Полный текст (3 194 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
سواء عيَّن أحدهما لصاحبه ما يشتريه، أو جنسه، أو وقته، أو لا، فلو قال: "ما اشتريت من شيء: فبيننا": صح (٦٣) (وكل واحد منهما وكيل صاحبه وكفيل عنه بالثمن)؛ لأن مبناها على الوكالة والكفالة (٦٤) (والملك بينهما على ما شرطاه)؛ لقوله
= مصباح (٦٤٩) تنبيه: فسَّرت شركة الوجوه بتفسيرات أُخر، ولكن ما ذكرناه و أقربها للصواب.
(٦٣) مسألة: شركة الوجوه تصح مطلقة: أي سواء عيَّن أحد الشريكين لصاحبه ما يشتريه وأشار إليه، أو لم يُعيِّن شيئًا، فلو قال زيد لعمرو: "اشتر هذا وأنا أشتري هذا والربح بيننا" أو لم يعيّن ذلك، أو عين جنسه بأن قال له: "لنتشارك في شراء الثياب والربح يكون بيننا" أو لم يُعيِّن ذلك، وسواء عيَّن أحدهما وقتًا للشركة أو لا، ولذا جاز قول زيد لعمرو: "ما اشتريتَ من شيء فهو بيننا"، للتلازم؛ حيث إن الشريكين هنا قد اشتركا في الابتياع، وأذن كل واحد منهما للآخر فيه فيلزم صحة ذلك مطلقًا، وهذا هو ما يلزم من عقد الشركة، ولا تُقيَّد بشيء إلّا بعد أن يشترطاه، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن كثرة القيود يُضيِّق الربح عادة، فيُلحق الضرر على الشريكين أو أحدهما، فإن قلتَ: يُشترط تعيين جنس، ووقت ما سيشتغلان فيه؛ وهو لكثير من علماء المالكية والشافعية؛ للقياس؛ بيانه: كما يُشترط ذلك في الوكالة، فكذلك يُشترط هنا والجامع: أن كل واحد من الشريكين وكيل لصاحبه، ففي ذلك معنى الوكالة، قلتُ: هذا منقوض بشركة العنان، والمضاربة؛ حيث إنه في ضمنهما معنى الوكالة، ولا يُشترط فيهما ما اشترطتموه - كما سبق بيانه -، ثم إن التقييد بشروط يُقلِّل من الربح، وهذا مناف لمقصد الشريكين.
(٦٤) مسألة: كل واحد من الشريكين - في شركة الوجوه - يُعتبر وكيلًا عن صاحبه في شراء نصف المتاع بنصف الثمن، وكذا: بيعه، فيستحق الربح في مقابلة ذلك، وكل واحد منهما يُعتبر كفيلًا لصاحبه، فيلزمه قضاء نصيب صاحبه من الثمن؛=
стр. 1752
﵇: "المؤمنون عند شروطهم" (٦٥) (والوضيعة على قدر ملكيهما) كشركة العنان؛ لأنها في معناها (والربح على ما شرطاه) كالعنان، وهما في تصرُّف كشريكي عنان (٦٦) (الرابع: شركة الأبدان) وهي: (أن يشتركا فيما يكتسبان بأبدانهما) أي:
= للقياس؛ بيانه: كما أن الوكيل يُسلِّم ثمن المبيع للموكَّل، ويستلمه، والكفيل يُسلِّم المكفول فكذلك الشريك - في شركة الوجوه - يفعل ذلك، والجامع: أن كلًّا من هؤلاء يتصرَّف كما يتصرَّف الآذن له، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه ضمان حقوق من يتعامل مع هذين الشريكين.
(٦٥) مسألة: ما يدخل تحت الشركة - في شركة الوجوه -: من نقود، وعقارات ومنقولات ونحو ذلك هو ملك للشريكين معًا: فما يشتريه أحدهما يكون بينهما بالنية على حسب الشرط الذي اشترطاه في عقد الشركة، فإن كانا متّفقين على أن نصيب زيد ثلثها: فإن نصيب عمرو يكون ثلثي الشركة، وهكذا: للسنة القولية: حيث قال ﷺ : "المؤمنون عند شروطهم" حيث إن هذا خبر بمعنى الأمر بأن يلتزم كل واحد من الشريكين بما اشترطه ورضي به عند عقد الشركة، والأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، ودلّ مفهوم الصفة منه على أن من لم يلتزم بذلك: فهو خائن، والخائن لا إيمان له.
(٦٦) مسألة: الشريكان في شركة الوجوه مثل الشريكين في شركة العنان فيما إذا خسرا، أو ربحا، فكل واحد يتحمَّل من الخسارة ويأتيه من الربح على حسب الجزء المشروط له عند عقد الشركة وإن تفاوت الربح، فإن اتفقا على أن نصيب زيد ربع الشركة: فإنه يتحمّل ربع الخسارة، ويأتيه ربع الربح، ويتحمّل شريكه - وهو عمرو - ثلاثة أرباع الخسارة، ويأتيه ثلاثة أرباع الربح، فمثلًا لو خسرا مائة ألف: فإن زيدًا يتحمَّل خمسة وعشرين، ويتحمل عمرو خمسة وسبعين، وإذا ربحا: فإن زيدًا يأتيه خمسة وعشرون منها، ويأتي عمرًا منها خمسة وسبعون وهكذا: وكذا: لكل واحد منهما أن يتصرَّف مطلق التصرف فيما يخصّ شركة =
стр. 1753
يشتركان في كسبهما من صنائعهما، فما رزق الله: فهو بينهما (٦٧) (فما تقبَّله أحدهما
= الوجوه وذلك في الإقرار والبيع والشراء، والخصومة ونحو ذلك فيما يجب، ويستحب، ويحرم، ويكره، ويُشترط؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الشريكين في شركة العنان مطلق التصرُّف، ويتفاضلان في الربح، والوضيعة والخسارة فكذلك الشريكان في شركة الوجوه مثل ذلك، والجامع: أن كلًّا من الشريكين في كل من الشركتين قد اشتركا في المال والعمل، فجاز تصرفهما معًا فيها، وتفاضلهما في الربح على حسب ما شرطاه عند عقد كل شركة. فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه حماية لحق كل واحد من الشريكين، فإن قلتَ: لا يجوز التفاضل في الربح بين الشريكين في شركة الوجوه وهو قول أبي يعلى؛ للتلازم؛ حيث إن الربح في هذه الشركة يستحق بالضمان؛ إذ لا مال لهما في هذه الشركة - كما سبق في تعريف شركة الوجوه - فيلزم من ذلك: عدم التفاضل في ذلك الربح؛ لكون الضمان لا تفاضل فيه قلتُ: هذا بعيد؛ لأن لهما مالًا، وهو: ما أخذاه بذمتهما من التجار الذين وثقوا بهما؛ إذ المال في الذمّة كالمال المحسوس، فكما يقع التفاضل في المحسوس - كما في شركة العنان - فكذلك يقع هنا ولا فرق، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في المال الذي يؤخذ بالذمة هل هو كالمحسوس؟ " فعندنا: نعم، وعندهم: لا.
(٦٧) مسألة: في الرابع - من أنواع شركة العقود - وهو: الشركة بالأبدان، وهي: أن يتفق زيد وعمرو بأن يعملان بأبدانهما في أي صنعة يعرفها كل واحد منهما: كأن يكونا بنَّائين، أو يكون أحدهما خياطًا والآخر سبَّاكًا أو نحو ذلك، فما يكتسبان من رزق الله يكون بينهما على حسب الجزء المشروط لكل واحد منهما عند عقد الشركة كأن يتّفقان على أن لزيد ثلثي ما يكسبانه معًا؛ لكونه أكثر عملًا، أو أقوى، أو أعرف بالتعامل مع الناس، والثلث الباقي لعمرو، أو ينفقان على أن لكلّ واحد منهما نصف ما يكتسبانه؛ نظرًا لتساويهما في كثرة =
стр. 1754
من عمل: يلزمهما فعله) ويُطالبان به؛ لأن شركة الأبدان لا تنعقد إلّا على ذلك (٦٨)، وتصح مع اختلاف الصنائع كقصار مع خياط (٦٩)، ولكل واحد منهما
= العمل، والقوة، ومعرفة الناس، فإذا أرادا قسمة الربح والمكسب: فإن كل واحد يأخذ حقًّا بناء على تلك النسبة.
(٦٨) مسألة: إذا قبل أحد الشريكين - في شركة الأبدان - عملًا كبناء دار، أو خياطة ثياب، أو نحو ذلك: فإنه يكون من ضمانهما، ويجب عليهما فعله معًا، إن لم يقم به من قَبِله، ويُطالبان به معًا من غير تفريق بين الذي قَبِله أو شريكه؛ للتلازم؛ حيث إن المقصود من شركة الأبدان: أن يضمن كل واحد منهما عن الآخر ما التزم به، أما إذا كان كل واحد من الشريكين يضمن ما التزم به: فلا فائدة لهذه الشركة إذن، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: وهو: ضمان حقوق الناس الذين يتعاملون مع هذين الشريكين؛ لئلا تضيع (فرع): شركة الأبدان صحيحة؛ للسنة التقريرية؛ حيث قال ابن مسعود: "اشتركنا أنا وسعد وعمار يوم بدر فلم أجيء أنا وعمار بشيء، وجاء سعد بأسيرين فاشتركنا فيهما" ولم يبين النبي ﷺ : أنه فاسد، فيكون هذا صحيحًا، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فإن قلتَ: إن شركة الأبدان لا تصح، وهو قول كثير من العلماء، وهو رأي الشافعي؛ للتلازم؛ حيث إن الشركة لا تصح إلّا على مال؛ لكونه هو الذي يكسب فيلزم من ذلك: أن لا تصح هذه الشركة؛ لكونها اعتمدت على الأبدان فقد يكسب أحدهما دون الآخر، قلتُ: هذا منقوض بشركة المضاربة فقد قلتم بها مع أن أحد الشريكين يعمل ببدنه، ثم إنه لا فرق بين الشركة بالأموال، والشركة بالأبدان في تقسيم ربح كل منهما بجامع: أن كلًّا منهما قد عمل واجتهد في عمله سواء كان في ماله أو بدنه فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة التقريرية مع التلازم".
