← Книги сунны

Книги сунны · id 13087

تعظيم قدر الصلاة - محمد بن نصر المروزي

محمد بن نصر المروزي

Полный текст (1 141 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

٧٤٤ - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، ثنا إِسْحَاقُ يَعْنِي ابْنَ سُلَيْمَانَ الرَّازِيَّ، ثنا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ بَعْضِ، أَصْحَابِهِ قَالَ: «عَلَامَةُ حُبِّ اللَّهِ كَثْرَةُ ذِكْرِهِ، وَعَلَامَةُ الدِّينِ الْإِخْلَاصُ لِلَّهِ، وَعَلَامَةُ الْعِلْمِ الْخَشْيَةُ لِلَّهِ، وَعَلَامَةُ الشُّكْرِ الرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّهِ وَالتَّسْلِيمِ لِقَدَرِهِ»

стр. 842

٧٤٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ، قَالَ: " خَمْسٌ كَانَ عَلَيْهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالتَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ: اتِّبَاعُ السُّنَّةِ، وَلُزُومُ الْجَمَاعَةِ، وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَأَظُنُّ قَالَ: وَعِمَارَةُ الْمَسَاجِدِ

стр. 843

٧٤٦ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الْقَهْزَاذِ، ثنا حَاتِمُ بْنُ الْعَلَاءِ الْجَلَّابُ، ثنا إِسْمَاعِيلُ يَعْنِي ابْنَ عَيَّاشٍ، ثنا عَمْرُو بْنُ مُهَاجِرٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَبِشْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَيَّارٍ السُّلَمِيُّ، وَسَوَادَةُ بْنُ زِيَادٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى النَّاسِ أَنَّهُ لَا رَأْيَ لِأَحَدٍ مَعَ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ "

стр. 844

بَابٌ فِي شَرْحِ حَدِيثِ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَهَذَا بَابٌ جَامِعٌ مُخْتَصَرٌ مِنْ نَفْسِ تَفْسِيرِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ شَبِيهٌ بِحَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ الَّذِي حَكَيْنَاهُ وَهُوَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «إِنَّمَا الدِّينُ النَّصِيحَةُ» بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ جَامِعَةٍ، فَلَمَّا قِيلَ: لِمَنْ؟ قَالَ: «لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» . فَجَمَعَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ كُلَّ خَيْرٍ يُبْتَغَى وَيُؤْمَرُ بِهِ، وَكُلَّ شَرٍّ يُتَّقَى وَيُنْهَى عَنْهُ، وَسَنَذْكُرُ تَفْسِيرَهَا بَعْدَ ذِكْرِ الْأَخْبَارِ فِيهَا.

стр. 845

طُرُقُ حَدِيثِ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» .

стр. 846

٧٤٧ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ سُهَيْلًا، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ اللَّيْثِيَّ، يُحَدِّثُ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّمَا الدِّينُ النَّصِيحَةُ» ، قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لِلَّهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ»

стр. 847

٧٤٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثنا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، ثنا ابْنُ عَجْلَانَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَنْ؟ قَالَ: «لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» ⦗٦٨٣⦘ ٧٤٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ، وَقَالَ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» ثَلَاثًا

стр. 848

٧٥٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أنا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا يَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَأَنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلَّى اللَّهُ أَمَرَكُمْ»

стр. 849

قَالَ سُهَيْلٌ: فَحَدَّثَنَا عِنْدَ ذَلِكَ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ تَمِيمًا الدَّارِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّمَا الدِّينُ النَّصِيحَةَ إِنَّمَا الدِّينُ النَّصِيحَةَ» ثَلَاثًا، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَنْ؟ قَالَ: «لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرُسُلِهِ، وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ» أَوْ قَالَ: «أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَحَدِيثُ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنِ ⦗٦٨٥⦘ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ غَلَطٌ، إِنَّمَا حَدَّثَ أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ: «إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا» وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ حَاضِرٌ ذَلِكَ، فَحَدَّثَهُمْ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «إِنَّمَا الدِّينُ النَّصِيحَةُ»

стр. 850

٧٥١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَرَوِيُّ، ثنا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، سَمِعْتُ مِنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ، إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ، إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ» قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ وَلِنَبِيِّهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ» قَالَ سُفْيَانُ: كَانَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَخْبَرَنَا عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، فَلَقِيتُ سُهَيْلًا فَقُلْتُ: كَيْفَ كَانَ يُحَدِّثُهُ أَبُوكَ؟ قَالَ: أَنَا سَمِعْتُهُ مِمَّنْ كَانَ يَرْوِيهِ أَبِي عَنْهُ

стр. 851

٧٥٢ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، أنا خَالِدٌ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا يَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَأَنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلَّى اللَّهُ أَمَرَكُمْ، وَيَكْرَهُ لَكُمْ: قِيلٌ وَقَالٌ، وَكَثْرَةُ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةُ الْمَالِ "

стр. 852

٧٥٣ - حَدَّثَنَا وَهْبٌ، أنا خَالِدٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ، إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ» قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ» أَوْ قَالَ: «الْمُؤْمِنِينَ وَعَامَّتِهِمْ»

стр. 853

٧٥٤ - حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ، ثنا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ الْكِنَانِيِّ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ، إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ، إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ» قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ»

стр. 854

٧٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، أنا أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ، الدِّينُ النَّصِيحَةُ، الدِّينُ النَّصِيحَةُ» قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ»

стр. 855

٧٥٦ - حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عِيسَى، أنا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّمَا الدِّينُ النَّصِيحَةُ» قُلْنَا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لِلَّهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» حَدَّثَنَا الْبِسْطَامِيُّ، أنا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، ثنا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَنَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ

стр. 856

٧٥٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، ثنا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، ثنا هِشَامُ بْنُ زَيْدٍ، ثنا نَافِعٌ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» قُلْنَا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لِلَّهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ»

стр. 857

٧٥٩ - حَدَّثَنَا هَارُونُ الْبَزَّازُ، ثنا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، ثنا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَمْسٌ مَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُصَدَّ وَجْهُهُ عَنِ الْجَنَّةِ النُّصْحُ لِلَّهِ وَلِدِينِهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِنَبِيِّهِ، وَلِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ»

стр. 858

٧٦٠ - حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، ثنا أَيُّوبُ بْنُ سُوَيْدٍ، عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي مُصَبَّحٍ الْحِمْصِيِّ، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «رَأْسُ الدِّينِ النَّصِيحَةُ» قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَنْ؟ قَالَ: «لِلَّهِ، وَلِدِينِهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَلِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً»

стр. 859

٧٦١ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، أنا خَالِدٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ»

стр. 860

٧٦٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أنا هُشَيْمٌ، أنا سَيَّارٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: «بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فَلَقَّنَنِي فِيمَا اسْتَطَعْتُ، وَالنُّصْحَ لِكُلِّ مُسْلِمٍ»

стр. 861

٧٦٣ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أنا سُفْيَانُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: «بَايَعَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى النُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ فَإِنِّي لَكُمْ لَنَاصِحٌ»

стр. 862

٧٦٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي نُخَيْلَةَ الْبَجَلِيِّ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: " أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَبَايَعْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْسُطْ يَدَكَ أُبَايِعْكَ، وَأَشْرِطْ عَلَيَّ فَإِنَّكَ أَبْصَرُ بِالشَّرْطِ مِنِّي فَقَالَ: «تَعْبُدُ اللَّهَ، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتُنَاصِحُ الْمُسْلِمِينَ، وَتُفَارِقُ الشِّرْكَ»

стр. 863

٧٦٥ - حَدَّثَنَا هَارُونُ الْبَزَّازُ، ثنا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، ثنا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ جَرِيرًا كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ: «إِنِّي بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَأَمْسَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ وَأَشْرَطَ عَلَيَّ النُّصْحَ لِكُلِّ مُسْلِمٍ»

стр. 864

جِمَاعُ تَفْسِيرِ النَّصِيحَةِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: جِمَاعُ تَفْسِيرِ النَّصِيحَةِ هُوَ عِنَايَةُ الْقَلْبِ لِلْمَنْصُوحِ لَهُ مَنْ كَانَ، وَهِيَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا فَرْضٌ، وَالْآخَرُ نَافِلَةٌ، فَالنَّصِيحَةُ الْمُفْتَرَضَةُ لِلَّهِ هِيَ شِدَّةُ الْعِنَايَةِ مِنَ النَّاصِحِ بِاتِّبَاعِ مَحَبَّةِ اللَّهِ فِي أَدَاءِ مَا افْتَرَضَ، وَمُجَانَبَةِ مَا حَرَّمَ، وَأَمَّا النَّصِيحَةُ الَّتِي هِيَ نَافِلَةٌ فَهِيَ إِيثَارُ مَحَبَّتِهِ عَلَى مَحَبَّةِ نَفْسِهِ، وَذَلِكَ أَنْ يَعْرِضَ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا لِنَفْسِهِ وَالْآخَرُ لِرَبِّهِ فَيَبْدَأُ بِمَا كَانَ لِرَبِّهِ، وَيُؤَخِّرُ مَا كَانَ لِنَفْسِهِ فَهَذِهِ جُمْلَةُ تَفْسِيرِ النَّصِيحَةِ لَهُ، الْفَرْضُ مِنْهُ، وَالنَّافِلَةُ وَكَذَلِكَ تَفْسِيرٌ سَنَذْكُرُ بَعْضَهُ لِيَفْهَمَ بِالتَّفْسِيرِ مَنْ لَا يَفْهَمَ الْجُمْلَةَ فَالْفَرْضُ مِنْهَا مُجَانَبَةُ نَهْيِهِ، وَإِقَامَةُ فَرَضِهِ بِجَمِيعِ جَوَارِحِهِ مَا كَانَ مُطِيعًا لَهُ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ بِفَرْضِهِ لِآفَةٍ حَلَّتْ بِهِ مِنْ مَرَضٍ أَوْ حَبْسٍ

