← Фикх общий

Фикх общий · id 13092

تهذيب الآثار - مسند عمر

ابن جرير الطبري

Полный текст (1 513 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

٢٨٥ - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، وَعَبْدَةُ، عَنِ الزِّبْرِقَانِ، قَالَ: " أَهْدَى لِي شَقِيقٌ لَحْمَ ضَبٍّ، ثُمَّ لَقِيَنِي فَقَالَ: كَيْفَ رَأَيْتَ الَّذِي بَعَثْتُ إِلَيْكَ؟ قُلْتُ: طَيِّبًا

стр. 282

٢٨٦ - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، قَالَ: " سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنِ الضَّبِّ، فَقَالَ: لَا أَعْلَمُ بِهِ بَأْسًا "

стр. 283

٢٨٧ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، أَنَّهُ كَانَ: «لَا يَرَى بِأَكْلِ الضَّبِّ بَأْسًا»

стр. 284

٢٨٨ - حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ الْبَيْرُوتِيُّ، أَخْبَرَنِي، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: «لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الضَّبِّ»

стр. 285

٢٨٩ - حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَالَ: «لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الضَّبِّ» وَاعْتَلَّ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ لِقَوْلِهِمْ هَذَا بِأَنَّ الضِّبَابَ أُكِلَتْ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِمَحْضَرٍ مِنْهُ. وَقَالُوا: لَوْ كَانَ ذَلِكَ حَرَامًا؛ مَا تَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ آكِلَهُ يَأْكُلُهُ؛ إِذْ كَانَ غَيْرَ جَائِزٍ أَنْ يَرَى النَّبِيُّ ﷺ مُنْكَرًا وَلَا يُغَيِّرَهُ، وَلَا مُنْكَرَ أَنْكَرُ مِنْ أَكْلِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ أَكْلَهُ. وَقَالُوا: سَوَاءٌ أُضِيفَ إِلَيْهِ تَرْكُهُ آكِلَ الْحَرَامِ وَأَكْلَهُ، وَتَرْكُهُ شَارِبَ الْحَرَامِ وَشُرْبَهُ. قَالُوا: وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزَةٌ إِضَافَتُهُ إِلَيْهِ؛ جَازَتْ إِضَافَةُ إِقْرَارِ شَارِبِ الْخَمْرِ عَلَى شُرْبِهِ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ بَعِيدٌ مِنْ صِفَتِهِ ﷺ ، بَلْ صِفَتُهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يُقِرُّ أَحَدًا عَلَى انْتِهَاكِ شَيْءٍ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ قَالُوا: وَفِي إِقْرَارِهِ آكِلِي الضِّبَابِ عَلَى مَائِدَتِهِ عَلَى أَكْلِهَا، وَصِفَتُهُ مَا ذَكَرْنَا، أَدَلُّ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّهَا حَلَالٌ غَيْرُ حَرَامٍ، وَأَنَّ تَرْكَهُ ﷺ أَكْلَهَا، إِنَّمَا كَانَ كَمَا قَالَ عُمَرُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ عَافَهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مِنْ طَعَامِ قَوْمِهِ. وَقَالَ الْآخَرُونَ: بَلْ كَانَ تَرْكُهُ ﷺ أَكْلَهَا تَكَرُّهًا، لَا تَحْرِيمًا. قَالُوا: وَكَانَ تَرْكُهُ مَنْ تَرَكَ يَأْكُلُهَا عَلَى مَائِدَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَتَاهُ مِنَ اللَّهِ أَمْرٌ بِتَحْرِيمِهَا ⦗١٧٨⦘. قَالُوا: وَلَوْ كَانَ أَتَاهُ مِنَ اللَّهِ بِتَحْلِيلِهَا أَوْ تَحْرِيمِهَا أَمْرٌ؛ لَمْ يَقُلْ ﷺ : «لَا آمُرُ بِهَا وَلَا أَنْهَى عَنْهَا» ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا بُعِثَ ﷺ مُبَيِّنًا لِلْعِبَادِ أَمْرَ دِينِهِمْ، وَمَا يَحِلُّ لَهُمْ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ قَالُوا: وَقَدْ تَظَاهَرْتِ الْأَخْبَارُ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا آمُرُ بِهَا وَلَا أَنْهَى عَنْهَا» . قَالُوا: فَنَقُولُ كَمَا قَالَ ﵇، وَنَكْرَهُ أَكْلَهَا كَمَا كَرِهَ، وَلَا نَقُولُ لِمَنْ أَكَلَهَا: أَكَلَ حَرَامًا، وَلَا نَنْهَاهُ عَنْ أَكْلِهَا، وَلَا يَحْرُمُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّا نَكْرَهُهُ. ذِكْرُ الْأَ خْبَارِ الْوَارِدَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا آمُرُ بِأَكْلِ الضَّبِّ وَلَا أَنْهَى عَنْهُ» ، وَأَنَّهُ قَالَ: «أُمَّةٌ مُسِخَتْ، فَأَرْهَبُ أَنْ تَكُونَهُ»

стр. 286

٢٩٠ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ الْمَازِنِيُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِضَبٍّ، فَقَالَ: «إِنَّ أُمَّةً مُسِخَتْ دَوَابَّ فِي الْأَرْضِ» . فَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ

стр. 287

٢٩١ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ يَزِيدَ ح، وَحَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو زُبَيْدٍ عَبْثَرٌ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ زَيْدٍ أَوْ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: أَصَبْنَا ضِبَابًا وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَاشْتَوَاهَا النَّاسُ وَاشْتَوَيْتُ مِنْهَا، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخَذَ عُودًا، فَعَدَّ أَصَابِعَهُ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ أُمَّةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُسِخَتْ فِي الْأَرْضِ، فَلَا أَدْرِي أَيَّ الدَّوَابِّ هِيَ» . فَقُلْتُ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اشْتَوَوْهَا، فَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا وَلَمْ يَأْكُلْ "

стр. 288

٢٩٢ - حَدَّثَنِي مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنَا الْبَابْلُتِّيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ الْجُهَنِيِّ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ فَأَصَبْنَا ضِبَابًا، فَاشْتَوَى - أَوِ: اشْتَوَى النَّاسُ مِنْهَا - وَاشْتَوَيْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُ بِهَا النَّبِيَّ ﷺ فَوَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَخَذَ عُودًا، فَجَعَلَ يَعُدُّ أَصَابِعَهُ، فَقَالَ: «إِنَّ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ مُسِخَتْ دَوَابَّ، فَلَا أَدْرِي أَيَّ أُمَّةٍ هِيَ» . فَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا. فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ أَكَلُوا مِنْهَا، فَلَمْ يَأْمُرْهُمْ وَلَمْ يَنْهَهُمْ

стр. 289

٢٩٣ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: شَهِدْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ يُحَدِّثُ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ وَدِيعَةَ: " أَنَّ رَجُلًا، مِنْ بَنِي فَزَارَةَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ بِضِبَابٍ قَدِ احْتَرَشَهَا - أَوِ: اخْتَرَشَهَا - شَكَّ ابْنُ مَهْدِيٍّ - فَقَالَ: «إِنَّ أُمَّةً مُسِخَتْ، فَلَا أَدْرِي، لَعَلَّ هَذَا مِنْهُمْ»

стр. 290

٢٩٤ - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، أَنْبَأَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنَةَ، قَالَ: غَزَوْنَا فَأَصَابَتْنَا مَجَاعَةٌ، فَنَزَلْنَا أَرْضًا ⦗١٨١⦘ كَثِيرَةَ الضِّبَابِ، فَأَخَذْنَا مِنْهَا فَطَبَخْنَا، فَسَأَلْنَا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «إِنَّ أُمَّةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فُقِدَتْ، فَأَخَافُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ» . فَأَكْفَانَا الْقُدُورَ، ٢٩٥ - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَيَعْلَى، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ

стр. 291

٢٩٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: إِنَّ الضَّبَّ أُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمْ يَأْكُلْهُ. فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً لِلرِّعَاءِ. فَقَالَ: «إِنَّ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ، فَلَا أَدْرِي لَعَلَّهَا» . فَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ، وَلَمْ يَأْكُلُهُ

стр. 292

٢٩٧ - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: نَادَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ حِينَ انْصَرَفَ مِنَ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَرْضَنَا مَضَبَّةٌ، فَمَا تَرَى فِي الضِّبَابِ؟ فَقَالَ: «بَلَغَنِي أَنَّ أُمَّةً مُسِخَتْ» . فَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ

стр. 293

٢٩٨ - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ، حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِضَبٍّ، فَقَالَ: «لَا آمُرُ بِهِ وَلَا أَنْهَى عَنْهُ» ، أَوْ قَالَ: «لَا أُحِلُّهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ»

стр. 294

٢٩٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ: أَنَّ رَجُلًا، سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ عَنِ الضَّبِّ، فَقَالَ: «إِنَّ أُمَّةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُسِخَتْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَيَّ الدَّوَابِّ مُسِخَتْ»

стр. 295

٣٠٠ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ الْحُصَيْنِ بْنِ قَبِيصَةَ، عَنْ سَمُرَةَ، قَالَ: نَادَى أَعْرَابِيٌّ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ، فَقَطَعَ عَلَيْهِ خُطْبَتَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تَقُولُ فِي الضِّبَابِ؟ فَقَالَ: «مُسِخَتْ أُمَّةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، اللَّهُ أَعْلَمُ أَيَّ الدَّوَابِّ مُسِخَتْ؟»

стр. 296

ذِكْرُ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْخَبَرِ مِنْ مُتَقَدِّمِي أَهْلِ الْعِلْمِ

стр. 297

٣٠١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ، عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ الضَّبِّ، فَقَالَ: «لَسْتُ بِآكِلِهِ وَلَا بِزَاجِرٍ عَنْهُ» ⦗١٨٥⦘ وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ يَقُولُونَ: نَكْرَهُ أَكْلَ الضَّبِّ. وَقَالَ آخَرُونَ: أَكْلُ لَحْمِ الضَّبِّ حَرَامٌ. وَاعْتَلُّوا فِي تَحْرِيمِهِمْ ذَلِكَ بِأَخْبَارٍ رُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، مِنْهَا الْخَبَرُ الَّذِي

стр. 298

٣٠٢ - حَدَّثَنَاهُ هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، وَسَلْمُ بْنُ جُنَادَةَ السُّوَائِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَحَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا يَعْلَى، جَمِيعًا عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنَةَ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَنَزَلْنَا أَرْضًا كَثِيرَةَ الضِّبَابِ، فَأَصَبْنَا، فَذَبَحْنَا مِنْهَا، فَبَيْنَا الْقُدُورُ تَغْلِي بِهَا، إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «إِنَّ أُمَّةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فُقِدَتْ، وَإِنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ؛ فَاكْفِئُوهَا» . فَكَفَأْنَاهَا

стр. 299

٣٠٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنَةَ، قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَنَزَلْنَا أَرْضًا كَثِيرَةَ الضِّبَابِ، وَنَحْنُ مُرْمِلُونَ، فَأَصَبْنَاهَا، فَكَانَتِ الْقُدُورُ تَغْلِي بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا هَذِهِ؟» فَقُلْنَا: ضِبَابٌ أَصَبْنَاهَا. فَقَالَ: «إِنَّ أُمَّةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُسِخَتْ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ تَكُونَ هَذِهِ» . فَأَمَرَنَا فَأَكْفَأْنَاهَا، وَإِنَّا لَجِيَاعٌ

стр. 300

٣٠٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ الْعَسْقَلَانِيُّ أَبُو نَصْرٍ، حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ⦗١٨٦⦘ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ضَبٌّ فَلَمْ يَأْكُلْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا نُطْعِمُهُ الْمَسَاكِينَ؟ فَقَالَ: «لَا تُطْعِمُوهُمْ مِمَّا لَا تَأْكُلُونَ»

стр. 301

٣٠٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ الْبَحْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَ: أُهْدِيَ لِي ضَبٌّ مَشْوِيٌّ، فَقَرَّبَتْهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمْ يَأْكُلْهُ، فَقُلْتُ: أَلَا نُطْعِمُهُ السُّؤَّالَ؟ فَقَالَ: «لَا تُطْعِمُوهُمْ مِمَّا لَا تَأْكُلُونَ»

стр. 302

٣٠٦ - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بُعِثَ إِلَيْهِ بِضَبٍّ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَهُ، فَقُلْتُ: أَلَا أُطْعِمُهُ السُّؤَّالَ؟ فَقَالَ: «لَا تُطْعِمِيهِمْ مِمَّا لَا نَأْكُلُ مِنْهُ»

стр. 303

٣٠٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِضَبٍّ فَكَرِهَهُ، أَوْ نَهَى عَنْهُ، فَقَالُوا: أَلَا نُطْعِمُهُ الْخَدَمَ؟ فَقَالَ: «لَا تُطْعِمُوهُمْ مِمَّا لَا تَأْكُلُونَ»

стр. 304

٣٠٨ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، عَنْ سُفْيَانَ، وَمِسْعَرٍ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِضَبٍّ فَكَرِهَهُ، فَجَاءَ سَائِلٌ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا نُطْعِمُهُ؟ فَقَالَ: «لَا نُطْعِمُهُ مِمَّا لَا نَأْكُلُهُ» قَالُوا: فَالْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالنَّهْيِ عَنْ أَكْلِ لُحُومِهَا صَحِيحَةٌ، وَالرِّوَايَةُ عَنْهُ بِذَلِكَ ثَابِتَةٌ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى تَحْلِيلِ مَا حَرَّمَ، وَلَا عَلَى إِبَاحَةِ مَا حَظَرَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 305

ذِكْرُ مَنْ نَهَى عَنْ أَكْلِهِ مِنَ السَّلَفِ

стр. 306

٣٠٩ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ عَرِيبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْيَامِيِّ، عَنِ الْحَارِثِ، قَالَ: «نَهَى عَلِيٌّ عَنِ الضَّبِّ»

