَى مُفَارَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَالْحُزْنُ أَلَمٌ. وَخَلَقَ اللَّهُ الْكَلَامَ فِي الْجَمَادِ، بِقَوْلِهِ: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] فَإِذَا جَازَ هَذَا فِيمَا لَا يُوصَفُ بِالْمَوْتِ، وَلَا بِالْحَيَاةِ، جَازَ أَنْ يَخْلُقَ فِي أَهْلِ النَّارِ الَّذِينَ هُمُ الْكُفَّارُ الْآلَامَ، وَالْعَذَابَ أَبَدَ الْأَبَدِ، وَلَيْسُوا بِأَحْيَاءَ، وَلَا مَوْتَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ

стр. 54

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 55

حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ عَقِيلٍ، قَالَ: ح يَحْيَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: ح الْحِمَّانِيُّ قَالَ: ح عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " سَعَادَةٌ لِابْنِ آدَمَ ثَلَاثَةٌ، وَشَقَاوَةٌ لِابْنِ آدَمَ ثَلَاثَةٌ، فَمِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْمَسْكَنُ الْوَاسِعُ، وَالْمَرْكَبُ الصَّالِحُ، وَشَقَاوَةُ ابْنِ آدَمَ: الْمَسْكَنُ السُّوءُ، وَالْمَرْأَةُ السُّوءُ، وَالْمَرْكَبُ السُّوءُ " قَالَ الشَّيْخُ ﵀: هَذِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ سَعَادَةُ الدُّنْيَا دُونَ سَعَادَةِ الدِّينِ، وَالسَّعَادَةُ سَعَادَتَانِ: مُطْلَقَةٌ، وَمُقَيَّدَةٌ، فَالْمُطْلَقَةُ: السَّعَادَةُ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَالْمُقَيَّدَةُ: فِيمَا قُيِّدَتْ بِهِ، وَهَذِهِ سَعَادَةٌ مُقَيَّدَةٌ، لِأَنَّهَا ذَكَرَتْ أَشْيَاءَ مَعْدُودَةً، فَكَانَ مَنْ رُزِقَ امْرَأَةً صَالِحَةً، وَمَسْكَنًا وَاسِعَةً، وَمَرْكَبًا صَالِحًا، طَابَ عَيْشُهُ، وَيَهْنَأُ بِبَقَائِهِ، وَثُمَّ رَفَعَهُ بِهَا، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِنْ تَرَاخِي الْأَبْدَانِ، وَمَتَاعِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَقَدْ يَكُونُ السَّعِيدُ فِي الدِّينِ، وَمِنْ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ أَيِ الشَّقَاوَةُ، فَعَلَى ضِدِّ هَذَا الْمَعْنَى مِنَ الشَّقَاوَةِ، وَمَعْنَى الشَّقَاوَةِ هَهُنَا: التَّعَبُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ قِيلَ: فَتَتْعَبَ، وَمَنِ ابْتُلِيَ بِالْمَرْأَةِ السُّوءِ، وَالْمَسْكَنِ السُّوءِ، وَالْمَرْكَبِ السُّوءِ تَعِبَ فِي أَكْثَرِ أَوْقَاتِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ السُّعَدَاءِ مُبْتَلِينَ بِهَذَا التَّعَبِ، فَإِنَّ الْأَوْلِيَاءَ مُرَادُونَ بِالْبَلَاءِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ» ، وَقَدْ كَانَ لِنُوحٍ وَلُوطٍ ⦗٤٩⦘ صَلَوَاتُ اللَّهُ عَلَيْهِمَا امْرَأَتَا سُوءٍ، فَهُمَا فِي غَايَةِ الشَّقَاوَةِ، وَلُوطٌ وَنُوحٌ فِي غَايَةِ السَّعَادَةِ، وَامْرَأَةُ فِرْعَوْنَ أَسْعَدُ أَهْلِ زَمَانِهَا، وَفِرْعَوْنُ أَشْقَى الْخَلْقِ، وَقَدْ كَانَ لِمُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَرِيشٌ يَأْوِي إِلَيْهِ، وَكَذَلِكَ أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَالْأَوْلِيَاءُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، فَدَلَّ أَنَّهُ أَرَادَ السَّعَادَةَ الْمُقَيَّدَةَ الَّتِي هِيَ سَعَادَةُ الدُّنْيَا دُونَ السَّعَادَةِ الْمُطْلَقَةِ الَّتِي تَعُمُّ الدِّينَ وَالدُّنْيَا