(٦٩) مسألة: لا يُشترط في صحة شركة الأبدان: أن يتّحد الشريكان في الصنعة، بل=
стр. 1755
طلب الأجرة، وللمستأجر دفعها إلى أحدهما (٧٠)، ومن تلفت بيده بغير تفريط: لم
= تصحّ عند اتحاد الصنعة كأن يشترك زيد وعمرو الحدَّادين، أو النجَّارين، وتصح بين اثنين وإن اختلفت صنعتهما كأن يشترك زيد النجار مع عمرو الحدَّاد، أو زيد القصَّار - وهو الذي يقصر الثياب - مع عمرو البنَّاء، وهكذا؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه يصح أن يشترك اثنان متحدان في الصنعة فكذلك يصح إذا اختلفت صنعتهما، والجامع: الكسب المباح في كل، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين، فإن قلتَ: لا تصح شركة الأبدان عند اختلاف الصنعة بين الشريكين، وهو قول مالك، واختاره بعض الحنابلة كأبي الخطاب؛ للتلازم؛ حيث إنه اشترط في شركة الأبدان: أن ما يتقبَّله أحد الشريكين من العمل: فإنه يلزمهما معًا، ويطالبان به معًا - كما سبق في مسألة: (٦٨) - فإذا تقبَّل أحدهما شيئًا مع اختلاف صنائعهما: لم يكن للآخر أن يقوم به، ولا يستطيع القيام بما لا قدرة له عليه فيلزم من ذلك: ألا تصح تلك الشركة بين اثنين قد اختلفا في الصنعة قلتُ: يُمكن للشريك الذي لا يُحسن صنعة شريكه الآخر أن يستأجر من يحسنها فيعملها عن شريكه، فلا يلزم ما ذكرتموه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع التلازم".
(٧٠) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو - في شركة الأبدان -، فاستأجر بكر زيدًا على أن يبني له جدارًا، فإن زيدًا له أن يُطالب بكرًا بالأجرة، وكذلك عمرو له ذلك، وإذا دفع بكر الأجرة لزيد أو لعمرو: فإن ذمة زيد تبرأ؛ للقياس، بيانه: كما أن زيدًا لو وكَّل عمرًا بأخذ الأجرة من بكر: فإن كلًّا منهما له مطالبة بكر بها، وإذا دفعها بكر لأحدهما: فإن ذمّته تبرأ، فكذلك شركة الأبدان مثل ذلك، والجامع: أن كلًّا من الموكل والوكيل، والشريكين يقوم كل واحد عن الآخر في التصرُّفات مطلقًا؛ وإلّا لما كان للوكالة أو الشركة من فائدة، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية حقوق الشريكين، وحقوق الناس=
стр. 1756
يضمن (٧١) (وتصح) شركة الأبدان (في الاحتشاش والاحتطاب، وسائر المباحات) كالثمار المأخوذة من الجبال، والمعادن، والتلصص على دار الحرب؛ لما روى أبو داود بإسناده عن عبد الله قال: "اشتركتُ أنا، وسعد، وعمار يوم بدر، فلم أجيء أنا وعمار بشيء، وجاء سعد بأسيرين" قال أحمد: أشرك بينهم النبي ﷺ (٧٢)، (وإن
= المتعاملين معهما، وفيه توسعة على المسلمين.
(٧١) مسألة: إذا تلف شيء من أملاك الشركة وآلاتها بيد أحد الشريكين من غير تفريط منه: فلا يضمنه بل يتحملانه معًا أما إن وقع ذلك بسبب تفريط: فهو يضمنه؛ للقياس بيانه: كما أن الوكيل يضمن ما تلف تحت يده بسبب تفريط منه، ولا يضمنه إذا لم يُفرِّط فكذلك هنا، والجامع: أن كل واحد من الوكيل، وأحد الشريكين أمين عند صاحبه، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لأحد الشريكين من الآخر؛ فيما لو تلفت سلعة تحت يد أحدهما، وفيه حماية المتعاملين مع تلك الشركة؛ لئلا تضيع حقوقهم.
(٧٢) مسألة: تصح شركة الأبدان في أي عمل مباح يستطيع كل واحد من الشريكين القيام به: كأن يشتركان في عمل حشِّ الحشيش، أو قطع الأخشاب أو الاحتطاب، أو جمع الثمار التي لا يملكها أحد في الصحراء، أو الجبال، كالفقع، والعسل، واستخراج المعادن المنتفع بها، أو الاشتراك في سلب ما يقتلانه من الكفار في دار الحرب، أو نحو ذلك، فإذا باعا ذلك: اقتسما الربح والمكسب على ما شرطاه من النسبة لكل واحد منهما؛ للسنة التقريرية، وهي قصة ابن مسعود، وسعد، وعمار - كما سبق بيانها في مسألة (٦٨) حيث إنهم اشتركوا في مباح، ومع ذلك أقرهم النبي ﷺ على الاشتراك فيه وغير الأسرى كالأسرى في المباحات من باب: "مفهوم الموافقة"، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين. فإن قلتَ: لا تصح شركة الأبدان في المباحات كالاحتشاش والاحتطاب ونحوهما، وهو رأي أبي حنيفة وكثير من =
стр. 1757
مُرض أحدهما: فالكسب) الذي عمله أحدهما (بينهما) احتجّ الإمام بحديث سعد (٧٣)،
= الحنفية؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الوكالة لا تصح في المباحات كالاحتشاش ونحوه، فمن أخذها ملكها بنفسه، فكذلك شركة الوجوه لا تصح فيها والجامع: أن كلًّا منهما في معنى الوكالة، ولا يصح ملك هذه المباحات بالوكالة. قلتُ: هذا القياس فاسد؛ لوجهين: أولهما: أنه معارض للنص، وهو السنة التقريرية؛ حيث إن ابن مسعود ومن معه قد اشتركوا في مباح، وقد أقرّهم النبي ﷺ ثانيهما: لا نُسلَّم الحكم في الأصل المقاس عليه؛ حيث تجوز الوكالة في المباحات؛ حيث إنه يصح أن يستنيب في تحصيلها بأجرة، وإذا بطل الحكم في الأصل المقاس عليه بطل الحكم في الفرع، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع النص" وأيضًا: "الاختلاف في حكم الأصل المقاس عليه بيننا وبينهم".
(٧٣) مسألة: إذا تشارك زيد وعمرو في شركة أبدان، ولكن زيدًا قد مرض فلم يستطع العمل أو إصابة أي عذر آخر كخوف ونحوه: فإن الربح والكسب الذي يحققه عمرو من عمله يكون بينهما، يقسَّم بينهما على حسب الجزء المشروط الذي اتفقا عليه عند عقد الشركة؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الشريكين - زيد المريض، وعمرو الصحيح - يضمنان العمل، ويُطالبان به معًا، فكذلك يكون المكسب والربح يقتسمانه معًا والجامع: أن عقد الشركة ملزم بالغرم والغنم، وعدم عمل زيد ليس بسببه، وإنما بسبب الآفة السماوية، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق المريض الذي انقطع عن عمله، تنبيه: احتجاج الإمام أحمد بحديث سعد السابق - وهي قصة ابن مسعود مع سعد وعمار - بعيد؛ لأن ابن مسعود وعمارًا لم يُمرضا، ولكنهما عملا كما عمل سعد، بل قد يكونا قد عملا عملًا أشق من عمل سعد، ولكن سعد قد وُفِّق، دونهما. (فرع): إذا=
стр. 1758
وكذا لو ترك العمل لغير عذر (٧٤) (وإن طالبه الصحيح أن يقيم مقامه: لزمه)؛ لأنهما دخلا على أن يعملا، فإذا تعذَّر عليه العمل بنفسه: لزمه أن يقيم مقامه؛ توفية للعقد بما يقتضيه، وللآخر الفسخ (٧٥)، وإن اشتركا على أن يحملا على دابتيهما والأجرة
= طال مرض أحد الشريكين: فللشريك الآخر أن يفسخ الشركة؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه منع إلحاق الضرر وكثرة العمل على الصحيح.
(٧٤) مسألة: إذا ترك أحد الشريكين - في شركة الأبدان - العمل لغير عذر: بأن كان صحيحًا معافى آمنًا: فإن الكسب والربح الذي يحققه شريكه الآخر يكون له لوحده، فلا يستحق شريكه التارك للعمل شيئًا منه، وهو قول جمهور العلماء؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من عقد شركة الأبدان: أن يعملا معًا ببدنيهما على حسب الطاقة والوسع، فترك أحدهما العمل بدون عذر: يلزم منه: عدم استحقاقه لشيء من الكسب والربح؛ لكونه قد فسخ عقد الشركة بتركه شرطًا من شروطها، فإن قلتَ لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع لأكل أموال الناس بالباطل ومنع للظلم بأشكاله، فإن قلتَ: إن هذا التارك للعمل بدون عذر يستحق حقه من ربح وكسب شريكه الآخر الذي عمل، وهو ما ذكره المصنف هنا. قلتُ: لم أجد دليلًا على ذلك، بل مخالف لقواعد الشريعة، وفيه إقرار للظلم، وهذا يُستنكر من مثل المصنف.
(٧٥) مسألة: إن ترك أحد الشريكين العمل - في شركة الأبدان - لعذر كمرض أو خوف، أو جهله بالعمل، وطالبه الشريك الصحيح أن يُقيم أحدًا يقوم مقامه في عمله: فيجب على ذلك التارك للعمل أن يقيم أحدًا يقوم بعمله عنه، فإن أبى: فللشريك الآخر الذي يعمل فسخ الشركة؛ للتلازم؛ حيث إن مقتضى عقد شركة الأبدان يُلزم كل واحد منهما أن يعمل ببدنه، فيلزم من ترك أحدهما هذا العمل بعذر أو بدونه أن يقيم غيره مقامه ينوب عنه في العمل، وإن لم يفعل، فيلزم فسخ الشركة، إذا طالب بذلك الشريك الآخر؛ لعدم وجود ركن الشركة =
стр. 1759
بينهما: صح (٧٦)، وإن أجَّراهما بأعينهما فلكل أجرة دابته (٧٧)، ويصح دفع دابة ونحوها لمن يعمل عليها، وما رزقه الله بينهما على ما شرطاه (٧٨) (الخامس: شركة
= الآخر، وهو العامل، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه إحقاق للحق، ومنع أكل أموال الناس بالباطل.
(٧٦) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو - في شركة أبدان - واتفقا على أن يحملا على دابتيهما بدون تعيين، واتفقا على أن يكون المكسب والربح الذي يتحصَّلان عليه من هذا التأجير والحمل عليهما بينهما: فيصح ذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو كان لكل واحد منهما آلة حراثة وجعلاهما معًا وعملا بهما: فإنه يصح ذلك، فكذلك لو اشتركا بدابتيهما مثل ذلك، والجامع: أن كلًّا منهما نوع من الاكتساب المباح.
(٧٧) مسألة: إذا كان لعمرو دابة خاصة به، ولزيد دابته الخاصة به، فجاء بكر واستأجر الدابتين وخصَّص لكل دابة أجرة خاصة، وحمل خاص بالتعيين: فإن عمرًا يستلم أجرة دابته، وزيدًا يستلم أجرة دابته ويضمن ما أتلفته دابته، ولا تصح الشركة هنا؛ للتلازم؛ حيث إن كل واحد منهما - أعني زيدًا وعمرًا - قد خُصِّصت دابته بأجرة خاصة منفصلة عن أجرة دابة الآخر، فيلزم من ذلك: أن لكل واحد أجرة دابته، ويضمن ما أتلفته، ويلزم من هذا: عدم صحة الشركة بينهما في هذا.
