المبحث الرابع: في بيان حكمة توزيع الغنائم على قوم دون آخرين
في نهاية غزوة حنين وزع رسول الله ﷺ الغنائم بطريقة لم تكن مألوفة للصحابة من قبل، فقد خص ﷺ المؤلفة قلوبهم بالحظ الأوفر من هذه الغنائم.
ولقد أحدث ذلك التقسيم في نفوس أجلاء الصحابة تساؤلا فيما بينهم وعجب بعض مشاهير الصحابة من ذلك الأسلوب الذي اتبع في توزيع غنائم حنين وظن بعض الصحابة أن في ذلك حرمانا لهم وهم القاعدة الصلبة التي تحطمت عليها جحافل الشرك في الغزوات كلها ومنها غزوة حنين، ولم يكن أولئك المؤلفة قلوبهم ومن شاكلتهم ليبلغوا معشار ما بلغه مشاهير الصحابة من النجدة والجهاد والصمود في وجوه أعداء الله ورسوله ﷺ ، ومن هنا كان لا بد للباحث أن يبين الحكمة في توزيع غنائم حنين خاصة إذا ظهر أنها قد خفيت على أولئك العظماء من أصحاب الرسول ﷺ ، ولم تظهر لهم إلا بعد أن بين لهم رسول الله ﷺ وجه الحكمة من ذلك، فاستبانوا الأمر وزال عنهم الإشكال، وسوف نمضي سياق النصوص الواردة في هذا الصدد لندرك من خلال التأمل والتدبر فيها وجه الحكمة في توزيع الغنائم ويزول الإشكال الذي عبر عنه بعض الأنصار بقولهم: "إن هذا لهو العجب إن سيوفنا تقطر من دمائهم وإن غنائمنا ترد عليهم"١.
لقد حظي بهذه الغنائم الطلقاء والأعراب والرؤساء الذين يحملون الحقد للإسلام ونبي الإسلام والذين كانوا من جملة الأسباب في هزيمة المسلمين في بداية المعركة فقد جاء في حديث أنس بن مالك ﵁ أن أم سليم اتخذت يوم حنين خنجرا فكان معها، فرآها أبو طلحة فقال: يا رسول الله هذه أم سليم معها خنجر! ٢، فقال لها رسول الله ﷺ : "ما هذا الخنجر"؟ قالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه، فجعل رسول الله يضحك، قالت: يا رسول الله
стр. 387
اقتل من بعدنا من الطلقاء انهزموا بك، فقال رسول الله ﷺ : "يا أم سليم إن الله قد كفى وأحسن" وفي حديثه أيضا قال: "افتتحنا مكة ثم إنا غزونا حنينا" الحديث وفيه: "ونحن بشر كثير قد بلغنا ستة آلاف، وعلى مجنبة خيلنا خالد بن الوليد، وقال: فجعلت خلينا تلوي خلف ظهورنا فلم نلبث أن انكشفت خيلنا وفرت الأعراب ومن نعلم من الناس" ١.
وفي حديث صفوان بن أمية ﵁ عند مسلم والترمذي وغيرهما وهذا سياق الترمذي:
١٨٥- "حدثنا الحسن٢ بن علي الخلال أخبرنا يحيى٣ بن آدم عن ابن المبارك٤ عن يونس٥ عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن صفوان بن أمية قال: "أعطاني رسول الله ﷺ يوم حنين وإنه لأبغض الخلق إلي، فمازال يعطيني حتى أنه لأحب الخلق إلي".
قال أبو عيسى: "حدثني بن علي بهذا أو شبهه".
ثم قال: حديث صفوان: "رواه معمر وغيره عن الزهري عن سعيد ابن المسيب أن صفوان بن أمية قال: أعطاني رسول الله ﷺ وكأن هذا الحديث أصح وأشبه، إنما سعيد بن المسيب أن صفوان بن أمية"٦.
وعند مسلم عن ابن شهاب قال: "غزا رسول الله ﷺ غزوة الفتح فتح مكة، ثم خرج رسول الله ﷺ بمن معه من المسلمين فاقتتلوا بحنين، فنصر الله دينه والمسلمين وأعطى رسول الله ﷺ يومئذ صفوان بن أمية مائة من النعم، ثم مائة، ثم مائة" ٧.
стр. 388
قال ابن شهاب: حدثني سعيد بن المسيب أن صفوان قال: "والله! لقد أعطاني١ رسول الله ﷺ ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إلي فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي" ٢.
والحديث عند الترمذي وابن سعد وأحمد والطبراني بلفظ عن سعيد بن المسيب "عن صفوان بن أمية" وظاهره الاتصال وعند مسلم والفسوي وابن عبد البر والبيهقي: "أن صفون بن أمية"٣ وظاهره الانقطاع بين "سعيد بن المسيب وصفوان بن أمية".
وقد رجح الترمذي الأخير.
стр. 389
وأيده ابن العربي في عارضة الأحوذي حيث قال: الصحيح من هذا عن سعيد بن المسيب أن صفوان بن أمية؛ لأن سعيدا لم يسمع من صفوان شيئا وإنما يقول الراوي فلان عن فلان إذا سمع شيئا ولو حديثاً واحداً، فيحمل سائر الأحاديث التي سمعها من واسطة عنه على العنعنة، فأما إذا لم يسمع منه شيئا فلا سبيل إلى أن يحدث عنه لا بعنعنة ولا بغيرها١. اهـ.
إن هذا العطاء الجزيل من رسول الله ﷺ للمؤلفة قلوبهم وغيرهم ليدل على علو نفسه وغزارة جوده وعظيم سخائه، ومعرفته الكاملة بالدواء الذي يحسم الداء من أصله.