стр. 865

أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، عَزَمَ عَلَى أَدَاءِ مَا افْتُرِضَ عَلَيْهِ مَتَى زَالَتْ عَنْهُ الْعِلَّةُ الْمَانِعَةُ لَهُ، قَالَ اللَّهُ : ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] فَسَمَّاهُمْ مُحْسِنِينَ نَصِيحَتُهُمْ لِلَّهِ بِقُلُوبِهِمْ لَمَّا مُنِعُوا مِنَ الْجِهَادِ بِأَنْفُسِهِمْ، وَقَدْ يَرْفَعُ الْأَعْمَالَ كُلَّهَا عَنِ الْعَبْدِ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ، وَلَا يَرْفَعُ عَنْهُمُ النُّصْحَ لِلَّهِ لَوْ كَانَ مِنَ الْمَرَضِ بِحَالٍ لَا يُمْكِنُهُ عَمَلٌ بِشَيْءٍ مِنْ جَوَارِحِهِ بِلِسَانٍ وَلَا غَيْرِهِ، غَيْرَ أَنَّ عَقْلَهُ ثَابِتٌ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ النُّصْحَ لِلَّهِ بِقَلْبِهِ وَهُوَ أَنْ يَنْدَمَ عَلَى ذُنُوبِهِ، وَيَنْوِي إِنْ يَصِحَّ أَنْ يَقُومَ بِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَيَتَجَنَّبُ مَا نَهَاهُ عَنْهُ، وَإِلَّا كَانَ غَيْرَ نَاصِحٍ لِلَّهِ بِقَلْبِهِ، وَكَذَلِكَ النُّصْحُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ فِيمَا أَوْجَبَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى أَمْرِ رَبِّهِ. وَمِنَ النُّصْحِ الْوَاجِبِ لِلَّهِ أَنْ لَا يَرْضَى بِمَعْصِيَةِ الْعَاصِي، وَيُحِبُّ طَاعَةَ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَأَمَّا النَّصِيحَةُ الَّتِي هِيَ نَافِلَةٌ لَا فَرْضٌ: فَبَذْلُ الْمَحْمُودِ بِإِيثَارِ اللَّهِ عَلَى كُلِّ مَحْبُوبٍ بِالْقَلْبِ، وَسَائِرِ الْجَوَارِحِ حَتَّى لَا يَكُونَ فِي النَّاصِحِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ لِأَنَّ النَّاصِحَ إِذَا اجْتَهَدَ لِمَنْ يَنْصَحُهُ لَمْ يُؤْثِرْ نَفْسَهُ عَلَيْهِ، وَقَامَ بِكُلِّ مَا كَانَ فِي الْقِيَامِ بِهِ سُرُورُهُ، وَمَحَبَّتُهُ فَكَذَلِكَ النَّاصِحُ لِرَبِّهِ، وَمَنْ تَنَفَّلَ لِلَّهِ بِدُونِ الِاجْتِهَادِ فَهُوَ نَاصِحٌ عَلَى قَدْرِ عَمَلِهِ غَيْرُ مُحِقٍّ لِلْنُصْحِ بِالْكَمَالِ

стр. 866

وَأَمَّا النَّصِيحَةُ لِكِتَابِ اللَّهِ فَشِدَّةُ حُبِّهِ وَتَعْظِيمُ قَدْرِهِ إِذْ هُوَ كَلَامُ الْخَالِقِ، وَشِدَّةُ الرَّغْبَةِ فِي فَهْمِهِ، ثُمَّ شِدَّةُ الْعِنَايَةِ فِي تَدَبُّرِهِ، وَالْوُقُوفِ عِنْدَ تِلَاوَتِهِ لِطَلَبِ مَعَانِي مَا أَحَبَّ مَوْلَاهُ أَنْ يَفْهَمَهُ عَنْهُ وَيَقُومُ لَهُ بِهِ بَعْدَ مَا يَفْهَمُهُ، وَكَذَلِكَ النَّاصِحُ مِنَ الْقَلْبِ يَتَفَهَّمُ وَصِيَّةَ مَنْ يَنْصَحُهُ وَإِنْ وَرَدَ عَلَيْهِ كِتَابٌ مِنْهُ عَنَى بِفَهْمِهِ لَيَقُومَ عَلَيْهِ بِمَا كَتَبَ بِهِ فِيهِ إِلَيْهِ، فَكَذَلِكَ النَّاصِحُ لِكِتَابِ اللَّهِ يَعْنِي يَفْهَمُهُ لَيَقُومَ لِلَّهِ بِمَا أَمَرَ بِهِ كَمَا يُحِبُّ وَيَرْضَى، ثُمَّ يَنْشُرُ مَا فَهِمَ مِنَ الْعِبَادِ وَيُدِيمُ دِرَاسَتَهُ بِالْمَحَبَّةِ لَهُ، وَالتَّخَلُّقِ بِأَخْلَاقِهِ وَالتَّأَدُّبِ بِآدَابِهِ. وَأَمَّا النَّصِيحَةُ لِلرَّسُولِ ﷺ فِي حَيَاتِهِ فَبَذْلُ الْمَجْهُودِ فِي طَاعَتِهِ، وَنُصْرَتِهِ، وَمُعَاوَنَتِهِ، وَبَذْلُ الْمَالِ إِذَا أَرَادَهُ، وَالْمُسَارَعَةُ إِلَى مَحَبَّتِهِ، وَأَمَّا بَعْدَ وَفَاتِهِ فَالْعِنَايَةُ بِطَلَبِ سُنَّتِهِ، وَالْبَحْثِ عَنْ أَخْلَاقِهِ وَآدَابِهِ، وَتَعْظِيمِ أَمْرِهِ وَلُزُومِ الْقِيَامِ بِهِ، وَشِدَّةِ الْغَضَبِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْ مَنْ يَدِينُ بِخِلَافِ سُنَّتِهِ، وَالْغَضَبِ عَلَى مَنْ ضَيَّعَهَا لِأَثَرَةِ دُنْيَا، وَإِنْ كَانَ مُتَدَيِّنًا بِهَا، وَحُبِّ مَنْ كَانَ مِنْهُ بِسَبِيلٍ مِنْ قَرَابَةٍ أَوْ صِهْرٍ أَوْ هِجْرَةٍ أَوْ نُصْرَةٍ أَوْ صُحْبَةِ سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالتَّشَبُّهِ بِهِ فِي زِيِّهِ وَلِبَاسِهِ. وَأَمَّا النَّصِيحَةُ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَحُبُّ طَاعَتِهِمْ وَرُشْدِهِمْ، وَعَدْلِهِمْ، وَحُبُّ اجْتِمَاعِ الْأُمَّةِ كُلِّهِمْ وَكَرَاهِيَةُ افْتِرَاقِ الْأُمَّةِ

стр. 867

عَلَيْهِمْ، وَالتَّدَيُّنُ بِطَاعَتِهِمْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَالْبُغْضُ لِمَنْ رَأَى الْخُرُوجَ عَلَيْهِمْ وَحُبُّ إِعْزَازِهِمْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ. وَأَمَّا النَّصِيحَةُ لِلْمُسْلِمِينَ: فَأَنْ يُحِبَّ لَهُمْ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وَيَكْرَهُ لَهُمْ مَا يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ، وَيُشْفِقُ عَلَيْهِمْ وَيَرْحَمُ صَغِيرَهُمْ، وَيُوَقِّرُ كَبِيرَهُمْ، وَيَحْزَنُ لِحُزْنِهِمْ، وَيَفْرَحُ لِفَرَحِهِمْ، وَإِنْ ضَرَّهُ ذَلِكَ فِي دُنْيَاهُ كَرُخْصِ أَسْعَارِهِمْ، وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ رِبْحُ مَا يَبِيعُ مِنْ تِجَارَتِهِ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ مَا يَضُرُّهُمْ عَامَّةً وَيُحِبُّ صَلَاحَهُمْ، وَأُلْفَتَهُمْ، وَدَوَامَ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ، وَنَصْرَهُمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ، وَدَفْعَ كُلِّ أَذًى وَمَكْرُوهٍ عَنْهُمْ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ﵀: فَهَذِهِ مَقَالَةُ مَنْ ذَهَبَ مِنْ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ لِجِبْرِيلَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا: «الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ» الْإِيمَانَ الْكَامِلَ. قَالَ: وَقَوْلُهُ: «فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ فَقَدْ آمَنْتَ» يُرِيدُ اسْتَكْمَلْتَ الْإِيمَانَ الْمُفْتَرَضَ كُلَّهُ، قَالُوا: وَذَلِكَ لَا تَكُونُ إِلَّا بِأَدَاءِ الْفَرَائِضِ، وَاجْتِنَابِ الْمَحَارِمِ وَاحْتَجُّوا بِالْأَخْبَارِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، وَالْحُجَجِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا، قَالُوا: وَالْإِسْلَامُ هُوَ الْخِصَالُ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ، وَجَعَلُوا الْإِيمَانَ دَرَجَةً فَوْقَ الْإِسْلَامِ. وَقَالَتْ جَمَاعَةٌ أُخْرَى مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ: إِنَّ مُرَادَ النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِهِ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ» كَمَالُ الْإِيمَانِ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ الدُّخُولَ فِي