(٧٨) مسألة: إذا دفع زيد دابته، أو سيارته إلى عمرو ليعمل عليها، واتفقا على أن يكون لزيد ثلث ما يتحصَّل عليه عمرو بسبب العمل عليها، وأن يكون الثلثان لعمرو، أو بالعكس - على حسب الجزء المشروط عند عقد الشركة -: فإن هذا يصح؛ للقياس بيانه: كما أنه يجوز ذلك في المساقاة والمزارعة بأن يأذن زيد لعمرو بأن يزرع هذه الأرض بثلث الربح والثمرة فكذلك يجوز هنا والجامع: أن كلًّا منهما نوع من الاكتساب المباح، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن=
стр. 1760
المفاوضة) وهي: (أن يُفوِّض كل منهما إلى صاحبه كل تصرُّف مالي وبدني من أنواع الشركة) بيعًا، وشراء، ومضاربة، وتوكيلًا، وابتياعًا في الذمة، ومسافرة بالمال، وارتهانًا، وضمان ما يُرى من الأعمال، أو يشتركا في كل ما يثبت لهما وعليهما فتصح (والربح على ما شرطاه، والوضيعة بقدر المال)؛ لما سبق في العنان (٧٩) (فإن أدخلا فيها كسبًا أو غرامة نادرين) كوجدان لقطة، أو ركاز، أو ميراث أو أرش جناية (أو ما يلزم أحدهما من ضمان غصب أو نحوه: فسدت)؛ لكثرة الغرر فيها،
= ذلك فيه تنمية أموال المسلمين بطرق مشروعة، وفيه حث على التكافل الاجتماعي.
(٧٩) مسألة: في الخامس - من أنواع شركة العقود - وهو: شركة المفاوضة وهي قسمان: فالصحيح منها: أن يشترك اثنان - فأكثر - كزيد وعمرو، فيقوم كل واحد منهما بتفويض الآخر بأن يتصرَّف في هذه الشركة بكل تصرُّف يستطيعه، وهذا مطلق: أي: سواء كان تصرُّفًا في مال، أو بدن، وسواء كان في بيع أو شراء بنفسه، أو يعطي زيد مثلًا مالًا من الشركة لبكر ليتَّجر به مضاربة، أو يوكل في ذلك، أو يشتري شيئًا للشركة في الذمة، أو يسافر بالمال، أو لا، أو يرتهن على مال الشركة أو لا، أو يُحيل أو يحتال، أو يُطالب، أو يقبض، أو يضمن ما يراه، فكل ما فيه مصلحة للشركة، أو يتّصل بها فيجوز لأحد الشريكين أن يفوّض الآخر فيه، سواء كان لها أو عليها، وهذه الشركة جامعة لشركات العقود الأربع السابقة - وهي: شركة العنان، والمضاربة، والوجوه، والأبدان - وما تحصَّل عليه الشريكان أو وكيلهما من الربح والمكسب فهو لهما معًا، وما حصل من خسارة الشركة فهو عليهما معًا، وكل واحد يأخذ من الربح، وعليه من الخسارة بقدر الجزء المشروط له عند عقد الشركة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عقد أيِّ شركة ما قلناه من الربح وتحمل الخسارة، ويلزم من عدم خروج شركة، المفاوضة عن تلك الشركات الأربع: صحتها.
стр. 1761
ولأنها تضمَّنت كفالة وغيرها مما لا يقتضيه العقد (٨٠).
(٨٠) مسألة: الفاسد من شركة المفاوضة هو: أن يشترك اثنان - فأكثر - ويُشترط كل واحد منهما: أن يُدخل في الشركة كل ما كسبه أحدهما، ولو كان هذا الكسب خاصًّا به: كأن يجد أحدهما لقطة، أو ركازًا - وهو الكنز المدفون في الأرض -، أو ميراثًا، أو أرش جناية على أحدهما، وكذا: إن اشترطا: أن يؤخذ من الشركة عوض كل مصيبة أصابت أحد الشريكين كأن يجني أحدهما جناية فيؤخذ أرش جنايته من الشركة، أو يغصب أحدهما سلعة فيؤخذ ضمانها من الشركة، أو يؤخذ ضمان ما أتلفه أحدهما، أو ضمان عارية أتلفها أحدهما، ونحو ذلك: فهذا كله فاسد، ولا تصح الشركة فيه؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث إن عقد الشركة يلزم منها الوكالة والكفالة، فإذا أدخل الشريكان المكاسب النادرة أو الخسارة النادرة لكل واحد منهما كانت الشركة كفالة، وغير كفالة فيلزم فسادها؛ لكون هذا لا يدخل تحت عقد الشركة، الثانية: المصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق الشريكين حماية تامة؛ إذ قد تقع هذه المكاسب النادرة لزيد دون عمرو كثيرًا، فيُشاركه عمرو فيها، فيكون عمرو قد أخذ حقًّا لا يستحقه، فيتضرّر زيد، وقد تكون المصائب تقع من زيد كثيرًا دون عمرو، فيدفع عمرو حقًّا لم يلزمه، فيتضرّر عمرو، فدفعًا للضرر عن الجانبين: فسدت هذه الشركة، فإن قلتَ: إن ذلك تصح الشركة فيه، وهو قول محكي عن مالك، وبعض العلماء؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا تفاوضتم فأحسنوا المفاوضة" حيث إنه ﵇ قد أقرَّها هنا الثانية: القياس، بيانه: كما تصح شركة العنان فكذلك تصح شركة المفاوضة والجامع: أن كلًّا منهما فيه نوع اكتساب قلتُ: أما الحديث: فقد ضعَّفه كثير من أهل الحديث، وعلى فرض قوته: فإنه يُحتمل أن المقصود: المفاوضة والمجادلة مع الخصم، يؤيده: قوله ﷺ : "ولا تجادلوا فإن المجادلة من الشيطان" وأما القياس: فهو فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ ووجه=
стр. 1762
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الفرق: أن شركة العنان لا يُوجد ضرر فيها على أحد الشريكين - كما سبق بيانها - بخلاف هذا النوع من شركة المفاوضة: فيوجد فيها ذلك كما بيّناه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: الخلاف في ضعف حديث: "إذا تفاوضتم. . ."، فعندنا: ضعيف، وعندهم: قوي، وأيضًا: "تعارض المصلحة، والقياس" فعندنا: يُعمل بالمصلحة التي قلناها؛ حيث إن فيها دفع مفسدة؛ لأن دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، وعندهم: يعمل بالقياس؛ لوجود جلب بعض المصلحة.
هذه آخر مسائل باب "الشركة" ويليه باب "المساقاة والمغارسة والمزارعة".
стр. 1763
باب المساقاة
من السقي؛ لأنه أهمّ أمرها بالحجاز، وهي: دفع شجر له ثمر مأكول - ولو غير مغروس - إلى آخر ليقوم بسقيه، وما يحتاج إليه بجزء معلوم له من ثمره (١) (تصح) المساقاة (على شجر له ثمر يؤكل) من نخل وغيره؛ لحديث ابن عمر: "عامل النبي ﷺ أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع" متفق عليه، وقال أبو جعفر: "عامل النبي ﷺ أهل خيبر بالشطر، ثم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم أهلوهم إلى اليوم، يعطون الثلث أو الربع" ولا تصح على ما لا ثمر له كالحور، أو له ثمر غير مأكول: كالصنوبر والقرظ (٢). (و) تصح المساقاة أيضًا (على) شجر ذي (ثمرة
باب المساقاة، والمغارسة والمزارعة
وفيه تسع عشرة مسألة:
(١) مسألة: المساقاة لغة مأخوذة من السَّقي - بفتح السين، وتسكين القاف -، وهي في الاصطلاح: أن يدفع زيد شجره إلى عمرو ليقوم عمرو بسقيه، وحمايته، وتنميته، وكل ما يُحتاج إليه من خدمات وذلك بجزء معلوم مشاع من ثمره يأخذه زيد، فإن قلتَ: لِمَ سُمِّيت بهذا الاسم؟ قلتُ: لأن أهل الحجاز وأكثر المسلمين في جميع أنحاء الأرض يسقون المزارع بالنضح من الآبار، فسمَّيت بما هو أكثر مؤنة ومشقة، فإن قلتَ: لِمَ جُعل هذا الباب بعد باب الشركة؟ قلتُ: لأن كلًّا من البابين يشتركان في العمل والجهد المالي والبدني؛ رجاء للنماء والمكسب والربح وأنه لا بدّ لكل منهما من جزء مشروط عند العقد، فإن قلتَ: لم جعل هذا قبل باب الإجارة؟ قلتُ: لأن كلًّا من البابين يشتركان في اللزوم، والتوقيت، والأجرة أو مثلها، والانتفاع. فإن قلتَ: لم سميت المساقاة والمغارسة والمزارعة بالمخابرة؟ قلتُ: لأنها مشتقّة من الخبار، وهي الأرض الليِّنة، وقيل المخابرة: معاملة أهل خيبر.