стр. 56

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 57

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ الْمَعْرُوفُ بِالْعُمَانِيِّ قَالَ: ح أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْقُشَيْرِيُّ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ الْأَزْهَرِ قَالَ: ح عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ قَيْسٍ قَالَ: ح سُكَيْنُ بْنُ السَّرَّاجِ قَالَ: ح الْمُغِيرَةُ بْنُ السُّوَيْدِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ خِفَّةُ لِحْيَتِهِ» قَالَ الشَّيْخُ ﵀: اللِّحْيَةُ للِرَّجُلٍ زِينَةٌ، وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ تُقْسِمُ فَتَقُولُ: لَا وَالَّذِي زَيَّنَ الرِّجَالَ بِاللِّحَى، وَالزِّينَةُ إِذَا كَانَتْ تَامَّةً وَافِرَةً رُبَّمَا أَعْجَبَ الْمَرْءُ نَفْسَهُ، وَالْعُجْبُ هَلَاكٌ، وَالْهَلَاكُ شَقَاءٌ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ: شُحٌّ مُطَاعٌ، وَهَوًى مُتَّبَعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ "

стр. 58

وَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا خَيْرُ مَا أُعْطِيَ الْمُسْلِمُ؟ قَالَ: «حُسْنُ الْخُلُقِ» قَالَ: فَمَا شَرُّ مَا أُعْطِيَ؟ قَالَ: «قَلْبُ سُوءٍ فِي صُورَةٍ حَسَنَةٍ، فَإِذَا نَظَرَ إِلَى نَفْسِهِ أَعْجَبَتْهُ» ⦗٥٠⦘ حَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَهْرَوَيْهِ الرَّازِيُّ بِالرُّمَيِّ قَالَ: ح أَبُو حَاتِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ قَالَ: ح عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَرْوَانَ أَبُو شَيْخٍ الْحَرَّانِيُّ قَالَ: ح زُهَيْرٌ قَالَ: ح أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْمُزَنِيِّ، أَوِ الْجُهَنِيِّ أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، مَا خَيْرُ مَا أُعْطِيَ الْمُسْلِمُ، فَذَكَرَهُ. . . فَإِذَا كَانَتِ الزِّينَةُ سَبَبَ إِعْجَابِ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ، وَإِعْجَابُهُ بِهَا مِنَ الْمُهْلِكَاتِ، وَالْهَلَاكُ شَقَاءٌ، كَانَتِ الْخِفَّةُ فِي الزِّينَةِ سَبَبَ ازْدِرَائِهِ بِهَا، فَكَانَ ذَلِكَ فَوْزًا وَنَجَاةً، وَهُوَ السَّعَادَةُ. فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى الِاخْتِيَارِ فِي التَّوَسُّطِ فِي التَّزَيُّنِ، وَتَرْكُ الْمُبَالَغَةِ فِيهَا مِنْ لِبَاسٍ، وَدَارٍ، وَمَرْكَبٍ، وَكَلَامٍ، وَمَشْيٍ، وَفِي جَمِيعِ مَا يَتَزَيَّنُ الْمَرْءُ بِهِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ هَذَا أَخْبَارٌ. رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «بَيْنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَبِسَ حُلَّةً، فَاخْتَالَ فِيهَا فِي مِشْيَتِهِ، فَخَسَفَ اللَّهُ الْأَرْضَ بِهِ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»