стр. 307

٣١٠ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عَبَّاسٍ الشَّبَامِيِّ، عَمَّنْ ذِكْرُهُ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ: «أَنَّهُ كَرِهَ الضِّبَابَ» وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا مَا صَحَّ بِهِ الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ لَحْمَ الضَّبِّ غَيْرُ حَرَامٍ عَلَى آكِلِهِ أَكْلُهُ؛ إِذْ لَمْ يَنْهَ عَنْ أَكْلِهِ آكِلَهُ، عَلَى مَا بَيَّنَهُ ﷺ ، وَلَمْ يَأْتِنَا بِتَحْرِيمِهِ إِيَّاهُ عَنْهُ خَبَرٌ يَصِحُّ سَنَدُهُ. وَنَكْرَهُ لَهُ أَكْلَهُ تَقَذُّرًا، وَنَنْهَاهُ عَنْهُ تَنَزُّهًا، كَمَا كَرِهَهُ ﷺ لِنَفْسِهِ تَقَذُّرًا وَعَافَهُ، فَنَهَى عَنْهُ تَنَزُّهًا مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ مِنْهُ لَهُ ⦗١٨٩⦘. فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: أَوَلَيْسَ قَدْ أَخْبَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ وَقَدْ غَلَتِ الْقُدُورُ بِلُحُومِهَا بِكَفْئِهَا؟ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ فِي كَفْئِهَا - إِنْ كَانَ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ لُحُومِ الضِّبَابِ كَانَ حَلَالًا - إِفْسَادَ طَعَامٍ حَلَالٍ أَكْلُهُ، وَفِي إِفْسَادِ ذَلِكَ - وَهُوَ حَلَالٌ - تَضْيِيعُ مَالٍ، وَفِي تَضْيِيعِ الْمَرْءِ مَالًا مِنْ مَالِهِ - وَلَا سِيَّمَا الطَّعَامُ الَّذِي هُوَ غِذَاءُ الْأَبْدَانِ وَأَقْوَاتُ الْأَجْسَادِ - الدُّخُولُ فِي مَعَانِي أَهْلِ السَّفَهِ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ الْحَجْرَ، وَالتَّقَدُّمُ عَلَى مَا قَدْ نَهَى عَنْهُ ﷺ مِنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ. قِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ - وَإِنْ كَانَ طَعَامًا بِالْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْتُ مِنْ كَرَاهَةِ النَّفْسِ لَهُ وَتَقَذُّرِهَا إِيَّاهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ حَرَامٍ عَلَى آكِلِهِ أَكْلُهُ - لَمْ يَسْتَحِقَّ الرَّامِي بِهِ - إِذَا رَمَى بِهِ - وَلَا مُهْرِيقُ قِدْرِهِ - إِذَا أَهْرَاقَهَا - اسْمَ مُضَيِّعِ مَالٍ، وَمُفْسِدِ طَعَامٍ، كَمَا غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مُهْرِيقُ قِدْرِ طَبِيخٍ قَدْ أَرَاحَ وَنَمِسَ - حَتَّى صَارَ مِنْ تَغَيُّرِ طَعْمِهِ وَرَائِحَتِهِ إِلَى حَالٍ تَكْرَهُهُ النَّفْسُ، وَتَعَافُ أَنْ تَطْعَمَهُ - اسْمَ مُضَيِّعِ مَالٍ، وَلَا مُفْسِدِ طَعَامٍ؛ بِإِرَاقَتِهِ إِيَّاهُ، وَإِنْ كَانَ حَلَالًا أَكْلُهُ، غَيْرُ حَرَامٍ عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ. فَكَذَلِكَ إِرَاقَةُ مُرِيقِ الْقِدْرِ الْغَالِيَةِ بِلُحُومِ الضِّبَابِ - إِذَا أَرَاقَهَا - غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ اسْمَ مُضَيِّعِ مَالٍ، وَلَا مُفْسِدِ طَعَامٍ؛ إِذَا كَانَتْ إِرَاقَتُهُ ذَلِكَ تَقَذُّرًا وَتَنَزُّهًا عَمَّا تَنَزَّهَ عَنْهُ ﷺ وَتَقَذَّرَهُ، وَإِنْ كَانَ أَرَاقَ مَا هُوَ غَيْرُ حَرَامٍ عَلَى طَاعِمٍ أَنْ يَطْعَمَهُ وَمَنْ أَنْكَرَ مَا قُلْنَا فِي لُحُومِ الضِّبَابِ عَلَى السَّبِيلِ الَّتِي وَصَفْنَا، سُئِلَ عَنِ الْأَطْعِمَةِ النَّمِسَةِ، وَالْقُدُورِ الْمُرِيحَةِ، وَالْأَطْبِخَةِ الَّتِي قَدْ مَاتَتْ فِيهَا الْخَنَافِسُ وَالْجِعْلَانُ وَبَنَاتُ وَرْدَانَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الدَّوَابِّ الَّتِي لَا نَفْسَ لَهَا سَائِلَةٌ ⦗١٩٠⦘، فَتَغَيَّرَتْ رَوَائِحُهَا بِمَوْتِ مَا مَاتَ فِيهَا مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى تَقَذَّرَتِ النُّفُوسُ النَّظَرِ إِلَيْهَا وَعَافَتْهُ، فَضْلًا عَنْ أَكْلِهَا، أَيَأْثَمُ مُرِيقُهَا بِإِرَاقَتِهَا، وَيَسْتَحِقُّ طَارِحُهَا بِطَرْحِهَا اسْمَ مُضَيِّعِ مَالٍ، وَمُفْسِدِ طَعَامٍ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، خَرَجَ مِنْ مَعْقُولِ أَهْلِ الْعَقْلِ، وَخَالَفَ مَا عَلَيْهِ جَمِيعُ الْأُمَّةِ، مِنْ إِجَازَتِهِمْ إِلْقَاءَ ذَلِكَ وَطَرْحَهُ وَتَرْكَ أَكْلِهِ. وَإِنْ قَالَ: بَلْ غَيْرُ حَرِجٍ الرَّامِي بِهِ، وَلَا آثِمٌ مُلْقِيهِ وَمُرِيقُهُ. قِيلَ لَهُ: فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ، وَبَيْنَ مُرِيقِ قِدْرِ طَبِيخِ لُحُومِ الضِّبَابِ الَّتِي أَرَاقَهَا مَنْ أَرَاقَهَا تَقَذُّرًا وَتَنَزُّهًا، وَكِلَاهُمَا غَيْرُ حَرَامٍ أَكْلُهُ، وَلَا حَرِجٍ طَاعِمُهُ؟ فَإِنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ مُخْتَلِفٌ، بِأَنَّ مُرِيقَ مَا وَصَفْنَا - مِنَ الْقُدُورِ الَّتِي قَدْ مَاتَتْ فِيهَا الدَّوَابُّ الَّتِي ذَكَرْنَا - أَرَاقَ مَا عِلَّتُهُ إِرَاقَتُهُ فَرْضًا؛ لِتَنَجُّسِهِ بِمَوْتِ مَا مَاتَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ، وَأَنَّ مُرِيقَ الْقِدْرِ الْمَطْبُوخِ فِيهَا لُحُومُ الضِّبَابِ، أَرَاقَ مَا هُوَ حَلَالٌ أَكْلُهُ عِنْدَكُمْ غَيْرُ حَرَامٍ، خَالَفَ فِي ذَلِكَ مَا عَلَيْهِ الْحُجَّةُ مُجْمِعَةٌ وَكُلِّفَ تَثْبِيتَ مَا مَاتَ فِيهِ مِنَ الدَّوَابِّ مِمَّا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ، مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ. وَفِي عِزَّةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، صِحَّةُ الْقَوْلِ بِأَنَّ مِنَ الْمَأْكُولِ وَالْمَطْعُومِ مَا لِصَاحِبِهِ إِلْقَاؤُهُ وَطَرْحُهُ، وَتَرْكُ أَكْلِهِ تَقَذُّرًا وَتَنَزُّهًا، وَهُوَ بِأَكْلِهِ - لَوْ أَكَلَهُ - غَيْرُ آثِمٍ، وَلَا طَاعِمٍ حَرَامًا. وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ؛ صَحَّ أَنَّ مِنْ ذَلِكَ لُحُومَ الضِّبَابِ الَّتِي وَصَفْنَا، وَثَبَتَتْ صِحَّةُ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ آكِلَهَا إِنْ أَكَلَ، لَمْ يَأْكُلْ بِأَكْلِهَا حَرَامًا، وَإِنْ أَلْقَاهَا وَنَبَذَهَا، لَمْ يَكُنْ بِفِعْلِهِ مَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ مُضِيعًا مَالًا، لَا مُفْسِدًا طَعَامًا، وَلَا لَازِمُهُ بِذَلِكَ لَوْمٌ وَلَا إِثْمٌ فِيهِ. وَفِي صِحَّةِ ذَلِكَ كَذَلِكَ؛ صِحَّةُ مَعْنَى الْأَخْبَارِ الْمَرْوِيَّةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي لُحُومِ الضِّبَابِ كُلِّهَا، وَذَلِكَ أَنَّ فِيَ أَمْرِهِ مَنْ أَمَرَ بِأَكْلِ ذَلِكَ، إِعْلَامًا مِنْهُ أُمَّتَهُ أَنَّهُ حَلَالٌ غَيْرُ حَرَامٍ. وَفِي تَرْكِهِ أَكْلَهُ وَنَهْيِهِ مَنْ نَهَى عَنْ أَكْلِهِ، إِعْلَامُهُمْ كَرَاهَتَهُ أَكْلَهُ ⦗١٩١⦘ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ، وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ ﵇: «لَا آمُرُ بِهِ، وَلَا أَنْهَى عَنْهُ» إِخْبَارٌ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَنْدُبُ إِلَى اسْتِعْمَالِهِمْ إِيَّاهُ فِي مَطَاعِمِهِمِ اسْتِعْمَالَ الطَّيِّبِ مِنْ بَهَائِمِ الْأَنْعَامِ مِنَ الثَّمَانِيَةِ الْأَزْوَاجِ الَّتِي نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى تَحْلِيلَهَا فِي كِتَابِهِ، وَسَائِرِ الْأَغْذِيَةِ الَّتِي طَيَّبَهَا فِي تَنْزِيلِهِ، وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا يُحَرِّمُهُ عَلَيْهِمْ تَحْرِيمَ الْخَبَائِثِ الَّتِي أَبَانَ تَحْرِيمَهَا فِي ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ حَرِجٍ طَاعِمُهُ وَلَا آثِمٍ، وَإِنْ كَانَ مُتَقَدِّمًا بِأَكْلِهِ عَلَى أَكْلِ مَا يُكْرَهُ لَهُ أَكْلُهُ، كَمَا الْمُتَقَدِّمُ عَلَى أَكْلِ مَا قَدْ نَمِسَ مِنَ الْقُدُورِ وَأَنْتَنَ مِنْ مَوْتِ الْخَنَافِسِ وَبَنَاتِ الْوَرْدَانِ وَالْقَمْلِ وَالْبَرَاغِيثِ فِيهِ، مُتَقَدِّمٌ عَلَى مَا يُكْرَهُ لَهُ أَكْلُهُ، وَيُخْتَارُ لَهُ تَرْكُهُ فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ فِيمَا

