← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1319

تيسير مسائل الفقه شرح الروض المربع

عبد الكريم النملة

Полный текст (3 194 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

وصدقة وكف لسانه عما يكره (١٤) وسُنَّ (لمن شُتِم: قوله) جهرًا: (إني صائم)؛ لقوله ﷺ : "فإن شاتمه أحد أو قاتله: فليقل: إني امرؤ صائم" (١٥) (و) سُنَّ (تأخير سحور) إن لم يخش طلوع فجر ثان؛ لقول زيد بن ثابت: "تسحَّرنا مع النبي ﷺ ثم قمنا إلى الصلاة" قلتُ: كم كان بينهما؟ قال: "قدر خمسين آية" متفق عليه، (١٦) صائمًا حقيقة، ويدل بمفهوم العدد على أن الصائم إذا كذب، أو اغتاب، أو نمَّ، أو سبَّ، أو شتم، أو قتل: فإن صومه صحيح ولكنه يأثم، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تهذيب الأخلاق، وإكرام المسلمين، وإظهار الترابط بينهم، وهي لا تشعر بالنشاط، أو القوة ولذا لا تفسد الصوم. (١٤) مسألة: يُستحب أن يُكثر الصائم من فعل الطاعات كقراءة القرآن، والأذكار: كالتكبير، والتسبيح، والتهليل، والتحميد، والصدقات، وأن يترك جميع المكروهات؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مضاعفة الأجر: لأن رمضان تُضاعف فيه الحسنات، فيجتمع في ذلك صلاح، بدنه، وكلامه، وسلوكه. (١٥) مسألة: إذا شتم أحد صائمًا، أو سبَّه، أو نازعه ودفعه: فيُستحب أن يقول الصائم: "إني صائم" بصوت جهوري سواء كان الصوم فرضًا أو نفلًا؛ للسنة القولية؛ حيث أمر النبي ﷺ بقول ذلك، والمصلحة التي ترجع إلى الصائم هي التي صرفت هذا الأمر من الوجوب إلى الندب؛ حيث إن الصائم يُخبر الشاتم: بأن الذي منعه من الرَّدِّ هو الصوم؛ حيث لا يريد أن يُقلِّل من أجره بذلك، لا لعجزه، ويُذكّر بذلك الشاتم بأن لا يُقلّل من أجره أيضًا. (١٦) مسألة: يُستحب أن يؤخَّر السَّحور -وهو ما يؤكل قبيل الفجر إذا لم يخف من طلوع الفجر الثاني- وهو الصادق - لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال: ﷺ إن بلالًا يُؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذِّن ابن أم مكتوم" وهذا يلزم منه: استحباب الأكل والشرب إلى غاية أذان الفجر، لأنه لا صيام

стр. 1087

وكُره جماعٌ مع شكٍّ في طلوع فجر، لا سحور (١٧) (و) يُسنُّ (تعجيل فطر)؛ لقوله ﷺ "لا يزال الناس بخير ما عجَّلوا الفطر" متفق عليه والمراد: إذا تحقَّق غروب الشمس، وله الفطر بغلبة الظن، (١٨) وتحصل فضيلته بشرب، وكمالها بأكل، ويكون في الليل، وهذا هو الصارف للأمر من الوجوب إلى الندب، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إن زيد بن ثابت قدر ما بين سحور النبي ﷺ وإقامة صلاة الفجر بقدر قراءة خمسين آية بقراءة المتوسط من القراء، وهذا هو القدر الذي بين الأذان والإقامة، فيلزم من ذلك استحباب الأكل والشرب إلى غاية أذان الفجر فإن قلتَ: لِمَ سُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يؤدِّي إلى تقليل مُدَّة الصوم فلا يشقُّ على الصائمين، وهذا يُمكنهم من أداء واجباتهم في النهار على أتم وجه، ويُحبِّبهم في عبادة الصوم. (١٧) مسألة: يُكره لمن نوى الصوم في الليل: أن يُجامع وهو شاكٌّ في طلوع الفجر الثاني، أما السحور فيتناوله مع شكِّه في ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل هنا بقاء الليل، فله أن يجامع ويأكل ويشرب؛ لأن هذا من حقه، والشك لا يُلتفت إليه، الثانية: المصلحة؛ حيث إن تأخير الجماع يتسبَّب في إضعاف بدنه، فتزداد مشقة الصوم عليه، ولأنه قد يطلع الفجر الثاني من حيث لا يدري؛ لاشتغاله بالجماع، فدفعًا لهذين الأمرين كُرِه، بخلاف السحور فيتناوله مع شكِّه في طلوع الفجر الثاني؛ لكونه يُقوِّيه على صوم كل النهار، ولأنه إذا علم بطلوع الفجر يقف عن تناوله. (١٨) مسألة: يُستحب للصائم أن يتعجَّل في الفطر إذا تأكَّد أو غلب على ظنه غروب الشمس؛ للسنة القولية؛ حيث قال: ﷺ "لا يزال الناس بخير ما عجَّلوا الفطر" حيث دلَّ على أن من تعجَّل في فطره فهو خير وأفضل له، ودلَّ بمفهوم الصفة على أن من أخرَّ الفطر بقصد: فإنه يُحرم من ذلك الخير

стр. 1088

(على رُطَب)؛ لحديث أنس: "كان رسول الله ﷺ يُفطر على رُطَبَات قبل أن يُصلي، فإن لم تكن: فعلى تمرات، فإن لم تكن تمرات: حسا حسوات من ماء" رواه أبو داود والترمذي وقال "حسن غريب" (فإن عُدِم) الرطب (فتمر، فإن عدم فـ) على (ماء)؛ لما تقدَّم (١٩) (وقول ما ورد) عند فطره، ومنه: "اللهم لك صمتُ وعلى رزقك أفطرت، سبحانك وبحمدك، اللهم تقبَّل مني إنك أنت السميع العليم" (٢٠) والفضل، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يُؤدِّي إلى تقليل مُدَّة الصوم، فلا يشق على الصائمين، وتحبيبه إلى نفوس الناس، ولكون ذلك فيه مخالفة لفئة من الكفار يؤخرون الفطر. (١٩) مسألة: يتحصَّل الصائم على أجر فضيلة تعجيل الإفطار بشرب جرعة ماء، ويتحصَّل على كمال أجر فضيلة تعجيل الإفطار بأي مأكول، ويُستحب أن يكون فطره على رُطّب، فإن لم يجده، فيُفطر على تمر، فإن لم يجده فماء؛ للسنة القولية؛ حيث "كان ﷺ يُفطر على رُطَب فإن لم يجد: فعلى تمر، فإن لم يجد فعلى ماء"، فهذا الترتيب يدل على أن الأكمل في الإفطار هو الرطب، ثم يليه: التمر، ثم يليه الماء، ولكن هذا لا يمنع من حصوله على أجر فضيلة التعجيل بالماء، لجلبه للنشاط إلى البدن، ولكن الأكمل في ذلك هو: الأكل على الترتيب السابق، فإن قلتَ: لِمَ ستحب ذلك الترتيب؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الرُّطب -وهو: التمر الَّليِّن- أكثر نفعًا للجسم بعد هذا الصوم؛ حيث إن العروق تمتصُّ نَفْعَه بسرعة، فيُعيد النشاط للجسم والتمر -وهو التمر اليابس- قريب من الرَّطب في ذلك؛ إذ يشتركان في الحلاوة التي تُعطي الجسم طاقته التي فقدها أثناء الصوم، إلّا أنه يحتاج إلى مضغ بخلاف الرُّطب فلا يحتاج إلى ذلك. (٢٠) مسألة: يُستحب للصائم أن يذكر الله ويدعو عند إفطاره بقوله: "اللهم لك صمتُ، وعلى رزقك أفطرتُ سبحانك وبحمدك، اللهم تقبَّل مني إنك أنت

стр. 1089

(ويُستحب القضاء) أي: قضاء رمضان فورًا (مُتتابعًا)؛ لأن القضاء يحكي الأداء، وسواء أفطر بسبب مُحرَّم أو لا، (٢١) وإن لم يقض على الفور: وجب العزم السميع العليم" ويقول: "ذهب الظمأ، وابتلَّت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله" لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال: ﷺ "للصائم عند فطره دعوة لا تُردُّ " الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يذكر الله عند فطره، ويدعو بما ذُكر، وغيره فإن قلتَ: لِمَ استُحب هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك مُتضمِّن لشكر الله على أن أعانه على صيام هذا اليوم -، وبالشكر تزيد النعم-، والدعاء عند الإفطار أقرب إلى الاستجابة من غيره؛ لكون العبد في حالة من التعب والإرهاق والتذلل والخضوع. (٢١) مسألة: يُستحب قضاء رمضان -لمن أفطر فيه بعذر أو غيره- مُتتابعًا، وبعد رمضان فورًا، ولا يجب ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فأوجب الشارع هنا القضاء، وأطلق في زمنه، فلم يُقيِّد ذلك بكونه بعد رمضان مباشرة، أو أن يكون هذا القضاء مُتتابعًا فدل على عدم وجوبهما ـ أعني الفور، والتتابع-، الثانية: المصلحة؛ حيث إن قضاء رمضان فورًا ومُتتابعًا فيه احتياط المسلم لنفسه؛ حيث يُسرع بإبراء ذمَّته، والإسراع في ذلك مُستحب، فإن قلتَ: إنه يجب أن يكون قضاء رمضان مُتتابعًا، وهو قول بعض العلماء؛ لقول الصحابي؛ حيث إن عائشة ﵂ كانت تقول ذلك حتى أنها قرأت الآية السابقة: ﴿فعدة من أيام أخر متتابعات﴾ فهذا يدل على وجوبه قلتُ: يُحتمل أن يكون ذلك تفسيرًا منها للآية، ويُحتمل أنها قراءة لم تثبت صحتها، ويُحتمل أنه قول لها، وإذا تطرَّق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: تعارض قول الصحابي مع مطلق الآية" فعندنا:

стр. 1090

عليه (٢٢) (ولا يجوز) تأخير قضائه (إلى رمضان آخر من غير عذر)؛ لقول عائشة ﵂: "كان يكون علي الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان لمكان رسول الله ﷺ متفق عليه، (٢٣) فلا يجوز التَّطوُّع قبله ولا يُعمل بالآية على إطلاقها، ولا يقوى قول الصحابي على تقييدها وعندهم: يُعمل بقول الصحابي، وهو مقيد لمطلق الآية. (٢٢) مسألة: يُشترط فيمن لم يقضِ رمضان على الفور: أن يعزم وينوي أنه سيقضيه فيما بعد، وعلى ذلك: فلا يجوز تأخيره بدون عزم وقصد ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن قضاء رمضان واجب موسَّع، وشرط الواجب الموسَّع: عدم جواز تأخيره عن أول وقته إلى وسط أو آخر وقته إلّا إذا عزم أنه سيفعله في وسط أو آخر وقته فيلزم هذا الشرط هنا؛ حيث إن تأخيره بدون عزم على فعله فيما بعد يُعتبر تركًا له مطلقًا، والواجب لا يجوز تركه مطلقًا، فإن قلتَ: لِمَ جاز ذلك بشرط: العزم على فعله؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه احتياط المسلم لدينه، إذ لو مات المسلم وهو لم يفعل الواجب، ولم يعزم على فعله: لكان عاصيًا؛ لكونه لم يخطر بباله أنه سيفعله، بخلاف ما لو عزم على فعله فيما بعد ثم مات فجأة: فإنه يموتُ مطيعًا؛ لكونه قد فعل ماله فعله من العزم على فعله مؤخرًا، وقد فصلتُ ذلك في كتابي: "الواجب الموسَّع عند الأصوليين". (٢٣) مسألة: يجوز تأخير قضاء رمضان إلى قرب رمضان العام القادم إذا وُجد عذرًا كسفر، أو مرض، أو وجود زوج تُريد زوجته أن ترضيه إذا طلبها ونحو ذلك، فإن لم يُوجد عذر: فلا يجوز تأخيره؛ للسنة التقريرية؛ حيث إن عائشة ﵂ قالت: "كان يكون علي الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان لمكان رسول الله مني" ولم يُنكر عليها ﷺ ذلك، ولا يجوز =