стр. 868

الْإِيمَانِ الَّذِي يَخْرُجُ بِهِ مِنْ مِلَلِ الْكُفْرِ وَيَلْزَمُ مَنْ أَتَى بِهِ اسْمُ الْإِيمَانِ، وَحُكْمُهُ مِنْ غَيْرِ اسْتِكْمَالٍ مِنْهُ لِلْإِيمَانِ كُلِّهِ، وَهُوَ التَّصْدِيقُ الَّذِي عَنْهُ يَكُونُ سَائِرُ الْأَعْمَالِ، فَقَالُوا: قَالَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] وَقَالَ: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] قَالُوا: فَالْإِسْلَامُ الَّذِي رَضِيَهُ اللَّهُ هُوَ الْإِيمَانُ، وَالْإِيمَانُ هُوَ الْإِسْلَامُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] فَلَوْ كَانَ الْإِيمَانُ غَيْرَ الْإِسْلَامِ لَكَانَ مَنْ دَانَ اللَّهُ بِالْإِيمَانِ غَيْرَ مَقْبُولٍ مِنْهُ. قَالُوا: وَالْإِيمَانُ فِي اللُّغَةِ هُوَ التَّصْدِيقُ، وَالْإِسْلَامُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْخُضُوعُ، فَأَصْلُ الْإِيمَانِ هُوَ التَّصْدِيقُ بِاللَّهِ، وَمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِهِ وَإِيَّاهُ أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: «الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ» وَعَنْهُ يَكُونُ الْخُضُوعُ لِلَّهِ لِأَنَّهُ إِذَا صَدَّقَ بِاللَّهِ خَضَعَ لَهُ، وَإِذَا خَضَعَ أَطَاعَ فَالْخُضُوعُ عَنِ التَّصْدِيقِ، وَهُوَ أَصْلُ الْإِسْلَامِ وَمَعْنَى التَّصْدِيقِ هُوَ الْمَعْرِفَةُ بِاللَّهِ، وَالِاعْتِرَافُ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ بِوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ، وَوَاجِبِ حَقِّهِ، وَتَحْقِيقِ مَا صَدَّقَ بِهِ مِنَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، وَالتَّحْقِيقُ فِي اللُّغَةِ تَصْدِيقُ الْأَصْلِ فَمِنَ التَّصْدِيقِ بِاللَّهِ يَكُونُ الْخُضُوعُ لِلَّهِ وَعَنِ الْخُضُوعِ تَكُونُ الطَّاعَاتُ، فَأَوَّلُ مَا يَكُونُ عَنْ خُضُوعِ الْقَلْبِ

стр. 869

لِلَّهِ الَّذِي أَوْجَبَهُ التَّصْدِيقُ مِنْ عَمَلِ الْجَوَارِحِ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ لِأَنَّهُ لَمَّا صَدَّقَ بِأَنَّ اللَّهَ رَبَّهُ خَضَعَ لِذَلِكَ الْعُبُودِيَّةِ مُخْلِصًا، ثُمَّ ابْتَدَأَ الْخُضُوعُ بِاللِّسَانِ، فَأَقَرَّ بِالْعُبُودِيَّةِ مُخْلِصًا كَمَا قَالَ اللَّهُ لِإِبْرَاهِيمَ: ﴿أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ﴾ [البقرة: ١٣١] أَيْ أَخْلَصْتُ بِالْخُضُوعِ لَكَ. قَالُوا: وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا وَصَفَ اللَّهُ عَنْ إِبْلِيسَ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ﴾ [الأعراف: ١٢] ، وَقَوْلِهِ ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] فَأَخْبَرَ أَنَّهُ قَدْ عَرَفَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ خَلَقَهُ، وَلَمْ يَخْضَعْ لِأَمْرِهِ فَيَسْجُدَ لِآدَمَ كَمَا أَمَرَهُ فَلَمْ يَنْفَعْهُ مَعْرِفَتُهُ إِذْ زَايَلَهُ الْخُضُوعُ، وَلَمْ تَكُنْ مَعْرِفَتُهُ إِيمَانًا إِذْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا خُضُوعٌ بِالطَّاعَةِ فَسَلَبَهُ اللَّهُ اسْمَ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ إِذْ لَمْ يَخْضَعْ لَهُ فَيُطِيعُهُ بِالسُّجُودِ فَأَبَى وَعَانَدَ، وَلَوْ عَرَفَ اللَّهَ بِالْمَعْرِفَةِ الَّتِي هِيَ إِيمَانٌ لَخَضَعَ لِجَلَالِهِ، وَانْقَادَ لِطَاعَتِهِ، وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا شَهَادَةُ اللَّهِ عَلَى قُلُوبِ بَعْضِ الْيَهُودِ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ النَّبِيَّ ﷺ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ فَلَا أَحَدٌ أَصْدَقُ شَهَادَةً عَلَى مَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ اللَّهِ إِذْ يَقُولُ لِنَبِيِّهِ: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] وَقَالَ: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦] وَقَالَ: ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦] فَشَهِدَ عَلَى قُلُوبِهِمْ بِأَنَّهَا

стр. 870

عَارِفَةٌ عَالِمَةٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ قَالَ: وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ أَكَفَرْتُمْ مَعَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُوجِبْ لَهُمُ اسْمَ الْإِيمَانِ بِمَعْرِفَتِهِمْ، وَعِلْمِهِمْ بِالْحَقِّ إِذْ لَمْ يُقَارِنْ مَعْرِفَتَهُمُ التَّصْدِيقُ، وَالْخُضُوعُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ بِالتَّصْدِيقِ لَهُ وَالطَّاعَةِ لِأَنَّ مَنْ صَدَّقَ خَضَعَ قَلْبُهُ وَمَنْ خَضَعَ قَلْبُهُ أَقَرَّ وَصَدَّقَ بِلِسَانِهِ وَأَطَاعَ بِجَوَارِحِهِ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَصْلَ الْإِسْلَامِ هُوَ الْخُضُوعُ فِي اللُّغَةِ قَوْلُ اللَّهِ ﵎: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣] أَيْ خَضَعَ لَهُ فَالْمُؤْمِنُ خَضَعَ بِالطَّوْعِ وَالتَّدَيُّنِ، وَالْكَافِرُ خَضَعَ بِالِاضْطِرَارِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ الْخُضُوعُ لِلَّهِ إِيمَانًا إِلَّا أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اسْمَ الْإِسْلَامِ هُوَ الْخُضُوعُ وَعَلَى ذَلِكَ أُضِيفَتِ الْأَعْمَالُ إِلَى الْإِسْلَامِ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ سَأَلَهُ جِبْرِيلُ مَا الْإِيمَانُ؟ فَقَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ» يَعْنِي أَنْ تُصَدِّقَ، وَقَالَ: مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: «شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» فَأَخْبَرَ أَنَّ الْإِسْلَامَ خُضُوعٌ بِالْإِقْرَارِ لِلْإِخْلَاصِ لِلَّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وَالْوَحْدَانِيَّةِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ خُضُوعِ الْقَلْبِ بِالتَّصْدِيقِ فَكُلُّ خُضُوعٍ عَنْ خُضُوعِ الْقَلْبِ فَهُوَ إِسْلَامٌ، وَكُلُّ خُضُوعٍ مِنَ الْقَلْبِ فَهُوَ مِنَ الْإِيمَانِ لِأَنَّ التَّصْدِيقَ كُلَّمَا ازْدَادَ صَاحِبُهُ تَصْدِيقًا، وَيَقِينًا، وَبَصِيرَةً ازْدَادَ إِجْلَالًا لِلَّهِ وَهَيْبَةً فَإِذَا ازْدَادَ إِجْلَالًا وَهَيْبَةً ازْدَادَ خُضُوعًا وَطُمَأْنِينَةَ قَلْبٍ إِلَى

стр. 871

كُلِّ مَا قَالَ اللَّهُ ﵎ حَتَّى كَأَنْ لَمْ يُعَايِنْهُ، أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ اللَّهُ لِإِبْرَاهِيمَ: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] فَأَخْبَرَ أَنَّهُ قَدْ صَدَّقَ وَأَرَادَ أَنْ يَزْدَادَ تَصْدِيقًا وَبَصِيرَةً وَيَقِينًا لِيَزْدَادَ قَلْبُهُ طُمَأْنِينَةً، فَلَمَّا عَايَنَ ذَلِكَ ازْدَادَ يَقِينًا وَطُمَأْنِينَةً مِنْ غَيْرِ شَكٍّ كَانَ مِنْهُ بِأَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْمَوْتَى، وَكَذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ» .