стр. 59

قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو جَعْفَرٍ الْجَمَّالُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رُزَيْقٍ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْأَعْجَمِ بِصَنْعَاءَ قَالَ: ح أَبُو سَالِمِ بْنُ جُعْشُمٍ، ح ابْنُ أَبِي رَوَّادٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «بَيْنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَبِسَ حُلَّةً فَأَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ، فَاخْتَالَ فِيهَا فِي مِشْيَتِهِ، فَخَسَفَ اللَّهُ بِهِ الْأَرْضَ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ⦗٥١⦘ وَقَالَ عُمَرُ ﵁: اخْشَوْشَنُوا، وَاخْشَوْشَبُوا، وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَسًا، فَكَرِهَهُ، وَقَالَ: «وَجَدْتُهُ عَجْرًا» وَكَانَ عُمَرُ ﵁ يَنْهَى عُمَّالَهُ عَنْ رُكُوبِ الْبَرَاذِينَ لِكَرَاهِيَّتِهَا، وَلِينِ مُتُونِهَا، وَفِي صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ، كَأَنَّمَا يَمْشِي فِي صَبَبٍ. كُلُّ هَذِهِ الْأَخْبَارِ دَالَّةٌ عَلَى كَرَاهَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي الزِّينَةِ، وَكُرِهَ لِلرِّجَالِ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ مِنَ الطِّيبِ، فَكُلُّ مَا أَدَّى إِلَى الْإِعْجَابِ بِالنَّفْسِ فَهُوَ شَقَاءٌ، وَالسَّعَادَةُ بِخِلَافِهِ، فَفِي خِفَّةِ اللِّحْيَةِ خِفَّةُ الزِّينَةِ، وَفِي خِفَّةِ الزِّينَةِ السَّعَادَةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَفِي أَصْلٍ آخَرَ بَعْدَ قَوْلِهِ: «مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ مِنَ الطِّيبِ» ، فَإِذًا كَذَلِكَ كَانَ قَوْلُهُ: «مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ خِفَّةُ لِحْيَتِهِ» مَعْنَاهُ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَسْبَابِ بُعْدَ الْمَرْءِ عَنِ الْإِعْجَابِ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ سَعَادَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ

стр. 60

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 61

حَدَّثَنَا عِصْمَةُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ إِدْرِيسَ الْبِيكَنْدِيُّ، قَالَ: ح إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبِيكَنْدِيُّ قَالَ: ح سُوَيْدٌ، ح بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْعَطْسَةُ عِنْدَ الْحَدِيثِ شَاهِدُ عَدْلٍ» حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رَجَاءٍ، وَأَبُو الْفَضْلِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ السَّرْخَسِيَّانِ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّامِيُّ أَبُو لَبِيدٍ قَالَ: ح سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ الْحَدَثَانِيُّ قَالَ: ح بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ. قَالَ الشَّيْخُ ﵀: الشَّاهِدُ الْحَاضِرُ، وَالشُّهُودُ الْحُضُورُ، وَالْكَذِبُ ضِدُّ الصِّدْقِ ⦗٥٢⦘. وَرُوِيَ أَنَّ الْمَلَكَ يَتَبَاعَدُ عَنِ الْعَبْدِ عِنْدَ الْكَذِبِ