стр. 1091

يصح (٢٤) (فإن فعل) أيَّ أَخَّره بلا عذر: حُرِّم عليه، وحينئذ (فعليه مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم) ما يُجزئ في كفارة، رواه سعيد بإسناد جيد عن ابن عباس، والدارقطني بإسناد صحيح عن أبي هريرة، وإن كان لعذر: فلا شيء عليه (وإن مات) بعد أن أخَّره لعذر: فلا شيء عليه، ولغير عذر: أُطعم عنه لكل يوم مسكين كما تقدَّم (ولو بعد رمضان آخر)؛ لأنه بإخراج كفارة واحدة زال تفريطه والإطعام من رأس ماله: أوصى به أو لا، وإن مات وعليه صوم كفارة: أُطعم عنه كصوم متعة، (٢٥) ولا يُقضى عنه ما وجب بأصل الشرع: من صلاة وصوم (وإن تأخير البيان عن وقت الحاجة، فإن قلتَ: لِمَ جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة وتيسير على المسلمين، ومراعاة أحوال الناس. (٢٤) مسألة: لا يجوز أن يصوم المسلم نفلًا وهو لم يقض ما عليه من الصيام الواجب: سواء كان ما عليه أيام من رمضان، أو نذر، أو كفارة، أو فدية، وإن صام نفلًا قبل الواجب: فلا يصح منه ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن صوم الواجب مُتعلّق بذمَّته، ولو مات قبل فعله تساهله فيه: فإنه سيُعاقب على ذلك، بخلاف النفل فلن يُعاقب على تركه مطلقًا فيلزم من ذلك: وجوب فعل ما سيُعاقب عليه -: وهو الواجب- قبل فعله للندب لإبراء ذمَّته وحصوله على أجره؛ لأن أجر الواجب أعظم بكثير من أجر النفل، وقد فصَّلتُ هذا في كتابي: "المهذَّب في أصول الفقه المقارن". (٢٥) مسألة إذا وُجد عذر -كسفر أو مرض أو مراعاة زوج ونحوهاـ فأخَّر قضاء رمضان لهذا العام إلى ما بعد رمضان العام القادم: فإنه يقضي ولا إطعام عليه، وإن مات قبل القضاء: فلا يُقضى عنه، ولا يُطعم، أما إن لم يوجد عذر: فإنه يقضي وعليه إطعام مسكين عن كل يوم قضاه، يُعطيه عن كل مُدًّا من البر، أو الأرز، أو نصف صاع من غيره، أما إن مات: فلا قضاء ولكن يجب أن

стр. 1092

مات وعليه صوم) نذر (أو حج) نذر (أو اعتكاف) نذر (أو صلاة نذر استُحب لوليه قضاؤه)؛ لما في الصحيحين: أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن إمِّي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال: "نعم"، ولأن النيابة تدخل في العيادات بحسب خفَّتها، وهو أخفُّ حكمًا من الواجب بأصل الشرع، والولي هو: الوارث، فإن صام غيره: جاز مطلقًا؛ لأنه تبرُّع، (٢٦) وإن خلَّف تركة: وجب الفعل، يُطعم عن كل يوم مسكينًا ـكما سبق- يُؤخذ من تركته، وكذا: لو مات وعليه أيَّ نوع من أنواع الكفارات توجب صومًا: فإن الصوم يسقط، ويجب عليه الإطعام عن كل يوم مسكنًا، لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فأوجب الشارع على المفطر لعذر: أن يقضي فقط، وهذا مُطلق في الزمان، فلم يُقيَّد بكون القضاء بعد رمضان أو قبله، والميت ليس مخاطباً فيسقط القضاء عنه، الثانية: القياس بيانه: كما أن المتمتع بالحج إذا لم يقدر على الهدي: فإنه يجب عليه صيام عشرة أيام -ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع- فإن مات قبل ذلك -وهو متساهل في الصوم-: فإنه يُطعم عن كل يوم مسكينًا ـكما سبق-، فكذلك من مات وعليه قضاء رمضان يجب أن يُطعم عنه من ماله إذا أخَّره؛ تساهلًا وبدون عذر والجامع: التفريط في كل، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث ثبت عن ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة أنهم كانوا يُلزمون من لم يقض الأيام التي أفطرها من رمضان إلّا بعد الرمضان الثاني بغير عذر: بالقضاء والإطعام، فإن قلتَ: لِمَ يؤخذ الإطعام من مال الميت وإن لم يوص به؟ قلتُ: لكونه كالدين يخرج سواء أوصى أو لا، وسواء رضي الورثة أو لا. (٢٦) مسألة: لا يجوز أن يُقضى عن شخص الصوم أو الصلاة الَّلذان وجبا بأصل الشرع، أما إن أوجب الشخص على نفسه شيئًا كان يقول: "نذرت أن أصوم،=

стр. 1093

فيفعله الولي، أو يدفع إلى من يفعله عنه، ويدفع في الصوم عن كل يوم طعام مسكين، وهذا كله فيمن أمكنه صوم ما نذره فلم يصمه، فلو أمكنه بعضه قضى ذلك البعض فقط والعمرة في ذلك كالحج (٢٧). أو أصلي أو أعتكف أو أحج أو اعتمر وتساهل بالوفاء بذلك، ومات: فإنه يستحب لأحد الورثة أن يفعل ذلك عنه إن لم يُخلف مالًا وإن تبرَّع غير الوارث بفعل ذلك: جاز؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ أمر امرأة أن تصوم عن أمِّها صوم نذر، وهذا الأمر للاستحباب، لكونه أوجبه على نفسه، وهو الصارف له، ونذر الحج والعمرة، والصلاة مثل الصوم؛ وغير الوارث كالوارث في قضاء المنذور؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"؛ حيث إن كل واحد منهما متبرع، الثانية: التلازم؛ حيث إن الصوم والصلاة الواجبتين بأصل الشرع عبادتان بدنيتان لا تدخلهما النيابة، ولا يخلفهما مال، ولا يجب شيء منه لإفسادهما فيلزم من ذلك عدم جواز قضاء أحد عن أحد فيهما، فإن قلتَ: لِمَ استُحب قضاء ما نُذر من العبادات عن الميت، مع عدم جواز قضاء الصلاة والصوم المفروضتين من الشارع عنه؟ قلتُ: لأن النذر أوجبه على نفسه فيكون أخف في الوجوب مما أوجبه الله تعالى من الصلوات والصيام فتدخله النيابة -أقصد: المنذور- بخلاف ما أوجبه الله فنظرًا لثقله لا تدخله النيابة إلّا ما خصَّصه الشارع كالحج؛ نظرًا لاشتراك المال والبدن فيه، فإن قلتَ: لِمَ لا يجوز قضاء ما وجب بأصل الشرع كالصلاة والصوم؟ قلتُ: لأن المقصود من هذه العبادات طاعة العبد بنفسه، وقيامه بحق العبودية التي خُلق لها وأُمر بها، وهذا لا يؤدِّيه إليها غيره كما ذكر ذلك ابن القيم ﵀. (٢٧) مسالة: إذا نذر شخص الصوم، وتساهل بفعل ذلك، ومات، وخلَّف مالًا فيجب على وارثه أن يصوم عنه، أو يدفع مالًا ويستأجر من يصوم عنه، =

стр. 1094

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ويُطعم عن كل يوم مسكينًا ربع صاع من البر أو الأرز، أو نصف صاع من غيرهما، ويقض ذلك الوارث ما تركه الناذر بدون عذر، ثم مات، أما ما لم يتمكن الناذر من فعله في حياته لعذر كاستمرار مرض ثم مات: فلا يقضيه الناذر؛ نظرًا لسقوطه عنه بالعذر، فمثلًا: لو نذر شخص أن يصوم عشرين يومًا فصام خمسة منها فقط، ثم مُرض بعدها فإنه لا يقضى عنه الباقي، أما إن نذرها ثم تركها بدون عذر: فإن الوارث يقضيها عنه، للتلازم؛ حيث إن الأيام المتروكة بدون عذر قد تُركت مع إمكان فعلها فيلزم فعلها منه، أو من وارثه، بخلاف الأيام المتروكة بعذر فقد تُركت مع عدم إمكان فعلها فيلزم عدم فعلها؛ لأن ذمته برأت بمجرَّد عدم قدرته على فعلها؛ لأن الواجب يسقط بالعجز عنه، تنبيه: قوله: "والعمرة في ذلك كالحج" يقصد في النذر والنيابة وقد سبق في مسألة (٢٦). هذه آخر مسائل باب "ما يُكره ويُستحب في الصوم وحكم القضاء" ويليه باب "صوم التطوع"

стр. 1095

باب صوم التطوع وفيه فضل عظيم؛ لحديث:" كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف فيقول الله تعالى: إلّا الصوم فإنه لي وأنا أجزئ به" وهذه الإضافة للتشريف والتعظيم (١) (يُسن صيام) ثلاثة أيام من كل شهر، والأفضل: أن يجعلها (أيام) الليالي (البيض): لما روى أبو ذر: أن النبي ﷺ قال له: "إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام فصم ثلاثة عشر، وأربعة عشر، وخمسة عشر" رواه الترمذي، وحسَّنه، وسُمِّيت بيضًا؛ لبياض لياليها كلها بالقمر (٢) (و) يُسنُ صوم (الاثنين والخميس)؛ باب صوم التطوع وفيه سبع وعشرون مسألة: (١) مسألة: صوم التطوع فيه فضل عظيم؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إن الله تعالى قال: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزئ به يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي" ومعروف أن الكريم المستطيع إذا أخبر بأنه هو الذي سيتولَّى الجزاء بنفسه: فإنه يلزم منه: عِظم ذلك الجزاء وكثرة العطاء لكونه يعرف حقه، ولله المثل الأعلى، وهذا يُعتبر تشريفًا لذلك المجازَى والمعطَى، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه سدُّ ما نقص من فرض الصوم؛ ليكون العمل كاملًا؛ ليكمل الجزاء، وهذا مقصد كل تطوع من جنس الفرض، فإن قلتَ: لِمَ كانت تلك المنزلة للصائم؟ قلتُ: لأن الصوم سرٌّ بين العبد وربِّه، فلا يقوم به على أتم وجه إلّا من هو في غاية الإخلاص لله تعالى. (٢) مسألة: يُستحب أن يصوم المسلم ثلاثة أيام من كل شهر، والأفضل: أن تكون هذه الأيام: أيام الليالي البيض وهي: الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس =

стр. 1096

لقوله ﷺ : "هما يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين، وأحبُّ أن يعرض عملي وأنا صائم" رواه أحمد والنسائي (٣) (و) صوم (ست من شوال)؛ لحديث: "من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر" أخرجه عشر من كل شهر؛ للسنة القولية؛ حيث أمر النبي ﷺ أبا ذر بأن يصومهن، وأوصى أبا هريرة بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، فإن قلتَ: لِمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة وهي من وجهين: أولهما: أن أجر صيامه في هذه الثلاثة يعدل سنة كاملة؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها؛ لقوله ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص: "صم من الشهر ثلاثة أيام: فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدَّهر"؛ حيث إنك إذا ضربت ثلاثة في عشرة: كان الناتج ثلاثين، فيكون أجره كأجر من صام شهرًا كاملًا، وهكذا في الشهر الثاني، والثالث وما بعدهما، ثانيهما: أن صيام تلك الأيام الثلاثة يتسبَّب في تنقية المعدة، وتصفية العروق، وتنظيم الدورة الدموية، فإن قلتَ: لِمَ كانت أيام ليالي البيض أفضل من غيرها؟ قلتُ: لأن لياليها تكون بيضاء بسبب نور القمر، وهذا يُسبِّب بقاء الفضلات بالجسم؛ نظرًا لقوة نور القمر، فمن صامها: سلم بإذن الله من شر تلك الفضلات. (٣) مسألة: يُستحب أن يصوم المسلم يوم الاثنين والخميس من كل أسبوع؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يصومهما، فإن قلتَ: لِمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الأعمال تُعرض على الخالق في هذين اليومين، فإذا عُرض عمل المسلم على الله وهو صائم فإن الأجر والثواب يكون أعظم؛ لكونه في حال تذلُّل ومسكنة فتكون رحمته أقرب قال ﷺ : "إن أعمال الناس تُعرض يوم الاثنين والخميس على رب العالمين، وأحبُّ أن يُعرض عملي وأنا صائم".