стр. 872

٧٦٦ - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ، عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أنا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ.» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ الْقِيَامَةِ فَصَدَّقُوا، وَلَمْ يَشُكُّوا فَإِذَا عَايَنُوهَا كَانُوا بِهَا أَعْظَمَ إِيمَانًا وَيَقِينًا، وَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُهُمُ الشَّكُّ فِي دُنْيَاهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ ⦗٦٩٩⦘ وَلَكِنْ لَمَّا عَايَنُوا الْأَمْرَ عَظُمَ فِي قُلُوبِهِمْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانُوا يُصَدِّقُونَ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ حَتَّى ذَهِلَتْ عُقُولُ الرُّسُلِ فَمَنْ دُونَهُمْ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَمَوْجُودٌ فِي فِطَرِنَا يَأْتِينَا الصَّادِقُ بِالْخَبَرِ بِأَنَّ حَبِيبَ أَحَدِنَا قَدْ مَاتَ فَنُصَدِّقُهُ وَنَسْتَثِيرُ مِنْهُ الْحُزْنَ ثُمَّ نُتَابِعُ الْأَخْبَارَ عَلَيْهِ، فَكُلُّ مَا أَخْبَرَهُ مُخْبِرٌ ازْدَادَ يَقِينًا وَتَصْدِيقًا مِنْ غَيْرِ شَكٍّ مِنْهُ فِي الْخَبَرِ الْأَوَّلِ فَإِذَا عَايَنَهُ امْتَلَأَ قَلْبُهُ يَقِينًا بِأَنَّهُ قَدْ مَاتَ، ثُمَّ أَثَارَ مِنْ قَلْبِهِ مِنَ الْحُزْنِ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبْلُ حَتَّى كَأَنَّهُ كَانَ شَاكًّا فِي خَبَرِ الْمُخْبِرِينَ، فَكَذَلِكَ يَزْدَادُ الْعَبْدُ بَصِيرَةً وَيَقِينًا وَتَصْدِيقًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ دَخَلَ فِي أَصْلِ تَصْدِيقِهِ شَكٌّ، وَعَنْ ذَلِكَ يَكُونُ الْإِجْلَالُ وَالْهَيْبَةُ، وَعَنِ الْإِجْلَالِ وَالْهَيْبَةِ يَزْدَادُ خُضُوعًا بِالطَّاعَةِ، وَمُسَارَعَةً إِلَى رِضَا طَلَبِ رِضَا الْمَوْلَى

стр. 873

٧٦٧ - حَدَّثَنَا يُونُسُ، أنا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بُزُرْجٍ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي إِلَّا ضَعْفَ الْيَقِينِ»

стр. 874

٧٦٨ - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَشِيطٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: " مِنَ الْيَقِينِ يَقِينٌ تَجِدُهُ شَدِيدًا صَلْبًا لَا يُغَيِّرُهُ شَيْءٌ وَلَا يَشْرَكُهُ الشَّيْطَانُ، وَمِنَ الْيَقِينِ يَقِينٌ تَجِدُ فِيهِ ضَعْفًا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَدْ جَامَعَتْنَا فِي هَذَا الْمُرْجِئَةُ كُلُّهَا عَلَى أَنَّ الْإِقْرَارَ بِاللِّسَانِ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَّا فِرْقَةً مِنَ الْجَهْمِيَّةِ كَفَرَتْ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الْمُرْجِئَةِ بِزَعْمِهِمْ أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْمَعْرِفَةُ فَقَطْ بَعْدَ شَهَادَةِ اللَّهِ عَلَى قُلُوبِ مَنْ سَمَّاهُمْ كَافِرِينَ بِأَنَّهُمْ عَارِفُونَ فَضَادُّوا خَبَرَ اللَّهِ، وَسَمَّوُا الْجَاحِدَ بِلِسَانِهِ الْعَارِفَ بِقَلْبِهِ مُؤْمِنًا، وَأَقَرَّتِ الْمُرْجِئَةُ إِلَّا هَذِهِ الْفِرْقَةَ أَنَّ الْإِقْرَارَ مِنَ الْإِيمَانِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْهُ عَمَلُ الْقَلْبِ، وَقَدْ تَتَابَعَتِ الْأَخْبَارُ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ ﷺ أَنَّهُ سَمَّى الْإِقْرَارَ بِاللِّسَانِ إِسْلَامًا كَمَا قَالَ اللَّهُ : ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] فَجَعَلَ شَهَادَتَهُمْ دِينَ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ لِإِبْرَاهِيمَ: ﴿أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] وَقَالَ يَعْقُوبُ لِبَنِيهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] ⦗٧٠١⦘ يَعْنِي مُخْلِصِينَ لِلَّهِ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ خُضُوعًا لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ، وَقَالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: «شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» وَلَا يَمْتَنِعُ جَمِيعُ الْأُمَّةِ أَنْ يَقُولُوا لِلْكَافِرِ إِذَا أَقَرَّ بِلِسَانِهِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ قَدْ أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ وَقَبْلَ أَنْ يَصُومَ فَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدِ النَّبِيِّ ﷺ إِنَّمَا كَانَ بُدُوُّ إِسْلَامِهِ الشَّهَادَتَيْنِ، وَلَا تَدَافُعَ بَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي أَنْ يُسَمُّوا كُلَّ مَنْ شَهِدَ بِذَلِكَ مُسْلِمًا فِي وَقْتِهِ ذَلِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ وَقْتُ صَلَاةٍ وَلَا صَوْمٍ فَلمَا أَقَرَّتِ الْمُرْجِئَةُ بِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِاللِّسَانِ هُوَ إِيمَانٌ يَكْمُلُ بِهِ تَصْدِيقُ الْقَلْبِ وَلَا يَتِمُّ إِلَّا بِهِ ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى لَنَا وَالرَّسُولُ ﷺ أَنَّهُ أَوَّلُ الْإِسْلَامِ ثَبَتَ أَنَّ جَمِيعَ الْإِسْلَامِ مِنَ الْإِيمَانِ، فَإِنْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنَ الْإِسْلَامِ لَيْسَ مِنَ الْإِيمَانِ فَالْإِقْرَارُ الَّذِي هُوَ أَوَّلُ الْإِسْلَامِ لَيْسَ مِنَ الْإِيمَانِ فَبِإِيجَابِهِمْ أَنَّ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ بِجَارِحَةِ اللِّسَانِ هُوَ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَجْعَلُوا كُلَّمَا بَقَى مِنَ الْإِسْلَامِ مِنَ الْإِيمَانِ بَعْدَ مَا سَمَّى اللَّهُ وَالرَّسُولُ الْإِقْرَارَ بِاللِّسَانِ إِيمَانًا، ثُمَّ شَهِدَتِ الْمُرْجِئَةُ أَنَّ الْإِقْرَارَ الَّذِي سَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ إِسْلَامًا هُوَ إِيمَانٌ فَمَا بَالُ سَائِرِ الْإِسْلَامِ ⦗٧٠٢⦘ لَا يَكُونُ مِنَ الْإِيمَانِ فَهُوَ فِي الْأَخْبَارِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَفِي اللُّغَةِ وَالْمَعْقُولِ كَذَلِكَ إِذْ هُوَ خُضُوعٌ بِالْإِخْلَاصِ إِلَّا أَنَّ لَهُ أَصْلًا وَفَرْعًا، فَأَصْلُهُ الْإِقْرَارُ بِالْقَلْبِ عَنِ الْمَعْرِفَةِ وَهُوَ الْخُضُوعُ لِلَّهِ بِالْعُبُودِيَّةِ، وَالْخُضُوعُ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وَكَذَلِكَ خُضُوعُ اللِّسَانِ بِالْإِقْرَارِ بِالْإِلَهِيَّةِ بِالْإِخْلَاصِ لَهُ مِنَ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ أَنَّهُ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ، ثُمَّ فُرُوعُ هَذَيْنِ الْخُضُوعُ لَهُ بِأَدَاءِ الْفَرَائِضِ كُلِّهَا أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ : «الْإِسْلَامُ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ» وَمَا عَدَا مِنَ الْفَرَائِضِ فَلِمَ جَعَلَتِ الْمُرْجِئَةُ الشَّهَادَةَ إِيمَانًا وَلَمْ تَجْعَلْ جَمِيعَ مَا جَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِسْلَامًا إِيمَانًا؟، وَكَيْفَ جَعَلَتْ بَعْضَ مَا سَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ إِسْلَامًا إِيمَانًا، وَلَمْ تَجْعَلْ جَمِيعَهُ إِيمَانًا، وَتَبْدَأُ بِأَصْلِهِ وَتُتْبِعُهُ بِفُرُوعِهِ، وَتَجْعَلُهُ كُلُّهُ إِيمَانًا؟ . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: زَعَمَ بَعْضُ الْمُرْجِئَةِ أَنَّا إِذَا قُلْنَا: إِنَّ الْإِيمَانَ اسْمٌ لِجَمِيعِ الطَّاعَاتِ لَزِمَنَا أَنْ نُكَفِّرَ الْعَاصِي عِنْدَ أَوَّلِ مَعْصِيَةٍ يَفْعَلُهَا لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ إِنَّمَا يُسَمَّى إِيمَانًا لِاجْتِمَاعِ مَعَانِي، فَمَتَى مَا نَقَصَ مِنْ تِلْكَ الْمَعَانِي مِثْقَالُ خَرْدَلَةٍ زَالَ عَنْهُ الِاسْمُ، وَضَرَبُوا لِذَلِكَ مَثَلًا، فَقَالُوا: وَمَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ قَوْلِ الْقَائِلِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، فَإِذَا نَقَصَ ⦗٧٠٣⦘ دَانِقٌ لَمْ تُسَمَّ عَشْرَةً إِلَّا عَلَى النُّقْصَانِ فَإِنْ نَقَصَ دِرْهَمٌ لَمْ تُسَمَّ عَشَرَةً أَبَدًا. فَقِيلَ لَهُمْ إِنَّكُمْ ضَرَبْتُمُ الْمَثَلَ عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ وَقَدْ غَلَطْتُمْ عَلَيْنَا، وَلَمْ تَفْهَمُوا مَعْنَانَا، وَذَلِكَ أَنَّا نَقُولُ إِنَّ الْإِيمَانَ أَصْلٌ مَنْ نَقَصَ مِنْهُ مِثَالُ ذَرَّةٍ زَالَ عَنْهُ اسْمُ الْإِيمَانِ، وَمَنْ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ اسْمُ الْإِيمَانِ، وَلَكِنَّهُ يَزْدَادُ بَعْدَهُ إِيمَانًا إِلَى إِيمَانِهِ، فَإِنْ نَقَصَتِ الزِّيَادَةُ الَّتِي بَعْدَ الْأَصْلِ لَمْ يَنْقُصِ الْأَصْلُ الَّذِي هُوَ إِقْرَارٌ بِأَنَّ اللَّهَ حَقٌّ وَمَا قَالَهُ صِدْقٌ لِأَنَّ النَّقْصَ مِنْ ذَلِكَ شَكٌّ فِي اللَّهِ أَحَقٌّ هُوَ أَمْ لَا، وَفِي قَوْلِهِ أَصِدْقٌ هُوَ أَمْ كَذِبٌ؟ وَنَقْصٌ مِنْ فُرُوعِهِ وَذَلِكَ كَنَخْلَةٍ قَائِمَةٍ ذَاتِ أَغْصَانٍ وَوَرَقٍ فَكُلَّمَا قُطِعَ مِنْهَا غُصْنٌ لَمْ يَزُلْ عَنْهَا اسْمُ الشَّجَرَةِ وَكَانَتْ دُونَ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْكَمَالِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقَلِبَ اسْمُهَا إِلَّا أَنَّهَا شَجَرَةٌ نَاقِصَةٌ مِنْ أَغْصَانِهَا وَغَيْرِهَا مِنَ النَّخْلِ مِنْ أَشْكَالِهَا أَكْمَلُ مِنْهَا لِتَمَامِهَا بِسَعَفِهَا وَقَدْ قَالَ اللَّهُ : ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤] الْآيَةَ، فَجَعَلَهَا مَثَلًا لَكَلِمَةِ الْإِيمَانِ، وَجَعَلَ لَهَا أَصْلًا وَفَرْعًا وَثَمَرًا تُؤْتِيهِ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ عَنْ مَعْنَى هَذَا الْمَثَلِ مِنَ اللَّهِ فَوَقَعُوا فِي شَجَرِ الْبَوَادِي، قَالَ ابْنُ عُمَرَ ⦗٧٠٤⦘: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ فَاسْتَحْيَيْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هِيَ النَّخْلَةُ»