(٢) مسألة: تصح المساقاة مطلقًا على شجر مغروس - له ثمر يؤكل منه كالنخل=
стр. 1764
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= والعنب، والزيتون والرمان وغيرها، وهو معلوم للمالك والعامل برؤية أو صفة بشرط: أن يكون للمالك جزء معلوم مشاع كربع ثمره، أو ثلثه ونحو ذلك على حسب ما يتّفقان عليه عند عقد المساقاة، فلا تصحّ في شجر لا ثمر له، أو له ثمر لكنه يؤكل. لقواعد: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إن عمر قال: "عامل ﷺ أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع" وفي رواية: "دفع إلى يهود خيبر نخلها وأرضها بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع" وهذا صريح في الدلالة؛ الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ومن بعدهم قد تعاملوا بالمساقاة، وكانوا يُعطون الثلث والربع - كما حكى ذلك أبو جعفر - علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - الثالثة: المصلحة؛ حيث إن زيدًا مالك الأشجار والنخيل والأعناب ونحوها قد يعجز عن القيام بها، وقد لا يحسن تعاهدها، وقد لا يتفرَّغ لها، وهو لا يستطيع الاستئجار عليها، بينما عمرو - وهو العامل - يكون قادرًا على القيام بها، ويحسن تعاهدها، ومتفرغًا لها، ولكنه لا يملك شيئًا، وكل من زيد وعمرو محتاج إلى ثمارها ففي تجويز المساقاة دفع لحاجتي زيد وعمرو، وتحصيل لمصالحهما، وهذا سبب لعمارة الأرض، وإغناء المسلمين بالمأكولات بدلًا أن من يجلبوها من بلاد الكفار، وفيه مفسدة وقوع المنة منهم علينا، ودفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، فإن قلتَ: لا تصح المساقاة مطلقًا، وهو قول أبي حنيفة، وبعض الحنفية وبعض العلماء؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ابن عمر: "كنا نخابر أربعين سنة حتى أخبرنا رافع بن خديج أن رسول الله ﷺ منهي عن المخابرة" والمراد بالمخابرة: المساقاة والمزارعة والمغارسة كما سبق بيانه: والنهي هنا مطلق، وهو يقتضي التحريم والفساد، وابن عمر هو راو حديث معاملة النبي ﷺ ليهود خيبر - كما سبق - فيكون ما سبق منسوخًا بحديث رافع هذا، ويؤيده: أن ابن عمر قد رجع عن العمل=
стр. 1765
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= بالمساقاة إلى حديث رافع، وإذا خالف فعل الصحابي ما رواه: فإنّا نعمل بفعله ورأيه، ولا نأخذ بما رواه. الثانية: القياس، بيانه: كما لا تجوز الإجارة بثمر غير الشجر الذي يسقيه فكذلك لا تجوز المساقاة والجامع: أن كلًّا منهما إجارة بثمرة لم تخلق، أو إجارة بثمرة مجهولة، قلتُ: أما حديث رافع فعنه: أجوبة أربعة: الأول: أنه مخالف للسنة؛ حيث كان النبي ﷺ يعامل أهل خيبر حتى مات، وهذا لا احتمال ولا ضعف فيه، بخلاف حديث رافع فهو محتمل، وفيه ضعف، فلا يقوى على نسخ السنة الفعلية. الثاني: أنه مخالف لما فعله الخلفاء الراشدون من بعده ﷺ ، حتى لم ينكر عليهم أحد من جواز المساقاة حتى كاد أن يكون إجماعًا، فلو كان ما رواه رافع صحيحًا لما خفي على بعض الصحابة؛ الثالث: أنه ثبت عن زيد بن ثابت أنه أنكر حديث رافع، وإذا تعارض قولان لصحابيين: فإنهما يتساقطان، ويُرجع إلى استصحاب ما كان يُعمل به من قبل، وهو جواز المساقاة، حيث فعلها النبي ﷺ مع يهود خيبر، الرابع: أن رجوع ابن عمر عنه يُحتمل أنه رجوع عن شيء من المعاملات الفاسدة التي فسَّرها رافع في حديثه، وإذا تطرق الاجتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال وعندنا: أنه إذا خالف الصحابي ما رواه: فإنا نعمل بما رواه لا بما رآه، فيُعمل هنا بحديث معاملة النبي ﷺ ليهود خيبر، وقد فصَّلت هذا في كتابي: "مخالفة الصحابي للحديث النبوي الشريف" وأما القياس الذي ذكروه: فهو فاسد؛ لوجهين: أولهما: أنه معارض للنص من السنة الفعلية كما سبق، ولا حجّة لقياس قد عارض نصًا، ثانيهما: أنه منقوض بعقد شركة المضاربة: فإن العامل فيها يعمل في المال بنمائه وهو معدوم مجهول وهذا جائز بالإجماع، وما نحن فيه مثلها؛ إذ لا فرق، وكذا: الإجارة تجوز على المنافع المعدومة للحاجة، فلِمَ لا تجوز الإجارة على الثمرة المعدومة للحاجة؟! فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة الفعلية مع القولية" =
стр. 1766
موجودة) لم تكمل، تنمي بالعمل كالمزارعة على زرع ثابت؛ لأنها إذا جازت في المعدوم مع كثرة الغرر ففي الموجود وقلة الغرر أولى (٣) (و) تصح أيضًا (على شجر
= وكذا: "الخلاف في الراوي إذا خالف ما رواه هل نأخذ بما رواه أو بما رآه؟ " فإن قلتَ: لا تصح المساقاة إلّا في النخل والكرم - وهو العنب - فقط، وهو قول للشافعي؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لا تصح المساقاة في الشجر الذي لا ثمرة له فكذلك لا تصح في غير النخل والعنب والجامع: أن كلًّا منها لا تجب الزكاة في نمائه، قلتُ: هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس يعارض نصًا؛ حيث إنه يُعارض عموم حديث ابن عمر - وهو أنه ﷺ قد عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر" وهذا عام في جميع الأشجار والثمار؛ لأن "ما" الموصولة من صيغ العموم، ومشروعية المساقاة لم تكن علّته وجوب الزكاة في ثمره أو لا، وإنما العلّة في مشروعيتها: أن الحاجة داعية لها - كما سبق ذلك (فرع): ما لا ثمر له، أو الذي له ثمر لا ينتفع به: لا تصح المساقاة عليه؛ للتلازم؛ حيث إن المساقاة تصح بجزء مشروط من الثمرة، وهذا لا ثمرة له ينتفع بها فيلزم عدم صحتها؛ لعدم شرطها.
(٣) مسألة: تصح المساقاة على شجر له ثمر موجود عند العقد، بشرط: أن يبقى من العمل ما تزيد به الثمرة كالتأبير، والسقي، وإصلاح ما يلزم إصلاحه من الثمرة؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه" ﷺ قد عامل يهود خيبر على الشطر مما يخرج. ." فكما أن المساقاة تصح على شجر لا ثمر له مع كثرة ما قد يقع من الغرر فكذلك تصح على شجر له ثمر محتاج إلى رعاية، والجامع: نفع المتعاقدين في كل، بل إن نفعهما في الشجر الذي له ثمر أكثر؛ لقلَّة الغرر والجهل. وهذا من باب "مفهوم الموافقة الأولى"؛ فإن قلتَ: لم شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مصلحة المالك والساقي كما لو لم يكن في الشجر ثمر. فإن قلتَ: لا تصح المساقاة على شجر له ثمر موجود، وهو رواية عن أحمد، وقول للشافعي وكثير من=
стр. 1767
يغرسه) في أرض رب الشجر (ويعمل عليه حتى يثمر) احتجّ الإمام بحديث خيبر، ولأن العوض والعمل معلومان فصحَّت كالمساقاة على شجر مغروس (٤) (بجزء من
= العلماء؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ "قد عامل أهل خيبر على الشطر مما يخرج من زرع أو ثمر" فيلزم من لفظ "يخرج" أن المساقاة تصح على شجر لم يخرج ثمره إلى وقت العقد، فيلزم منه: عدم صحة المساقاة على شجر قد خرج ثمره، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أنه لا تصح المساقاة بعد بدو صلاح الثمرة: من احمرار أو اصفرار، فكذلك لا تصح المساقاة في شجر له ثمرة. والجامع: أنه في كل منهما استحقّ عوضًا موجودًا قلتُ: أما السنة الفعلية: فإن تعامله ﷺ مع يهود خيبر على ثمرة معدومة يفهم منه - بمفهوم الموافقة الأولى - جوازها على الموجودة، أما القياس: فهو فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أن الثمر بعد بدوّ صلاحه لا يزيده العمل شيئًا، بخلاف المساقاة على شجر له ثمر يحتاج إلى عمل: فهو يزيده ويُكمله؛ إذ لولا هذا السقي لفسد، فإن قلتُ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض لفظ السنة الفعلية مع مقصدها" فأخذنا باللفظ والمقصد، وهم عملوا باللفظ فقط.
(٤) مسألة: تصح المساقاة على شجر يغرسه العامل في أرض مالك الأرض ويعمل عليه حتى يثمر، بجزء من الثمر: كأن يقول زيد: "اغرس في أرضي هذه نخلًا أو شجرًا بجزء يشترط عند العقد، وكذا وادي فيه نخل، أو صغار شجر إلى مدة يحمل فيها غالبًا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ عامل أهل خيبر بشطر مما يخرج من زرع وثمر" حيث إن ذلك عام، فيشمل ما نحن فيه؛ لأن "ما" الموصولة من صيغ العموم، الثانية: القياس؛ بيانه: كما تصح المساقاة على شجر مغروس - كما سبق في مسألة (٢) - فكذلك تصح المساقاة على شجر يغرسه العامل بنفسه، أو فيه صغار شجر أو نحو ذلك والجامع: أن العوض والعمل معلومان في كل منهما، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك=
стр. 1768
الثمرة) مشاع معلوم، وهو مُتعلِّق بقوله: "تصح" فلو شرطا في المساقاة الكل لأحدهما أو آصعًا معلومة أو ثمرة شجرة معيّنة: لم تصح (٥)، وتصح المناصبة والمغارسة وهي:
= فيه جلب مصلحة للطرفين.
(٥) مسألة: يُشترط لصحة المساقاة: أن يُقدَّر نصيب العامل بجزء معلوم من الثمرة مشاع كالثلث والربع، سواء قلَّ الجزء المشروط أو كثر "فلو شرطا" أن تكون الثمرة كلها لأحدهما، أو شرط أحدهما ثمرة نخل أو شجر معين، أو شرط أحدهما عددًا معينًا من الآصاع كأن يشترط أحدهما أن يكون له مائة صاع من البر أو النخل، فالمساقاة فاسدة؛ لقواعد الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﵇ "قد عامل يهود خيبر بشطر ما يخرج منها" فاشترط الجزء المشاع هنا، فلزم، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث "إن الخلفاء الراشدين كانوا يتعاملون بالمساقاة، ويعطون الثلث أو الربع" ولم يخالفهم أحد من الصحابة الموجودين في المدينة، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن عدم إيجاد هذا الشرط، أو شرط شيء معيّن من النخل أو الثمر، أو الآصاع: ملحق للضرر بالطرفين: صاحب الأرض أو العامل: فقد لا ينتج من النخل إلّا هذا المشروط فيتضرّر من لم تكن له. (فرع): إن شرط أحد المتعاقدين في المساقاة تلك الشروط الفاسدة ووقع ذلك: فإن المساقاة فاسدة، وهذا سبق، وتكون الثمرة لصاحب الأرض، ويُعطى العامل أجرة مثله؛ للقياس؛ بيانه: كما أن العامل في شركة المضاربة إذا لم يُقدَّر نصيبه عند عقد الشركة، ولم يعلم، أو شرط أحدهما نصيبًا معينًا: فإن الربح يكون لصاحب المال دون العامل، ويُعطى العامل أجرة مثله، فكذلك المساقاة مثل ذلك، والجامع: أن المال إذا نمى فالنماء يكون لصاحبه في كل، فيلزم أن يُعطى العامل شيء نظير عمله.