стр. 1097

مسلم (٤) ويستحب تتابعها، وكونها عقب العيد؛ لما فيه من المسارعة إلى الخير (٥) (و) صوم (شهر المحرَّم)؛ لحديث: "أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرَّم" رواه (٤) مسألة: يُستحب أن يصوم المسلم ستة أيام من شهر شوال بشرط: أن يكون قد أكمل صيام شهر رمضان، وعليه: فلا يجوز صيام ستٍ من شوال، وعليه بعض أيام من رمضان، وإن صامها قبل قضاء ما عليه من رمضان: فلا يصح صيامه؛ للسنة القولية؛ حيث قال: ﷺ "من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدَّهر" حيث بيَّن استحباب صيام هذه الأيام بعد إتمام صيام شهر رمضان؛ لأن لفظ "وأتبعه" يلزم منه ذلك؛ لأن الثاني لا يكون تابعًا للأول إلا إذا تمَّ الأول بكماله، يؤيده أن صيام تلك الأيام نافلة، لا يُعاقب على تركها مطلقًا، وقضاء رمضان واجب، يُعاقب على تركها مطلقًا، فيلزم منه: تقديم ما سيُعاقب عليه بالفعل كما سبق في مسألة (٢٤) من باب "ما يكره ويُستحب في الصوم وحكم القضاء"، فإن قلتَ: لِمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تكميل سنة كاملة؛ حيث إن الحسنة بعشر أمثالها؛ لأن صيام شهر رمضان يكون عن عشرة أشهر، وصيام هذه الستة الأيام يكون عن شهرين فهذه سنة كاملة، أيَّ: لو ضربت عشرة في ثلاثين يومًا: لكان الناتج: ثلاثمائة يوم، ولو ضربت عشرة في ستة أيام: لكان الناتج: ستين يومًا: فيكون المجموع ثلاثمائة وستين يومًا، وهو عدد أيام السنة كاملة. (٥) مسألة: يُستحب أن يصوم المسلم الستة الأيام من شوال بعد يوم عيد الفطر مباشرة، وأن تكون متتابعة؛ للمصلحة؛ حيث إن فعلها كذلك أحزم، وخير الأعمال أحزمها وأسرعها إلى الخير، ولأن ذلك أيسر في الصوم؛ لكونها تأتي بعد يوم العيد مباشرة؛ حيث إن النفس قد تعلَّمت على الصوم فلا يثقل على المسلم.

стр. 1098

مسلم (٦) (وآكده العاشر، ثم التاسع)؛ لقوله ﷺ : "لئن بقيتُ إلى قابل لأصومن التاسع والعاشر" احتَّج به أحمد، (٧) وقال:"إن اشتبه عليه أول الشهر: صام ثلاثة (٦) مسألة: يُستحب أن يصوم المسلم شهر المحرَّم، وهو الشهر الأول من شهور السنة الهجرية؛ للسنة القولية؛ حيث قال: ﷺ أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرَّم" فإن قلتَ: لِمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن إضافته إلى الله قد زاده تشريفًا وتعظيمًا؛ حيث إنه "شهر الله المحرم" وهو مثل قولهم: "بيت الله"؛ وهو أفضل الأشهر بعد رمضان، فيليه في الرتبة من حيث الفضل، فإن قلتَ: لا يُستحب صيامه؛ للسنة الفعلية؛ حيث لَم يرد عنه ﷺ أنه صامه، أو أكثر الصيام فيه، وهذا يلزم منه عدم استحباب صيامه؟ قلتُ: قد بيَّن ﷺ فضل صيامه بالقول ودلالته أقوى من دلالة الترك؛ لأن تركه ﷺ صيامه قد يكون لانشغاله بشيء أهم، وقد يكون لم يعلم فضله إلا في آخر عمره لما ضعُف، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة القولية مع الفعلية" فعندنا يُعمل بالقولية؛ لضعف الفعلية؛ نظرًا لاحتمالها، وعندهم يُعمل بالفعلية. (٧) مسألة: يُستحب صوم يوم عاشوراء -وهو اليوم العاشر من المحرَّم- استحبابًا مؤكدًا، ويُستحب صوم يوم قبله أو يوم بعده؛ للسنة القولية؛ حيث قال ابن عباس ﵁: "أمر النبي ﷺ بصوم يوم عاشوراء: العاشر من المحرم" وقال ﷺ : "لئن بقيتُ إلى قابل لأصومن التاسع والعاشر" وقال: "صوموا يومًا قبله أو يومًا بعده" والذي صرف الأمر من الوجوب إلى الندب هو: أنه لم يرد إلا وجوب صوم رمضان، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه يُكفِّر ذنوب السنة الماضية كما ورد، حيث إن هذا الصيام جاء شكرًا لله تعالى على أنه أنقذ موسى ﵇ وقومه، وأهلك فرعون وقومه - وبالشكر

стр. 1099

أيام؛ ليتيقن صومهما، وصوم عاشوراء كفَّارة سنة، (٨) ويُسنُّ فيه التُّوسعة على العيال (٩) (و) صوم (تسع ذي الحجة)؛ لقوله ﷺ : "ما من أيام العمل الصالح فيهن أحبُّ إلى الله من هذه الأيام العشر" قالوا يا رسول الله: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال:" ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك تدوم النعم -وكان اليهود يصومونه، فلما رآهم ﷺ قال: "أنا أحق بموسى منكم فصامه وأمر الناس بصيامه"، واستُحب صيام يوم قبله، أو يوم بعده: لمخالفة اليهود فيما يفعلون كما ورد عنه ﷺ . (٨) مسألة: إذا اختلط على المسلم حساب شهر المحرم، فلا يعلم بالتَّحديد متى دخل؟: فإنه يُستحب أن يصوم التاسع والعاشر، والحادي عشر؛ للتلازم؛ حيث يلزم من ذلك: تيقنه صوم اليوم العاشر، وصوم يوم قبله أو بعده، وهذا للاحتياط، وهو المقصد منه، تنبيه: قوله: وصوم عاشوراء كفارة سنة" قد سبق بيانه في مسألة (٧). (٩) مسألة: لا يُشرع فعل أيِّ شيء في يوم عاشوراء غير الصوم فقط، وبناء عليه: فلا يُشرع التوسعة على العيال بالنفقة، أو الاكتحال، أو الاغتسال، أو إظهار السرور، أو اتخاذ أطعمة غير معتادة كطبخ الحبوب كما يفعله بعض الناس في يوم عاشوراء؛ للسنة القولية؛ حيث قال: ﷺ من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" وهذا عام لما نحن فيه؛ لأن "مَنْ" الشرطية من صيغ العموم؛ حيث لم يرد عنه ﷺ ، ولا عن أصحابه أنهم فعلوا شيئًا في يوم عاشوراء غير الصوم، فتكون هذه الأعمال مردودة؛ لكونها بدع لا أصل لها، فإن قلتَ: يُستحب التوسعة على العيال وهو ما ذكره المصنف هنا قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك، بل الدليل على خلافه.

стр. 1100

بشيء" رواه البخاري (١٠) (و) آكده (يوم عرفة لغير حاج بها) وهو كفارة سنتين؛ لحديث: "صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يُكفِّر السنة التي قبله، والسنة التي بعده وقال ـفي صيام يوم عاشوراء-: "إني أحتسب على الله أن يُكفِّر السنة التي قبله " رواه مسلم (١١) ويلي يوم عرفة في الآكدية: يوم التروية -وهو: اليوم (١٠) مسألة: يُستحب أن يصوم المسلم تسع ذي الحجة ـمن أوله إلى آخر اليوم التاسع-؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ما من أيام العمل الصالح فيهن أحبُّ إلى الله من هذه الأيام العشر" يقصد عشر ذي الحجة، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله قال: "ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء" حيث يلزم من مقارنته العمل في تلك الأيام بالجهاد في سبيل الله: عِظم الأجر بالعمل بها، والصوم من العمل، فيكون الصيام فاضلًا فيها، بل أفضل الأعمال، وإطلاق العشر على الأيام التسعة مجازًا من باب إطلاق الكل على الأكثر وهذا يدل على وقوع المجاز في السنة، فإن قلتَ: لَم كانت هذه المنزلة لتلك الأيام؟ قلتُ: لكونها واقعة في أيام الحج، فيُشارك غير الحاج من حجَّ بالأجر، لذا: وُجد شبه بين ذلك والجهاد؛ إذ الحج جهاد لا قتال فيه، والمراد بالتشبيه هنا بيان عظم أجر من عمل بتلك الأيام من صيام وغيره. (١١) مسألة: يُستحب لغير الحاج أن يصوم يوم عرفة استحبابًا مؤكدًا، وصيامه أفضل من صيام يوم عاشوراء؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ -لما سئل عن صوم يوم عرفة-: إن أحتسب على الله أن يُكفِّر السنة التي قبله والسنة التي بعده" في حين أنه قال في صوم يوم عاشوراء: "إني أحتسب على الله أن يُكفِّر السنة التي قبله" ولا شك أن ما يُكفِّر ذنوب سنتين أفضل من الذي يُكفِّر ذنوب سنة، وهذا هو المقصد من هذا الحكم، فإن قلتَ: لِمَ لا يُستحب صيام يوم عرفة للحاج؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن صيامه وهو حاج سيُضعف من قوته مما يتسبَّب في إلحاق المشقة عليه في حجه، فلذا: لا يُشرع صومه فيه.