стр. 875

٧٦٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا فَإِنَّهَا مَثَلٌ لِلْمُسْلِمِ فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ؟» فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ فَاسْتَحْيَيْتُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «هِيَ النَّخْلَةُ»

стр. 876

٧٧٠ - حَدَّثَنَا أَبُو قُدَامَةَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَخْبِرُونِي عَنْ شَجَرَةٍ هِيَ مَثَلُ الْمُسْلِمِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا لَا يَتَحَاتُّ وَرَقُهَا» قَالَ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ، وَثَمَّ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرَ فَلَمَّا لَمْ يَتَكَلَّمُوا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هِيَ النَّخْلَةُ» فَلَمَّا رَجَعْتُ مَعَ أَبِي ⦗٧٠٥⦘ قُلْتُ: يَا أَبَتَاهُ وَقَعَتْ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ قَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَقُولَهَا لَوْ كُنْتَ قُلْتَهَا كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا قُلْتُ: مَنَعَنِي أَنْ أَتَكَلَّمَ أَنِّي لَمْ أَرَكَ، وَلَا أَبَا بَكْرٍ تَكَلَّمْتُمَا فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ وَلَمْ تُكَلِّمَا "

стр. 877

٧٧١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ النَّرْسِيُّ، ثنا حَمَّادُ بْنُ شُعَيْبٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ بِجُمَّارٍ فَقَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرَةِ مَا بَرَكَتُهُ كَبَرَكَةِ الْمُسْلِمِ» قَالَ: فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ هِيَ النَّخْلَةُ فَنَظَرْتُ فَإِذَا أَنَا عَاشِرُ عَشْرَةٍ وَكَرِهْتُ أَنْ أَقُولَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هِيَ النَّخْلَةُ»

стр. 878

حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ الْعَلَّافُ، ثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ ⦗٧٠٦⦘ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَأْكُلُ جُمَّارَ نَخْلٍ، فَقَالَ: " إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً كَالرَّجُلِ الْمُؤْمِنِ وَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ هِيَ النَّخْلَةُ فَنَظَرْتُ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ فَإِذَا أَنَا أَحَدَثُهُمْ، فَقَالَ ﷺ : «هِيَ النَّخْلَةُ»