إن الحكمة والسياسة العادلة في هذا العطاء لأقوام دون آخرين هي إنقاذ أناس من النار بحطام زائل من الدنيا، ووكل آخرين إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير، والإيمان واليقين، ويدل على هذا حديث عمرو ابن تغلب عند البخاري وأحمد وغيرهما وهذا سياقه عند البخاري:
١٨٦- حدثنا محمد٢ بن معمر قال حدثنا أبو عاصم٣ عن جرير بن حازم، قال سمعت الحسن٤ يقول حدثنا عمرو٥ بن تغلب أن رسول الله ﷺ أتي٦ بمال أو سبي٧ فقسمه، فأعطى رجالا وترك رجالا فبلغه أن الذين ترك عتبوا٨، فحمد٩ الله ثم أثنى عليه ثم قال: "أما بعد: فوالله إني لأعطي الرجل وأدع الرجل، والذي أدع
стр. 390
أحب إلي من الذي أعطي ولكن أعطي أقواما لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع١ وأكل أقواما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى٢ والخير، فيهم عمرو بن تغلب٣. "فوالله٤ ما أحب أن لي بكلمة٥ رسول الله ﷺ حمر النعم"٦. تابعه يونس٧.
وفي حديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إني لأعطي رجالاً حدثاء عهد بكفر أتألفهم أو قال: أستألفهم" ٨.
١٨٧- وفي حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قسم رسول الله ﷺ قسماً، فقلت: يا رسول الله! اعط فلاناً؛ فإنه مؤمن، فقال النبي ﷺ : "أو مسلم" أقولها ثلاثاً، ويردها على ثلاثاً "أو مسلم" ثم قال: "إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه مخافة٩ أن يكبه الله في النار" ١٠.
стр. 391
قال ابن حجر: "الرجل المتروك اسمه: جعيل بن سراقة الضمري، سماه الواقدي في المغازي"١.
قلت: قول الواقدي المشار إليه هو "قال سعد بن أبي وقاص: يا رسول الله، أعطيت عيينة بن حصن والأقرع بن حابس مائة مائة، وتركت جعيل بن سراقة الضمري!.
فقال رسول الله ﷺ : "أما والذي نفسي بيده، لجعيل بن سراقة خير من طلاع٢ الأرض كلها مثل عيينة والأقرع، ولكني تألفتهما ليسلما ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه" ٣.
١٨٨- وأخرج ابن إسحاق قال: حدثني محد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن قائلا قال: لرسول الله ﷺ من أصحابه: يا رسول الله اعطيت عيينة بن حصن والأقرع بن حابس مائة ومائة وتركت جعيل بن سراقة الضمري! "٤.
ثم ساق مثل حديث الواقدي.
وأورده ابن حجر في الإصابة ثم قال: هذا مرسل حسن: لكن له شاهد موصول.
١٨٩- روى الروياني٥ في مسنده وابن عبد الحكم٦ في فتوح مصر من طريق بكر٧ بن سوادة عن أبي سالم٨ الجيشاني عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال له: "كيف ترى جعيلا؟ ".
стр. 392
قلت: مسكينا كشكله من الناس.
قال: "وكيف ترى فلانا؟ "
قلت: سيد من السادات
قال: "لجعيل خير من ملء الأرض مثل هذا".
قال: قلت يا رسول الله، فلان هكذا وتصنع به ما تصنع.
قال: "إنه رأس قومه فتألفهم". إسناده صحيح وأخرجه ابن حبان من وجه آخر عن أبي ذر، ولكن لم يسم جعيلا١.
١٩٠- وأخرجه البخاري من حديث سهل بن سعد، فأبهم جعيلا وأبا ذر٢.
وأخرجه أبو نعيم من طريق بكر بن سوادة أيضاً٣.
стр. 393
١٩١- وفي حديث رافع بن خديج ﵁ عند مسلم وغيره وهذا سياق مسلم:
حدثنا محمد١ بن أبي عمر المكي حدثنا سفيان٢ عن عمر٣ بن سعيد بن مسروق عن أبيه٤، عن عباية٥ بن رفاعة عن رافع بن خديج قال: أعطى رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب وصفوان٦ بن أمية وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس كل إنسان منهم مائة من الإبل، وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك، فقال عباس بن مرداس:
أتجعل نهبي ونهب العبيد ... بين عيينة والأقرع؟
فما كان بدر ولا حابس ... يفوقان مرداس٧ في المجمع
وما كنت دون امرئ منهما ... ومن تخفض اليوم لا يرفع
قال: فأتم له رسول الله ﷺ مائة.
ثم قال مسلم: وحدثنا أحمد بن عبدة الضبي أخبرنا ابن عيينة عن عمر بن سعيد بن مسروق بهذا الإسناد أن النبي ﷺ قسم غنائم حنين فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة من الإبل، وساق الحديث بنحوه.
وزاد: وأعطى علقمة بن علاثة٨ مائة٩.
وفي حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لما كان يوم حنين آثر رسول
стр. 394
الله ﷺ أناساً في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى ناساً من أشراف العرب، فآثارهم يومئذ في القسمة" الحديث١.
وفي حديث أنس بن مالك إن رسول الله ﷺ أعطى أبا سفيان وعيينة والأقرع وسهيل بن عمرو في الآخرين يوم حنين" الحديث٢.
وفي لفظ "لما أفاء الله على رسوله أموال هوازن فطفق رسول الله ﷺ يعطي رجالا من قريش المائة من الإبل كل رجل" ٣.
وفي لفظ: "وأصاب رسول الله ﷺ من غنائم كثيرة فقسم في المهاجرين والطلقاء" ٤.
وفي حديث عبد الله بن زيد بن عاصم ﵁ قال: "لما أفاء الله على رسوله ﷺ يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم" الحديث٥.
١٩٢- وعند الطبراني قال: حدثنا إسحاق٦ بن إبراهيم الدبري عن عبد الرزاق عن معمر٧ عن الزهري عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير، وعن هشام بن عروة عن أبيه، قال أعطى النبي ﷺ حكيم بن حزام يوم حنين عطاء
стр. 395
فاستقبله١ فزاده، فقال: يا رسول الله أي عطيتك خير؟ قال: "الأولى". فقال له النبي ﷺ : "يا حكيم بن حزام إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذها بسخاوة نفس وحسن أكلة بورك له فيه، ومن أخذه باستشراف نفس وسوء أكلة لم يبارك له، وكان الذي يأكل ولا يشبع، اليد العليا خير من اليد السفلى". قال: ومنك يا رسول الله، قال: "ومني". قال: "فوالذي بعثك بالحق لا أرزأ٢ بعدك أحداً شيئاً أبداً". قال: "فلم يقبل ديوانا ٣ ولا عطاء حتى مات" ٤.
فكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: "اللهم إني أشهدك على حكيم بن حزام أني ادعوه لحقه من هذا المال وهو يأبى، فقال: "إني والله لا أرزاك ولا غيرك، فمات حين مات وإنه لمن أكثر قريش مالاً"٥.
والحديث أخرجه الواقدي من طريق سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير عن حكيم بن حزام قال: سألت رسول الله ﷺ بحنين، مائة من الإبل فأعطنيها، ثم سألته مائة فأعطنيها، ثم سألته مائة فأعطنيها، ثم قال رسول الله ﷺ : "يا حكيم بن حزام، إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه" الحديث.
ثم قال الواقدي أيضا وحدثني ابن أبي الزناد٦ قال: "أخذ حكيم المائة الأولى ثم ترك" ٧.
стр. 396
١٩٣- والحديث في الصحيحين وغيرهما من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير نحوه١ وليس فيه لفظ "حنين".
ومن المعلوم أن حكيم بن حزام من مسلمة الفتح، ومن مؤلفة قلوبهم، وأن هذا تأليف لأهل مكة إنما كان في غزوة حنين.
كما صرّح حديث الطبراني والواقدي بذلك، وأن تلك الأموال الكثيرة إنما كانت في غزوة حنين، ولم يقع بعد فتح مكة، غزوة حصلت فيها مثل تلك الغنائم في العهد النبوي سوى غزوة حنين، إن هذه العطايا من رسول الله ﷺ قد وقعت من نفوس القوم موقعها وظهرت الحكمة جلية من وراء ذلك، وهو استئلاف أناس للدخول في الإسلام أو تثبيتهم عليه، ووكل آخرين إلى إيمانهم.
قال ابن حجر: "اقتضت حكمة الله أن غنائم الكفار لما حصلت ثم قسمت على من لم يتمكن الإيمان من قلبه لما بقي من الطبع البشرى في محبة المال فقسمه فيهم لتطمئن قلوبهم وتجتمع على محبته، لأنها جلبت على حب من أحسن إليها، ومنع أهل الجهاد من أكابر المهاجرين ورؤساء الأنصار مع ظهور استحقاقهم لجميعها، لأنه لو قسم ذلك فيهم لكان مقصورا عليهم، خلاف قسمته على المؤلفة، لأن فيه
стр. 397
استجلاب قلوب أتباعهم الذين كانوا يرضون إذا رضي رئيسهم فلما كان ذلك العطاء سببا لدخولهم في الإسلام ولتقوية قلب من دخل فيه قبل تبعهم من دونهم في الدخول، فكان في ذلك عظيم المصلحة". إهـ١.
١٩٤- "وفي حديث أنس بن مالك ﵁ قال: ما سئل رسول الله ﷺ على الإسلام شيئا إلا أعطاه" ٢.
ومن خلال ما سبق من النصوص التاريخية والأحاديث النبوية تبرز أمامنا حقيقتان:
الأولى: دقة نظر رسول الله ﷺ وعمق معرفته بدخائل النفوس البشرية وما يقوم اعوجاجها، حيث أعطى تلك العطايا السخية ومنح تلك المنح الهائلة لأناس يعادونه، وكفار لم يدخلوا في دين الله بعد وآخرين يتألف بهم قومهم لعلهم يهتدون ويسلمون، وكانت النتيجة التي توخها ﷺ من تخصيص هؤلاء الذين تألفهم بهذه العطايا أن أسلموا وحسن إسلامهم وكانوا جنودا صادقين في الدفاع عن الإسلام والانخراط في سلك المهاجرين والأنصار الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه كما دلت على ذلك النصوص السابقة.
وعلى وجه الإيجاز كانت تلك الأعطيات بردا وسلاما على نفوس أولئك النفر وشفاء لما في صدورهم من مرض الضلال وحب المادة وقد عبروا أنفسهم عن هذا الإحساس وهذا التحول النفسي الخطير حين قال بعضهم "أعطاني رسول الله ﷺ يوم حنين، وإنه لأبغض الخلق إلي، فما زال يعطيني حتى إنه لحب الخلق إلي" وكفى بهذه النتيجة العظيمة دليلا على حسن ذلك التقسيم للغنائم، وأنه واقع موقعه، وكيف لا يكون كذلك وهو عمل المعصوم ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
стр. 398
الحقيقة الثانية: في هذه الغزوة تجلت قوة إيمان أصحاب الرسول ﷺ وثباتهم العظيم أمام مغريات المادة وأنهم كانوا كما قيل "يقلون عند الطمع ويكثرون عند الفزع"١.
بل إنهم أعظم من هذا بكثير كانت غايتهم ﵃ الدفاع عن دينه ونشر الحق، ولم تكن المادة مسيطرة على نفوسهم ولا باعثة لهم على الجهاد كما يزعم ذلك أعداء اله من المستشرقين وأذنابهم، وهذا الموقف العظيم لهم من أعظم الأدلة على طهارة نفوسهم ووضوح هدفهم ونبل مقاصدهم في جهادهم في سبيل الله، ولقد رباهم الرسول الله ﷺ التربية الإسلامية الكاملة في معناها، ووثق ﷺ من إيمانهم ووكلهم إلى هذا الإيمان، وما كان تساؤلهم في مبدأ توزيع الغنائم ولا تعجبهم من ذلك التقسيم لها إلا بسبب خفاء الحكمة عليهم في ذلك حتى بين لهم الرسول ﷺ الحكمة من ذلك فرضوا وسلموا له تسليما ولم يبق في نفوسهم حرج ولا ميل عن الحق، بل كانوا مغتبطين بما أوضحه الرسول ﷺ لهم من أنه وكلهم إلى ما في قلوبهم من الغنى والخير والإيمان واليقين.