стр. 1101

الثامن - (١٢) (وأفضله) أيَّ: أفضل صوم التطوع (صوم يوم وفطر يوم)؛ لأمره ﷺ عبد الله بن عمرو، وقال: "هو أفضل الصيام" متفق عليه (١٣) وشرطه: أن لا يُضعف البدن حتى يعجز عما هو أفضل من الصيام كالقيام بحقوق الله تعالى، وحقوق عباده الَّلازمة، وإلا: فتركه أفضل (١٤) (ويُكره إفراد رجب) بالصوم؛ لأن فيه إحياء (١٢) مسألة: يُستحب صوم يوم التروية -وهو: اليوم الثامن من ذي الحجة - وهو داخل ضمن الأيام التسعة من ذي الحجة- كما سبق في مسألة (١٠) ـفإن قلتَ: إنه يُستحب صومه استحبابًا مؤكدًا يلي في الآكدية صوم يوم عرفةـ وهو قول المصنف هنا - قلتُ: لم أجد دليلًا على استحبابه مؤكدًا. (١٣) مسألة: أفضل صيام التطوع: صوم يوم، وفطر يوم؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص: "صم يومًا وأفطر يومًا، فذلك صيام داود، وهو أفضل الصيام" فإن قلتَ: لِمَ كان ذلك الأفضل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك أرفق بالمسلم، وأدوم له على الإكثار منه، وشيء قليل يُداوم عليه خير من كثير ينقطع؛ لأن أفضل العمل عند الله أدومه وإن قلّ" كما ورد. (١٤) مسألة: يُشترط في صوم التطوع: أن لا يُؤثَّر على بدن أو نفس ذلك الصائم فيتسبَّب في ضعفه عن أداء الواجبات من حقوق الله أو حقوق الآدميين، فإن كان الصوم يؤثَّر عليه أو على أيَّ شيء مما هو أفضل منه عنده: فالأفضل ترك الصيام؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من وجوب الشيء على المسلم: أن يُقدِّم فعله على أي مستحب؛ لأن الواجب لا يسقط إلا بفعله، وسيُعاقب على تركه بخلاف المستحب مهما كان فاضلًا ومؤكدًا فلن يُعاقب على تركه، ولن يُذم وهو المقصد، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إنه قيل لابن مسعود: إنا نراك تقلُّ من الصوم؟ فقال: "إن أخاف أن تضعف نفسي عن القراءة، والقرآن أحبُّ إلي من الصيام" فإذا كان يترك صوم التطوع لخوفه من أن يضعف عن=

стр. 1102

لشعار الجاهلية، فإن أفطر منه، أو صام معه غيره: زالت الكراهة (١٥) (و) كُره إفراد يوم (الجمعة)؛ لقوله ﷺ : "لا تصوموا يوم الجمعة إلا وقبله يوم أو بعده يوم" متفق عليه (و) كُره إفراد يوم (السبت)؛ لحديث: "لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم" رواه أحمد، (١٦) وكُرِه صوم يوم النَّيروز، والمهرجان، وكل عيد قراءة القرآن وهي مُستحبة، فمن باب أولى أن يترك صوم التطوع من أجل أن لا يضعف بدنه عن القيام بالواجبات، وهذا من باب مفهوم الموافقة الأولى. (١٥) مسألة: يُكره أن يُفرد المسلم شهر رجب بالصوم بكامله، لكن إن صام بعضه فقط، أو صامه كاملًا مع صيام أيام من شهر جمادى الثانية، أو أيام من شهر شعبان: فلا يُكره؛ لقول الصحابي؛ حيث "إن أبا بكر وعمر وابنه وابن عباس ﵁ كانوا ينهون عن إفراده بالصوم" والذي صرف هذا النهي من التحريم إلى الكراهة هي: المصلحة؛ حيث إن المقصود من ذلك مخالفة أهل الجاهلية؛ حيث إنهم كانوا يُعظمَّون هذا الشهر، لذا لا يحلُّون فيه القتال، حتى أن قبيلة "مُضر" إذا قُتل منهم أحد فيه لا يُطالبون بدمه إلا بعد خروج هذا الشهر لذا سُمِّي بـ"رجب مُضر" ومعروف أن مخالفة الكفار مقصد شرعي، يؤجر عليه المسلم، وفيه سدُّ ذريعة اتخاذ شهر من شهور السنة وإفراده بعبادة لم يأذن الله به أما إذا لم يصمه كله أو صام معه غيره فلا إفراد في ذلك فلم يُكره. (١٦) مسألة: يُكره إفراد يوم الجمعة بالصوم، وإفراد يوم السبت بالصوم، وإفراد يوم الأحد بذلك، أما إن صام مع الجمعة يومًا قبله أو بعده، أو صام السبت ويومًا قبله أو بعده، أو صام الأحد ويومًا قبله أو بعد: فلا كراهة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث "انهى ﷺ عن إفراد يوم الجمعة والسبت بالصوم" والذي صرف هذا النهي من التحريم إلى الكراهة هو: جواز صيام الجمعة والسبت إذا صام يومًا قبل ذلك أو يومًا بعده، الثانية: القياس، بيانه: كما =

стр. 1103

للكفار، أو يوم يُفردونه بالتعظيم (١٧) (و) يوم (الشك) وهو: يوم الثلاثين من شعبان إذا لم يكن غيم ولا نحوه؛ لقول عمار: من صام اليوم الذي يُشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ " رواه أبو داود، والترمذي، وصححه، والبخاري تعليقًا، (١٨) يكره إفراد السبت بالصوم فكذلك يُكره إفراد الأحد بالصوم، والجامع: أن كلًّا منهما مُعظَّم عند الكفار؛ حيث إن يوم السبت معظَّم عند اليهود؛ لأنهم يعتقدون أن تمام الخلق وقع فيه، ويوم الأحد معظَّم عند النصارى؛ لأنهم يعتقدون أن بدء الخلق وقع فيه، فإن قلتَ: لِمَ كُره أفراد الجمعة، والسبت والأحد، بالصوم؟ قلتُ: لأن يوم الجمعة يوم عيد الأسبوع، ويوم العيد يُفطر فيه ـكما قال النووي-، وكذا هو يوم ذكر ودعاء وعبادة وذهاب إلى صلاة الجمعة وذلك يشق مع الصوم، فدفعًا لذلك: كُرِه صيامه، أما السبت والأحد فكره إفرادهما بالصوم؛ لئلا يقع في ذلك التعظيم الذي يعتقده الكفار لهما، فيكون في ذلك تشبه بهم. (١٧) مسألة: يُكره أن يُفرد المسلم أيَّ يوم يُعظَّمه الكفار بالصوم كيوم النيروز، ويوم المهرجان، ويوم الفصح، ويوم النور، ويوم العيد الكبير، ونحوها؛ للمصلحة؛ حيث إن صيامها فيه نوع تعظيم لها، فتحصل موافقته للكفار في تعظيمها، وقد يتأثَّر المسلم بذلك، فدفعًا لذلك كُرِه، فائدة: المراد بيوم النيروز هو: أول يوم تنتهي فيه الشمس إلى أول بُرج الحمل عندهم، وهو عيد لهم، وهو وقت اعتدال ربيعي، والمراد بيوم المهرجان: أول يوم من السنة القبطية، وهو وقت الاعتدال الخريفي. (١٨) مسألة: يُكره أن يُفرد المسلم يوم الشك بالصوم تطوعًا ـوهو: اليوم الذي يلي التاسع والعشرين من شعبان وبعض يتحدَّث برؤيته ولكنه لم يثبت-، أما إن وافق هذا اليوم: يوم خميس أو اثنين وكان من عادته صومهما، أو كان يصوم واجبًا واجبًا من قضاء، أو نذر أو كفارة: فلا يُكره صومه؛ للسنة القولية؛

стр. 1104

ويُكره الوصال، وهو أن لا يُفطر بين اليومين، أو الأيام، (١٩) ولا يُكره إلى السَّحر، وتركه أولى (٢٠) (ويحرم صوم) يومي (العيدين) إجماعًا؛ للنهي المتفق عليه (ولو في وهي من وجهين: أولهما: قول عمار: "من صام اليوم الذي يُشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ " والمقصود أن المشكوك في وجوبه لا يجب فعله، ولا يُستحب، بل تركه أولى؛ احتياطًا، ثانيهما: قوله ﷺ : "لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين إلا رجل كان يصوم صومًا فليصمه" والذي صرف هذا النهي من التحريم إلى الكراهة هو: أن ذلك قُصد منه الاحتياط؛ لئلا يُخذ ذريعة إلى أن يُلحق بالفرض ما ليس منه، وهذا الحديث دال على إثبات جواز هذا اليوم لرجل قد اعتاد صوم الاثنين أو الخميس ووافق هذا اليوم أحدهما، أو كان يصوم صوم واجب؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، فائدة: لا يجوز لأحد أن يتكنَّى بأبي القاسم في حياة النبي ﷺ ؛ لئلا يختلط بكنيته ﷺ ، أما بعد وفاته فيجوز؛ لعدم المانع، فائدة أخرى: الحديث المعلَّق: ما حُذف من مبدأ إسناده را و فأكثر على التوالي. (١٩) مسألة يُحرَّم الوصال وهو: أن يصوم اليومين أو الثلاثة بدون إفطار بالليل؛ للسنة القولية؛ حيث "نهى ﷺ عن الوصال" فقالوا: إنك تواصل، قال: "إني لستُ مثلكم إني أُطعم وأُسقى " والنهي هنا مُطلق، فيقتضي التحريم، ولا صارف له، فإن قلتَ: لِمَ حرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك مضرَّ بالمسلم ضررًا بليغًا، فدفعًا لذلك حرم، أصله قوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام"، فإن: قلتَ: إن الوصال مكروه -وهو ما ذكره المصنف هنا؟ قلتُ: لا دليل على ذلك، ولم أجد صارفًا قد قوي على صرف النهي هنا إلى الكراهة. (٢٠) مسألة: يُباح أن يواصل صومه من فجر يوم السبت إلى قبيل الفجر من يوم الأحد -وهو: السحر- مثلًا، ولكن الأفضل ترك ذلك، وأن يُعجِّل الفطر؛=

стр. 1105

فرض و) يحرم (صيام أيام التشريق)؛ لقوله ﷺ : "أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله" رواه مسلم (٢١) (إلا عن دم متعة وقِران) فيصح صوم أيام التشريق لمن للسنة القولية، وهي من وجهين أولهما قوله ﷺ : "فأيُّكم أراد أن يُواصل فليواصل إلى السحر" وهذا الأمر للإباحة؛ لأنه ورد بعد النهي عن الوصال، ثانيهما: قوله ﷺ : "لا يزال الناس بخير ما عجَّلوا الفطر" حيث دلَّ بمفهوم الصفة على أن المؤخر للفطر -وهو المواصل إلى السحر- يُحرم من تلك الخيرية، فإن قلتَ: لو لم يكن في الوصال إلى سحر خير وفضل لما أباحه ﷺ في الحديث الأول قلتُ: لا شك أن في وصال الصوم إلى سحر الله تعالى أجر عظيم؛ للمشقة التي يعانيها في ذلك، لكن هذا الأجر لا يُساوي أجر تعجيل الفطر وعدم الوصال؛ لأن دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة. (٢١) مسألة: يحرم صوم يوم عيد الفطر، ويوم عيد الأضحى، للسنة القولية؛ حيث نهى ﷺ عن صوم يومي العيدين، والنهي مطلق، فيقتضي التحريم، فإن قلتَ: لِمَ حرم ذلك؟ قلتُ: لأن صيام يوم عيد الفطر فيه ذريعة إلى الزيادة على صوم الواجب -وهو رمضان- وهو منهي عنه، ولأن يوم عيد الأضحى، يوم ضيافة الله لعباده، وفي صومهما إعراض عن تلك الضيافة، وهذا لا يجوز، ولأن إباحة الذبح في يوم الأضحى لا يجتمع مع الصوم؛ فإن قلتَ: لِمَ سُمِّيت بأيام التشريق؟ قلتُ: لأن الناس كانوا يضعون لحوم الأضاحي في الشمس حتى تُشرق عليها بعد ما يضعون فيه الملح، فييبس تحت ضوء الشمس، ثم يجمعونه بعد ذلك في أكياس، فيأكلون منه شهورًا، لذلك نهى ﷺ عن ادخار لحوم الأضاحي من أجل فقراء أحاطوا بالمدينة في عام من الأعوام وذلك ليتصدقوا باللحم عليهم فلا يدَّخروه. تنبيه: قد سبق بيان حكم صوم أيام التشريق، وأنه مختلف فيه في الفرع التابع لمسألة (٢٢) من "حقيقة الصيام وحكمه وأحكام نيته .. "

стр. 1106

عدم الهدي؛ لقول ابن عمر وعائشة: "لم يُرخص في أيام التشريق أن يُصمن إلا لمن لم يجد الهدي" رواه البخاري (٢٢) (ومن دخل في فرض موسَّع) من صوم أو غيره: (حُرِّم قطعه) كالمضيَّق، فيحرم خروجه من الفرض بلا عذر، لأن الخروج من عهدة الواجب مُتعيِّن، ودخلت التوسعة في وقته؛ رفقًا ومظنة للحاجة، فإذا شرع: تعيَّنت المصلحة في إتمامه، (٢٣) (ولا يلزم) الإتمام (في النفل) من صوم وصلاة، ووضوء (٢٢) مسألة: يجوز للمتمتع والقارن في الحج أن يصوم أيام التشريق إذا لم يجد الهدي، للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد رخَّص في ذلك ـكما قال ابن عمر وعائشة ﵂-؛ فإن قلتَ: لِمَ جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن غير القادر على الهدي قد لا يجد إلا تلك الأيام الثلاثة ليصومها في الحج حيث إن الواجب عليه صيام عشرة أيام عن الهدي: ثلاثة في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله، فأباح له صيامها؛ توسعة منه سبحانه. (٢٣) مسألة: يجب على المسلم إذا دخل في واجب موسَّع: أن يُتمُّه، ولا يجوز قطعه بلا عذر فلو دخل في قضاء رمضان، أو صوم نذر أو نحو ذلك: فلا يجوز قطعه إلا بعذر؛ للقياس، بيانه: كما أنه لا يجوز قطع صيام الواجب المضيِّق وهو رمضان إذا دخل فيه إلا بعذر -من سفر ومرض ونحوهما- فكذلك الواجب الموسَّع إذا دخل فيه والجامع: أن كلًّا منهما قد تعيَّن صومه، فالواجب المضيق قد عيَّنه الله تعالى، والواجب الموسَّع قد عيَّنه المكلَّف نفسه بالدخول فيه؛ لما في التعيين من المصلحة التي ترجَّحت على مصلحة التوسعة التي شرعها الشارع رحمة بالعبد، وقد فصَّلتُ الكلام عن هذا في كتابي: "الواجب الموسَّع عند الأصوليين"، وقلتُ فيه: إن هذا من الأقسام التي ينقلب فيها الموسَّع إلى مضيق.