стр. 62

حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ الْفَتْحِ، قَالَ: ح أَبُو عِيسَى قَالَ: ح يَحْيَى بْنُ مُوسَى قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ هَارُونَ الْغَسَّانَيِّ: حَدَّثَكُمْ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ﵄، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَذَبَ الْعَبْدُ تَبَاعَدَ عَنْهُ الْمَلَكُ مِيلًا مِنْ نَتْنِ مَا جَاءَ بِهِ» قَالَ يَحْيَى: فَأَقَرَّ بِهِ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ هَارُونَ، فَقَالَ: نَعَمْ فَإِذَا غَابَ الْمَلَكُ عِنْدَ الْكَذِبِ حَضَرَ عِنْدَ الصِّدْقِ، فَشَهِدَ، وَالْمَلَكُ حَبِيبُ اللَّهِ ؛ لِأَنَّهُ كَرِيمٌ عَلَيْهِ، قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١١] أَيْ كِرَامًا عَلَى اللَّهِ، كَاتِبِينَ لِأَعْمَالِكُمْ، وَقَالَ اللَّهُ ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٦] ، وَقَالَ ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] ، فَهَذِهِ صِفَاتُ مَنْ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ، فَإِذًا فَالْمَلَكُ حَبِيبُ اللَّهِ، وَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَهُوَ لِلَّهِ حَبِيبٌ، وَوَرَدَ الْخَبَرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ الْعُطَاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ»

стр. 63

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ الْعُمَانِيُّ، قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَرَاءُ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ: ح الْمُعَافَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: ح رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ الْعُطَاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ» ⦗٥٣⦘ فَإِذَا شَهِدَ الْعُطَاسُ الَّذِي هُوَ حَبِيبُ اللَّهِ عِنْدَ الْحَدِيثِ صَدَّقَهُ، فَكَانَ شَاهِدًا لِأَنَّهُ حَضَرَ وَلَمْ يَغِبْ، وَعَدْلًا لِأَنَّهُ حَبِيبُ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَإِذَا دَلَّ حُضُورُ أَحَدِ الْحَبِيبَيْنِ وَهُوَ الْمَلَكُ عِنْدَ الْحَدِيثِ الصِّدْقِ دَلَّ حُضُورُ الْحَبِيبِ الْآخَرِ الَّذِي هُوَ الْعُطَاسُ عِنْدَ الْحَدِيثِ عَلَى صَدْقِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ

стр. 64

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 65

حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ بِشْرَوَيْةَ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: ح أَبُو عَلِيٍّ صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: ح عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ قَالَ: ح مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «حَسَبُ الرَّجُلِ دِينُهُ، وَمُرُوءَتُهُ عَقْلُهُ» قَالَ الشَّيْخُ ﵀: الْحَسَبُ فِي الْآبَاءِ، وَالشَّرَفُ فِي الْوِلَادَةِ، وَأَشْرَفُ الْأَحْسَابِ حَسَبُ الْعَرَبِ، وَالْعَرَبُ إِنَّمَا شُرِّفُوا بِالدِّينِ، وَذَلِكَ أَنَّ خِيَارَ النَّاسِ وَأَفْضَلَهُمْ فِي الدِّينِ وَأَقْرَبَهُمْ زُلْفَى عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى كَانُوا مِنَ الْعَرَبِ، وَذَلِكَ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ ﷺ سَيِّدُ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ، وَسَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ غَيْرِ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ ﵄، وَسَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ ﵄ وَسَيِّدَةُ النِّسَاءِ خَدِيجَةُ، وَفَاطِمَةُ ﵃ أَجْمَعِينَ، فَإِذَا كَانَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هُمْ خِيَارُ الْخَلْقِ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَأَفْضَلُهُمْ مِنَ الْعَرَبِ صَارَ لِلْعَرَبِ شَرَفًا بِذَلِكَ. أَمَا أَوَائِلُهُمْ فَبِأَنَّهُمْ كَانُوا سَبَبًا لِكَوْنِهِمْ وَلَدُوهُمْ، وَأَمَّا مَنْ بَعْدَهُمْ فِلَأَنَّهُمْ مِنْ نَسْلِ هَؤُلَاءِ الْخِيَارِ، فَصَحَّ أَنَّ عِلَّةَ الشَّرَفِ الدِّينُ، فَكَانَ الْحَسَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ هُوَ الشَّرَفُ بِالْوِلَادَةِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ دِينٌ، فَلَمَّا أَظْهَرَ اللَّهُ الدِّينَ، وَأَخْرَجَ الْأَخْيَارَ وَالْأَفَاضِلَ الَّذِينَ هُمْ وَدَائِعُهُ فِي الْأَصْلَابِ وَالْأَرْحَامِ سَقَطَ شَرَفُ الْمَاضِينَ مِنْهُمْ، إِذْ كَانَ شَرَفُهُمْ بِهِمْ، فَصَارَ الشَّرَفُ فِي الْأَصْلِ الَّذِي كَانَ سَبَبًا لِشَرَفِ الْعَرَبِ، وَمَهْدِ الدِّينِ، فَصَارَ الِانْتِمَاءُ وَالِافْتِخَارُ ⦗٥٤⦘ الَّذِي كَانَ بِالْآبَاءِ بِالدِّينِ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ كَيْفَ قَالَ فِيمَنِ انْتَمَى، وَافْتَخَرَ بِالْآبَاءِ فِيمَا