стр. 308

٣١١ - حَدَّثَكُمْ بِهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ ضَمْضَمِ بْنِ زُرْعَةَ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحُبْرَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ أَكَلِ الضَّبِّ» ⦗١٩٢⦘ قِيلَ: هَذَا خَبَرٌ لَا يَثْبُتُ بِمِثْلِهِ فِي الدِّينِ حُجَّةٌ، وَلَوْ كَانَ مِمَّا يَثْبُتُ بِمِثْلِهِ فِي الدِّينِ حُجَّةٌ، لَمْ يَكُنْ لِمَا قُلْنَا خِلَافًا؛ إِذَا كَانَ مُحْتَمِلًا نَهْيُهُ عَنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ نَهْيَ تَكَرُّهٍ وَتَقَذُّرٍ، لَا نَهْيَ تَحْرِيمٍ. وَإِذَا كَانَ مُحْتَمِلًا ذَلِكَ، ثُمَّ وَرَدَتِ الْأَخْبَارُ الثَّابِتَةُ عَنْهُ ﷺ بِبَيَانِ مُرَادِهِ مِنْ ذَلِكَ؛ كَانَ عَلَى مَا انْتَهَى ذَلِكَ إِلَيْهِ الدَّيْنُونَةُ بِأَنَّ مَعْنَاهُ فِي نَهْيِهِ عَنْ ذَلِكَ عَلَى مَا بَيَّنَهُ ﷺ . وَقَدْ وَرَدَتِ الْأَخْبَارُ الصِّحَاحُ بِنَقْلِ الْعُدُولِ الْأَثْبَاتِ عَنْهُ، بِإِذْنِهِ فِي أَكْلِ ذَلِكَ وَإِبَاحَتِهِ، وَأَنَّ كَرَاهَتَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَعَامِ قَوْمِهِ، لَا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ حَرَامٌ. وَفِي بَعْضِ ذَلِكَ الْبَيَانُ الْوَاضِحُ عَنْ أَنَّ نَهْيَهُ عَنْ أَكْلِهِ - لَوْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْهُ - بِمَعْنَى التَّكَرُّهِ وَالتَّقَذُّرِ، لَا بِمَعْنَى التَّحْرِيمِ، وَلَعَلَّ قَائِلًا يَقُولُ: وَمَا مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ سُئِلَ عَنِ الضَّبِّ: «إِنَّ أُمَّةً مُسِخَتْ فَأَرْهَبُ أَنْ تَكُونُهُ» ، وَقَوْلِهِ: «فَلَعَلَّ هَذَا مِنْهُمْ» ، وَقَدْ عَلِمْتَ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمُسُوخِ مِنَ الْخَبَرِ الَّذِي

стр. 309

٣١٢ - حَدَّثَكَ بِهِ، مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَشْكُرِيِّ، عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ ابْنَتُ أَبِي سُفْيَانَ: اللَّهُمَّ مَتِّعْنِي بِزَوْجِي رَسُولِ اللَّهِ، وَبِأَبِي أَبِي سُفْيَانَ، وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَقَدْ سَأَلْتِ لِآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ، وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ، وَأَيَّامٍ مَعْلُومَةٍ، لَا يُعَجَّلُ مِنْهَا شَيْءٌ قَبْلَ حِلِّهَا، وَلَا يُؤَخَّرُ بَعْدَ حِلِّهَا، وَلَوْ سَأَلْتِ اللَّهَ أَنْ يُجِيرَكِ - أَوْ يُعِيذَكِ - مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَعَذَابٍ فِي النَّارِ، كَانَ خَيْرًا لَكِ» . قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْقِرَدَةُ ⦗١٩٣⦘ وَالْخَنَازِيرُ، مِنَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ الَّذِينَ مُسِخُوا؟ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُهْلِكُ أُمَّةً فَيُبْقِي لَهَا نَسْلًا أَوْ عَاقِبَةً» فَهَذَا الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمُسُوخِ بِأَنَّ اللَّهَ لَا يُبْقِي لَهَا نَسْلًا وَلَا عَاقِبَةً، وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ لَا يُبْقِي لِلْمُسُوخِ نَسْلًا وَلَا عَاقِبَةً» ، ثُمَّ يَقُولَ فِي الضِّبَابِ: «أَرْهَبُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُسُوخِ الَّتِي مُسِخَتْ» ؟ فَإِنْ قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ فِي قَوْلِهِ ﷺ فِي الضَّبِّ: «إِنَّ أُمَّةً مُسِخَتْ فَأَرْهَبُ أَنْ تَكُونَهُ» . وَلَا فِي قَوْلِهِ: «فَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْهُمْ» ، خِلَافٌ لِقَوْلِهِ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُهْلِكُ أُمَّةً فَيُبْقِي لَهَا نَسْلًا وَلَا عَاقِبَةً» ؛ إِذْ جَائِزٌ أَنْ تَكُونَ الْأُمَّةُ الَّتِي مُسِخَتْ يَوْمَئِذٍ هِيَ الضِّبَابَ الْآنَ بِأَعْيَانِهَا، لَا أَنَّهَا نَسْلُهَا، وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْمُسُوخُ الَّتِي ⦗١٩٤⦘ مُسِخَتْ بَعْضَ هَذِهِ الضِّبَابِ، بَقِيَتْ إِلَى الْآنَ لَمْ تُعْقِبْ، وَتَكُونُ الُّتِي تُعْقِبُ مِنْهَا غَيْرَ الْأُمَّةِ الَّتِي مُسِخَتْ فَحُوِّلَتْ فِي صُوَرِهَا. قِيلَ لَكَ: فَهَذَا خِلَافُ الْقَوْلِ الَّذِي

стр. 310

٣١٣ - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الْمُرِّيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: «لَمْ يَعِشْ مَسْخٌ قَطُّ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَلَمْ يَأْكُلْ، وَلَمْ يَشْرَبْ، وَلَمْ يَنْسِلْ» وَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَسَائِرَ الْخَلْقِ فِي السِّتَّةِ الْأَيَّامِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، فَمَسَخَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ - يَعْنِي الَّذِينَ مَسَخَهُمْ قِرَدَةً فِي صُورَةِ الْقِرَدَةِ - وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ بِمَنْ شَاءَ كَيْفَ شَاءَ، وَيُحَوِّلُهُ كَيْفَ يَشَاءُ. فَمَا وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا إِذًا، إنْ كَانَ الَّذِينَ مُسِخُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ جَائِزًا عِنْدَكَ ⦗١٩٥⦘ أَنْ يَكُونُوا هُمْ هَذِهِ الضِّبَابَ الْيَوْمَ، أَوْ أَنْ يَكُونُوا كَانُوا مَوْجُودِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ مَرَّ عَلَيْهِمْ مِنَ الزَّمَانِ مَا مَرَّ، وَأَتَى عَلَيْهِمْ مِنَ الدُّهُورِ مَا أَتَى، وَهَذَا الْخَبَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإنْكَارِهِ لِلْمَسْخِ عَيْشًا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ؟ وَإِنْ أَنْتَ قُلْتَ بِتَصْحِيحِ الْقَوْلِ الَّذِي رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قِيلَ لَكَ: فَمَا وَجْهُ الْخَبَرِ الَّذِي رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الضِّبَابِ إِذًا، إِذْ سُئِلَ عَنْهَا فَقَالَ: «إِنَّ أُمَّةً مُسِخَتْ فَأَرْهَبُ أَنْ تَكُونَهُ» ، وَالْمُسُوخُ قَدْ هَلَكَتْ وَبَادَتْ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ . وَالَّذِي قُدِّمَ إِلَيْهِ فَامْتَنَعَ مِنْ أَكْلِهِ مِنْهَا، وَالَّذِي سُئِلَ عَنْهُ مِنْهَا، لَا هُوَ الْمَسْخُ، وَلَا هُوَ مِنْ نَسْلِهَا، فَمَا وجُوهُ كَرَاهَتِهِ أَكْلَ ذَلِكَ حِذَارًا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْأُمَّةِ الَّتِي مُسِخَتْ، وَهُوَ ﷺ يُخْبِرُ أَنَّ الْمَسْخَ لَا يُعْقِبُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ يَذْكُرُ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ؟ قِيلَ لَهُ: أَمَّا الْخَبَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي رُوِيَ بِمَا ذَكَرْتَ مِنْ أَنَّ الْمَسْخَ لَا يَعِيشُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ، فَخَبَرٌ فِي سَنَدِهِ نَظَرٌ؛ لِعِلَّتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّ الضَّحَّاكَ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ بِشْرَ بْنَ عُمَارَةَ لَيْسَ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَى رِوَايَتِهِ. وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ صَحِيحًا؛ لَمْ يَكُنْ فِيهِ لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خِلَافٌ، وَكَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَبَرِ الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ ﷺ فِي الضَّبِّ الَّذِي قُدِّمَ إِلَيْهِ أَوْ سُئِلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ مِنَ الْأُمَّةِ الَّتِي مُسِخَتْ بِأَعْيَانِهَا، وَإِنَّمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «لَعَلَّ هَذَا مِنْهُمْ، وَأَرْهَبُ أَنْ تَكُونَهُ» . وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ عَنَى بِقَوْلِهِ: «لَعَلَّ هَذَا مِنْهُمْ» : مِنْهُمْ فِي الصُّورَةِ وَالْخِلْقَةِ، وَلَعَلَّ هَذَا مِنْ نَوْعِهِمْ فِي الْمِثَالِ. «وَأَرْهَبُ أَنْ تَكُونَهُ» : بِمَعْنَى أَنْ تَكُونَ نَظِيرَهُ فِي الْمِثَالِ ⦗١٩٦⦘ وَالشَّبَهِ، لَا أَنَّهَا هِيَ بِأَعْيَانِهَا. وَإِذَا احْتَمَلَ ذَلِكَ مَا قُلْنَا، كَانَتْ كَرَاهَتُهُ ﷺ أَكْلَهَا لِمُشَابَهَتِهَا فِي الْخِلْقَةِ وَالصُّورَةِ خَلْقًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَغَيَّرَهُ عَنْ هَيْئَتِهِ وَصُورَتِهِ إِلَى صُورَتِهَا، وَكَذَلِكَ هِيَ عِنْدَنَا. وَإِذَا صَحَّ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ؛ صَحَّتْ مَخَارِجُ مَعَانِي مَا ذَكَرْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَنَّ الْمَسْخَ لَا يُعْقِبُ، وَقَوْلِهِ إِذْ سُئِلَ عَنِ الضَّبِّ: «إِنَّ أُمَّةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُسِخَتْ فَلَعَلَّ هَذَا مِنْهُمْ» ، وَمَخْرَجُ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ الْمَسْخَ لَا يَعِيشُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ، وَذَلِكَ أنْ تَكُونَ الْأُمَّةُ الْمَمْسُوخَةُ هَلَكَتْ بَعْدَ ثَلَاثٍ وَلَمْ تُعْقِبْ وَلَمْ تَنْسِلْ، وَتَكُونَ كَرَاهَةُ النَّبِيِّ ﷺ أَكْلَ الضِّبَابِ إِذْ كَرِهَهُ؛ حِذَارًا أَنْ تَكُونَ مِنْ نَوْعِ مَا مَسَخَ اللَّهُ مِنَ الْأُمَّةِ الَّتِي مَسَخَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِذْ كَانَ لَمْ يَمْسَخْ تَعَالَى ذِكْرُهُ خَلْقًا مِنْ خَلْقِهِ عَلَى صُورَةِ دَابَّةٍ مِنَ الدَّوَابِّ، إِلَّا كَرَّهَ إِلَى أُمَّةِ نَبِيِّنَا ﷺ أَكْلَ لَحْمِ تِلْكَ الدَّابَّةِ الَّتِي مَسَخَ ذَلِكَ الْخَلْقَ عَلَى صُورَتِهِ أَوْ حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ. وَذَلِكَ كَتَحْرِيمِهِ عَلَيْهِمْ لُحُومَ الْخَنَازِيرِ الَّتِي مُسِخَتْ عَلَى صُورَتِهَا أُمَّةٌ مِنَ الْيَهُودِ، وَكَتَحْرِيمِهِ لُحُومَ الْقِرَدَةِ الَّتِي مُسِخَتْ عَلَى صُورَتِهَا مِنْهُمْ أُمَّةٌ أُخْرَى، وَتَكْرِيهِهِ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ. فَإِنْ قَالَ: أَفَكَانَتْ عِنْدَهُ الضِّبَابُ مِنَ الْمُسُوخِ، وَسَبِيلُهَا سَبِيلُهَا؟ قِيلَ: إِنَّ فِي قَوْلِهِ ﷺ : «إِنَّ أُمَّةً مُسِخَتْ فَأَرْهَبُ أَنْ تَكُونَهُ» ، وَفِي قَوْلِهِ ﵇: «فَلَعَلَّ هَذَا مِنْهُمْ» ، بَيَانًا وَاضِحًا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهَا مِنْ نَوْعِ الْأُمَّةِ الَّتِي مُسِخَتْ - وَلِذَلِكَ لَمْ تُحَرَّمْ - وَأَنَّهُ لَوْ تَبَيَّنَ لَهُ مِنْهَا مَا تَبَيَّنَ مِنَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ لَحَرَّمَ أَكْلَهَا عَلَى آكِلِهَا، وَلَكِنَّهُ ﵇ رَأَى خَلْقًا مُشْكِلًا، يُشْبِهُ خَلْقَ الْمُسُوخِ؛ فَكَرِهَ أَكْلَهَا لِذَلِكَ، وَلَمْ يُحَرِّمْهُ؛ إِذْ لَمْ يَكُنْ أَتَاهُ الْوَحْيُ مِنَ اللَّهِ بِأَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ ⦗١٩٧⦘. وَفِي صِحَّةِ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ كَرَاهَتِهِ أَكْلَ لُحُومِ الضِّبَابِ، مَعَ إِذْنِهِ لِآكِلِيهَا فِي أَكْلِهَا، الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ عَلَى أَنَّ مِنَ أُمُورِ الدِّينِ أُمُورًا، الْوَرَعُ فِي الْإِحْجَامِ عَنِ التَّقَدُّمِ عَلَيْهَا، وَالْفَضْلُ فِي الْكَفِّ وَالْإِمْسَاكِ عَنْهَا، وَإنْ كَانَ غَيْرَ مُحَرَّمٍ التَّقَدُّمُ عَلَيْهَا؛ وَذَلِكَ إِذَا الْتَبَسَتْ عَلَى الْمَرْءِ أَسْبَابُهَا، وَلَمْ يَتَّضِحْ لَهُ وَجْهُ صِحَّتِهَا وُضُوحًا بَيِّنًا، كَالَّذِي فَعَلَ ﷺ فِي أَكْلِ لَحْمِ الضَّبِّ، فَلَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهِ؛ أَخْذًا مِنْهُ بِالِاحْتِيَاطِ لِنَفْسِهِ، وَاسْتِبْرَاءً مِنْهُ لِدِينِهِ؛ إِذْ خَافَ أَنْ يَكُونَ مِنْ نَوْعِ الْمُسُوخِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ نَظَائِرَهَا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَنْهَ آكِلَهُ عَنْ أَكْلِهِ؛ إِذْ لَمْ تَكُنْ وَضَحَتْ لَهُ صِحَّةُ أَمْرِهِ أَنَّهُ مِنْ نَوْعِ الْمُسُوخِ. وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ الْمُتَمَسِّكُ مِنْ أُمَّتِهِ بِمِنْهَاجِهِ فِيمَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ؛ يُحْجِمُ عَنِ التَّقَدُّمِ عَلَيْهِ؛ أَخْذًا مِنْهُ بِالِاحْتِيَاطِ لِنَفْسِهِ، وَاسْتِبْرَاءً لِدِينِهِ، وَلَا يَذُمُّ الْمُتَقَدِّمَ عَلَيْهِ ذَمَّ مُؤَثِّمٍ، وَلَا يَلُومُهُ لَوْمَ مُعَنِّفٍ