стр. 1107

وغيرها؛ لقول عائشة ﵂: يا رسول الله: لقد أهدي لنا حيس، فقال: "أرنيه فلقد أصبحتُ صائمًا فأكل"، رواه مسلم وغيره، وزاد النسائي بسند جيد: "إنما مثل صوم التطوع مثل الرجل يخرج من ماله الصدقة فإن شاء أمضاها، وإن شاء حبسها" وكُره خروجه منه بلا عذر (ولا قضاء فاسده) أيَّ: لا يلزم قضاء ما فسد من النفل (٢٤) (إلا الحج) والعمرة فيجب إتمامهما؛ لانعقاد الإحرام لازمًا، فإن (٢٤) مسألة: لا يجب إتمام النفل من صوم وصلاة بمجرَّد الشروع والدخول فيه، وبناء على ذلك: يُباح الخروج من النفل متى شاء، بلا عذر، ولا إثم، ولا يقضي ما فسد منه؛ لقاعدتين؛ الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد صام تطوعًا، فأكل في النهار وهذا مطلق؛ حيث لم يرد أنه بعذر أو لا، ولم يرد أنه قضاه ولا بيَّن وجوب قضائه، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث ثبت عن ابن عباس وابن عمر وابن مسعود ﵃ أنهم كانوا يُصبحون صائمين تطوعًا، ثم يُفطرون بالنهار، وهذا مطلق، فلم يرد أن ذلك كان بعذر أو لا، ولم يرد عنهم أنهم قضوا ذلك، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير المندوبات، وإعانة على تكثيرها؛ إذ التوسعة في الشيء يُسهِّل أمر إيقاعه؛ إذ لو وجب النفل بالشروع فيه لشق ذلك على الناس، فإن قلتَ: إن النفل يلزم بالشروع فيه، وإذا أفسده بلا عذر فيجب قضاؤه وهو قول أبي حنيفة وكثير من العلماء، وتبعهم ابن عثيمين؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ لعائشة ﵂: "اقضيا يومًا مكانه" لما قالتا له إنا أصبحنا، صائمتين فلما أهدي إلينا حيس أفطرنا عليه في النهار، والأمر هنا للوجوب؛ لأنه مطلق، ولا يمكن ذلك إلا إذا كان النفل يلزم بالشروع فيه قلتُ: هذا الحديث ضعيف بناء على قول كثير من أئمة الحديث، وعلى فرض قوته: فيُحمل الأمر هنا على أمر الاستحباب فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة القولية مع الفعلية" فنعمل بالسنة =

стр. 1108

أفسدهما، أو فسدا لزمه القضاء (٢٥) (وتُرجى ليلة القدر في العشر الأخير) من رمضان؛ لقوله ﷺ : "تحرَّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان" متفق عليه وفي الصحيحين: "من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا: غُفر له ما تقدَّم من ذنبه" زاد أحمد "وما تأخرَّ" وسُمِّيت بذلك؛ لأنه يُقدَّر فيها ما يكون في تلك السنة، أو لعظم قدرها عند الله، أو لأن للطاعات فيها قدراً عظيماً، وهي أفضل الليالي، وهي باقية لم تُرفع؛ للأخبار (وأوتاره أكد)؛ لقوله ﷺ : "اطلبوها في العشر الأواخر: في ثلاث بقين، أو سبع بقين، أو تسع بقين" (وليلة سبع وعشرين أبلغ) أي: أرجاها؛ لقول الفعلية؛ لضعف القولية، وهم عملوا بالقولية؛ لقوتها عندهم، فإن قلتَ: يُكره خروجه من النفل بلا عذر وهو ما ذكره المصنف، قلتُ: لم أجد دليلًا على هذه الكراهية؛ إلا مراعاة الخلاف وليس بدليل مُعتبر. (٢٥) مسألة: الحج والعمرة يلزمان بالشروع فيهما، ويقضيان إذا فسدا: سواء كانا واجبين أو مستحبين، فلو حج مسلم نفلًا، ثم أفسد ذلك بالجماع قبل التحلل الأول: فإنه يلزمه إتمامه، وعليه قضاؤه من العام المقبل، وعليه كفارة وهي: ذبح بدنة، وإن دخل في عمرة نفلًا ثم أفسدها: فعليه أن يتمها، ثم يُعيدها كاملة، وعليه ذبح شاة؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ وهذا عام في الواجب والنفل والأمر في الإتمام مطلق، فيقتضي وجوب الإتمام، الثانية: القياس، بيانه: كما أن العلماء أجمعوا على أن الكفارة واجبة في إفساد الحج والعمرة بالجماع قبل التحلُّل الأول، ولا يُفرقون بين النفل والواجب في ذلك، فكذلك قضاؤهما يجب، ولا يُفرق بين نفله وواجبه، والجامع: أن كلًّا منهما قد انعقد الإحرام فيه لازمًا، ولا يمكن الخروج منهما بالمحظورات، وهذا هو المقصد وسيأتي بيانه في الحج إن شاء الله.

стр. 1109

ابن عباس وأبي بن كعب، وغيرهما وحكمة إخفائها: ليجتهدوا في طلبها (٢٦) (٢٦) مسألة: يُرجى أن تكون ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، ويُتأكد طلبها في الوتر من ليالي العشر، أيَّ: في ليلة الواحد والعشرين، وفي ليلة الثالث والعشرين، وفي ليلة الخامس والعشرين، وفي ليلة السابع والعشرين، وفي ليلة التاسع والعشرين من رمضان، وكونها ليلة السابع والعشرين أكد تلك الليالي، وهي باقية في الأمة الإسلامية إلى قيام الساعة، لم ترفع، وهي من خصائص هذه الأمة، وهي أفضل ليالي السنة؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ حيث إن هذا عام في الأزمان، فلم يُخصَّص زمن بها دون زمن فيلزم من ذلك: عدم رفعها، وهو يدل على أن العمل فيها خير من العمل في ألف شهر -وهو ما يُعادل ثلاثًا وثمانين عامًا تقريبًا-، الثانية: السنة القولية وهي من وجوه: أولهما: قوله ﷺ : "التمسوها في العشر الأواخر في الوتر منها" حيث بيَّن أنها تتأكد في ليالي الوتر منها، وهذا عام لجميع المسلمين إلى قيام الساعة؛ لأن "الواو" من صيغ العموم، ثانيها: قوله ﷺ : "اطلبوها في العشر الأواخر في ثلاث بقين، أو سبع أو تسع بقين"، ثالثها: قوله ﷺ : "من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا: غفر له ما تقدم من ذنبه" حيث دل هذا على أنها أفضل الليالي والأيام أيضًا، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث إنه قد ثبت عن ابن عباس وأُبي بن كعب أنهما قالا: "إنها سبع وعشرين من رمضان" فإن قلتَ: لِمَ أُخفيت ليلة القدر؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن إخفائها يجعل المسلم يجتهد في العبادة في تلك العشر الأواخر لعلَّه يُصيبها، كما أُخفيت ساعة الإجابة في يوم الجمعة، فإن قلتَ: لِمَ سُمِّيت بهذا الاسم؟ قلتُ: لأنه يُقدَّر فيها تقديرًا خاصًا الأرزاق، والأعمار، والآجال ما سيكون في تلك السنة إلى مثلها من السنة المقبلة، وهو قول أكثر

стр. 1110

(ويدعو فيها)؛ لأن الدعاء مُستجاب فيها (بما ورد) عن عائشة قالت: يا رسول الله: إن وافقتها فِيمَ أدعو؟ قال: "قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني" رواه أحمد وابن ماجه، وللترمذي: معناه وصحَّحه، ومعنى: العفو: الترك، وللنسائي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "سلوا الله العفو والعافية والمعافاة الدائمة، فما أُوتي أحد بعد يقين خيرًا من معافاة" فالشر الماضي يزول بالعفو، والحاضر بالعافية، والمستقبل بالمعافاة؛ لتضمُّنها دوام العافية. (٢٧) العلماء؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ فإن قلتَ: لِمَ تتأكد في الوتر من الليالي؟ قلتُ: لأن الله وتر يحب الوتر. [فائدة]: علامة ليلة القدر: طلوع الشمس في صبيحتها صافية ليس لها شُعاع، مخالفة بذلك عادتها، ومن صادفها فإنه يشعر بانبساط في نفسه؛ وانشراح في صدره، وطمأنينة في قلبه؛ وراحة في بدنه أكثر مما يجده في الليالي العادية، ويكثر رزقه، وتقلُّ مصائبه بمشيئة الله تعالى. (٢٧) مسألة: يُستحب أن يكثر المسلم الدعاء في ليلة القدر، وأفضل الأدعية ما ورد وهو: "اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفو عني" و "اللهم إن أسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة" ويدعو بما شاء مما يحتاجه في الدنيا والآخرة؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد أرشد عائشة لهذا، فإن قلتَ: لِمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا الوقت: وقت إجابة، وهذا الدعاء مُتضمِّن لزوال الشرور الماضية، والحاضرة، والمستقبلة، مما يُؤدِّي إلى الصلاح والفلاح في الدنيا والآخرة. هذه آخر مسائل باب "صوم التطوع" ويليه باب "الاعتكاف"

стр. 1111

باب الاعتكاف (هو) لغة: لزوم الشيء ومنه: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ واصطلاحًا: (لزوم مسجد) أيَّ: لزوم مسلم عاقل ولو مميزًا لا غُسل عليه مسجدًا ولو ساعة (الطاعة الله تعالى)، (١) ويُسمَّى باب الاعتكاف وفيه إحدى وأربعون مسألة: (١) مسألة: الاعتكاف لغة: لزوم الشيء والمداومة عليه، والاحتباس عنده ومنه قوله تعالى: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ وقوله: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ أيَّ ملازمون لها، وهو اصطلاحًا: "أن يلزم مسلم عاقل مسجدًا وهو غير محدث حدثًا أكبر ولو ساعة لأجل طاعة الله تعالى" وقُيِّد بـ "مسلم" لإخراج الكافر الأصلي والمرتد؛ لعدم صحة النية منه وهو في حال كفره، وقُيِّد بـ "عاقل" لإخراج المجنون والصبي غير المميز؛ لكونهما لا يُدركان النية والقصد، أما المميز من الصبيان فيصح منه الاعتكاف نفلًا؛ لإدراكه ذلك، وقُيِّد بـ "مسجد" لبيان أن الاعتكاف لا يصح إلا بمسجد اشتهر عند الناس بذلك، فلو عمل لنفسه مسجدًا في منزله، أو انقطع عن الناس في بيته يتعبَّد الله، أو لزم رباطًا لطلاب العلم: لا يُسمّى اعتكافًا شرعًا، وقُيِّد بـ "الذي ليس عليه حدث أكبر" لإخراج من عليه حدث أكبر كالجنب، والحائض والنفساء فإنهم لا يصح منهم الاعتكاف؛ لكون الاعتكاف: لبث وجلوس، وهؤلاء لا يصح منهم أن يلبثوا ويجلسوا في المسجد، وأتي بقيد ولو ساعة"؛ لأنه أقل ما يُطلق عليه الزمن، فيصح منه اعتكاف هذا الزمن، بدليل أنه لو نذر أن يعتكف وأطلق: لأجزأته الساعة كما قال المحققون من العلماء، وأتي بعبارة "لأجل طاعة الله" لكون هذا هو المقصد الاعتكاف، فلو لزم مسجدًا بدون =