стр. 66

حَدَّثَنَا بِهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ح أَبُو ثَابِتٍ قَالَ: ح عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، ح هِشَامُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ، مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، أَوْ فَاجِرٌ شَقِيٌّ، أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ ﵇، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ» نَبَّهَ عَنْ رِجَالٍ فَخْرُهُمْ بِأَقْوَامٍ، وَإِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتْنَ، فَقَدْ أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الشَّرَفَ بِأُولَئِكَ قَدْ سَقَطَ، ثُمَّ كَانَتِ الْعَرَبُ قَبَائِلَ، فَكُلٌّ كَانَ يَنْتَمِي إِلَى أَحَدِهَا، فَصَارَ نُعُوتُ الْمُؤْمِنِينَ بَدَلَ قَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَمَرَاتِبُ الدِّينِ بَدَلَ شُعُوبِهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١٢] ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] فَالِانْتِمَاءُ إِلَى هَذِهِ الْأَوْصَافِ وَالشَّرَفُ بِهَذِهِ أنْسَبُ دُونَ الْآبَاءِ وَالسَّلَفِ. وَقَوْلُهُ ﷺ : «وَمُرُوءَتُهُ عَقْلُهُ» ، ظَاهِرُ الْمَرْوَةِ عِنْدَ النَّاسِ حُسْنُ الزِّيِّ، وَجَمَالُ الْحَالِ، وَالتَّوَسُّعُ فِي الطَّعَامِ وَالْإِطْعَامِ، وَهَذِهِ أَحْوَالُ مَنِ اتَّسَعَ فِي الْمَالِ فَيُمْكِنُهُ ذَلِكَ، فَكَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّ الْمَرْوَةَ هُوَ الْعَقْلُ، وَقَدْ يَكُونُ الْعَاقِلُ مُوَسَّعًا عَلَيْهِ، وَمُقَدَّرًا لَهُ، فَإِذَا كَمُلَ عَقْلُ الْمَرْءِ تَمَّتْ مُرُوءَتُهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُرُوءَةَ اشْتِقَاقُهَا مِنَ الْمَرْءِ، وَالْمَرْءُ الْإِنْسَانِ، وَالْإِنْسَانُ إِنَّمَا شُرِّفَ عَلَى سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ ⦗٥٥⦘ بِالْعَقْلِ، وَكَمَالُ الْعَقْلِ التَّنَزُّهُ عَنْ كُلِّ خُلُقٍ ذَمِيمٍ، وَكَفُّ النَّفْسِ عَنْ شَهَوَاتِهَا الرَّدِيَّةِ، وَطِبَاعِهَا الدَّنِيَّةِ، وَوَضْعُ كُلَّ شَيْءٍ مَوْضِعَهُ، وَإِيفَاءُ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَالْعَاقِلُ يُوَفِّي حَقَّ الرُّبُوبِيَّةِ لِرَبِّهِ ﷻ عَلَى قَدْرِ وُسْعِهِ وَطَاقَتِهِ، وَيُوَفِّي حَقَّ الْعُبُودِيَّةِ مِنْ نَفْسِهِ، وَيُوَفِّي حُقُوقَ اللَّهِ مِنْ فَصِيحٍ وَأَعْجَمِيٍّ، وَيُوَفِّي حُقُوقَ نَفْسِهِ، فَإِنَّ لَهَا عَلَيْهِ حَقًّا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» . فَمَنْ كَانَتْ فِيهِ هَذِهِ الْخِصَالُ الَّتِي يَجْمَعُهَا الْعَقْلُ فَقَدْ تَمَّتْ مُرُوءَتُهُ، وَظَهَرَتْ إِنْسَانِيَّتُهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ الْحَيَوَانِ، بَلْ هُوَ شَرُّ الْحَيَوَانِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الفرقان: ٤٤]