стр. 1769
دفع أرض وشجر لمن يغرسه كما تقدَّم بجزء مشاع معلوم من الشجر (٦) (وهو) أي: عقد المساقاة والمغارسة والمزارعة (عقد جائز) من الطرفين؛ قياسًا على المضاربة؛ لأنها عقد على جزء من النماء في المال، فلا يفتقر إلى ذكر مدَّة، ولكلّ منهما فسخها متى شاء (فإن فسخ المالك قبل ظهور الثمرة فللعامل الأجرة) أي: أجرة المثل؛ لأنه منعه من إتمام عمله الذي يستحق به العوض (وإن فسخها هو) أي: فسخ العامل المساقاة قبل ظهور الثمرة: (فلا شيء له)؛ لأنه رضي بإسقاط حقه، وإن انفسخت بعد ظهور الثمرة: فهي بينهما على ما شرطاه، ويلزم العامل تمام العمل كالمضارب (٧)، (ويلزم
(٦) مسألة: إذا دفع زيد أرضه إلى عمرو لأجل أن يغرسها بجزء من الشجر والنخل معلوم مشاع: فإن ذلك يصح؛ للقياس على الزراعة، بيانه: كما أن العامل يبذر الأرض فيكون الزرع بينه وبين صاحب الأرض فكذلك الغرس مثله، والجامع: معرفة كل من العوض والعمل وكل من الطرفين، فلا غرر ولا جهل في كل. (فرع): إن دفع زيد أرضه إلى عمرو لأجل أن يغرسها أو يزرعها بشرط: أن تكون الأرض والشجر والزرع بينهما وأن تكون المدة معلومة فإنه يصح؛ للتلازم؛ حيث يلزم من معرفة العوض والعمل لكل من زيد وعمرو صحة ذلك، فإن قلتَ: لا يصح ذلك؛ وهو قول كثير من العلماء للتلازم؛ حيث يلزم منه: اشتراك المتعاقدين في الأصل الخاص بصاحب الأرض، وهذا فيه نوع ظلم. قلتُ: لا ظلم في ذلك، ولا غرر إذا علما العوض والعمل، والمدَّة فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازمين" (فرع ثان) عقد المساقاة والمزارعة والمغارسة يصح من مالك الأرض ومن ناظر الوقف؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه جلب المصلحة للأرض في تعميرها، ودفع الفساد عنها.
(٧) مسألة: عقد المساقاة والمغارسة والمزارعة عقد لازم، لا يصح إلّا على مدَّة معلومة لصاحب النخل والشجر، والأرض، وللعامل عند العقد، فلا يجوز لأحدهما فسخه وهو مذهب الجمهور؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن الإجارة عقد=
стр. 1770
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= لازم تكون على مدة معلومة للمتعاقدين عند العقد فكذلك المساقاة والمغارسة والمزارعة مثلها والجامع: أن كلًّا منها فيه عقد معاوضة، والعمل يكون على العين مع بقائها، الثانية: المصلحة؛ حيث إنها لو كانت عقد جائز، وبدون مدة مشترطة لجاز لصاحب الأرض، أو النخل فسخ العقد إذا ظهر الثمر، فيتضرّر العامل والساقي والمزارع والغارس، ولجاز للعامل أن يترك النخل أو الزرع في وقت أحوج ما يكون إليه، وحال صاحب الأرض لا يسمح بأن يقوم بعمله فيقع الضرر على صاحب الأرض والنخل، فدفعًا للضرر الواقع على المتعاقدين: كان العقد لازمًا؛ لأن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح فإن قلتَ: إنه عقد جائز فيجوز لصاحب الأرض والنخل أن يفسخها متى ما شاء، فإن فسخ صاحب الأرض والنخل قبل ظهور الثمرة: فإن العامل يُعطى نصيب عامل عمل مثل عمله، وإن فسخها العامل نفسه قبل ظهور الثمرة: فلا شيء له، وتكون الثمرة كلها لصاحب الأرض، أما إن حصل الفسخ منهما بعد ظهور الثمرة: فإنه يُعطى كل واحد نصيبه الذي اشترطه عند العقد، ويُلزم العامل بأن يكمل العمل، هذا ما ذكره المصنف هنا؛ للسنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ قد عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع" ولم يُنقل أنه اشترط مدة معلومة في عقد تلك المساقاة؛ إذ لو وجد لنُقل، لأنه من مهمات الأمور ولم ينقل شيء من ذلك، ويلزم من عدم اشتراط ذلك: "عدم اللزوم، ويلزم أيضًا منه: أنه إذا فسخ صاحب الأرض أو النخل العقد فجأة قبل ظهور الثمرة: أن يعوِّض العامل بأجرة ونصيب مثله؛ لمنعه من الاستمرار في العمل، ويلزم منه أيضًا: أنه إذا فسخها العامل: أن تكون الثمرة لصاحب الأرض والنخل؛ لكون العامل قد أسقط حقه، ويلزم إذا فسخها بعد ظهور ثمرها: أن يُقسَّم الثمرة بينهما على ما شرطاه عند العقد، ويُلزم العامل بإتمام عمله فيها إن احتيج إلى ذلك، كما قلنا=
стр. 1771
العامل كل ما فيه صلاح الثمرة: من حرث، وسقي وزبار) بكسر الزاي، وهو: قطع الأغصان الرديئة من الكرم (وتلقيح، وتشميس، وإصلاح موضعه و) إصلاح (طرق الماء وحصاد ونحوه) كآلة حرث، وبقر، وتفريق زِبْل، وقطع حشيش مضر، وشجر يابس، وحفظ ثمر على شجر إلى أن يُقسم (وعلى رب المال ما يصلحه) أي: ما يحفظ الأصل (كسد حائط، وإجراء الأنهار) وحفر البئر (والدولاب ونحوه) كآلته التي تديره ودوابه، وشراء ما يلقح به، وتحصيل ماء، وزبل (٨)، والجذاذ عليهما بقدر
= في العامل في شركة المضاربة، قلتُ: يُحتمل أن النبي ﷺ لم يشترط على يهود خيبر لما عاملهم بالمساقاة؛ لكون ذلك معروفًا بينهم فلا يحتاج إلى اشتراط شيء جرى العرف عليه، لا سيما وأن المصلحة تقتضي ذلك، وإذا تطرّق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال وإذا بطل الاستدلال به بطل ما بني عليه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة الفعلية مع القياس والمصلحة" فعملنا بالقياس والمصلحة؛ حيث إنهما يعتبران مقيدان المطلق السنة الفعلية، وعندهم: لم يقويا على ذلك.
(٨) مسألة: إذا أعطى زيد عمرًا أرضًا أو نخلًا وعقد معه عقد مساقاة أو مغارسة أو مزارعة عقدًا مطلقًا: فيجب على عمرو - وهو العامل - كلّ ما فيه إصلاح الثمرة، وزيادتها: من سقي الشجر بماء حاصل لا يحتاج إلى حفر بئر، وعليه جلب الماء من البئر، أو النهر بدولاب أو سواني، وحرث الأرض بأي آلة شاء: بقر ونحوها، وإزالة الحشيش المضر بالزرع والشجر والعنب. وقطع الجريد المضر - أيضًا - وهو المراد بالزبار -، وعليه أيضًا: تشميس ما يحتاج إلى تشميس، وتلقيح النخل وتفريقه عليها، وتصفية الزرع، وإصلاح موضع التشميس، وموضع دياس الزرع، وطرق الماء، وعليها أيضًا الحصاد والجذاذ واللقاط، ووضع سماد وتفريقه - وهو الزبل -، وحماية وحفظ ثمر على شجر ونخل ونقله إلى "الجرين" - وهو موضع حفظ الثمر والحبوب - وهذا كله يفعله العامل - وهو عمرو - إلى=
стр. 1772
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= حين وقت تقسيمه عليه وعلى صاحب الأرض والنخل والشجر - وهو زيد - فيأخذ كل واحد منهما نصيبه المشترط عند عقد المساقاة أو المزارعة أو المغارسة أما صاحب الأرض والنخل والشجر - وهو زيد - فيجب عليه كلُّ ما يحفظ الأصل كأن يبني ما انهدم من حائط، وتكلفة إجراء نهر أو ساقية، وحفر بئر، وتحصيل الدولاب ومَعدَّاته، ولو نفذ الماء: لزمه حفر بئر آخر ونحو ذلك وعليه أيضًا شراء السماد إذا احتيج إليه، وعليه: شراء ما يلقح به؛ للتلازم؛ حيث إن إطلاق عقد المساقاة والمزارعة والمغارسة يقتضي ذلك؛ فيلزم أن كل ما يتّصل بالعمل يكون على العامل - وهو عمرو - وما يتصل بالأصل ورأس المال والأرض يكون على صاحبه - وهو زيد -، تنبيه: سمَّى المصنف العنب بالكرم، وهذه تسمية منهي عنها، حيث قال ﷺ : "لا تسموا العنب كرمًا، إنما الكرم الرجل المسلم". (فرع): دواب إدارة دولاب الماء وما يُسحب بها الماء على العامل - وهو عمرو -؛ للقياس؛ بيانه: كما أن دواب الحرث على العامل، فيحرث بما شاء وما هو مناسب له، فكذلك الدواب التي يسحب بها الماء عليه والجامع: أن كل ذلك متصل بالعمل والعامل، فإن قلتَ: إن الدواب التي يُسحب بها الماء على صاحب الأرض والنخل - وهو زيد -، وهو ما ذكره المصنف هنا، وهو قول كثير من الحنابلة؛ للقياس؛ بيانه: كما أن شراء ما يُلقَّح به على صاحب الأرض والنخل - وهو زيد - فكذلك الدواب التي يسحب بها الماء مثل ذلك، والجامع: أن كلًّا منهما ليست من العمل في شيء، فلا تتصل بالعامل قلتُ: هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أن ما يلقَّح به يُشترى ويُعطى العامل ليضعه في النخل فورًا دون عمل طويل عليه، أما الدواب: فهو سيعمل عليها مدَّة طويلة، فيكون اتصالها بالعامل كثيرًا جدًّا تعمل على دواب الحرث، فإن قلتَ: ما الخلاف سبب هنا؟ قلتُ: "تعارض القياسين" فنحن ألحقناها=
стр. 1773
حصتيهما (٩) إلا أن يشترطه على العامل (١٠)، والعامل فيها كالمضارب فيما يقبل،
= بدواب الحرث لكونها أكثر شبهًا بها، وهم ألحقوها بما يلقح به؛ لكونها أكثر شبهًا به، وهذا هو: "قياس الشبه".
(٩) مسألة: الجذاذ والحصاد واللقاط على العامل - وهو عمرو -؛ للقياس؛ بيانه: كما أن التشميس ووضع التمر والحبوب في الجرين على العامل فكذلك الجذاذ والحصاد من باب أولى؛ لأنه قبله، والجامع: أن كلًّا منهما متّصل اتصالًا مباشرًا بالعمل، فإن قلتَ: إن الجذاذ والحصاد على صاحب الأرض والنخل - وهو زيد - وعلى العامل - وهو عمرو - كل واحد منهما يجذ ويحصد ما يساوي حصته المشروطة عند عقد المساقاة، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إن الجذاذ والحصاد يكون بعد تكامل الثمرة وانقضاء المعاملة فيلزم: أن يكون على المتعاقدين معًا؛ لتساوي الطرفين فيه قلتُ: لا نسلِّم انقضاء العمل بالجذاذ والحصاد، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في عقد المساقاة متى ينتهي؟ " فعندنا: ينتهي بوضع التمر والزرع في الجرين، وعندهم: ينتهي بتكامل الثمرة والزرع ووصولهما إلى الانتفاع بها.