стр. 1112

جوارًا، (٢) ولا يبطل بالإغماء، (٣) وهو (مسنون) كل وقت إجماعًا؛ لفعله ﷺ ، ومداومته عليه، واعتكف أزواجه بعده ومعه، وهو في رمضان آكد؛ لفعله ﷺ ، نية أو نوى ولكنه انشغل عن طاعة الله فلا يُسمَّى ذلك اعتكافًا شرعًا؛ لخروجه عن المقصود، فإن قلتَ: لِمَ ذكر باب "الاعتكاف" في كتاب الصوم مع أنه يصح بدون صوم؟ قلتُ: للغالب؛ حيث إن أغلب اعتكاف النبي ﷺ ، وزوجاته وأصحابه ومن جاء بعدهم كان في العشر الأواخر من رمضان، وأكثر الأحكام جارية على الغالب. (٢) مسألة: يُسمَّى الاعتكاف جوارًا؛ للسنة القولية؛ حيث قال: ﷺ "جاورت هذه العشر، ثم بدا لي أن أجاور هذه العشر الأواخر" فيلزم من هذا التعبير جواز تسميته بذلك، فإن قلتَ: يُسمَّى أيضًا خلوة قلتُ: لم ترد هذه التسمية من الشارع، ولا من الصحابة ولا من التابعين، ولا من العلماء المحققين، فتبقى على النفي الأصلي، فتكون محدثة. (٣) مسألة: لا يبطل الاعتكاف بالإغماء: فلو أغمي على المعتكف فترة مؤقتة ثم أفاق لصح اعتكافه: للقياس، بيانه: كما أن النوم لا يُبطل الاعتكاف، فكذلك الإغماء مثله، والجامع: أن كلًّا منهما فترته قليلة عادة، ولا يسلب التكليف، ولا يسلم منه كثير من الناس؛ لأسباب مختلفة، وهذا هو المقصد منه. [فرع]: يبطل الاعتكاف بالارتداد عن الإسلام، والحيض، والنفاس، والجنون، فيجب إخراج هؤلاء من المسجد؛ للمتلازم؛ حيث إن بطلان النية من الكافر والمجنون، وعدم جواز لبث الحائض والنفساء في المسجد: يلزم منها: بطلان الاعتكاف؛ لمخالفة ذلك للعبادة ومُضادتها لها.

стр. 1113

وآكده في العشر الأخير (٤) (ويصح) الاعتكاف (بلا صوم)؛ لقول عمر ﵁: يا رسول الله: إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة بالمسجد الحرام فقال النبي ﷺ : "أوف بنذرك" رواه البخاري، ولو كان الصوم شرطًا: لما صحَّ اعتكاف الليل (٥) (ويلزمان) أيَّ: الاعتكاف والصوم (بالنذر): فمن نذر أن يعتكف صائمًا، أو يصوم معتكفًا: لزمه الجمع، وكذا: لو نذر أن يصلي معتكفًا ونحوه؛ لقوله ﷺ : "من نذر (٤) مسألة:: يُستحب الاعتكاف في كل وقت من السنة، ولكن هذا الاستحباب أكد في رمضان، وآكده: أن يكون في العشر الأواخر منه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يعتكف ويداوم عليه، وكان يعتكف في رمضان، قال نافع: "أراني عبد الله بن عمر المكان الذي يعتكف فيه النبي ﷺ " وكان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفَّاه الله ـ كما قالت عائشة ﵂، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث كانت زوجات النبي يعتكفن معه، وبعده في رمضان، وكان كثير من أصحابه يفعلون ذلك وهذا يلزم منه الآكدية، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الاعتكاف ينقطع المسلم فيه لأجل فعل أنواع من العبادات: من صلاة وصوم، ودعاء وذكر، وقراءة، واستغفار ونحو ذلك، وإذا وقع ذلك في رمضان فالأجر مضاعف، وإذا وقع في العشر الأواخر فهو أرجى لموافقة ليلة القدر؛ لأنها فيها، فيجتمع له خيري الدنيا والآخرة. (٥) مسألة لا يُشترط لصحة الاعتكاف: كون المعتكف صائمًا، بل يصح بلا صوم؛ للسنة القولية، حيث إنه ﷺ قد أمر عمر بأن يوفي بنذره لما نذر أن يعتكف ليلة" فيلزم صحة الاعتكاف بلا صوم؛ لأن الصوم لا يُشرع بالليل، فإن قلتَ: لِمَ يُشترط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة وتيسير على الناس أن يفعلوا الخيرات بدون تقييدات؛ لتكثر أجورهم؛ لينالوا الجنة، ومعلوم: أن الصوم والاعتكاف عبادتان كل واحدة منفصلة عن الأخرى.

стр. 1114

أن يُطيع الله فليطعه" رواه البخاري، وكذا لو نذر صلاة بسورة معيَّنة، (٦) ولا يجوز لزوجة اعتكاف بلا إذن زوجها، ولا لقنِّ بلا إذن سيِّده، (٧) ولهما تحليلهما من تطوع مُطلقًا ومن نذر بلا إذن (٨) (ولا يصح) الاعتكاف (إلا) بنية؛ لحديث: "إنما (٦) مسألة: إذا نذر أن يعتكف وهو صائم، أو أن يصوم وهو معتكف: فيجب أن يفعل ذلك وهو جامع بينهما؛ فلا يصح هنا اعتكاف بلا صوم، ولا صوم بلا اعتكاف للسنة القولية؛ حيث قال: ﷺ "من نذر أن يطيع الله فليُطعه" وهذا عام لكل ما يُنذر؛ لأن "مَنْ" الشرطة من صيغ العموم، والوفاء بما نُذر منفردًا أو مجموعًا مع غيره واجب؛ لأن الأمر هنا مطلق، وهو يقتضي الوجوب، فهو كمن نذر أن يصلي بسورة معيَّنة فلا تصح الصلاة بدون تلك السورة، ولا تصح السورة بلا صلاة. (٧) مسألة: لا يجوز للزوجة أن تعتكف إلا بإذن زوجها، ولا يجوز للرقيق أن يعتكف إلا بإذن سيده؛ للمصلحة؛ حيث إن اعتكاف الزوجة والرقيق فيه تفويت حق الزوج والسيد الواجب بأصل الشرع من استمتاع وخدمة، من أجل نافلة، فلا يجوز ذلك، حفاظاً لحقوق الزوج والسيد، ودفع المفسدة مُقدَّم على جلب المصلحة. (٨) مسألة: إذا تطوَّعت زوجة، أو تطوع رقيق فصلَّيا، أو صاما، أو اعتكفا تطوعًا فإنه يجوز للزوج أن يُخرج زوجته، وللسيد أن يُخرج عبده من هذا التطوع: سواء أذنا لهما، أو لا؛ للسنة القولية؛ حيث إنه قد ثبت عنه ﷺ "أنه قد أذن لعائشة وحفصة في الاعتكاف، ثم منعهما بعد أن دخلتا فيه" وإذا كان ذلك فيما أذن فيه، فإنه يكون فيما لم يُؤذن فيه من باب أولى من باب "مفهوم الموافقة الأولى"، فإن قلتَ: لِمَ جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه محافظة على الحقوق الواجبة للزوج والسيد؛ حيث إن حقهما واجب، فيقدَّم على التطوع =

стр. 1115

الأعمال بالنيات"، (٩) ولا يصح إلا (في مسجد)؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (يُجمع فيه) أيَّ: تقام فيه الجماعة؛ لأن الاعتكاف في غيره يفضي إما إلى ترك الجماعة، أو تكرار الخروج إليها كثيرًا مع إمكان التَّحرُّز منه، وهو مناف للاعتكاف (١٠) (إلا) من لا تلزمه الجماعة كـ (المرأة) والمعذور، والعبد (ف) يصح مطلقًا، [فرع]: إذا نذرت الزوجة الاعتكاف أو نذر الرقيق ذلك، ودخلا فيه دون أن يستأذنا الزوج والسيد: فإنه يجوز للزوج والسيد أن يُخرجاهما منه؛ للمصلحة، وقد بيَّناها في مسألة، (٧)، أما إذا استأذناهما، فأذنا لهما فدخلا فيه: فلا يجوز للزوج والسيد أن يُخرجاهما منه؛ للتلازم؛ حيث إن الزوج والسيد قد أسقطا حقَّهما بالإذن، والوفاء بالنذر واجب فيلزم عدم جواز إخراجهما مما نذراه؛ لأنهما فعلا مالهما فعله دون إضرار بالآخرين. (٩) يُشترط لصحة الاعتكاف: أن ينوي قبل دخوله فيه: أنه لطاعة وعبادة الله تعالى فقط؛ للسنة القولية؛ حيث قال: ﷺ "إنما الأعمال بالنيات" حيث إن هذا عام، والاعتكاف عمل فيشمله هذا العموم؛ لأن "الأعمال" جمع معرَّف بأل وهو من صيغ العموم، فإن قلتَ: لِمَ اشترط ذلك؟ قلتُ: لأن الاعتكاف عبادة، والعبادات لا تصح إلا بنية التقرُّب إلى المعبود به وهو الله تعالى. (١٠) مسألة: يُشترط لصحة الاعتكاف أن يعتكف في مسجد تُقام فيه صلاة الجماعة للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يعتكف في مسجده الذي يُصلي بالجماعة فيه، وكان لا يدخل بيته إلا لحاجة الإنسان، وكان يُدخل رأسه فترُجِّله له عائشة ﵂، وهذا بيان للمراد من قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ ولفظ "كان" من صيغ العموم في الأزمان؛ حيث يدل على الاستمرار في العمل، وهذه قرينة دلَّت على اشتراط ذلك، فإن قلتَ: لِمَ اشترط ذلك؟ قلتُ: لأن هذا هو الموافق لحقيقة "الاعتكاف" =

стр. 1116

اعتكافهم (في كل مسجد)؛ للآية، (١١) وكذا من اعتكف من الشروق إلى الزوال حيث يلزم من اعتكافه في مسجد لا تُقام فيه الجماعة: إما ترك صلاة الجماعة، وهذا يُنقص أجر صلاته وهو يُريد زيادة أجره باعتكافه، أو الإكثار من الخروج من مسجده الذي اعتكف فيه لأجل الصلاة مع الجماعة، وهذا مخالف لحقيقة الاعتكاف -وهو: لزوم مسجد للعبادة-، واعتكافه في مسجد تقام فيه الجماعة لا يقع في أحد هذين الأمرين، فلزم واشترط للمصلحة. (١١) مسألة: الذي تسقط عنه صلاة الجماعة كالمرأة، والعبد، والمعذور بمرض أو سفر أو نحوهما: يصح اعتكافه في أيَّ مسجد ولو لم تُقم فيه الجماعة؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ فيلزم من تحريم مباشرة المعتكف لزوجته في مكان الاعتكاف: عدم صحة الاعتكاف إلا فيما يُطلق عليه مسجد عرفًا، الثانية: فعل الصحابة؛ حيث كانت زوجات النبي ﷺ يعتكفن في حياته وبعد مماته في أي مسجد، الثالثة: القياس، بيانه كما أن المرأة تعتكف في أيَّ مسجد ولو لم تقم فيه الجماعة فكذلك العبد والمعذور ونحوهما مثلها، والجامع: أن كلًّا منهم لا يخرج لأجل الجماعة، ولا يُحرم من أجرها وهذا هو المقصد الشرعي منه. [فرع]: يُشترط لاعتكاف المرأة: أن لا يخاف وليها عليها من الفتنة، أو الوحشة، أو أيِّ ضرر في المسجد الذي تعتكف فيه، فإن خيف عليها شيء من ذلك: فإنه يُحرَّم اعتكافها فيه؛ للمصلحة؛ حيث إن المرأة عورة، وقليلة عقل ودين فيُخاف عليها أن يفتتن بها أحد، أو هي تفتتن بأحد، ودفعًا لذلك: فإنها تمنع من الاعتكاف، كما مُنعت من زيارة القبور لذلك، والقربات لها كثيرة ومنها حسن التبعُّل لزوجها بأن تطيعه، وتسره، وتحفظه في ماله وعرضها وهذا فيه أجر الجهاد في سبيل الله، وقد ورد: "أن من مات زوجها وهو عنها راضٍ خيِّرها الله من أيَّ باب من أبواب الجنة تدخل" فأي فضل أعظم من هذا؟!