وما دام الحديث عن المؤلفة قلوبهم والحكمة من إعطائهم فيحسن بنا أن نعرفهم ونسرد أسماءهم كما ذكر ذلك أهل المغازي وغيرهم فنقول:
стр. 399
المؤلفة قلوبهم
أ- المؤلفة: جمع مؤلف، مأخوذ من التأليف، وهو المدارة والإيناس، يقال: تألف فلان فلانا إذا داراه وآنسه وقاربه وواصله حتى يستمليه١ إليه.
ب- وفي الاصطلاح: هم السادة المطاعون في عشائرهم ممن يرجى إسلامه أو يخشى شره، أو يرجى بعطيته قوة الإيمان منه، أو إسلام نظيره، أو جباية الزكاة ممن لا يعطيها، أو الدفع عن المسلمين٢.
قال ابن حجر: "المراد بالمؤلفة ناس من قريش أسلموا يوم الفتح إسلاما ضعيفا، وقيل كان فيهم من لم يسلم بعد كصفوان بن أمية، وقد اختلف في المراد بالمؤلفة قلوبهم الذين هم أحد المستحقين للزكاة فقيل: كفار يعطون ترغيبا في الإسلام، وقيل مسلمون لهم أتباع كفار ليتألفوهم وقيل مسلمون أوّل ما دخلوا في الإسلام ليتمكن الإسلام من قلوبهم".
ثم قال: "وأما المراد بالمؤلفة هنا: فهذا الأخير، لقوله في الحديث "فإني أعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم" ٣.
١٩٥- وقال ابن إسحاق٤: أعطي رسول الله ﷺ المؤلفة قلوبهم وكانوا أشرافاً من أشراف الناس، يتألفهم ويتألف بهم قومهم، فأعطى أبا سفيان بن حرب مئة بعير٥، وأعطى ابنه معاوية مائة بعير، وأعطى حكيم ابن حزام مئة بعير٦، وأعطى
стр. 400
الحارث١ بن الحارث بن كلدة مئة بعير، وأعطى الحارث بن هشام مئة بعير، وأعطى سهيل بن عمرو ومئة بعير٢، وأعطى حويطب بن عبد العزى بن أبي قيس مئة بعير٣، وأعطى العلاء٤ ابن جارية الثقفي حليف بني زهرة مئة بعير، وأعطى عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر مئة بعير، وأعطى صفوان بن أمية مئة بعير٥، فهؤلاء أصحاب المئين.
وأعطى دون المائة رجالا من قريش منهم:
مخرمة بن نوفل الزهري٦، وعمير بن وهب الجمحي٧.
وهشام٨ بن عمرو أخو بني عامر بن لؤي لا أحفظ ما أعطاهم وقد عرفت أنها دون المئة.
وأعطى سعيد بن يربوع بن عن كثة بن عامر بن مخزوم خمسين من الإبل٩،
стр. 401
وأعطى السهمي خمسين من الإبل١، وأعطى عباس بن مرداس أبا عمر فسخطها، فعاتب فيها رسول الله ﷺ ، فقال عباس بن مرداس يعاتب رسول الله ﷺ
كانت نهابا تلافيتها ... بكري على المهر في الأجرع ٢
وإيقاظي القوم أن يرقدوا ... إذا هجع الناس لم أهجع
فأصبح نهبي ونهب العبيد ... بين عيينة والأقرع٣
وقد كنت في الحرب ذا تدرا ... فلم أعط شيئا ولم أمنع
إلاّ أفائل٤ أعطيتها ... عديد قوامها الأربع
وما كان حصن ولا حابس ... يفوقان شَيْخِيَّ في المجمع٥
وما كنت دون امرئ منها ... ومن تضع اليوم لا يرفع
فقال رسول الله ﷺ : "اذهبوا به، فاقطعوا عني لسانه، فأعطوه حتى رضي٦، فكان ذلك قطع لسانه الذي أمر به رسول الله ﷺ " ٧.
стр. 402
الحديث أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم به، ثم ساق سندا آخر عن عبد الله الأعلى عن محمد بن ثور عن معمر عن يحيى بن أبي كثير ثم ساق جملة من المؤلفة١.
وقد سرد ابن هشام تسمية المؤلفة قلوبهم ونسبهم إلى بطونهم فقال:
١٩٦- حدثني من أثق به من أهل العلم في إسناد له، عن ابن شهاب الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال: "بايع رسول الله ﷺ من قريش وغيرهم، فأعطاهم يوم الجعرانة من غنائم حنين:
أ- من بني أمية بن عبد شمس: أبو سفيان بن حرب بن أمية، وطليق بن سفيان بن أمية، وخالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية٢.
ب- ومن بني عبد الدار بن قصي: شيبة٣ بن عثمان بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، وأبو السنابل٤ بن بعكك ابن الحارث بن عميلة بن السباق بن عبد الدار، وعكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار.
ج- ومن بني مخزوم بن يقظة: زهير٥ بن أبي أمية بن المغيرة، والحارث بن هشام بن المغيرة، وهشام بن الوليد بن المغيرة، وسفيان بن عبد الأسد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وخالد بن هشام بن المغيرة، والسائب بن أبي السائب بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم.
стр. 403
د- ومن بني عدي بن كعب: مطيع بن الأسود بن حارثة بن نضلة، وأبو جهم بن حذيفة بن غانم١.
هـ- ومن بني جمح بن عمرو: صفوان بن أمية بن خلف، وأحيحة٢ بن أمية بن خلف، وعمير بن وهب بن خلف، وعمير بن وهب بن خلف.
و ومن بني سهم: عدي بن قيس بن حذافة السهمي٣.
ز- ومن بني عامر بن لؤي: حويطب بن عبد العزى بن أبي قيس ابن عبدود، وهشام بن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن حبيب.
ومن أفناء القبائل:
ح- من بنى بكر بن عبد مناة بن كنانة: نوفل بن معاوية بن عروة ابن صخر بن رزن بن يعمر بن نفاثة بن عدي بن الديل.
ط- ومن بنى قيس، ثم من بني عامر بن صعصعة ثم من بني كلاب ابن ربيعة بن عامر بن صعصعة: علقمة٤ بن علاثة بن عوف بن الأحوص ابن جعفر بن كلاب، ولبيد٥ بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب.