стр. 67

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 68

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَهْرَوَيْهِ الرَّازِيُّ بِالرِّيِّ قَالَ: ح أَبُو يَحْيَى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ قَالَ: ح مُوسَى يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ النَّخَعِيَّ قَالَ: ح ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ مِشْرَحِ بْنِ هَامَانَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَكْثَرُ مُنَافِقِي أُمَّتِي قُرَّاؤُهَا» قَالَ الشَّيْخُ ﵀: وَاللَّهُ أَعْلَمُ هَذَا نِفَاقُ الْعَمَلِ لَا نِفَاقُ الِاعْتِقَادِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِقَ هُوَ الَّذِي أَظْهَرَ شَيْئًا وَأَضْمَرَ خِلَافَهُ، أَظْهَرَ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ لِلَّهِ، وَأَضْمَرَ عِصْمَةَ مَالِهِ وَدَمِهِ، وَالْمُرَائِي بِعَمَلِهِ الدَّارَ الْآخِرَةَ، وَأَضْمَرَ ثَنَاءَ النَّاسِ وَعَرَضَ الدُّنْيَا، وَالْقَارِئُ أَظْهَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ اللَّهَ بِعَمَلِهِ وَوَجْهِهِ لَا غَيْرَ، وَأَضْمَرَ حَظَّ نَفْسِهِ وَهُوَ الثَّوَابُ، وَيَرَى نَفْسَهُ أَهْلًا لِذَلِكَ، وَيَنْظُرُ لِعَمَلِهِ بِعَيْنِ الْإِجْلَالِ، فَلَأَنْ كَانَ بَاطِنُهُ خِلَافَ ظَاهِرَهِ صَارَ مُنَافِقًا إِذِ الْمُنَافِقُ بِإِيمَانِهِ قَصَدَ حَظَّ نَفْسِهِ، وَالْقَارِئُ بِعَمَلِهِ قَصَدَ حَظَّ نَفْسِهِ فَاسْتَوَيَا فِي الْقَصْدِ، وَمُخَالَفَةِ الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ، فَاسْتَوَيَا فِي الْإِثْمِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْقَصْدِ وَالصِّفَةِ ⦗٥٦⦘، فَالْمُنَافِقُ رَاءَى الْإِمَامَ وَالسُّلْطَانَ وَعَوَامَّ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُرَائِي رَاءَى الزُّهَّادَ وَالْعُبَّادَ، وَأَرْبَابَ الدِّينِ، وَالْقَارِئُ رَاءَى اللَّهَ فَصَالَ بِعَمَلِهِ، وَأُعْجِبَ بِنَفْسِهِ، وَتَمَنَّى عَلَى رَبِّهِ