стр. 311

ذِكْرُ الْبَيَانِ عَمَّا فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ مِنَ الْغَرِيبِ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ ﵀ فِي لَحْمِ الضَّبِّ: إِنَّمَا عَافَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . يَعْنِي بِقَوْلِهِ: عَافَهُ: كَرِهَهُ، يُقَالُ مِنْهُ: عَافَ فُلَانٌ هَذَا الشَّيْءَ فَهُوَ يَعَافُهُ عَيْفًا، وَعُيُوفًا، وَمِنْهُ قَوْلُ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَةَ: [البحر الطويل] لَكَالثَّوْرِ يَوْمَ الْوِرْدِ يُضْرَبُ ظَهْرُهُ ... وَمَا ذَنْبُهُ أَنْ عَافَتِ الْمَاءَ مَشْرَبَا وَمَا ذَنْبُهُ أَنْ عَافَتِ الْمَاءَ بَاقِرٌ ... وَمَا إِنْ تَعَافُ الْمَاءَ إِلَّا لِيُضْرَبَا

стр. 312

وَمِنْهُ قَوْلُ نَابِغَةِ بَنِي ذُبْيَانَ: [البحر الوافر] دَعَتْهُ نِيَّةٌ عَنَّا قَذُوفٌ ... وَعَافَ الْبِشْرَ فَانْتَجَعَ الْمِلَاحَا وَالْعِيَافَةُ غَيْرُ هَذَا الْمَعْنَى، وَهِيَ شَبِيهَةُ الْكِهَانَةِ وَزَجْرِ الطَّيْرِ وَالسَّوَانِحِ وَالْبَوَارِحِ، يُقَالُ مِنْهُ: عَافَ الْعَائِفُ، فَهُوَ يَعِيفُ عِيَافَةً، وَمِنْهُ أَيْضًا قَوْلُ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَةَ: [البحر الرمل] مَا تَعِيفُ الْيَوْمَ فِي الطَّيْرِ الرَّوَحْ ... مِنْ غُرَابِ الْبَيْنِ أَوْ تَيْسٍ بَرَحْ وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَمَا أَغْسَقَ، فَإِنَّهُ كَمَا قَالَ. مَعْنَاهُ: إِذَا أَظْلَمَ، يُقَالُ مِنْهُ: غَسَقَ اللَّيْلُ يَغْسِقُ غُسُوقًا، وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَخِّرُوا السَّحُورَ، وَعَجِّلُوا الْإِفْطَارَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوَا اللَّيْلَ يَغْسِقُ عَلَى الظِّرَابِ. وَمِنْهُ أَيْضًا قَوْلُ اللَّهِ : ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق: ٣] ، يَعْنِي بِذَلِكَ: مِنْ شَرِّ مُظْلِمٍ إِذَا هَجَمَ بِظَلَامِهِ

стр. 313

وَأَمَّا قَوْلُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ: فَوَجَدَ عِنْدَهُمْ ضَبًّا مَحْنُوذًا، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالْمَحْنُوذِ: الْمَشْوِيَّ، الَّذِي قَدْ أُنْضِجَ شَيًّا. وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى الْمَحْنُوذِ: الْمَشْوِيُّ، وَقَالَ: يُقَالُ مِنْهُ: حَنَذْتُ فَرَسِي: بِمَعْنَى سَخَّنْتُهُ وَعَرَّقْتُهُ، وَاسْتَشْهَدَ لِقَوْلِهِ ذَلِكَ بِبَيْتِ الْعَجَّاجِ: [البحر الرجز] وَفَرَغَا مِنْ رَعْيِ مَا تَلَزَّجَا ... وَرَهِبَا مِنْ حَنْذِهِ أَنْ يَهْرَجَا وَقَالَ الْآخَرُونَ مِنْهُمُ: الْحَنْذُ: التَّعْرِيقُ. وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: كُلُّ شَيْءٍ شُوِيَ فِي الْأَرْضِ إِذَا خُدَّتْ لَهُ فِيهَا فَدُفِنَ فِيهَا وَغُمِّمَ فَهُوَ الْمَحْنُوذُ، وَقَالَ: تَحْنِيذُ الْخَيْلِ: إِلْقَاءُ الْجِلَالِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ عَلَيْهَا لِتَعْرَقَ، وَذَكَرَ عَنِ الْعَرَبِ أَنَّهَا تَقُولُ: إِذَا سَقَيْتَهُ فَأَحْنِذْ: يَعْنِي اخْفِسْ، يُرَادُ بِهِ: أَقِلَّ الْمَاءَ وَأَكْثَرِ النَّبِيذَ. وَهَذِهِ أَقْوَالٌ - وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُ قَائِلِيهَا - مُتَقَارِبَاتُ الْمَعَانِي، وَالْحَنْذُ: هُوَ مَا وَصَفْتُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، أَعْنِي فِي قَوْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ

стр. 314

: فَوَجَدَ عِنْدَهَا ضَبًّا مَحْنُوذًا، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: ٦٩] ، يُعْنَى بِهِ: بِعِجْلٍ نَضِيجٍ، قَدْ أُنْضِجَ شَيًّا. وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَهُمْ فِي بُطُونِ التِّلَاعِ وَرُءُوسِ الْآكَامِ، فَإِنَّ التِّلَاعَ: جَمْعُ تَلْعَةٍ، وَهِيَ مَجَارِيَ الْمِيَاهِ مِنَ الْأَمَاكِنِ الْمُرْتَفِعَةِ إِلَى بُطُونِ الْأَوْدِيَةِ مِمَّا انْخَفَضَ مِنْهَا، وَإِيَّاهَا عَنَى ذُو الرُّمَّةِ بِقَوْلِهِ: [البحر الطويل] دَهَاسٍ سَقَاهَا الدَّلْوُ حَتَّى تَنَطَّقَتْ ... بِنَوْرِ الْخُزَامَى فِي التِّلَاعِ الْجَوَائِفِ وَكَذَلِكَ أَبُو النَّجْمِ بِقَوْلِهِ: [البحر الرجز] كَأَنَّ رِيحَ الْمِسْكِ وَالْقَرَنْفُلِ ... نَبَاتُهُ بَيْنَ التِّلَاعِ السُّيَّلِ وَأَمَّا الْآكَامُ: فَإِنَّهَا جَمْعُ أَكَمَةٍ، يُقَالُ لِوَاحِدَتِهَا أَكَمَةٌ، ثُمَّ تُجْمَعُ: أَكَمٌ، وَأُكْمٌ، وَأُكُمٌ، وَآكَامٌ، وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ عَلَى مَا حَوْلَهُ مِنَ الْأَرْضِ، لَا يَبْلُغُ أَنْ يَكُونَ جَبَلًا. وَمِنَ الْأَكَمِ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ الْعَجَّاجِ: [البحر الرجز]

стр. 315

بَلْ بَلَدٍ مِلْءِ الْفِجَاجِ قَتَمُهْ , لَا يُشْتَرَى كَتَّانُهُ وَجَهْرَمُهْ , يُجْتَابُ ضَحْضَاحَ السَّرَابُ أَكَمُهْ وَمِنَ الْأُكْمِ بِسُكُونِ الْكَافِ قَوْلُ أَبِي النَّجْمِ: كَأَنَّ فَوْقَ الْأُكْمِ مِنْ غُثَائِهِ ... قَطَائِفَ الشَّأْمِ عَلَى عَبَائِهِ وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ لِلْأَعْرَابِ الَّذِينَ أَتَوْهُ: أَمَا تَأْكُلُونَ الْهَبِيدَ، فَإِنَّ الْهَبِيدَ هُوَ الْحَنْظَلُ، يُؤْخَذُ فَيُنْقَعُ أَيَّامًا سَبْعَةً، ثُمَّ يُقْشَرُ مِنْ قِشْرِهِ الْأَعْلَى، ثُمَّ يُطْحَنُ فَيُخْرَجُ مِنْهُ دَسَمٌ، وَتُتَّخَذُ مِنْهُ عَصِيدَةٌ. وَقَدْ حُدِّثْتُ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْهَبِيدَ إِذَا قُشِرَ صَارَ كَهَيْئَةِ النَّشَا، وَزَعَمَ أَنَّهُ قَدْ أَكْلَ مِنْهُ، وَإِيَّاهُ عَنَى الطِّرِمَّاحَ بِقَوْلِهِ: [البحر الطويل] يُمْسِي بِعَقْوَتِهَا الْهِجَفُّ كَأَنَّهُ ... حَبَشِيُّ حَازِقَةٍ غَدَا يِتَهَبَّدُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ يَتَهَبَّدُ: يَطْلُبُ الْحَنْظَلَ لَيَعْمَلَ بِهِ مَا وَصَفْتُ

стр. 316

وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: لَأَنْ يُهْدَى إِلَى أَحَدِنَا الضَّبَّةُ الْمَكُونَةُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ تُهْدَى لَهُ الدَّجَاجَةُ السَّمِينَةُ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالضَّبَّةِ الْمَكُونَةِ: الَّتِي قَدْ جَمَعْتِ الْبَيْضَ فِي بَطْنِهَا، يُقَالُ مِنْ ذَلِكَ: قَدْ مَكِنَتِ الضَّبَّةُ، وَأَمْكَنَتْ، وَهِيَ ضَبَّةٌ مَكُونٌ. وَأَمَّا الْخَبَرُ الَّذِي رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَقِرُّوا الطَّيْرَ فِي مَكِنَاتِهَا» ، وَرَوَى بَعْضُهُمْ: مُكُنَاتِهَا، فَإِنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ يُوَجِّهُهُ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَإِلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أَمْرٌ بِإِقْرَارِ الطَّيْرِ عَلَى بَيْضِهَا حَتَّى تُفْرِخَ، وَيَزْعُمُ أَنَّ الْمَكِنَاتِ جَمْعُ مَكِنَةٍ، وَأَنَّهَا بَيْضُ الطَّائِرِ، وَيَزْعُمُ أَنَّ ذَلِكَ قِيلَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِعَارَةِ، وَإنْ كَانَ الْمَكِنَاتُ لَا تُعْرَفُ إِلَّا لِلضِّبَابِ، كَمَا قِيلَ: مَشَافِرُ الْحَبَشِ، وَإِنَّمَا الْمَشَافِرُ لِلْإِبِلِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ فِي صِفَةِ الْأَسَدِ: [البحر الطويل] لَهُ لِبَدٌ أَظْفَارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ وَلَا أَظْفَارَ لِلْأَسَدِ، وَإِنَّمَا لَهُ مَخَالِبُ. وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ آخَرُونَ، وَقَالُوا: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: أَقِرُّوا الطَّيْرَ عَلَى أَمْكِنَتِهَا، وَامْضُوا لِأُمُورِكَمْ، فَإِنَّ الْأَمْرَ بِيَدِ اللَّهِ تَعَالَى. قَالُوا: وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا أَرَادَ أَحَدُهُمْ سَفَرًا أَوْ غَزْوًا أَوْ أَمْرًا مِنَ الْأُمُورِ

стр. 317

، أَثَارَ الطَّيْرَ مِنْ أَوْكَارِهَا؛ لِيَنْظُرَ أَيَّ وَجْهٍ تَسْلُكُ، وَإِلَى أَيِّ نَاحِيَةٍ تَطِيرُ، فَإِنْ طَارَتْ ذَاتَ الْيَمِينِ خَرَجَ لِسَفَرِهِ وَمَضَى لِأَمْرِهِ، وَإِنْ أَخَذَتْ ذَاتَ الشِّمَالِ؛ رَجَعَ وَلَمْ يَمْضِ؛ فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُقِرُّوهَا فِي أَمَاكِنِهَا، وَأَبْطَلَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ، كَمَا أَبْطَلَ الِاسْتِقْسَامَ بِالْأَزْلَامِ. وَقَالَ الْآخَرُونَ: بَلْ هَذَا تَصْحِيفٌ مِنَ الرُّوَاةِ، وَخَطَأٌ مِنْهُمْ، وَلَا نَعْرِفُ الْمَكِنَاتِ إِلَّا اسْمًا لِبَيْضِ الضِّبَابِ دُونَ غَيْرِهَا. قَالُوا: وَنَرَى أَنَّ رَاوِيَ ذَلِكَ سَمِعَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَقِرُّوا الطَّيْرَ فِي وُكُنَاتِهَا» ، بِالْوَاوِ. وَقَالُوا: وَوُكُنَاتُ الطَّيْرِ: مَوَاضِعُ عُشِّهَا، وَحَيْثُ تَسْقُطُ عَلَيْهِ مِنَ الشَّجَرِ وَتَأْوِي إِلَيْهِ. وَاسْتَشْهَدُوا لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ بِبَيْتِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ حُجْرٍ: [البحر الطويل] وَقَدْ أَغْتَدِي وَالطَّيْرُ فِي أُكُنَاتِهَا ... بِمُنْجَرِدٍ قَيْدِ الْأَوَابِدِ هَيْكَلِ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ غَيْرُ مَا قَالَ هَؤُلَاءِ. وَذَلِكَ أَنَّا إِنْ وَجَّهْنَا ذَلِكَ إِلَى مَا قَالَهُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَعْنَى مَكِنَاتِهَا أَمْكِنَتُهَا؛ خَرَجْنَا عَنِ الْمَعْرُوفِ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ؛ وَذَلِكَ أَنَّا لَا نَعْلَمُ فِي كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يُقَالُ لِلْأَمْكِنَةِ: مَكِنَةٌ. وَإِنْ وَجَّهْنَاهُ إِلَى مَا قَالَهُ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ عَنَى بِالْمَكِنَاتِ بَيْضَهَا؛ دَخَلْنَا أَيْضًا فِي نَحْوِ الَّذِي أَنْكَرْنَا مِنَ الْخُرُوجِ عَنِ الْمَعْرُوفِ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا تُعْرَفُ الْمَكِنَاتُ إِلَّا لِلضِّبَابِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، فَأَمَّا الطَّيْرُ فَلَمْ يُسْمَعْ بِالْمَكِنَاتِ