стр. 404
ي- ومن بني عامر بن ربيعة: خالد بن هوذة بن ربيعة بن عمرو ابن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وحرملة بن هوذة بن ربيعة بن عمرو.
ك- ومن بني نصر بن معاوية: مالك بن عوف بن سعيد بن يربوع.
ل- ومن بني سليم بن منصور: عباس بن مرداس بن أبي عامر: أخو بني الحارث بن بهثة بن سليم١.
م- ومن بني غطفان، ثم من بني فزارة: عيينة بن حصن بن حذيفة ابن بدر.
ن- ومن بني تميم ثم من بني حنظلة: الأقرع بن حابس بن عقال، من بني مجاشع بن دارم٢.
فهؤلاء تسعة وعشرون شخصا ذكرهم ابن هشام.
قلت: وزاد غيره:
س- في بني أمية بن عبد شمس: معاوية بن أبي سفيان، يزيد بن أبي سفيان، خالد بن أسيد، طليق بن سفيان وابنه حكيم بن طليق٣.
ع- وفي بني مخزوم بن يقظة: سعيد بن يربوع، وعبد الرحمن بن يربوع، عثمان بن وهب المخزومي، عكرمة بن أبي جهل٤.
ف- وفي بني سهم: الجد بن قيس السهمي٥.
ص- وفي بني سليم: عمير بن مرداس اخو عباس بن مرداس.
ق- ومن بني هاشم: أبو سفيان الحارث بن عبد المطلب٦.
стр. 405
ر- ومن ثقيف: العلاء بن جارية الثقفي١، وأسيد٢ بن جارية الثقفي، والأخنس٣ بن شريق، عمير بن الأخنس بن شريف٤.
ش- ومن بني تميم: عمرو بن الأهتم٥.
ت- ومن بني أسد بن عبد العزى: حكيم بن حزام٦.
ث- ومن بني عبد مناف: جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف النوفلي٧.
خ-ومن بني نبهان: زيد بن مهلهل النبهاني، المعروف بزيد الخيل٨.
ذ- ومن بني عبد شمس بن عبدود: سهيل بن عمرو العامري، وأخوه سهيل بن عمرو٩.
ض-كعب بن الأخنس١٠.
فهؤلاء اثنان وخمسون رجلا.
قال الزرقاني: "وقد سردهم ابن الجوزي١١ في التلقيح وابن طاهر١٢ في "مبهماته" والحافظ في "الفتح" والبرهان١٣ في "النور" وهو أحسنهم وعند كل ما ليس
стр. 406
عند الآخر، ثم ساقهم الزرقاني فأوصلهم سبعة وخمسين رجلا ثم قال: فهؤلاء سبع وخمسون نفسا".
ثم قال: قال الحافظ: "وفي عد العلاء بن جارية ومالك بن عوف النصرى نظر. وقد قيل إنهما أتيا طائعين من الطائف إلى الجعرانة"١.اهـ.
وهؤلاء المؤلفة قلوبهم حسن إسلامهم وصاروا مجاهدين في سبيل الله الناشرين للدين الإسلامي في الآفاق، والذابين عنه.
قال ابن حزم: "وقد حسن إسلام جميع المؤلفة قلوبهم، حاشا عيينة ابن حصن فلم يزل مغموزاً".
وكان المؤلفة - مع حسن إسلامهم - متفاضلين في الإسلام، منهم الفاضل المجتهد: كالحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، حيكم بن حزام. وفيهم خيار دون هؤلاء: كصفوان بن أمية، وعمرو بن وهب، ومطيع بن الأسود/ ومعاوية بن أبي سفيان. وسائرهم لا نظن بهم إلا الخير.
وكان ممن أسلم يوم الفتح وبعده، من الأشارف نظراء من ذكرنا - ووثق رسول الله ﷺ بصحة إيمانهم، وقوة نياتهم في الإسلام لله تعالى فلم يدخلهم مدخل من
стр. 407
أعطاه - عكرمة بن أبي جهل، وعتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية، وجبير١ بن مطعم٢.
قال ابن الجوزي: "اعلم أن من المؤلّفة أقواماً تؤلفوا في بدء الإسلام ثم تمكن الإسلام في قلوبهم فخرجوا بذلك عن حدّ المؤلّفة".
وإنما ذكرهم العلماء في المؤلفة اعتبار ببداية أحوالهم، وفيهم من لم يعلم منه حسن الإسلام، والظاهر بقاؤه على حالة التأليف، ولا يمكن أن يفرق بين من حسن إسلامه، وبين من لم يحسن إسلامه، لجواز أن يكون من ظننا به شرا أنه على خلاف ذلك، إذ الإنسان قد يتغير عن حاله ولا ينقل إلينا أمره، فالواجب أن نظن بكل من نقل عنه الإسلام خيراً.
١٩٧- وقد جاء عن أنس ﵁ قال: "كان٣ الرجل يأتي النبي ﷺ فيسلم لشيء يعطاه من الدنيا، فلا يمسي حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما فيها"٤.
стр. 408
المبحث الخامس: موقف الأنصار من توزيع الغنائم وخطبة الرسول ﷺ فيهم
...
المبحث الخامس: موقف الأنصار من توزيع الغنائم وخطبة الرسول فيهم
وجد الأنصار في أنفسهم على رسول الله ﷺ حيث لم ينلهم ما نال غيرهم من الغنائم، مع بلائهم الشديد في هذه الغزوة وفي غيرها من معارك الإسلام الفاصلة.
ولقد كانوا - لكثرة عددهم وشدة بأسهم في الحرب- أعمدة أساسية للجيش النبوي في أية معركة ضد أعداء الإسلام، فهم الذين ناصروا هذا الدين وقام على كواهلهم، وفتحوا قلوبهم وأبوبهم لكل من جاءهم من إخوانهم المهاجرين الفارين بدينهم، وناضلوا أشد النضال من أجل إقامة هذا الدين وتثبيت دعائمه.
ولقد سجل الله لهم ذلك في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ، [سورة الحشر، الآية: ٩] .
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ، [سورة الأنفال، الآية: ٧٤] .
فهم أنصار الله وأنصار رسوله ﷺ حقا وصدقاً.