стр. 1117

مثلا (١٢) (سوى مسجد بيتها) وهو: الموضع الذي تتخذه لصلاتها في بيتها؛ لأنه ليس بمسجد حقيقة ولا حكمًا؛ الجواز لبثها فيه حائضًا وجُنُبًا، (١٣) ومن المسجد: ظهره ورحبته المحوطة، ومنارته التي هي أو بابها فيه، وما زيد فيه، (١٤) والمسجد (١٢) مسألة: إذا اعتكف من شروق الشمس إلى زوالها -وهو قبل صلاة الظهر-: يصح اعتكافه في أي مسجد: سواء كان فيه جماعة أو لا؛ للتلازم؛ حيث إن حقيقة الاعتكاف قد وُجدت، بدون الحاجة إلى خروج لصلاة الجماعة، أو تركها فيلزم صحته. (١٣) مسألة: إذا وضعت المرأة مكانًا لتصلي فيه في بيتها وسمَّته مسجدًا: فلا الاعتكاف فيه؛ للسنة التقريرية؛ حيث إنه ﷺ قد أقرَّ بعض زوجاته لما اعتكفن في مسجده ﷺ ، ولم يأمرهن بأن يعتكفن في مُصلاهن ومساجدهن التي في بيوتهن مع أنه أستر لهن، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فلزم من ذلك: عدم صحة الاعتكاف في ذلك المكان الذي في بيتها فإن قلتَ: لِمَ لا يصح ذلك؟ قلتُ: لأن مسجد بيتها لا يُسمَّى مسجدًا حقيقة؛ لعدم صلاة غيرها فيه، وليس حكمه حكم المسجد، إذ يجوز جلوسها فيه وهي حائض ونفساء، وجنب، بخلاف المساجد الأخرى: فلا يجوز ذلك. (١٤) مسألة: المسجد الذي يُعتكف فيه هو داخله، وظهره، وساحته المحيطة فيه، ومنارته الواقعة داخل المسجد، أو كان بابها داخله، وزياداته التي زادها بعض المحسنين في المسجد مهما كانت سعتها؛ للتلازم، حيث إن هذا كله يُطلق عليه مسجد، ويمكن الصلاة فيه فتلزم صحة الاعتكاف فيه فإن قلتَ: ثم شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه سعة.

стр. 1118

الجامع أفضل لرجل تخلَّل اعتكافه جمعة (١٥) (ومن نذره) أي: الاعتكاف (أو الصلاة في مسجد غير) المساجد (الثلاثة) مسجد مكة، والمدينة، والأقصى (وأفضلها) المسجد (الحرام فمسجد المدينة فالأقصى)؛ لقوله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام" رواه الجماعة إلا أبا داود: (لم يلزمه) جواب "مَنْ" أيَّ: لم يلزمه الاعتكاف أو الصلاة (فيه) أيَّ: في المسجد الذي عيَّنه إن لم يكن من الثلاثة؛ لقوله ﷺ : "لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" فلو تعيَّن غيرها بتعيينه: لزمه المضي إليه، واحتاج لشدِّ الرحل إليه، (١٦) لكن إن نذر الاعتكاف في جامع: لم (١٥) مسألة: إذا نوى الاعتكاف أيامًا فيهن يوم جمعة: فالأفضل أن يعتكف في مسجد تصلى فيه الجمعة؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك يجعله لا يخرج إلى صلاة الجمعة في مسجد آخر فيكون أجر اعتكافه أكمل، لتمام اللزوم. (١٦) مسألة إذا نذر أن يعتكف أو يصلي في مسجد مكة، أو المدينة، أو الأقصى: فإنه يلزمه أن يوفي بنذره بنفس المسجد الذي عيَّنه من تلك الثلاثة، أما إن نذر ذلك في مسجد مُعيَّن غير المساجد الثلاثة: فإنه يوفي بنذره في أي مسجد أراد؛ للسنة القولية؛ حيث قال: ﷺ "لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" حيث أثبت لزوم الوفاء بنذره إذا كان هذا النذر في أحد المساجد الثلاثة، ويكون هذا الوفاء بما نُذر منها، فيجب عليه أن يُسافر إليه بعينه، ونفى ذلك في غير تلك المساجد، وعليه فيُوفى بنذره في أيَّ مسجد أراد دون ما عيَّنه؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، وقد دل على هذا أيضًا مفهوم العدد هنا؛ حيث إن حكم غير المساجد الثلاثة ليس كحكم المساجد الثلاثة، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن المساجد الثلاثة قد تميَّزت عن غيرها بأفضليتها؛ لكونها مساجد الأنبياء، ولأن المسجد الحرام قبلة المسلمين، والمسجد النبوي قد أسس على التقوى، والمسجد الأقصى قبلة الأمم =

стр. 1119

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . السابقة، بخلاف غيرها من المساجد فلا تساويها في ذلك، فلا يُفرَّق بينها في الأجر، فيُوفي نذره بما شاء منها. [فرع]: أفضل المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، وهو خاص في الموضع الذي فيه الكعبة، وما حوله من الزيادات، والساحات إذا اتصلت الصفوف، وهو الذي الصلاة فيه خير من مائة ألف صلاة في غيره، ثم يلي ذلك في الأفضلية: المسجد النبوي، وهو: خاص في نفس المسجد وما زيد عليه من الزيادات المتصلة به، وهو الذي الصلاة فيه خير من ألف صلاة في غيره -سوى المسجد الحرام-، ثم يلي ذلك في الأفضلية: المسجد الأقصى، وهو الذي الصلاة فيه خير من خمسمائة صلاة في غيره -سوى المسجد الحرام ومسجد المدينة- لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال: ﷺ "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه "وقال: "صلاة في المسجد الأقصى خير من خمسمائة صلاة فيما سواه" وقال: "لا تُشدُّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" وهذه النصوص واضحة الدلالة، الثانية: الإجماع؛ حيث إن الصحابة قد صلوا في الزيادات التي زادها عثمان في المسجد النبوي مع أنها خارجة عن المسجد الذي كان على عهد النبي ﷺ ، ولم يُنكر واحد منهم ذلك، فكان إجماعًا سكوتيًا، وغير مسجد النبوي مثله في ذلك الحكم؛ لعدم الفارق، فإن قلتَ: لِمَ كان هذا الترتيب؟ قلتُ: لأن المسجد الحرام فيه الكعبة قبلة المسلمين، وموضع حج الناس، ومنهم أكثر الأنبياء كموسى ويونس وغيرهما ﵈، وجعل فيه آيات بينات كمقام إبراهيم، وحجر إسماعيل، وأمَّن كل من قصده لمحض العبادة، وقد أكثر ابن تيمية من ذكر مزاياه، ومسجد المدينة مسجد أسس على التقوى؛ والمسجد الأقصى القبلة الأولى للأمم السابقة، وللمسلمين في أول عهدهم بالإسلام، وهي ديار أنبياء بني إسرائيل.

стр. 1120

يُجزئه في مسجد لا تُقام فيه الجمعة (١٧) (وإن عيَّن) لاعتكافه أو صلاته (الأفضل) كالمسجد الحرام: (لم يجز) اعتكافه أو صلاته (فيما دونه) كمسجد المدينة، أو الأقصى: (وعكسه بعكسه) فمن نذر اعتكافًا أو صلاة بمسجد المدينة، أو الأقصى أجزاء بالمسجد الحرام؛ لما روى أحمد وأبو داود عن جابر: أن رجلًا قال يوم الفتح: يا رسول الله: إني نذرتُ إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، فقال: "صلِّ هاهنا" فسأله فقال: "صلِّ هاهنا" فسأله فقال: "شأنك إذًا" (١٨) (ومن نذر) اعتكافًا (زمنًا مُعيَّنًا) كعشر ذي الحجة: (دخل مُعتكفه قبل ليلته الأولى) فيدخل قبيل الغروب من اليوم الذي قبله (وخرج) من معتكفه (بعد آخره) أي: بعد (١٧) مسألة: إذا نذر أن يعتكف في مسجد تقام فيه صلاة الجمعة: فلا يصح اعتكافه في مسجد لا تُقام فيه الجمعة، ولو لم يكن يوم الجمعة مع الأيام التي نُذِرت؛ للتلازم؛ حيث إن المسجد الجامع فاضل، فيلزم عدم إجزاء الاعتكاف في مسجد مفضول؛ لكونه لم يقم بما أوجبه على نفسه بتمامه. (١٨) مسألة إذا نذر أن يعتكف أو يصلي في الفاضل من المساجد: فلا يصح اعتكافه وصلاته في المفضول منها، وإن نذر أن يعتكف أو يُصلي في المفضول من المساجد: صحَّ اعتكافه وصلاته في الفاضل، فمثلًا إن نذر أن يصلي أو يعتكف في المسجد الحرام: فلا يصح فعل ذلك في مسجد المدينة، لكن إن نذر أن يعتكف أو يصلي في مسجد المدينة: فيصح فعل ذلك في المسجد الحرام؛ للسنة القولية؛ حيث "إنه ﷺ قد أمر رجلًا نذر أن يُصلِّي في بيت المقدس بأن يوفي بنذره في المسجد الحرام"؛ وذلك لكونه صلاة في بيت المقدس وزيادة، والاعتكاف مثل الصلاة؛ لعدم الفارق، من باب "مفهوم الموافقة" ويلزم منه: أنه إذا نذر في المسجد الحرام فلا يوفي بنذر في غيره؛ لأنه أنقص من القيام بالواجب، وهذا هو المقصد منه.