стр. 69

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 70

حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: ح أَبُو نُعَيْمٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَدِيٍّ قَالَ: ح أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الصُّوفِيُّ قَالَ: ح زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ قَالَ: ح سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ فَرَافِصَةَ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا، وَكَادَ الْحَسَدُ يَغْلِبُ الْقَدَرَ» قَالَ الشَّيْخُ ﵀: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ كُفْرَ النِّعْمَةِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الشُّكْرِ لَا كُفْرَ الْجُحُودِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْإِيمَانِ، وَهُوَ أَنَّ الْفَقْرَ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ الرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالِالْتِجَاءِ إِلَيْهِ، وَالطَّلَبِ مِنْهُ، وَهُوَ حِلْيَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَزِيُّ الْأَصْفِيَاءِ، وَشِعَارُ الصَّالِحِينَ، وَزِينَةُ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَدْ رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ: " إِذَا رَأَيْتَ الْفَقْرَ مُقْبِلًا فَقُلْ: مَرْحَبًا بِشِعَارِ الصَّالِحِينَ ". وَرُوِيَ: «أَنَّ الْفَقْرَ أَزْيَنُ بِالْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنَ الْعَوَارِ الْجَيِّدِ عَلَى خَدِّ الْفَرَسِ» ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ، غَيْرَ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ مُؤْلِمٌ، شَدِيدُ التَّحَمُّلِ، فَقَالَ: «كَادَ» ، يَكْفُرُ نِعْمَةَ الْفَقْرِ لِثِقَلِ تَحَمُّلِهَا عَلَى النُّفُوسِ. وَقَوْلُهُ: «كَادَ الْحَسَدُ يَغْلِبُ الْقَدَرَ» أَيْ: كَادَ الْحَسَدُ فِي قَلْبِ الْحَاسِدِ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى رُؤْيَةِ الْقَدَرِ، فَلَا يَرَى أَنَّ النِّعْمَةَ الَّتِي حَسَدَهُ عَلَيْهَا إِنَّمَا صَارَتْ لَهُ بِقَدَرِ اللَّهِ وَقَضَائِهِ، فَلَا تَزُولُ عَنْهُ إِلَّا بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، وَغَرَضُ الْحَاسِدِ وَمُرَادُهُ وَشَهْوَتُهُ زَوَالُ نِعْمَةِ الْمَحْسُودِ ⦗٥٧⦘. أَلَا تَرَى إِلَى مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَفِيهِ حَسَدٌ» ، ثُمَّ قَالَ: «فَذَهَابُ حَسَدِهِ أَنْ لَا يَبْغِيَ أَخَاهُ غَائِلَةً» ، فَأَخْبَرَ أَنَّ الْحَاسِدَ يَعْمَلُ فِي إِزَالَةِ النِّعْمَةِ مِنَ الْمَحْسُودِ، وَلَوْ تَحَقَّقَ مَعْرِفَتَهُ بِالْقَدَرِ لَمْ يَحْسُدْهُ، وَلَرَجَعَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي الِاسْتِسْلَامِ لَهُ، وَالِانْقِيَادِ لِحُكْمِهِ، وَرَضِيَ بِقَدَرِهِ الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَرُدُّهُ أَحَدٌ، قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْفَقْرَ مِنَ الْعِلْمِ، وَهُوَ الْفَقْرُ الْأَعْظَمُ، فَإِنَّ الْجَهْلَ أَقْرَبُ شَيْءٍ إِلَى الْكُفْرِ، فَإِنَّ بَرْصِيصَاءَ ظَنَّ لِجَهْلِهِ أَنَّ سُجُودَهُ لِلْمَخْلُوقِ يُنَجِيهِ، فَكَفَرَ