стр. 318

وَإِنْ قُلْنَا مَا قَالَهُ الَّذِينَ نَسَبُوا رُوَاةَ الْخَبَرِ إِلَى الْخَطَأِ فِيمَا نَقَلُوهُ؛ كُنَّا قَدْ تَقَدَّمْنَا عَلَى مَا لَا يَقِينَ عِنْدَنَا بِهِ. وَلَكِنَّ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ الرِّوَايَةَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ: «أَقِرُّوا الطَّيْرَ عَلَى مَكَنَاتِهَا» بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْكَافِ، فَتَكُونُ الْمَكَنَاتُ حِينَئِذٍ جَمْعُ مَكْنَةٍ، وَالْمَكْنَةُ: اسْمٌ مِنَ التَّمَكُّنِ، فَعْلَةٌ مِنْهُ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: مَكَنَ فُلَانٌ بِمَوْضِعِ كَذَا: بِمَعْنَى تَمَكَّنَ فِيهِ، فَهُوَ يَمْكُنُ فِيهِ مَكْنًا، وَمَكْنَةً، ثُمَّ تُجْمَعُ الْمَكْنَةُ مَكَنَاتٍ، كَمَا يُقَالُ: قَعَدَ فُلَانٌ قَعْدَةً وَقَعَدَاتٍ، وَجَلَسَ جَلْسَةً وَجَلَسَاتٍ، وَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: أَقِرُّوا الطَّيْرَ الَّتِي تَزْجُرُونَهَا فِي مَوَاضِعِهَا الْمُتَمَكِّنَةِ فِيهَا، الَّتِي هِيَ بِهَا مُسْتَقِرَّةٌ، وَامْضُوا لِأُمُورِكَمْ، فَإِنَّ زَجْرَكُمْ إِيَّاهَا غَيْرُ مُجْدٍ عَلَيْكُمْ نَفْعًا، وَلَا دَافِعٍ عَنْكُمْ ضَرًّا. وَأَمَّا قَوْلُ ثَابِتِ بْنِ وَدِيعَةَ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي فَزَارَةَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ بِضِبَابٍ قَدِ احْتَرَشَهَا، أَوِ اخْتَرَشَهَا، فَإِنَّهُ إِنَّمَا هُوَ: قَدِ احْتَرَشَهَا، وَلَا مَعْنَى لِلشَّكِّ فِي ذَلِكَ، وَلَكِنَّ ابْنَ مَهْدِيٍّ لَعَلَّهُ أَنْ لَا يَكُونَ عَرَفَ مَعْنَى احْتِرَاشِ الضِّبَابِ، فَجَعَلَ الْخَبَرَ بِالشَّكِّ عَلَى مَا وَصَفْتُ. وَمَعْنَى احْتِرَاشِ الضِّبَابِ: تَحْرِيكُ طَالِبِ اصْطِيَادِهَا فِي جُحْرِهَا الَّذِي تَأْوِي إِلَيْهِ عُودًا، أَوْ وَتِدًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؛ لِيُخْرِجَ الضَّبُّ ذَنَبَهُ؛ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ الْحَرَكَةَ الَّتِي أَحَسَّهَا فِي جُحْرِهِ حَرَكَةُ حَيَّةٍ أَوْ أَفْعَى؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْحَيَّةَ أَوِ الْأَفْعَى رُبَّمَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ جُحْرَهُ، فَإِذَا سَمِعَ الضَّبُّ حِسَّ دُخُولِهِ، أَخْرَجَ ذَنَبَهُ فَضَرَبَهَا بِهِ، فَقَطَعَهَا ثِنْتَيْنِ، فَإِذَا حَرَّكَ طَالِبُ اصْطِيَادِهِ وَمُحْتَرِشُهُ فِي جُحْرِهِ مَا وَصَفْتُ، وَاحْتَرَشَ بِذَلِكَ الضَّبُّ؛ أَخْرَجَ ذَنَبَهُ وَهُوَ يَحْسِبُهُ حَيَّةً أَوْ أَفْعَى؛

стр. 319

لِيَضْرِبَهَا بِهِ، فَإِذَا أَخْرَجَ ذَنَبَهُ قَبَضَ عَلَيْهِ الْمُحْتَرِشُ فَأَخْرَجَهُ مِنْ جُحْرِهِ. وَهَذَا الْمَعْنَى أَمَّ جَرِيرُ بْنُ عَطِيَّةَ فِي قَوْلِهِ: [البحر الوافر] فَيَا عَجَبًا، أَتُوعِدُنِي نُمَيْرٌ ... بِرَاعِي الْإِبْلِ يَحْتَرِشُ الضِّبَابَا وَأَمَّا قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنَةَ: فَنَزَلْنَا أَرْضًا كَثِيرَةَ الضِّبَابِ وَنَحْنُ مُرْمِلُونَ، فَإِنَّهُ عَنَى بِقَوْلِهِ: وَنَحْنُ مُرْمِلُونَ: وَنَحْنُ مُقْوُونَ، قَدْ نَفِدَتْ أَزْوَادُنَا فَلَا زَادَ مَعَنَا. يُقَالُ: قَدْ أَرْمَلَ الْقَوْمُ وَأَقْوَوْا وَأَنْفَضُوا: إِذَا نَفِدَتْ أَزْوَادُهُمْ. وَمِنْهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى: [البحر الطويل] إِذَا حَضَرَانِي قُلْتُ لَوْ تَعْلَمَانِهِ ... أَلَمْ تَعْلَمَا أَنِّي مِنَ الزَّادِ مُرْمِلُ وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَأَمَرَنَا فَأَكْفَأْنَاهَا، فَقَدْ بَيَّنْتُ فِيمَا مَضَى قَبْلُ أَنَّ الصَّوَابَ فِيهِ: فَكَفَأْنَاهَا، وَذَلِكَ الْمَعْرُوفُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ الْفَصِيحِ، مِنْهُ: كَفَأْتُ الْإِنَاءَ: وَذَلِكَ إِذَا قَلَبْتَهُ وَأَرَقْتَ مَا فِيهِ. وَلَكِنَّا نُؤَدِّي الْخَبَرَ عَلَى مَا سَمِعْنَاهُ مِنْ أَلْفَاظِ الرُّوَاةِ فِي أَكْثَرِ رِوَايَاتِنَا، مَا لَمْ يُحِلِ الْمَعْنَى.

стр. 320

ذِكْرُ مَا لَمْ يَمْضِ مِنْ حَدِيثِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
следующие страницы →