١٩٨- وفي صحيح البخاري من طريق غيلان بن جرير قال: "قلت لأنس بن مالك: اسم الأنصار١ كنتم تسمون به. أم سماكم الله؟ قال: بل سمانا الله"٢.
ولقد عرف رسول الله ﷺ لهم تلك المواقف العظيمة وأثنى عليهم ثناء عطرا وأوصى بهم خيرا، وكان ذلك في آخر رمق من حياته ﷺ .
стр. 409
١٩٩- فقد روى البخاري من حديث هشام بن زيد بن أنس بن مالك قال: سمعت أنس بن مالك يقول: "مر أبو بكر والعباس ﵄ بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون فقال: ما يبكيكم؟ ١، قالوا ذكرنا مجلس النبي ﷺ منا، فدخل على النبي ﷺ فأخبره بذلك، قال: فخرج النبي ﷺ وقد عصب على رأسه حاشية برد، قال: فصعد المنبر ولم يصعده بعد ذلك اليوم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أوصيكم بالأنصار، فإنهم كرشي٢ وعيبتي، وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم" ٣.
٢٠٠- وفي حديث ابن عباس ﵄ قال: "خرج رسول الله ﷺ وعليه ملحفة متعطفا بها على منكبيه، وعليه عصابة دسماء٤، حتى جلس على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد أيها الناس إن الناس يكثرون وتقل الأنصار حتى يكونوا كالملح في الطعام٥، فمن ولي منكم أمراً يضر فيه أحداً أو ينفعه فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم" ٦.
стр. 410
وقد جعل ﷺ حبهم من علامات الإيمان، وبغضهم من علامات النفاق.
٢٠١- فقد ورد في حديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "آية الإيمان حب الأنصار، آية النفاق بغض الأنصار" ١.
٢٠٢- وفي حديث البراء بن عازب ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ أو قال: قال النبي ﷺ "الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله" ٢.
٢٠٣- وفي حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أو قال أبو القاسم ﷺ ٣-، "لو أن الأنصار سلكوا واديا٤ أو شعباً، لسلكت في وادي الأنصار، ولولا الهجرة٥ لكنت امرأ من الأنصار"، فقال أبو هريرة: "ما ظلم
стр. 411
- بأبي وأمي- آووه ونصروه، أو كلمة أخرى"١.
ومن هنا لم يكن الرسول الله ﷺ بحرمانه الأنصار من الغنائم يجهل حقهم أو يحط من قدرهم حاشاه ﷺ من ذلك، وإنما تركهم ثقة منه بقوة إيمانهم وسخاوة نفوسهم، وأعطى الغنائم أناساً يخاف هلعهم وجزعهم ويتألفهم على الإسلام.
ويبدوا أن الأنصار خفي عليهم ما أراده رسول الله ﷺ من توزيع الغنائم على ذلك النحو، فصدرت منهم هذه المقالة:
"إذا كانت الشدة فنحن ندعى، وترد غنائمنا على غيرنا"٢.
ولما بلغت هذه المقالة رسول الله ﷺ جمعهم في مكان واحد بين لهم وجهة نظره في إيثاره المؤلفة قلوبهم، فزال ما علق بأذهان الأنصار وطابت نفوسهم، وبرهنوا بذلك على صدق إخلاصهم لله في جهادهم وعظيم حبهم لنبيهم ﷺ ، وأن متاع الدنيا لم يكن غاية لجهادهم.
وهذا ما تدل عليه الأحاديث الآتية:
١- حديث أنس بن مالك وقد جاء عنه من أربعة أوجه.
أ- من طريق هشام بن زيد بن أنس بن مالك عنه قال:
"لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم بذراريهم ونعمهم ومع النبي ﷺ يومئذ عشرة آلاف، ومعه الطلقاء، فأدبروا عنه حتى بقي وحده"٣.
стр. 412
قال فنادى يومئذ نداءين لم يخلط بينهما شيئاً١، قال: فالتفت عن يمنيه فقال: "يا معشر٢ الأنصار! " فقالوا: لبيك يا رسول الله! ٣ أبشر نحن معك، قال: وهو على بغلة بيضاء٤ فنَزل فقال: أنا عبد الله ورسوله٥، فانهزم المشركون٦ وأصاب رسول الله ﷺ غنائم كثيرة، فقسم في المهاجرين والطلقاء٧، ولم يعط الأنصار شيئا، فقالت الأنصار: إذا كانت الشدة٨ فنحن ندعى، وتعطى الغنائم غيرنا!.
فبلغه ذلك، فجمعهم في قبة٩ فقال: "يا معشر الأنصار! ما حديث بلغني عنكم" فسكتوا، فقال: "يا معشر الأنصار١٠! أما ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبون بمحمد ﷺ تحوزونه إلى بيوتكم" ١١.
قالوا: بلى يا رسول الله! رضينا قال: فقال: "لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار شعبا لأخذت١٢ شعب الأنصار".
стр. 413
قال هشام١: فقلت: يا أبا حمزة! أنت شاهد ذاك؟ ٢ قال: وأين أغيب عنه.
ب- من طريق الزهري قال أخبرني أنس بن مالك أن أناساً٣ من الأنصار قالوا يوم حنين، حين أفاء الله على رسوله٤ من أموال هوازن ما أفاء فطفق رسول الله، يعطي رجالاً من قريش٥ المائة من الإبل فقالوا: يغفر الله٦ لرسول الله، يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم! قال أنس بن مالك: فحدث ذلك رسول الله ﷺ من قولهم فأرسل إلى الأنصار، فجمعهم في قبة من أدم٧ فلما اجتمعوا٨، جاءهم رسول الله ﷺ ، فقال: "ما حديث بلغني عنكم؟ " فقال له فقهاء الأنصار٩: أما ذوو رأينا١٠ يا رسول الله! فلم يقولوا شيئاً،
стр. 414
وأما أناس١ منا حديثة أسنانهم، قالوا٢: يغفر الله لرسوله يعطي قريشاً وتركنا٣، وسيوفنا تقطر من دمائهم! فقال رسول الله ﷺ : "فإني أعطي٤ رجالاً حديثي عهد بكفر أتألفهم، أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وترجعون٥ إلى رحالكم٦ برسول الله؟ فوالله، لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به".