(١٠) مسألة: إذا دفع زيد أرضه إلى عمرو وعقدا عقد مساقاة، واشترط عمرو - وهو العامل - على صاحب الأرض: أن يدفع دواب سحب الماء من البئر، أو يدفع دواب الحرث، أو أن يكون الجذاذ عليهما معًا وقبل صاحب الأرض - وهو زيد - أو اشترط على أحدهما شيئًا مما يلزم الآخر: فإن ذلك يصح؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المشتري لو اشترط عند عقد البيع تأجيل الثمن، أو تقسيطه وقبل المشتري: فإنه يصح،، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًّا منهما شرط لا يخل بمصلحة العقد، ولا مفسدة فيه على الطرفين، فإن قلتَ: لا يصح ذلك، وهو قول الشافعي، والقاضي أبو يعلى وأبو الخطاب؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لا يصح شرط العمل على صاحب المال في شركة المضاربة فكذلك لا يصح أن يشترط على=
стр. 1774
ويردُّ، وغير ذلك (١١).
= أحد المتعاقدين في عقد المساقاة شيئًا مما يلزم الآخر، والجامع: أنه في كل منهما شرط يخالف مقتضى العقد فأفسده. قلتُ: هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأنه إذا شرط العمل على صاحب رأس المال في شركة المضاربة: فقد قلب العقد تمامًا وأصبح صاحب رأس المال هو الذي دفع المال، وهو الذي يعمل، فيكون العامل لا عمل له فلذا لم يصح، أما إذا اشترط على أحد المتعاقدين في عقد المساقاة شيئًا مما يلزم الآخر: فكل واحد منهما اشترك في شيء من الأعمال، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فنحن قد ألحقناه بمن اشترط التأجيل في البيع؛ لكونه أكثر شبهًا به، وهم ألحقوه بالعامل في شركة المضاربة الذي اشترط أن يكون العمل على صاحب المال؛ لكونه أكثر شبهًا به عندهم، وهذا هو "قياس الشبه" (فرع): إذا اشترط على أحد المتعاقدين في عقد المساقاة شيئًا مما يلزم الآخر: فإنه يصح - كما سبق - ولكن بشرطين: أحدهما: أن لا يكون على صاحب المال - وهو زيد أكثر العمل أو نصفه؛ للتلازم؛ حيث إن العامل - وهو عمرو - إنما يستحق بعمله نصيبه، فيلزم من عدم الكثرة في عمله أو نصفه: عدم صدق صفة العامل عليه، فلا يستحق شيئًا. ثانيهما: أن يكون ما يلزم كل واحد منهما من العمل معلومًا؛ للمصلحة: حيث إن عدم وضوح عمل كل واحد منهما يؤدي إلى الاختلاف والتنازع، فيختل العمل، فدفعًا لذلك اشترط هذا.
(١١) مسألة: حكم العامل في المساقاة والمغارسة والمزارعة حكم العامل في شركة المضاربة فيما يُقبل قوله فيه، وفيما يُردَّ قوله فيه، فيقبل قوله فيما إذا تلف: إنه لم يُفرِّط ولم يتعدَّ، ويُقبل قوله في المبطل للعقد، ويُقبل قوله في الجزء المشروط مع يمينه إذا اتهم، ونحو ذلك من الحالات التي يقع خلاف بينه وبين صاحب الأرض والنخل والشجر؛ للقياس؛ بيانه: كما أن العامل في شركة المضاربة يُقبل قوله فيما=
стр. 1775
فصل (وتصح المزارعة)؛ لحديث خيبر السابق، وهي: دفع أرض وحبٍّ لمن يزرعه ويقوم عليه، أو حب مزروع ينمي بالعمل لمن يقوم عليه (بجزء) مشاع (معلوم النسبة) كالثلث أو الربع ونحوه (مما يخرج من الأرض لربها) أي: لرب الأرض (أو للعامل والباقي للآخر) أي: إن شرط الجزء المسمّى لرب الأرض فالباقي للعامل، وإن شرط للعامل فالباقي لرب الأرض؛ لأنهما يستحقان ذلك، فإذا عيّن نصيب أحدهما منه: لزم أن يكون الباقي للآخر (١٢) (ولا يُشترط) في المزارعة والمغارسة: (كون البذر
= يُقبل ويرد مع يمينه عند الاختلاف فكذلك العامل في عقد المساقاة والمغارسة والمزارعة مثله والجامع: أن كلًّا من العامِلَين قد ائتمنه صاحب المال، والأرض والنخل والشجر، والمؤتَمن يُقبل قوله، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه حماية العامل من ظلم أصحاب الأراضي والنخيل والأشجار؛ لكون العادة أن يكون الظلم من جهتهم؛ (فرع): إذا ثبتت خيانة العامل، ولم يؤتمن على السقي والزرع والغرس وحفظ ذلك: فإنه يُستأجر من ماله من يعمل عمله، وهو قول كثير من العلماء؛ للقياس، بيانه: كما أن العامل لو هرب: فإنه يُستأجر من ماله من يعمل عمله فكذلك يُفعل ذلك فيه إذا ثبتت خيانته والجامع: تعذُّر استيفاء المنافع المقصودة منهما فاستوفيت بغيرهما، فيُقال له: "إذا لم يمكن لك حفظها من خيانتك أقم غيرك يعمل ذلك وارفع يدك عنها؛ لكون الأمانة قد تعذَّرت في حقك".
(١٢) مسألة: المزراعة لغة: مأخوذة من الزَّرْع - بفتح الزاي، وتسكين الراء - والمغارسة لغة: مأخوذة من غرس النخل، وهي في الاصطلاح: أن يدفع زيد أرضه إلى عمرو ليقوم عمرو بزرعها أو غرسها، وسقيها، وحمايتها، وتنمية ذلك، ويفعل كل ما تحتاج من خدمات، وذلك بجزء معلوم مشاع من المحصول، أو يدفع ذلك وهو مزروع لعمرو فيقوم بتنميته وذلك كثلثه أو ربعه أو نصفه يأخذه زيد على حسب ما يشترطانه عند عقد المزارعة، فإن اتفقا على أن يكون الثلث لصاحب الأرض، =
стр. 1776
والغراس من رب الأرض) فيجوز أن يخرجه العامل في قول عمر، وابن مسعود، وغيرهما، ونصَّ عليه في رواية "مهنَّا" وصححه في "المغني" و "الشرح" واختاره أبو محمد الجوزي والشيخ تقي الدين (وعليه عمل الناس)؛ لأن الأصل المعوَّل عليه في المزارعة قصة خيبر، ولم يذكر النبي ﷺ أن البذر على المسلمين، وظاهر المذهب: اشتراطه، نصَّ عليه في رواية "الجماعة"، واختاره عامة الأصحاب، وقدَّمه في "التنقيح" وتبعه المصنف في "الإقناع"، وقطع به في "المنتهى" (١٣) وإن شرط رب
= فإن الثلثين يكون للعامل، والعكس بالعكس (فرع): المزارعة والمغارسة صحيحة - على التعريف السابق -؛ لقواعد هي: السنة الفعلية، وفعل الصحابي، والمصلحة، وقد سبق بيانها بالتفصيل في مسألة: (٢).
(١٣) مسألة: لا يُشترط في عقد المزارعة والمغارسة: أن يكون البذر والغراس من صاحب الأرض - وهو زيد - بل يجوز أن يأتي العامل - وهو عمرو - بالبذر والغرس ويغرسها، ويجوز أن يأتي بذلك صاحب الأرض - وهو زيد - ولا فرق بينهما في ذلك، ولكن يبين ذلك عند العقد؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ "قد عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع" ولم يُبيِّن النبي ﷺ أن البذر والغرس على المسلمين، ولو كان شرطًا لما ترك بيانه؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، الثانية: قول وفعل الصحابي؛ حيث إن عمر ﵁ قد دفع البذر من عنده مرة، وجعل العامل يدفعه من عنده مرة أخرى فجاز الأمران، وهو رواية عن ابن مسعود، والغرس مثل البذر؛ لعدم الفارق، من باب "مفهوم الموافقة"، فإن قلتَ: إنه يشترط كون البذر من صاحب الأرض، وهو رواية عن أحمد، وقول كثير من الحنابلة، وبعض العلماء؛ للتلازم؛ حيث إن عقد المزارعة والمغارسة عقد يشترك فيه صاحب الأرض، والعامل في نمائه فوجب أن يكون رأس المال من أحدهما على حسب شرطهما قلتُ: إن هذا مخالف للسنة الفعلية السابقة وآثار الصحابة، فلا يُعمل به، فإن قلتَ: ما سبب =
стр. 1777
الأرض أن يأخذ مثل بذره، ويقتسما الباقي: لم يصح (١٤)، وإن كان في الأرض شجر فزارعه على الأرض وساقاه على الشجر: صح، وكذا: لو آجره الأرض، وساقاه على شجرها فيصحّ ما لم يتّخذ حيلة على بيع الثمرة قبل بدو صلاحها (١٥) وتصح مساقاة
= الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة وآثار الصحابة مع التلازم" فيُعمل عندنا: بالسنة والآثار وما يُفهم منهما، ويُعمل عندهم بالتلازم.
(١٤) مسألة: إذا أعطى صاحب الأرض - وهو زيد - الأرض وصاعين من البذر للعامل - وهو عمرو - ليزرعها واشترط زيد: أن يأخذ هذين الصاعين عند خروج المحصول، ويقتسما الباقي: فهذا لا يصح؛ لقاعدتين: الأولى: المصلحة؛ حيث إنه يُحتمل أن الأرض لا تُخرج سوى هذين الصاعين، فيأخذهما صاحب الأرض - وهو زيد - نظرًا لاشتراطه ذلك - فلا يبقى للعامل - وهو عمرو - شيء فيتضرر، فدفعًا لذلك: لم يصح ذلك الشرط، الثانية: التلازم؛ حيث إن عقد المزارعة يقتضي اشتراك كل من صاحب الأرض والعامل في محصول الزرع، فيلزم من هذا الشرط: عدم الاشتراك، وهذا يفسد العقد.
(١٥) مسألة: إذا كان في الأرض شجر: فيصح لصاحب الأرض والشجر أن يعقد مع العامل عقد مزارعة على الأرض، وأن يعقد معه عقد مساقاة على الشجر، وكذا: يصح أن يعقد معه عقد إجارة على الأرض، وأن يعقد معه عقد مساقاة على الشجر، ولكن هذا بشرط: أن لا يقصد من هذا التحايل على بيع الثمرة التي في الشجر قبل بدو صلاحها، أو يؤجره الأرض بأكثر مما ستخرجه، أو بأكثر من أجرتها المعتادة؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه يجوز أن يجمع بين بيع وإجارة فكذلك يجوز أن يُجمع بين مزارعة ومساقاة، وأجرة ومساقاة والجامع: أنه وقع في كل منهما عقدان يجوز إفراد كل واحد منهما فجاز الجمع بينهما، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه جلب مصلحة لصاحب الأرض والشجر وللعامل، وفيه جمع بين الزرع، والنخل، والأشجار.