стр. 71

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 72

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْحَارِثِيُّ، قَالَ: ح عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ: ح عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمَقْبُرِيُّ قَالَ: ح يَحْيَى بْنُ شُرَيْحٍ قَالَ: ح سَالِمُ بْنُ غَيْلَانَ أَنَّهُ سَمِعَ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْهَيْثَمِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالدَّيْنِ» فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيُعْدَلُ الْكُفْرُ بِالدَّيْنِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ الشَّيْخُ ﵀: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى فِيهِ إِذَا جَحَدَ الْمَدْيُونُ الدَّيْنَ وَأَنْكَرَهُ، لِأَنَّ الْكُفْرَ جُحُودُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْإِنْكَارُ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ جُحُودُ حَقِّ الْعِبَادِ، فَعَادَلَ جُحُودُ حَقِّ الْعِبَادِ جُحُودَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَكُونُ إِتْلَافُ أَمْوَالِ النَّاسِ وَإِنْ لَمْ يُنْكِرْهَا جُحُودًا، لِأَنَّ الْمَعْنَى فِي الْجُحُودِ الْإِتْلَافُ، فَمِنْ أَيِّ وَجْهٍ أَتْلَفَ، فَكَأَنَّهُ جَحَدَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يُصَلِّي عَلَى مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً، وَيُصَلِّي عَلَيْهِ إِذَا تَرَكَ وَفَاءً، أَوْ ضَمِنَ الدَّيْنَ ضَامِنٌ ⦗٥٨⦘، فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَجْحَدِ الدَّيْنَ، وَلَمْ يُرِدْ إِتْلَافَهُ فَإِنَّهُ لَا يُعَادِلُ الْكُفْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، يُؤَيِّدُ ذَلِكَ

стр. 73

مَا حَدَّثَنَا عَامِرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ح أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: ح عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَاصِمٍ الرَّازِيُّ قَالَ: ح جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هِنْدَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كَانَتْ مَيْمُونَةُ تَدَّانُ فَتُكْثِرُ، فَقَالَ لَهَا أَهْلُهَا فِي ذَلِكَ وَلَامُوهَا وَوَجَدُوا عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: لَا أَتْرُكُ الدَّيْنَ وَقَدْ سَمِعْتُ خَلِيلِي وَحِبِّي صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ يَقُولُ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَدَّانُ دَيْنًا يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّهُ يُرِيدُ قَضَاءَهُ، إِلَّا أَدَّاهُ اللَّهُ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا»

стр. 74

قَالَ سَمِعْتُ مَنْصُورَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْهَرَوِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ حَامِدٍ التِّرْمِذِيَّ، يَقُولُ: كُنْتُ عِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ خَضْرَوَيْهِ، وَقَدِ احْتُضِرَ، فَتَقَدَّمَ بَعْضُ تَلَامِيذِهِ فَسَأَلَهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ، فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ، وَهُمَا تَذْرِفَانِ بِالدُّمُوعِ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ بَابٌ كُنْتُ أَدُقُّهُ مُنْذُ خَمْسَةٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً الْآنَ يُفْتَحُ لِي، فَلَا أَدْرِي أَبْشِرُ بِالسَّعَادَةِ، أَوْ بِالشَّقَاوَةِ، ثُمَّ الْتَفَتَ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ فَإِذَا غُرَمَاؤُهُ جُلُوسٌ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ جَعَلْتَ الرَّهَايِنَ تَوْثِقَةً لِأَرْبَابِ الْأَمْوَالِ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا رَهْنٌ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، فَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَخْذَ الرَّهْنِ مِنْهُمْ، فَأَدِّ إِلَيْهِمْ حُقُوقَهُمْ، فَإِذَا دَاقٌّ يَدُقُّ الْبَابَ، فَفَتَحُوا فَإِذَا رَجُلٌ عَلَى بَغْلَةٍ، وَمَعَهُ جِرَابٌ، فَنَزَلَ فَدَخَلَ، وَقَالَ: أَيْنَ غُرَمَاءُ أَحْمَدَ؟ فَقَالُوا: نَحْنُ، فَأَدَّى إِلَيْنَا مَا كَانَ عَلَيْهِ وَخَرَجَ، وَمَاتَ أَحْمَدُ ﵀، وَكَانَ الدَّيْنُ عَلَيْهِ سَبْعَمِائَةِ دِينَارٍ فَمَنِ ادَّانَ عَلَى اللَّهِ أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا، وَمَنْ تَرَكَ وَفَاءً بِمَا عَلَيْهِ وَهُوَ غَيْرُ جَاحِدٍ وَلَا مُطَوِّلٍ خَرَجَ مِنْ هَذَا الْوَعِيدِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ

стр. 75

حَدِيثٌ آخَرُ
следующие страницы →