فقالوا: بلى يا رسول الله، قد رضينا، قال: "فإنكم ستجدون٧ أثرة٨ شديدة، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله، فإني على الحوض٩ قالوا: سنصبر١٠.
ج- من طريق شعبة قال: سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك قال: جمع١١ رسول الله ﷺ الأنصار، فقال: أفيكم١٢ أحد من غيركم؟ ".
стр. 415
فقالوا: لا، إلاّ ابن أخت لنا١، فقال رسول الله ﷺ : "إن ابن أخت القوم منهم فقال: "إن قريشا حديث٢ عهد بجاهلية ومصيبة، وإني أردت أن أجبرهم٣ وأتألفهم، أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون برسول الله ﷺ إلى بيوتكم؟ " لو سلك الناس واديا٤ وسلك الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار".
د- وفي لفظ من طريق أبي التياح٥ قال سمعت أنس بن مالك قال: لما
стр. 416
فتحت مكة قسم الغنائم في قريش١ فقالت الأنصار: إن هذا لهو العجب٢ إن سيوفنا تقطر من دمائهم٣، وإن غنائمنا ترد عليهم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فجمعهم، فقال: "ما الذي بلغني عنكم؟ ". قالوا: هو الذي بلغك، وكانوا لا يكذبون، قال: "أما ترضون٤ أن يرجع الناس بالدنيا إلى بيوتهم، وترجعون برسول الله ﷺ ؟ لو سلك الأنصار وادياً أو شعبا وسلكت الأنصار وادياً أو شعباً لسلكت وادي الأنصار أو شعب الأنصار" ٥.
ورواه مسلم وأحمد والبيهقي الجميع عن طريق السميط السدوسي عن أنس بن مالك قال: افتتحنا مكة ثم غزونا حنينا فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت" الحديث.
стр. 417
وفيه: "قال فنادى رسول الله ﷺ : "يا للمهاجرين يا للمهاجرين" ثم قال: "يا للأنصار يا للأنصار".
قال أنس: هذا حديث عمية، قال: قلنا لبيك يا رسول الله، قال: فتقدم رسول الله ﷺ ، فأيم الله ما أتيناهم حتى هزمهم الله، قال: فقبضنا ذلك المال، ثم انطلقنا إلى الطائف فحاصرناهم أربعين ليلة ثم رجعنا إلى مكة، قال: فنزلنا فجعل رسول الله ﷺ يعطي الرجل المائة ويعطي الرجل المائة١ قال: فتحدث الأنصار بينهم، أما من قاتله فيعطيه، وأما من لم يقاتله فلا يعطيه، قال: فرفع الحديث إلى رسول الله ﷺ ، ثم أمر بسراة٢ المهاجرين والأنصار أن يدخلوا عليه، ثم قال: "لا يدخل على إلاّ أنصاري أو الأنصار" قال: فدخلنا القبة حتى ملأنا القبة، قال نبي الله ﷺ : "يا معشر الأنصار – أو كما قال- ما حديث أتاني؟ " قالوا ما أتاك يا رسول الله؟ قال: "ألا ترضون أن يذهب الناس بالأموال وتذهبون برسول الله ﷺ ، حتى تدخلوا بيوتكم؟ ".
قالوا: رضينا يا رسول الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "لو أخذ الناس شعبا وأخذت الأنصار شعبا، لأخذت شعب الأنصار" قالوا: يا رسول الله رضينا قال: "فارضوا أو كما قال" ٣.
٢٠٤- ورواه أحمد وابن أبي شيبة عن يزيد٤ بن هارون قال: أنبأنا حميد٥ عن أنس قال: أعطى النبي ﷺ من غنائم حنين الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وعيينة بن حصن مائة من الإبل، فقال ناس من الأنصار: يعطي٦ رسول الله ﷺ
стр. 418
غنائمنا ناس تقطر سيوفهم من دمائنا أو تقطر سيوفنا من دمائهم، فبلغه ذلك فأرسل إلى الأنصار فقال: "هل فيكم من غيركم؟ ". قالوا: لا، إلا ابن أخت لنا، فقال رسول الله ﷺ : "ابن الأخت القوم منهم، أقلتم١ كذا وكذا؟ أما ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبون بمحمد إلى دياركم؟ ". قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "والذي نفسي٢ بيده، لو أخذ الناس وادياً أو شعباً، أخذت وادي الأنصار أو شعبهم، الأنصار كرشي وعيبتي، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار" ٣.
ورواه أحمد أيضا من:
أ- طريق ثابت البناني عن أنس بن مالك إلا أنه قال: أعطى رسول الله ﷺ أبا سفيان وعيينة والأقرع وسهيل بن عمرو في الأخيرين يوم حنين. فقالت الأنصار: يا رسول الله سيوفنا تقطر من دمائهم، وهم يذهبون بالمغنم، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فجمعهم في قبة له حتى فاضت، فقال: "أفيكم أحد من غيركم؟ ". قالوا: لا، إلا ابن اختنا، قال: "ابن الأخت القوم منهم". ثم قال: "أقلتم كذا وكذا؟ " قالوا: نعم، قال: "أنتم الشعار٤ والناس دثار، أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبون برسول الله ﷺ إلى دياركم" الحديث٥.
ب- حدثنا عبيدة٦ بن حميد عن حميد عن أنس بن مالك قال: أعطى النبي ﷺ من غنائم حنين عيينة والأقرع وغيرهما، فقالت الأنصار: أيعطي غنائمنا من تقطر
стр. 419
سيوفنا من دمائهم، أو تقطر دماؤهم من سيوفنا، فبلغ ذلك النبي ﷺ فدعا الأنصار فقال: "يا معشر الأنصار، أما ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبون بمحمد إلى دياركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: والذي نفس محمد بيده لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، الأنصار كرشي وعيبتي، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار" ١.