стр. 879

٧٧٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ حِسَابٍ، ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، ثنا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا لِأَصْحَابِهِ: «أَخْبِرُونِي عَنْ شَجَرَةٍ مَثَلُهَا مَثَلُ الْمُؤْمِنِ» فَجَعَلَ الْقَوْمُ يَذْكُرُونَ شَجَرًا مِنْ شَجَرِ الْبَوَادِي، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَأُلْقِيَ فِي نَفْسِي أَوْ رُوعِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ فَجَعَلْتُ أُرِيدُ أَنْ أَقُولَهَا فَأَرَى أَسْنَانَ الْقَوْمِ فَأَهَابُ أَنْ أَتَكَلَّمَ فَلَمَّا سَكَتُوا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هِيَ النَّخْلَةُ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: ثُمَّ فَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ بِسُنَّتِهِ الْإِيمَانَ إِذْ فُهِمَ عَنِ اللَّهِ مِثْلَهُ فَأَخْبَرَ أَنَّ الْإِيمَانَ ذُو شُعَبٍ أَعْلَاهَا شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَجَعَلَ أَصْلَهُ الْإِقْرَارَ ⦗٧٠٧⦘ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، وَجَعَلَ شُعْبَةَ الْإِيمَانِ ثُمَّ جَعَلَ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ الْأَعْمَالَ شُعَبًا مِنَ الْإِيمَانِ فَاسْتَعْجَمَ عَلَى الْمُرْجِئِ الْفَهْمُ فَضَرَبَ الْمَثَلَ بِخِلَافِ مَا ضَرَبَهُ اللَّهُ وَالرَّسُولُ، وَقَالَ: «مِثْلَ عَشْرَةِ دَرَاهِمَ» لِيُبْطِلَ سُنَّةَ الرَّسُولِ ﷺ وَيَجْعَلُ قَوْلَهُ هُوَ الْحَقُّ بِخِلَافِ الْآثَارِ، لِأَنَّ الَّذِي سَمَّى الْإِيمَانَ التَّصْدِيقَ هُوَ الَّذِي أَخْبَرَ أَنَّ الْإِيمَانَ ذُو شُعَبٍ فَمَنْ لَمْ يُسَمِّ الْأَعْمَالَ شُعَبًا كَمَا جَعَلَهُ الرَّسُولُ ﷺ وَكَمَا ضَرَبَ اللَّهُ الْمَثَلَ بِهِ فَقَدْ خَالَفَ سُنَّةَ الرَّسُولِ ﷺ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ صِفَاتِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْإِيمَانِ فَيُؤْمِنُ بِبَعْضِهَا، وَيَكْفُرُ بِبَعْضِهَا لِأَنَّهُ ﷺ حِينَ سَأَلَهُ جِبْرِيلُ: مَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ» إِلَى آخِرِ الْقَوْلِ، ثُمَّ قَالَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ: «آمُرُكُمْ بِالْإِيمَانِ» ثُمَّ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ؟ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» فَبَدَأَ بِأَصْلِهِ، وَالشَّاهِدُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ هُوَ الْمُصَدِّقُ الْمُقِرُّ بِقَلْبِهِ يَشْهَدُ بِهَا لِلَّهِ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ، يَبْتَدِئُ بِشَهَادَةِ قَلْبِهِ وَالْإِقْرَارِ بِهِ، ثُمَّ يُثَنِّي بِالشَّهَادَةِ بِلِسَانِهِ، وَالْإِقْرَارِ بِهِ كَمَا قَالَ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَرْجِعُ بِهَا إِلَى الْقَلْبِ مُخْلِصًا يَعْنِي مُخْلِصًا بِالشَّهَادَةِ قَلْبُهُ لَيْسَ كَمَا شَهِدَتِ الْمُنَافِقُونَ إِذْ: ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١] قَالَ اللَّهُ: ﴿وَاللَّهُ ⦗٧٠٨⦘ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] ، فَلَمْ يُكَذِّبْ قُلُوبَهُمْ أَنَّهُ حَقٌّ فِي عَيْنِهِ، وَلَكِنْ كَذَّبَهُمْ مِنْ قَوْلِهِمْ، فَقَالَ: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ [المنافقون: ١] أَيْ كَمَا قَالُوا، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] فَكَذَّبَهُمْ مِنْ قَوْلِهِمْ لَا أَنَّهُمْ قَالُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ بَاطِلًا وَلَا كَذِبًا، وَكَذَلِكَ حِينَ أَجَابَ النَّبِيُّ ﷺ جِبْرِيلَ بِقَوْلِهِ: «الْإِسْلَامُ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» لَمْ يُرِدْ شَهَادَةً بِاللِّسَانِ كَشَهَادَةِ الْمُنَافِقِينَ، وَلَكِنْ أَرَادَ شَهَادَةً بَدْؤُهَا مِنَ الْقَلْبِ بِالتَّصْدِيقِ بِاللَّهِ بِأَنَّهُ وَاحِدٌ. وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يُنْقِصُ قَوْلَهُ: «تُؤْمِنُ بِاللَّهِ» لِأَنَّهُ بَدَأَهُ بِأَوَّلِ الْإِيمَانِ فَقَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ ثُمَّ تُقِرَّ بِقَلْبِكَ، وَلِسَانِكَ فَتَشْهَدُ لَهُ بِذَلِكَ، فَابْتَدَأَ الْإِسْلَامَ بِالشَّهَادَةِ، وَالْإِيمَانَ بِالتَّصْدِيقِ، وَهُمْ مُجَامِعُونَا أَنَّهُمَا جَمِيعًا إِيمَانٌ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الشَّهَادَةِ الَّتِي جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ، وَبَيْنَ التَّصْدِيقِ الَّذِي سَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ إِسْلَامًا، فَهُمْ يَجْعَلُونَهُمَا جَمِيعًا إِيمَانًا فَمَا بَالُ مَا بَقِيَ لِمَا سَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ إِسْلَامًا لَا يَكُونُ إِيمَانًا كَيْفَ نَقَصُوهُ فَأَضَافُوا بَعْضَ الْإِسْلَامِ إِلَى الْإِيمَانِ، وَنَفَوْا بَاقِيهِ عَنِ الْإِيمَانِ، وَقَدْ سَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ إِسْلَامًا كُلَّهُ، ثُمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ لِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ: «أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ» يُنَبِّئُهُمْ ⦗٧٠٩⦘ لِلْفَهْمِ عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ: «شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» وَمَا ذَكَرَ مَعَهَا مِنَ الْإِيمَانِ ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً» فَالْعَجَبُ لِمَنْ طَلَبَ الْحَدِيثَ مِنْهُمْ أَوْ سَمِعَ الْآثَارَ، وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهَا كَيْفَ يَسْمَعُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَصَفَ الْإِيمَانَ بِصِفَاتٍ ثُمَّ يُفَرِّقُ بَيْنَهَا فَيُؤْمِنُ بِبَعْضِ صِفَاتِهِ وَيَجْحَدُ بَعْضًا، وَلَيْسَتِ التَّفْرِقَةُ بِالَّذِي يُزِيلُ الِاسْمَ لَأَنَّا قَدْ وَجَدْنَا اللَّهَ وَالرَّسُولَ يُفَرِّقَانِ الصِّفَةَ فِي أَشْيَاءَ، وَيُوجِبَانِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَجْمَعُوهَا لِمَنْ سَمَّى بِهَا بِاسْمٍ وَاحِدٍ. مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد: ١٩] وَلَمْ يَذْكُرْ عَمَلًا. وَقَالَ: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد: ٢١] وَلَمْ يَذْكُرْ عَمَلًا. وَقَالَ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ﴾ [الأنفال: ٤] فَذَكَرَ الْوَجَلَ، وَإِقَامَ الصَّلَاةِ، وَالْإِيمَانَ لِلَّهِ، وَالْإِنْفَاقَ لِلَّهِ، وَالتَّوَكُّلَ عَلَيْهِ، وَأَوْجَبَ لَهُمُ الْجَنَّةَ بِذَلِكَ ⦗٧١٠⦘. وَقَالَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠] فَأَوْجَبَ لَهُمُ الْجَنَّةَ بِالْأَعْمَالِ الَّتِي ذَكَرَهَا وَلَمْ يَذْكُرْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْوَجَلَ، وَالتَّوَكُّلَ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْآيَةِ الَّتِي فِي الْأَنْفَالِ كُلَّ مَا ذَكَرَ فِي هَذِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ. وَقَالَ: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧] وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ [الإسراء: ٩] فَعَمَّ الْأَعْمَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ. وَقَالَ اللَّهُ : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ [فاطر: ٣٦] وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٦٧] وَقَالَ: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦] وَقَالَ: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ ⦗٧١١⦘ فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الْكَافِرِينَ فِي النَّارِ وَإِنَّ لَمْ يُصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. وَقَالَ: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٢] فَالْكَافِرُ فِي النَّارِ وَيَزْدَادُ عَذَابًا بِهَذِهِ الْأَفْعَالِ فَهَذِهِ صِفَاتُ أَهْلِ النَّارِ وَأَعْمَالُهُمْ، وَتِلْكَ صِفَاتُ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ، فَكَذَلِكَ وَصَفَ النَّبِيُّ ﷺ الْإِيمَانَ بِصِفَاتٍ فَكُلُّهَا صِفَاتُ الْإِيمَانِ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ إِلَّا مَنْ جَمَعَ هَذِهِ الْأَعْمَالَ كُلَّهَا أَوْ قَالَ: لَيْسَتْ هَذِهِ بِأَعْمَالٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا الْجَنَّةَ لِأَنَّهُ قَدْ فَرَّقَهَا فَيَرْجِعْ إِلَى الْأَصْلِ يَشْهَدُ أَنَّ مَنْ صَدَّقَ بِاللَّهِ وَبِصِفَاتِهِ كُلِّهَا فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ فَيَشْهَدُ بِالْأَصْلِ وَيَدَعُ الْفُرُوعَ لَكَانَ رَادًّا عَلَى اللَّهِ قَائِلًا بِغَيْرِ الْحَقِّ إِذَا اقْتَصَرَ عَلَى الْأَصْلِ وَأَلْقَى الْفُرُوعَ. فَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بِأَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي قَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَلْقَى سَائِرَهُ فَلَمْ يَشْهَدْ أَنَّهُ إِيمَانٌ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ سَمَّى الْإِيمَانَ بِالْأَصْلِ وَبِالْفُرُوعِ وَهُوَ الْإِقْرَارُ وَالْأَعْمَالُ فَسَمَّاهُ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ بِالتَّصْدِيقِ، وَسَمَّى الشَّهَادَةَ، وَالْقِيَامَ بِمَا أَسْمَى مِنَ الْفَرَائِضِ إِسْلَامًا وَسَمَّى ⦗٧١٢⦘ فِيمَا قَالَ لِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ الشَّهَادَةَ وَمَا سَمَّى مَعَهَا مِنَ الْفَرَائِضِ إِيمَانًا ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَجَعَلَ أَصْلَ الْإِيمَانِ الشَّهَادَةَ، وَسَائِرَ الْأَعْمَالِ شُعَبًا ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ الْإِيمَانَ يَكْمُلُ بَعْدَ أَصْلِهِ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، فَقَالَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا» فِي الْإِيمَانِ كَأَحْسَنِهِمْ خُلُقًا فَإِنَّهُ مُسَاوِيَةٌ فِي الْكَمَالِ فَقَدْ عَانَدَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَلَّبَ مَا شَهِدَ بِهِ بِأَحْسَنِ الْمُؤْمِنِينَ خُلُقًا فَجَعَلَهُ لِأَسْوَئِهِمْ خُلُقًا لَوْ كَانَ كَمَا قَالَ لَكَانَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ هَذَا لَا مَعْنَى لَهُ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ حَدَّ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِ أَهْلِ النَّارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَأَخْبَرَ عَنِ اللَّهِ أَنَّهُ يَقُولُ: «أَخْرِجُوا مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ دِينَارٍ مِنْ إِيمَانٍ، مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ مِثْقَالَ شَعِيرَةٍ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِثْقَالَ خَرْدَلَةٍ» . فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ مَا كَانَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْإِيمَانِ مُسْتَوِيًا فِي الْوَزْنِ فَقَدْ عَارَضَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ بِالرَّدِّ وَمَنْ قَالَ: الَّذِي فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَلَا مُسْلِمٍ فَقَدْ رَدَّ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى رَسُولِهِ إِذْ يَقُولُ الرَّسُولُ ﷺ : «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ مُؤْمِنَةٌ» فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ، وَقَدْ جَزَّأَ النَّبِيُّ ﷺ مَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْإِيمَانِ بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ أَقَلَّهُمْ إِيمَانًا قَدْ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ ⦗٧١٣⦘، فَثَبَتَ لَهُ بِذَلِكَ اسْمُ الْإِيمَانِ، فَإِذَا كَانَ أَقَلُّهُمْ إِيمَانًا يَسْتَحِقُّ الِاسْمَ، وَالْآخَرُونَ أَكْثَرُ مِنْهُ إِيمَانًا دَلَّ ذَلِكَ أَنَّ لَهُ أَصْلًا وَفَرْعًا يَسْتَحِقُّ اسْمُهُ مَنْ يَأْتِي بِأَصْلِهِ وَيَتَأَوَّلُونَ فِي الزِّيَادَةِ بَعْدَ أَصْلِهِ فَتَرَكُوا أَنْ يَضْرِبُوا النَّخْلَةَ مَثَلًا لِلْإِيمَانِ مَثَلًا كَمَا ضَرَبَهُ اللَّهُ ، وَيَجْعَلُ الْإِيمَانَ لَهُ شُعَبًا كَمَا جَعَلَهُ الرَّسُولُ ﷺ فَيَشْهَدُوا بِالْأَصْلِ وَبِالْفُرُوعِ وَيَشْهَدُوا بِالزِّيَادَةِ إِذَا أَتَى بِالْأَعْمَالِ، كَمَا أَنَّ النَّخْلَةَ فُرُوعَهَا وَشُعَبَهَا أَكْمَلُ لَهَا وَهِيَ مُزْدَادَةٌ بَعْدَ مَا ثَبَتَ الْأَصْلُ شُعَبًا وَفَرْعًا، فَقَدْ كَانَ يَحِقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يُنْزِلُوا الْمُؤْمِنَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ فَيَشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ إِذْ أَتَى بِالْإِقْرَارِ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَيَشْهَدُوا لَهُ بِالزِّيَادَةِ كُلَّمَا ازْدَادَ عَمَلًا مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي سَمَّاهَا النَّبِيُّ ﷺ شُعَبًا لِلْإِيمَانِ، وَكَانَ كُلَّمَا ضَيَّعَ مِنْهَا شُعْبَةً عَلِمُوا أَنَّهُ مِنَ الْكَمَالِ أَنْقُصُ مِنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ قَامَ بِهَا فَلَا يُزِيلُوا عَنْهُ اسْمَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَزُولَ الْأَصْلُ، وَلَيْسَتِ الْعَشَرَةُ مِثْلَ الْإِيمَانِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ إِلَّا كَالْفَرْعِ: الْعَاشِرُ دِرْهَمٌ، وَالْأَوَّلُ دِرْهَمٌ فَإِنَّمَا مَثَلُ أَصْلِهَا مَثَلُ الْفِضَّةِ، وَالْفِضَّةُ كَمَثَلِ التَّصْدِيقِ فَلَوْ كَانَتْ نَقْرَةٌ فِيهَا عَشْرَةٌ ثُمَّ نَقَصَتْ حَبَّةٌ لَسُمِّيَتْ فِضَّةً لِأَنَّ الْفِضَّةَ جَامِعٌ لِاسْمِهَا، قَلَّتْ أَمْ كَثُرَتْ لِأَنَّهَا أَصْلٌ قَائِمٌ أَبَدًا مَا دَامَ مِنْهَا شَيْءٌ وَلَيْسَتِ ⦗٧١٤⦘ الْعَشَرَةُ كَذَلِكَ لَيْسَ أَوَّلُهَا بِأَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُونَ أَصْلًا لَهَا مِنْ آخِرِهَا لِأَنَّهَا أَجْزَاءٌ مُتَفَرِّقَةٌ فَكَمَا بُدِئَ بِالدِّرْهَمِ الْأَوَّلِ بِالْعَدَدِ فَيُجْعَلُ الْأَوَّلُ هُوَ الْعَاشِرُ فَلَيْسَ بَعْضُهَا بِأَحَقَّ بِأَنْ يَكُونَ أَصْلًا لِبَعْضٍ مِنَ الْآخَرِ إِنَّمَا أَصْلُهَا الْفِضَّةُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَالْأَخْبَارُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ يَفْتَرِقَانِ لِأَنَّهُ دَلَّ عَلَى الْإِيمَانِ بِمَا دَلَّ عَلَى الْإِسْلَامِ، قَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ لِجِبْرِيلَ حِينَ سَأَلَهُ عَنِ الْإِسْلَامِ: الْإِسْلَامُ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ " وَمَا ذَكَرَ مَعَ الشَّهَادَتَيْنِ مِنَ الْفَرَائِضِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» ثُمَّ قَالَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ: «أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ» فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ» فَسَمَّى الْإِسْلَامَ بِمَا سَمَّى بِهِ ⦗٧١٥⦘ الْإِيمَانَ، وَسَمَّى الْإِيمَانَ بِمَا سَمَّى بِهِ الْإِسْلَامَ وَمِمَّا يَزِيدُ ذَلِكَ بَيَانًا قَوْلُهُ: لَا يُؤْمِنُ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ وَقَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» وَالْبَوَائِقُ لَا تَكُونُ إِلَّا بِاللِّسَانِ، وَالْيَدِ فَسَمَّى الْإِيمَانَ بِمَا سَمَّى بِهِ الْإِسْلَامَ لِأَنَّ مَنْ أَمِنَ جَارُهُ بَوَائِقَهُ فَقَدْ سَلِمَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَمَنْ لَا يَسْلَمُ جَارُهُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ لَا يَأْمَنُ بَوَائِقَهُ، وَقَالَ: «الْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ فَمَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ أَمِنُوهُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ» فَدَلَّ النَّبِيُّ ﷺ بِسُنَّتِهِ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ لَا يَفْتَرِقَانِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمَ هُوَ الْمُؤْمِنُ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ اسْمَيْنِ دَلَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ يَجْعَلُهُمَا مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَقَدْ عَارَضَ سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ بِالرَّدِّ إِلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا أَصْلٌ لِلْآخَرِ لَا يَنْفَكُّ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ لِأَنَّ أَصْلَ الْإِيمَانِ هُوَ التَّصْدِيقُ وَعَنْهُ يَكُونُ الْخُضُوعُ فَلَا يَكُونُ مُصَدِّقًا إِلَّا ⦗٧١٦⦘ خَاضِعًا وَلَا خَاضِعًا إِلَّا مُصَدِّقًا، وَعَنْهُمَا تَكُونُ الْأَعْمَالُ الَّتِي وَصَفَ النَّبِيُّ ﷺ الْإِسْلَامَ وَتَسَمَّى مَنْ قَامَ بِهَا بِالْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ

стр. 880

٧٧٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ، عَنْ بِشْرِ بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ [النحل: ١٢٠] قَالَ: كَانَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَهُوَ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَلَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهِ فِي قَوْمِهِ أَحَدٌ عَلَى الْإِسْلَامِ غَيْرُهُ، فَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ : ﴿كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ [النحل: ١٢٠] قَالَ: كَانَ مُطِيعًا. " قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَمِنْ أَعْظَمِ حُجَجِ الْمُرْجِئَةِ الَّتِي يَقُولُونَ بِهَا عِنْدَ أَنْفُسِهِمُ: اللُّغَةُ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يُعْرَفُ فِي اللُّغَةِ إِلَّا بِالتَّصْدِيقِ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ التَّصْدِيقَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْقَلْبِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، وَقَدْ وَجَدْنَا الْعَرَبَ فِي لُغَتِهَا تُسَمِّي كُلَّ عَمَلٍ حَقَّقَتْ بِهِ عَمَلَ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ تَصْدِيقًا فَيَقُولُ الْقَائِلُ ⦗٧١٧⦘ فُلَانٌ يَصْدُقُ فِعْلُهُ قَوْلَهُ يَعْنُونَ يُحَقِّقُ قَوْلَهُ بِفِعْلِهِ، وَيَصْدُقُ سَرِيرَتُهُ عَلَانِيَتَهُ، وَفُلَانٌ يَكْذِبُ فِعْلُهُ قَوْلَهُ، وَقَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الخفيف] صَدِّقِ الْقَوْلَ بِالْفِعَالِ فَإِنِّي ... لَسْتُ أَرْضَى بِوَصْفِ قَالَ وَقِيلَ وَقَالَ كُثَيِّرٌ وَهُوَ يَمْدَحُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵀: [البحر الطويل] وُلِّيتَ فَلَمْ تَشْتُمْ عَلِيًّا وَلَمْ تُخِفْ ... بَرِيئًا فَأَمْسَى سَاخِطًا كُلُّ مُجْرِمٍ وَقُلْتَ فَصَدَّقْتَ الَّذِي قُلْتَ بِالَّذِي ... فَعَلْتَ فَأَمْسَى رَاضِيًا كُلُّ مُسْلِمٍ . وَيَقُولُ الْعَرَبُ إِذَا حَمَلَ الرَّجُلُ عَلَى الْقَوْمِ فِي الْحَرْبِ فَلَمْ يَرْجِعْ قَالُوا: صَدَقَ الْحَمْلَةَ أَيْ حَقَّقَهَا أَيْ لَمْ يَقْتَصِرْ دُونَ أَنْ يَبْلَى، وَإِذَا رَجَعَ قِيلَ كَذَبَ الْحَمْلَةَ. وَيُقَالُ لِلْمُرْجِئَةِ أَخْبِرُونَا عَنِ الْآمِنِ مِنَ اللَّهِ حَتَّى ⦗٧١٨⦘ لَا يَخَافُهُ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ فَلَا يَلْزَمُ قَلْبَهُ الْخَوْفُ أَيَكُونُ مُؤْمِنًا مَنْ كَانَ كَذَلِكَ؟ فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ قِيلَ لَهُمْ فَإِذَا زَعَمْتُمْ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ بِاللَّهِ أَنَّهُ الْجَلِيلُ الْعَظِيمُ فَإِنَّ الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ نَافِذَةٌ وَأَنَّهُ عَظِيمُ الْغَضَبِ شَدِيدُ الْعِقَابِ، ثُمَّ هُوَ لَا يَخَافُهُ وَلَا يَهَابُهُ وَلَا يُجِلُّهُ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ فَهَلْ فَرَّقَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بَيْنَ مَنْ لَا هَيْبَةَ لَهُ، وَلَا إِجْلَالَ، وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ كَالْأَصْنَامِ إِذْ عَرَفَ أَنَّ الْأَصْنَامَ فِي أَنْفُسِهَا أَصْنَامٌ، وَعَرَفَ فِي نَفْسِهِ وَأَقَرَّ بِلِسَانِهِ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْإِلَهُ ثُمَّ لَمْ يَخَفْهُ وَلَمْ يُجِلَّهُ وَلَمْ يَهَبْهُ وَلَمْ يَرْجُهُ فِي مَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي هَلْ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَصْنَامِ فَرْقًا فِي التَّصْدِيقِ بِهَا لِأَنَّهُ لَا يَعْمَلُ أَحَدٌ إِلَّا لِأَحَدِ أَمْرَيْنِ رَغْبَةٍ أَوْ رَهْبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَخَفْهُ وَلَمْ يَرْجُهُ فَقَدْ أَنْزَلَهُ مَنْزِلَةَ مَنْ لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ بِأَهْلٍ أَنْ يُتَّقَى فَكَيْفَ يَكُونُ مُؤْمِنًا مَنْ سَوَّى بَيْنَ اللَّهِ ﵎ وَبَيْنَ الْأَصْنَامِ الَّتِي لَا تُخَافُ وَلَا تُهَابُ وَلَا تُجَلُّ وَلَا تُرْهَبُ وَلَا تُرْجَأُ لِأَنَّهَا لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ فَإِنْ قَالُوا: لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا مَنْ كَانَ هَكَذَا، وَلَا يَكُونُ مُؤْمِنًا حَتَّى يَكُونَ لِلَّهِ خَائِفًا وَمُجِلًّا وَهَائِبًا قِيلَ لَهُمْ فَإِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ ⦗٧١٩⦘ مُؤْمِنًا، وَإِنَّمَا يُخْرِجُهُ مِنَ الْإِيمَانِ الْكُفْرُ فَقَدْ أَثْبَتُّمْ أَنَّ الْخَوْفَ إِيمَانٌ، وَالْأَمْنَ كُفْرٌ. فَإِنْ قَالُوا: إِنَّ الْخَوْفَ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا إِيمَانٌ وَذَلِكَ خَوْفُ الْإِقْرَارِ وَهُوَ إِقْرَارٌ فِي غَيْبِهِ، وَذَلِكَ خَوْفُ يَقِينٍ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ اللَّهِ : ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٥١] فَإِنَّمَا يَعْنِي أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ، وَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ [يونس: ٧] يَعْنِي لَا يُؤْمِنُونَ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ مِنَ الْخَوْفِ هُوَ الْمُزْعِجُ عَنِ الْمَعَاصِي، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ، وَلَكِنَّ الْإِيمَانَ سَبَبٌ لَهُ. قِيلَ لَهُمْ: أَمَّا وَاحِدَةٌ فَقَدْ خَرَجْتُمْ مِنَ اللُّغَةِ الَّتِي عَلَيْهَا اعْتَمَدْتُمْ لِأَنَّكُمْ لَمْ تَجِدُوا فِي اللُّغَةِ أَنَّ الْخَوْفَ إِيمَانٌ وَلَا أَنَّ الْأَمْنَ كُفْرٌ. وَالثَّانِيَةُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ مَعْنَى الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ إِيمَانًا فَكُلُّ خَوْفٍ مِنَ اللَّهِ مُزْعِجًا عَنِ الْمَعَاصِي إِيمَانٌ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلِ الْخَوْفَ كُلَّهُ إِيمَانًا فَجَعَلَ أَوَّلَهُ إِيمَانًا، وَآخِرَهُ لَا إِيمَانَ فَقَدْ نَاقَضَ، لِأَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ تَصْدِيقٌ إِيمَانًا، وَتَصْدِيقٌ لَا إِيمَانَ فَكَمَا كَانَ كُلُّ تَصْدِيقٍ إِيمَانًا فَكَذَلِكَ كُلُّ خَوْفٍ إِيمَانٌ. فَإِنْ قَالُوا: إِنَّا لَا نَقُولُ إِنَّ الْخَوْفَ جُزْءٌ مِنَ الْإِيمَانِ ⦗٧٢٠⦘ وَلَكِنَّا نَقُولُ: لَا يُفَارِقُ الْإِيمَانَ قِيلَ لَهُمْ إِنَّ قَوْلَكُمْ لَا يُفَارِقُ الْإِيمَانَ لَا يَخْلُو مِنْ وَجْهَيْنِ أَنْ تَكُونُوا تَعْنُونَ أَنَّهُ لَا يُفَارِقُ الْإِيمَانَ لِأَنَّهُ مِنَ الْإِيمَانِ أَوْ تَكُونُوا تَعْنُونَ الْإِيمَانَ لَا يَكُونُ إِيمَانًا إِلَّا بِهِ، فَكِلَا الْوَجْهَيْنِ يُثْبِتُ أَنَّهُ إِيمَانٌ لَازِمًا لَا يَكُونُ الْإِيمَانُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ إِيمَانٌ فَإِنْ كَانَ جَائِزًا أَنْ يَكُونَ الْإِيمَانُ وَلَا يَكُونُ فَقَدْ أَثْبَتُّمْ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَسْتَوِي اللَّهُ فِي قَلْبِهِ وَالْأَصْنَامُ الَّتِي لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ. فَإِنْ قَالُوا: لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَوِيَ ذَلِكَ فِي قَلْبِهِ. قِيلَ لَهُمْ: فَقَدْ ثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الْخَوْفَ وَالْإِجْلَالَ وَالْهَيْبَةَ لِلَّهِ إِيمَانٌ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَصْنَامِ فَرْقٌ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يُقَالُ لَهُمْ أَخْبِرُونَا عَنْ قَوْلِكُمْ إِنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْخَوْفِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَزَالَ عَنْ إِيمَانٍ، أَخْبِرُونَا إِذَا خَطَرَ بِقَلْبِهِ خَوَاطِرُ الشِّرْكِ مِنَ الْعَدُوِّ أَوْ حَاجَّ مَخْلُوقًا مِنَ النَّاسِ حَتَّى كَادَ يَزُولُ عَنْ إِيمَانِهِ، بِهَا يَنْفِي؟ فَإِنْ قَالُوا بِالْكَرَاهَةِ، قِيلَ: وَمَا الَّذِي يَبْعَثُهُ عَلَى الْكَرَاهَةِ؟ فَإِنْ قَالُوا: الْخَوْفُ، قِيلَ: خَوْفٌ مِنْ مَاذَا؟ ⦗٧٢١⦘ فَإِنْ قَالُوا: خَوْفٌ مِنَ اللَّهِ أَنْ يُشْرِكَ بِهِ، قِيلَ: فَلَوْلَا الْخَوْفُ وَالْكَرَاهَةُ لَقَبِلَ الشِّرْكَ، وَاعْتَقَدَهُ فَإِنَّمَا نَفَى الشِّرْكَ بِالْخَوْفِ وَالْكَرَاهَةِ. فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ قِيلَ لَهُمْ: وَلَا يُنْفَى الشَّيْءُ إِلَّا بِضِدِّهِ، وَقَدْ ثَبَتُّمْ أَنَّ الْكَرَاهَةَ لِلْكُفْرِ، وَالْخَوْفُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَقْبَلَهُ الْعَبْدُ إِيمَانٌ فَإِنَّهُ لَا يَنْفِي الْكُفْرَ إِلَّا بِالْإِيمَانِ وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ بِسُنَّتِهِ
следующие страницы →