стр. 1778
ومزارعة بلفظهما، ولفظ: المعاملة وما في معنى ذلك (١٦)، ولفظ: إجارة؛ لأنه مؤدٍ للمعنى (١٧) وتصح إجارة أرض بجزء مشاع مما يخرج منها، فإن لم تزرع نظر إلى مُعدَّل
(١٦) مسألة: يصح عقد المساقاة، والمزارعة، والمغارسة بلفظ كل منها: فيقال "قد ساقيتك وزارعتك، وغارستك"، ويصح بلفظ المعاملة فيقال: "عاملتك" أو "اعمل في أرضي هذه" أو "في بستاني حتى تكمل ثمرته" أو ما في معنى ذلك كقوله: "فالحتك" وقوله: "تعهَّد نخلي" أو "اسقه" أو نحو ذلك؛ وتصح بأي لفظ عرف المتعاقدان أن المقصود منه عقد المساقاة، أو المزارعة، أو المغارسة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إن الراوي قال: "عامل النبي ﷺ أهل خيبر. ." فإن ذلك يُفيد أن لفظ "المعاملة" يصح، الثانية: التلازم؛ حيث إن الألفاظ الأخرى كساقيتك، أو زارعتك، أو غارستك حقيقة في ألفاظها فيلزم صحتها ويلزم من تأدية الألفاظ الأخرى للمعنى المقصود: صحتها.
(١٧) مسألة: لا تصح المساقاة والمزارعة والمغارسة بلفظ "الإجارة"؛ وهو قول كثير من العلماء كأبي الخطاب للتلازم؛ حيث إنه يُشترط للإجارة: كون العوض معلومًا فيلزم عدم صحة عقدها بلفظ الإجارة؛ لأن العوض في عقد المساقاة والمغارسة، والمزارعة يشترطان أن لا يكون معلومًا، بل يكون بجزء مشاع معلوم النسبة كثلث المحصول ونحو ذلك كما سبق. فإن قلتَ: تصح بلفظ: "الإجارة"، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما أنها تصح بالألفاظ السابقة في مسألة (١٦) فكذلك تصح بلفظ الإجارة، والجامع: أن كلًّا منها يؤدّي إلى المعنى المراد والمقصود. قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إنه يُوجد فرق بين عقدي الإجارة والمساقاة من حيث اشتراط العلم بالعوض وعدمه، وهذا فرق أساسي بين العقدين يتسبَّب في الخلط بين حقائق الأمور، فدفعًا لذلك: لم يصح، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع القياس" كما بيناهما.
стр. 1779
المغل: فيجب القسط المسمَّى (١٨) / (١٩).
(١٨) مسألة: لا تصح إجارة الأرض بجزء مُشاع يخرج منها كأن يقول زيد: "آجرتك هذه الأرض بربع ما تزرع فيها من بُرٍّ ونحوه"، وإن وقع ذلك: فتكون مزارعة ومغارسة وليست بإجارة، وهو قول كثير من الحنفية والشافعية، واختاره أبو الخطاب؛ للتلازم؛ وقد ذكرناه في مسألة (١٧)، فإن قلتَ: بل تصح وتكون إجارة حقيقية، ولها شروط الإجارة؛ فإن لم يزرعها المستأجر: فإنه يدفع ما يعادل القسط المشترط لصاحب الأرض بتقدير زرعها، وذلك بالنظر إلى أرض تساويها في المساهمة وقريبة منها، ومن جنس ذلك الطعام الذي يمكن أن يزرع، هذا ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم الغرر: صحَّة ذلك قلتُ: لا يُسلَّم هنا عدم الغرر والجهل؛ لكون هذا الجزء المشروط غير معلوم تقديره، وما لا يعلم تقديره لا يكون عوضًا، ثم إن المستأجر قد لا يزرعها لأي سبب فيقع الاختلاف والتنازع بينه وبين المؤجَّر في تقدير ذلك القسط المشترط؛ لأن الأراضي تختلف في محصولها وإن كانت متقاربة، وهذا معلوم بالعادة والعرف، فسدًا لذلك: لا تصح إجارة الأرض بجز مشاع مما يخرج منها فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازمين".
(١٩) مسألة: تجوز إجارة الأرض بسعر معلوم المقدار عند العقد كأن يقول المؤجر: "أجَّرتك هذه الأرض لتزرعها أو تغرسها كل سنة بعشرة آلاف ريال" ونحو ذلك أو يقول: "أجرتك هذا البستان لتقوم بما يُصلحه وتأخذ ثماره كل سنة بعشرة آلاف" ونحو ذلك؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث إن حنظلة بن قيس سأل رافع بن خديج عن كراء الأرض فقال: "نهى رسول الله ﷺ عن كراء الأرض" فقلتُ: بالذهب والفضة؟ قال: "إنما نهى عنها ببعض ما يخرج منها أما بالذهب والفضة فلا بأس" وهو واضح الدلالة؛ الثانية: القياس، بيانه: كما تجوز إجارة الدور بالأثمان فكذلك تجوز إجارة الأراضي لزراعتها بالإثمان، والجامع: أن كلًّا =
стр. 1780
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= منهما عين يمكن استيفاء المنفعة المباحة منها مع بقائها، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث إنه ذهب إلى ذلك رافع بن خديج، وابن عمر وابن عباس، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه جلب مصلحة للطرفين ودفع مفسدة عنهما؛ إذ كل منهما منتفع، بل يتعدَّى ذلك إلى نفع المجتمع، فإن قلتَ: إن ذلك مكروه، للسنة القولية: حيث إنه ﷺ قد نهى عن كراء المزارع - كما رواه رافع بن خديج -، والنهي للكراهة؛ والمصلحة هي التي صرفته من التحريم إلى الكراهة؛ حيث إنه يُحتمل احتمالًا بعيدًا أن لا يكسب المستأجر إلا قدر الأجرة المشترطة - وهي العشرة الآلاف - فيعطيها المؤجر فيتضرّر المستأجر، وقد يكسب المستأجر الملايين من نتاج هذه الأرض فيكون الذي أخذه المؤجَّر قليلًا جدًّا، فيتضرّر، قلتُ: إن راوي حديثنا الخاص وراوي حديثكم العام واحد، وهو في حديثنا قد فسَّر ما رواه في حديثكم، فيحمل العام على الخاص؛ لكونهما متعارضين، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض الحديثين".
هذه آخر مسائل باب "المساقاة والمغارسة والمزارعة" ويليه باب "الإجارة".
стр. 1781
باب الإجارة
مشتقة من الأجر، وهو: العوض، ومنه: سُمِّي الثواب أجرًا، وهي عقد على منفعة مباحة معلومة من عين معيّنة أو موصوفة في الذمة مدة معلومة، أو عمل معلوم بعوض معلوم (١)
باب الإجارة
وفيه خمس وسبعون مسألة:
(١) مسألة: الإجارة لغة: اسم للأجرة وإعطاء الأجر مقابل منفعة، وهي مشتقة من الأجر، وهو: العوض عن فعل شيء، ويطلق على المجازاة، والثواب والجزاء يُقال: "أجرته" أي: أثبته وجازيته على شيء قام به - كما في المصباح (١/ ٥) - وهي في الاصطلاح: "عقد على منفعة مباحة من عين معينة أو موصوفة في الذمَّة مدَّة معلومة، أو عقد على عمل شيء معلوم بعوض معلوم" فلفظ "عقد على منفعة" فيه اشتراط: أن يكون العقد بين المؤجر والمستأجر على المنفعة، دون العين، وخرج بذلك البيع والهبة؛ لكونهما عقد على عين، وعبارة "مباحة" فيها اشتراط: كون المؤجَّر مُباح قابل للبذل، وخرج بذلك البضع؛ حيث إنه غير مباح التأجير، لذلك كان العقد عليه لا يُسمَّى إجارة، وعبارة "من عين معيّنة أو موصوفة في الذمة مُدَّة معلومة" فيها بيان القسم الأول من قسمي الإجارة - وهو المشهور - وهو: كون الإجارة على شيء مشاهد مثل قول زيد لعمرو: "أجَّرتك هذه الدار سنة أو شهرًا أو يومًا" أو كونها على شيء موصوف بأوصاف دقيقة كقوله: "أجَّرتك دارًا صفتها كذا وكذا سنة أو شهرًا أو يومًا" وعبارة "مدَّة معلومة" فيها اشتراط العلم بمدَّة الانتفاع بالشيء المؤجر، وخرج بذلك: التأجير دون تعيين مدَّة؛ حيث إن هذا لا يجوز، وعبارة "أو عقد على عمل شيء" فيها بيان القسم الثاني من قسمي الإجارة وهو: كون الإجارة على عمل معلوم كقول زيد لعمرو: =
стр. 1782
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= " أستأجرك على بناء جدار هنا أوصافه كذا وكذا" وعبارة: "بعوض معلوم" فيها اشتراط كون الأجرة معلومة المقدار، وهذا الشرط للقسمين، وهذا ثبت بالتلازم؛ حيث إنه بعد استقراء وتتبع النصوص والأدلة: لزم هذا التعريف - كما سيأتي بيان ذلك. (فرع): عقد الإجارة مشروع وصحيح عند جمهور العلماء المعتدّ بأقوالهم؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فلو لم تصح الإجارة لما أُمر بذلك، فلازم العبارة يدلّ على الصحة، وقال تعالى: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ وقال: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ فيلزم صحّة الإجارة شرعًا؛ لأن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يرد ما يخالفه في شرعنا. الثانية: للسنة القولية: حيث إنه "﵇ أمر أن تُكرى الأرض بذهب أو ورق" - كما رواه سعد بن أبي وقاص - وقال: "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجفَّ عرقه" وهذا يلزم منه صحة الإجارة ومشروعيتها، الثالثة: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﵇ وأبا بكر قد استأجرا رجلًا من بني الديل يوصلهما إلى المدينة" "وأنه ﵇ قد احتجم وأعطى الحجام أجره" فلزم من ذلك صحة الإجارة؛ إذ لو لم تصح لما فعله، فإن قلتَ: لِمَ شُرعت الإجارة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الحاجة تقتضي مشروعيتها؛ لكون الواحد يحتاج إلى السكنى والسفر، فليس كل واحد يملك دارًا يسكنها، أو راحلة يُسافر عليها، ولا يمكن أن يتطوّع بذلك أحد فيحتاج إلى استئجار ذلك، وكذلك مالك الدار قد يحتاج إلى بناء جدار ولا يستطيع فعله بنفسه، ولا يمكن أن يتطوَّع به أحد، فيحتاج إلى أن يستأجر أحدًا يقوم به، وبذلك يحصل تكافل المجتمع وقضاء كل واحد حاجة الآخر ولو كان بأجرة، فإن قلتَ: إن الإجارة لا تصح، وهو ما حكي عن الحسن البصري، وابن علية، وابن الأصم، والقاشاني والنهرواني؛ للمصلحة: حيث إن الإجارة بيع المنافع، والمنافع حال العقد معدومة القبض،=
стр. 1783
وتنعقد بلفظ "الإجارة" و "الكراء" وما في معناهما (٢)، وبلفظ "بيع" إن لم يُضف للعين (٣) و (تصح) الإجارة (بثلاثة شروط) أحدهما (معرفة المنفعة)؛ لأنها المعقود
= فيكون في ذلك غرر وجهالة، فيلزم عدم صحتها دفعًا لذلك. قلتُ: إن المنافع وإن كانت معدومة عند العقد إلا أنها مستوفاة في الغالب من عادات الناس وأعرافهم، والعادة محكَّمة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحة مع الكتاب والسنة" فنحن عملنا بالكتاب والسنة، لظهور دلالتهما والمصلحة اجتهاد، ولا اجتهاد مع النص، وأيضًا: "تعارض المصلحتين" فنحن عملنا بالمصلحة العامة وهي: مصلحة المجتمع الإسلامي فجازت الإجارة لذلك مع تأييد العادة لذلك، وهم عملوا بالمصلحة الخاصة، والعامة مقدمة على الخاصة.