ج- حدثنا بن أبي عدي٢ عن حميد عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "يا معشر الأنصار ألم آتكم ضلالا٣ فهداكم الله بِيَ، ألم آتكم متفرقين فجمعكم الله بي، ألم آتكم أعداء فألف الله بين قلوبكم بي؟ ". قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "أفلا تقولون جئتنا خائفا فأمناك٤ وطريداً فآوينك ومخذولاً ٥ فنصرناك؟ "٦. فقالوا: بل٧ لله ﵎ المن به علينا ولرسوله ﷺ ٨.حمد وابن أبي شيبة عن يزيد
стр. 420
وفي حديث عبد الله بن زيد بن عاصم عند البخاري ومسلم وغيرهما، وهذا سياقه عند البخاري:
٢٠٥- حدثنا موسى١ بن إسماعيل، حدثنا وهيب٢، عن عمرو٣ بن يحيى بن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد بن عاصم، قال:
لما أفاء٤ الله على رسوله ﷺ يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم٥، ولم يعط الأنصار شيئا، فكأنهم وجدوا٦ إذ لم يصبهم ما أصاب الناس، فخطبهم فقال: "يا معشر الأنصار! ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وعالة ٧ فأغناكم الله بي؟ ". كلما قال شيئا، قالوا: الله ورسوله أمن ٨. قال: "ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله ﷺ ؟ " ٩. قال: "كلما قال شيئا، قالوا: الله ورسوله أمن.
стр. 421
قال: "لو شئتم قلتم جئتنا كذا وكذا ١، ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة٢ والبعير، وتذهبون بالنبي ﷺ إلى رحالكم؟ لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس واديا وشعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبها٣، الأنصار شعار والناس دثار، إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض" ٤.
стр. 422
والحديث رواه مسلم وابن أبي شيبة وأحمد الجميع من طريق عمرو بن يحيى به١.
وروى ابن إسحاق من حديث أبي سعيد الخدري قال:
٢٠٦- وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود٢ بن لبيد عن أبي سعيد٣ قال: لما أعطى رسول الله ﷺ ما أعطى من تلك العطايا، في قريش وفي قبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيء وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم، حتى كثرت منهم القالة٤، حتى قال قائلهم: لقد لقي والله رسول الله ﷺ قومه٥ فدخل عليه سعد بن عبادة، فقال: يا رسول الله إن هذا الحي٦ من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم، لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك وأعطيت عطايا عظاما في قبائل العرب، ولم يك في هذا الحي من الأنصار منها شيء، قال: "فأين أنت من ذلك يا سعد؟ ". قال: يا رسول الله، ما أنا إلا من قومي، قال: فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة٧، قال: فخرج سعد، فجمع الأنصار في تلك الحظيرة، قال: فجاء رجال
стр. 423
من المهاجرين فتركهم فدخلوا، وجاء آخرون فردهم، فلما اجتمعوا له أتاه سعد، فقال: قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار، فأتاهم رسول الله ﷺ ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: "يا معشر الأنصار: ما قَالَةٌ بلغتني عنكم، وجدة وجدتموها علي في أنفسكم؟ ". ألم آتكم ضلالا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟ قال: بلى، الله ورسوله أمن وأفضل، ثم قال: "ألا تجيبونني يا معشر الأنصار؟ ".
قالو: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ولرسوله المن والفضل، قال: ﷺ : "أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم، ولصدقتم، أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولاً١ فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلاً٢ فآسيناك، أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة٣ من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم، ألا ترضون يا معشر الأنصار، أن يذهب النّاس بالشاة والبعير، وترجعون برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده، لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا، لسلكت شعب الأنصار٤، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء
стр. 424
الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار، قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم١، وقالوا: رضينا برسول الله ﷺ قسما وحظا. ثم انصرف رسول الله ﷺ وتفرقوا ٢.
والحديث رواه أحمد وابن أبي شيبة والطبري والبيهقي الجميع من طريق ابن إسحاق٣.
ورواه أحمد أيضا من غير طريق ابن إسحاق وذلك من الأوجه الآتية:
٢٠٧- أ- حدثنا يحيى٤ بن أبي بكير ثنا الفضيل٥ بن مرزوق عن عطية العوفي قال: قال أبو سعيد قال رجل من الأنصار لأصحابه أما والله لقد كنت أحدثكم أنه لو قد استقامت الأمور قد آثر عليكم، قالوا: فردوا عليه ردا عنيفا، قال: فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، قال: فجاءهم فقال لهم أشياء لا أحفظها، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "فكنتم لا تركبون الخيل، فكلما قال: قال لهم شيئاً، قالوا بلى يا رسول الله، قال: فلما رآهم لا يردون عليه شيئا، قال: "أفلا تقولون: قاتلك قومك فنصرناك وأخرجك قومك فآويناك؟
стр. 425
قالوا: نحن لا نقول ذلك يا رسول الله أنت تقوله، قال: "يا معشر الأنصار ألا ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبون أنتم برسول الله ﷺ ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "يا معشر الأنصار ألا ترضون أن الناس لو سلكوا واديا وسلكتم واديا لسلكت وادي الأنصار؟ " قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، الأنصار كرشي وأهل بيتي وعيبتي التي آوي إليها، فاعفوا عن مسيئهم واقبلوا من محسنهم".
قال أبو سعيد: "قلت لمعاوية١ أما إن رسول الله ﷺ حدثنا أننا سنرى بعده أثرة"، قال معاوية: "فما أمركم، قلت: أمرنا أن نصبر قال: فاصبروا إذا"٢.
والحديث ضعيف؛ لأن فيه عطية٣ العوفي، وفضيل٤ بن مرزوق.
ب- حدثنا إبراهيم٥ بن خالد ثنا رباح ٦ عن معمر عن الأعمش عن أبي صالح ٧ عن أبي سعيد الخدري قال: اجتمع أناس من الأنصار فقالوا: آثر علينا غيرنا فبلغ ذلك النبي ﷺ فجمعهم ثم خطبهم فقال: "يا معشر الأنصار ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله؟ قالوا: صدق الله ورسوله، قال: "الم تكونوا ضلالا فهداكم الله؟ " قالوا: صدق الله ورسوله، قال: "ألم تكونوا فقراء فأغناكم الله؟ " قالوا: صدق الله ورسوله.