стр. 1121

غروب الشمس آخر يوم منه، (١٩) وإن نذر يومًا: دخل قبل فجره، وتأخَّر حتى تغرب شمسه (٢٠) وإن نذر زمنًا مُعينًا: تابعه ولو أطلق، (٢١) وعددًا: فله تفريقه، (٢٢) (١٩) مسألة: إذا نذر أن يعتكف أيامًا كأن يقول: إني نذرت أن اعتكف العشر الأواخر من رمضان": فيجب أن يدخل مُعتكفه قبل ليلته الأولى: فيدخل قبل غروب شمس اليوم التاسع عشر -وهو ليلة العشرين منه-، ويخرج منه بعد غروب الشمس من آخر يوم من رمضان -إذا ثبت أن غدًا هو يوم عيد الفطر-؛ لقاعدة:" ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"؛ حيث لا يمكن إكمال اعتكاف جميع العشرة الأيام إلا بذلك، فوجب فعله ابتداءً وانتهاءً كما قلنا في إمساك جزء من الليل لأجل إتمام صوم اليوم من النهار، وغسل جزء من الرأس لإتمام غسل الوجه، وهذا كله للاحتياط وهو المقصد منه. (٢٠) مسألة: إذا نذر أن يعتكف يومًا: فيجب عليه أن يدخل معتكفه قبل طلوع فجر ذلك اليوم الصادق، وأن يخرج منه إذا غربت شمسه؛ للقياس، بيانه: كما لو نذر صوم يوم: فإنه يفعل ذلك، فكذلك الحال إذا نذر اعتكافه، والجامع: أن المنذور هو يوم، واليوم هو المحدود بذلك حقيقة. (٢١) مسألة: إذا نذر أن يعتكف زمنًا مُعيَّنًا كأن يقول: "نذرت أن أعتكف العشر الأواخر من رمضان: أو العشر من ذي الحجة": فيجب أن يُتابع الاعتكاف في تلك الأيام، ولا يُفرِّفها: سواء تلفُّظ بـ "التتابع" أو لا، وسواء نوى التتابع أو لا؛ للقياس، بيانه: كما أنه لو حلف لا يُكلّم زيدًا شهرًا: فيجب عليه التتابع، ولا يُفرِّقها فكذلك الحال في نذر الاعتكاف والجامع: أنَّ اللفظ في كل منهما قد اقتضى التتابع. (٢٢) مسألة: إذا نذر أن يعتكف عددًا من الأيام لم يُعينها كأن يقول: "نذرتُ أن أعتكف عشرة أيام" ولم ينو تتابعها: فله أن يتابعها، وله أن يُفرِّقها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم تعيينها، وعدم نية التتابع فيها: أن يُباح له تفرِّقها.

стр. 1122

ولا تدخل ليلة يوم نَدَرَه كيوم ليلة نَدَرَها (٢٣) (ولا يخرج المعتكف) من مُعتكفه (إلا لما لا بدَّ) له (منه) كإتيانه بمأكل ومشرب؛ لعدم من يأتيه بهما، وكقيء بغتة، وبول، وغائط، وطهارة واجبة، وغسل متنجِّس يحتاجه، وإلى جمعة وشهادة لزمتاه، (٢٤) والأولى: أن لا يُبكِّر لجمعة، ولا يُطيل الجلوس بعدها، (٢٥) وله المشي على (٢٣) مسألة: إذا نذر أن يعتكف يوم السبت مثلًا: فلا تدخل ليلة السبت: حيث يبدأ اعتكافه من قبل طلوع فجر يوم السبت إلى بعد غروب شمسه، وإذا نذر أن يعتكف ليلة السبت مثلًا: فلا يدخل يوم السبت، ولا يوم الجمعة؛ حيث يبدأ اعتكافه من بعد غروب الشمس من يوم الجمعة، ويستمر إلى طلوع فجر تلك الليلة، وهو الفجر الصادق من يوم السبت؛ للتلازم؛ حيث إن اليوم والليلةُ يطلقان على ما بيناه: فيلزم ما نذره؛ لاقتضاء ذلك. (٢٤) مسألة: إذا دخل مُعتكفه: فلا يخرج منه إلا للضرورة: كأن يقضي حاجته من بول أو غائط، أو الإتيان بأكل أو شرب -إذا لم يوجد أحد يأتيه بهما-، أو يُؤدِّي شهادة لازمة، ولا تُؤخَّر، أو يخرج لصلاة الجمعة إذا كان ممن تجب عليه، أو يخرج لغسل نجاسة أو نحو ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث قالت عائشة ﵂: "السنة للمعتكف: أن لا يخرج إلا لما لا بدَّ له منه، وكان النبي ﷺ لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان" وإذا قال الصحابي: "السنة كذا" فإنه يقصد سنة النبي ﷺ ، وهو حديث مرفوع وما ذكر من الحاجات تدخل في عموم هذا الحديث، الثانية: المصلحة؛ حيث إن خروجه للضرورة فيه دفع مفسدة عنه، ودفع المفاسد مُقدَّم على جلب المصالح، وهذا هو المقصد منه. (٢٥) مسألة: إذا أراد المعتكف الخروج لصلاة الجمعة: فالمستحب له: أن لا يُبكِّر في الخروج، ولا يُطيل الجلوس في الجامع بعد انقضائها، بل يذهب إلى مُعتكفه =

стр. 1123

عادته، (٢٦) وقصد بيته لحاجة إن لم يجد مكاناً يليق به، بلا ضرر ولا مِنَّة، (٢٧) وغسل يده بمسجد في إناء من وسخ ونَحَوه، (٢٨) لا بول، وفصد، وحجامة بإناء فيه أو في هوائه (٢٩) (ولا يعود مريضًا ولا يشهد جنازة) حيث وجب عليه الاعتكاف متتابعًا مباشرة؛ للمصلحة؛ حيث إنه قد أُذن له في الخروج لصلاة الجمعة؛ لكون ذلك ضرورة، والضرورة تُقدَّر بقدرها، فلا يُبكِّر في الخروج قبل صلاة الجمعة، ولا يُطيل الجلوس بعدها؛ محافظة على وقت الاعتكاف من الضياع فينقص أجره. (٢٦) مسألة: إذا أراد المعتكف أن يخرج لصلاة الجمعة، أو لبيته، أو لأي حاجة يقضيها: فإنه يخرج على طريقته وعادته، دون بطء، أو استعجال؛ للمصلحة؛ حيث إن تغيير عادته في المشي لحاجاته قد يكون فيها مشقة عليه، فدفعًا لذلك: شرع المشي العادي. (٢٧) مسألة: يُباح للمعتكف: أن يذهب إلى بيته ليقضي أيَّ حاجة أرادها من بول أو غائط، أو اغتسال، أو تطهر ونحو ذلك بشرط: عدم وجود مكان آخر يفعل ذلك فيه بلا ضرر أو مِئَة من آخرين؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إكرام للمعتكف، وهذا فيه جلب مصلحة له، ودفع مفسدة عنه وهو معروف. (٢٨) مسالة: يُباح للمعتكف: أن يغسل يده من وسخ أو طعام في إناء داخل المسجد بشرط: أن لا يؤذي أحدًا من الموجودين بالمسجد بذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مشقة الخروج من المسجد لأجل ذلك، ودفع الضرر عن الآخرين إن أذاهم بذلك. (٢٩) مسألة لا يجوز للمعتكف: أن يبول أو يتغوَّط، أو يحتجم، أو يفصد عرقه بإخراج بعض الدَّم في إناء داخل المسجد الذي يعتكف فيه أو فوقه؛ للمصلحة؛ حيث إنه يُحتمل أن يتناثر بعض ذلك احتمالًا راجحًا، فيتنجَّس المسجد، فدفعًا لذلك: حُرّم ذلك، فإن قلتَ: لِمَ أذن للمستحاضة أن تعتكف في المسجد مع خروج الدم منها؟ قلتُ: إن الإذن لها بذلك مشروط بأن يغلب على ظنها عدم =

стр. 1124

ما لم يتعيَّن عليه ذلك؛ لعدم من يقوم به (٣٠) (إلا أن يشترطه) أي: يشترط في ابتداء اعتكافه الخروج إلى عيادة مريض، أو شهود جنازة، وكذا: كل قربة لم تتعيَّن عليه، وماله منه بدّ كعشاء، ومبيت في بيته (٣١) لا الخروج للتجارة، ولا التكسُّب بالصنعة في المسجد، ولا الخروج لما شاء (٣٢) وإن قال: "متى مرضت أو عرض لي عارض تلويث المسجد بما يخرج منها، ويصعب عليها أن تحترز منه، بخلاف غيرها فيمكنه الاحتراز بالخروج من المسجد. (٣٠) مسألة: إذا كان الاعتكاف مُتتابعًا بأن نذر التتابع، أو نواه: فلا يجوز للمعتكف أن يخرج لأي قربة لا تتعيَّن عليه، فلا يعود مريضًا، ولا يشهد جنازة، ولا يزور قريبًا، ولا يتحمَّل شهادة؛ ولا يغسل ميتًا؛ للسنة الفعلية؛ حيث "كان ﷺ لا يسأل عن مريضٍ إذا كان مُعتكفًا" فيلزم من ذلك: عدم جواز الخروج لأي قربة لا تلزمه؛ لأن ذكر "المريض" هنا يدل على ذلك وغير ذلك مثل المريض؛ لعدم الفارق، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن لزوم الاعتكاف أكثر أجراً من خروجه لذلك؛ حيث إن غيره يُمكنه فعل ذلك، بخلاف الاعتكاف. (٣١) مسألة: إذا نوى أن يعتكف واشترط في نيته لذلك: أن يخرج لكل قربة لم تتعيَّن عليه كأن يشترط أن يعود المرضى، وأن يشهد الجنائز، أو مبيت في بيته أو نحو ذلك من القربات: فله ذلك؛ للقياس، بيانه، كما أن الواقف إذا شرط في وقفه شرطًا فله ذلك، فكذلك المعتكف مثله، والجامع: أن كلًّا منهما وجب بقصده فكان الشرط إليه فيه، وهذا توسعة على المسلمين وهو المقصد منه. (٣٢) مسألة: لا يجوز للمعتكف أن يشترط في نيته قبل دخوله الموضع الاعتكاف: أن يخرج للاشتغال بالتجارة، أو يشترط الاشتغال بصنعته داخل المسجد، أو يشترط أن يخرج لما شاء، ولا يشترط أيَّ حال من أحوال الدنيا؛ للتلازم؛ حيث

стр. 1125

خرجتُ": فله شرطه، وإذا زال العذر: وجب الرجوع إلى اعتكاف واجب (٣٣) (وإن وطئ) المعتكف (في فرج) أو أنزل بمباشرة دونه: (فسد اعتكافه) ويُكفِّر كفارة يمين إن كان الاعتكاف منذورًا؛ لإفساد نذره إلا لوطئه (٣٤) ويبطل أيضًا اعتكافه بخروجه إن ذلك يُنافي حقيقة الاعتكاف - وهو: لزوم مسجد لطاعة الله - فيلزم عدم جوازه، ويكون كمن اشترط ترك المقام في المسجد. (٣٣) مسألة: إذا اشترط من أراد الاعتكاف قائلًا: "إذا عرضت لي حاجة، أو حصل عذر: فإني أخرج": جاز ذلك، وله الخروج لذلك، ويجب عليه أن يعود إن زال ذلك العذر المعارض إن كان اعتكافه واجبًا كالاعتكاف المنذور، وإن لم يكن كذلك فهو بالخيار؛ للقياس، بيانه: كما أن الحاج إذا اشترط في نيته عند الإحرام قائلًا: "فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني" جاز له ذلك، فيخرج من حجه إن حصل الحابس، فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلًا منهما لازم لا يجوز تركه إلا بشرط عند نيته. (٣٤) مسألة: إذا وطئ المعتكف فرج زوجته: فإن اعتكافه يفسد: سواء أنزل أو لم يُنزل، وكذا: إن باشر دون الفرج وأنزل: فإنه يفسد اعتكافه، ويجب عليه قضاؤه إن كان ذلك الاعتكاف واجبًا كالاعتكاف المنذور، ولا كفارة عليه ولا يجب قضاؤه إن كان الاعتكاف مستحبًا؛ أما إن باشر بدون إنزال: فلا يفسد اعتكافه؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ والنهي هنا مطلق فيقتضي التحريم والفساد، وعليه: يفسد اعتكافه بذلك، وإذا كان ذلك في المباشرة فإنه يكون في الوطء من باب أولى، وهذا من دلالة مفهوم الموافقة الأولى، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كانت عائشة ﵂ تُرجِّل شعر رأس النبي ﷺ وتُغسِّله وهو مُعتكف، ولو كان مُفسدًا لاعتكافه: لما فعله، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، =
следующие страницы →