(٢) مسألة: تصح الإجارة بلفظ: "الإجارة" فتقول: "أجرتك هذه الدار" وقول المستأجر: "استأجرتها" وبلفظ "الكراء" فتقول: "أكريتك هذه الدار"، وقول المستأجر: "اكتريتها"؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وضع هذين اللفظين للإجارة، وفهم أن المقصود منهما التأجير: صحة ذلك. (فرع): تصح بأي لفظ يُفهم معنى الإجارة: "كأعطيتك نفع هذه الدار سنة بكذا"؛ للقياس؛ بيانه: كما تصح الإجارة بلفظ "الإجارة" و"الكراء" فكذلك ما في معناهما، والجامع: فهم المقصود في كل.
(٣) مسألة: لا تنعقد الإجارة بلفظ "البيع"؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن النكاح لا ينعقد بلفظ "البيع" فكذلك الإجارة مثله، والجامع: أن كلًّا منهما عقد يُخالف البيع في الاسم والأحكام الثانية: التلازم؛ حيث إن الإجارة تضاف إلى العين التي يضاف إليها البيع، وهذه الإضافة واحدة فيلزم أن يُجعل لكل من "الإجارة" و "البيع" لفظًا خاصًّا به تفريقًا بينهما؛ لإبعاد التشابه، فإن قلت: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن انعقاد الإجارة بلفظ "البيع" مع وجود ألفاظٍ =
стр. 1784
عليها، فاشتُرط العلم بها كالمبيع (٤)، وتحصل المعرفة إما بالعرف (كسكنى دار)؛ لأنها
= خاصة بها يُفضي إلى اختلاط حقائق الأمور، مما يؤدِّي إلى اختلاف المتعاقدين، فدفعًا لذلك: شرع هذا؟ فإن قلتَ: إنها تنعقد بلفظ البيع بشرط: أن لا يضاف البيع للعين، بل يقول المؤجر: "بعتك منفعة هذه الدار" وهذا ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس، بيانه: كما أن الصَّرف ينعقد بلفظ "البيع" فكذلك الإجارة تنعقد بلفظ "البيع" والجامع: أن كلًّا منهما بيع في الحقيقة قلتُ: هذا بعيد؛ دفعًا للضرر عن المتعاقدين في الإجارة؛ إذ يؤدِّي إلى عدم فهم المتعاقدين أو أحدهما المقصود من هذا العقد فيقع الخلاف بينهما، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع المصلحة" فنحن نعمل بالمصلحة؛ حيث إنها تقتضي إعطاء كل عقد ما يُناسبه؛ دفعًا للضرر، وهم عملوا بالقياس فإن قلتَ: إن "الإجارة" تنعقد بأي لفظ عرف به المتعاقدان: أن المقصود هو "الإجارة" وهو ما ذكره كثير من العلماء منهم ابن تيمية وابن القيم؛ للتلازم: حيث إنه يلزم من عدم ورود ألفاظ للإجارة خاصة بها: أن يُرجع إلى العرف فيما بينهما. قلتُ: هذا بعيد؛ لمخالفته للمصلحة التي ذكرناها؛ إذ قد يفهم أحد المتعاقدين غير ما فهمه الآخر؛ لاختلاف المجتمعات، والبيئات، والأفراد في المفاهيم، وبسبب اختلاف الأفهام والمقاصد وقع خلاف كبير في بعض الأحكام، فدفعًا لذلك رجَّحنا ما ذكرناه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم والمصلحة".
(٤) مسألة: في الأول - من شروط صحة الإجارة - وهو: أن يعرف كلُّ واحدٍ من المؤجَّر والمستأجر المنفعة التي أُجِّرت، فلا يصح تأجير شيء مجهول المنفعة مثل أن يعرف المتعاقدان: "أن هذه الدار أُجِّرت للسكنى" و "أن هذا المكان أُجَّر مستودعًا" و "أن هذا أُجِّر مدرسة للتعليم" وهكذا؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه يُشترط في صحة البيع معرفة العين المباعة، فلا يصح بيع عين مجهولة فكذلك يُشترط في صحة الإجارة معرفة المنفعة المؤجرة والجامع: أن كلًّا من المنفعة والعين قد وقع =
стр. 1785
لا تكرى إلا لذلك، فلا يعمل فيها حدادة ولا قصارة، ولا يسكنها دابة، ولا يجعلها مخزنًا لطعام، ويدخل ماء بئر تبعًا، وله إسكان ضيف وزائر (و) كـ (خدمة آدمي) فيخدم ما جرت العادة به من ليل أو نهار، وإن أستأجر حرة أو أمة صرف وجهه عن النظر (و) يصح استئجار آدمي لعمل معلوم كـ (تعلم علم) وخياطة ثوب أو قصارته، أو ليدل على طريق ونحوه؛ لما في البخاري عن عائشة في حديث الهجرة: "واستأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلًا هو عبد الله بن أرقط وقيل: ابن أريقط كان كافرًا من بني الديل هاديًا خريتًا (و) "الخريت" الماهر بالهداية، وإما بالوصف كحمل زبرة حديد وزنها كذا إلى موضع معين، وبناء حائط يذكر طوله وعرضه وسمكه وآلته (٥) الشرط
= عليهما العقد، فإن قلتَ: لِمَ اشترط هذا الشرط؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن عدم معرفة المتعاقدين للمنفعة المؤجَّرة يؤدِّي إلى الجهالة والغرر مما يُفضي إلى الاختلاف والتنازع، فدفعًا لذلك اشتُرط هذا الشرط.
(٥) مسألة: تحصل معرفة المنفعة بطريقين: الطريق الأول: عرف وعادة الناس كتأجير دار للسكنى، أو تأجير آدمي للعمل، أو تعليم علم، أو بناء جدار، أو الهداية إلى طريق ونحو ذلك، فالمستأجر هنا يستعمل الدار فيما جرت العادة استعمالها فيه كأن يضع فرشه، وطعامه المعتاد، ومتاعه، وأوانيه، ولا يجوز استعمالها فيما لم تجر العادة استعمالها فيه كأن يجعلها مستودعًا لبضاعته، أو موضعًا للحدادة، أو للتجارة، أو لحيواناته، أو مصنعًا لثياب ونحو ذلك، فإن فعل ذلك: فإن عقد الإجارة يبطل، وكذا: إذا استأجر آدميًا: فإنه يستخدمه فيما جرت العادة استعماله فيه من أعمال، وأزمان، فلا يجوز للمستأجر أن يستخدمه في أشياء لم تجرد العادة استخدامه فيها، أو تكليفه بالعمل في وقت لا يُعمل فيه عادة، فإن فعل ذلك: فإن عقد الإجارة يبطل؛ الطريق الثاني: وصف المنفعة التي استأجره لأجلها، فلو استأجره لحمل مجموعة حديد: فلا بد أن يعرف المستأجر وزنها، وكميتها، ووزنها، والموضع الذي تُحمل إليه ونحو ذلك مما يخصُّ المحمول، ولو=
стр. 1786
(الثاني: معرفة الأجرة) بما تحصل به معرفة الثمن؛ لحديث أحمد عن أبي سعيد: أن النبي ﷺ نهى عن استئجار الأجير حتى يُبيِّن له أجرة (٦)، فإن آجره الدار
= استأجره لبناء حائط فلا بدَّ أن يعرف المستأجر طوله، وعرضه، وارتفاعه، ونوع المادة التي يُبنى فيها من حجارة، أو بلك، أو لبن أو جص ونحو ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد استأجر رجلًا من بني الديل ليدله الطريق إلى المدينة المنورة" فلزم من ذلك: جواز استئجار الآدمي، واشتراط معرفة المنفعة بالوصف، الثانية: القياس، بيانه: وهو من وجهين: أولهما: كما يجوز بيع العين بثمن مطلق في موضع فيه نقد معروف فكذلك يجوز تأجير الدار والآدمي وإطلاق ذلك والجامع: أن العرف يُحدِّد المطلوب في ذلك، فلم يُحتج إلى بيان طريقة السكنى أو عمل الآدمي؛ لكونهما لا يستأجران إلا لذلك، ثانيهما: كما يجوز بيع العين الموصوفة وصفًا دقيقًا فكذلك يجوز تأجير المنفعة الموصوفة وصفًا دقيقًا والجامع: معرفة المباع والمؤجَّر بذلك تمام المعرفة. فإن قلتَ: لِمَ حصلت معرفة المنفعة بهذين الطريقين؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للمتعاقدين من جهل وغرر يقع عليهما أو على أحدهما.
(٦) مسألة: في الثاني - من شروط صحّة الإجارة - وهو: أن يعرف كل من المؤجِّر والمستأجر قدر الأجرة، وهذه المعرفة تكون بالرؤية، أو بالوصف؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه تُشترط معرفة ثمن السلعة المباعة في البيع وذلك بالرؤية أو بالوصف فكذلك قدر الأجرة يشترط أن يُعرف بذلك والجامع: أن كلًّا منهما عوض في عقد معاوضة فوجب العلم به برؤية أو صفة. فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية المتعاقدين من التنازع بسبب جهل قدر الأجرة كما يحصل كثيرًا، تنبيه: ما ذكره المصنف من "نهي النبي ﷺ عن استئجار الأجير حتى يُبين له أجره" لا يصلح للاستدلال به؛ لضعفه؛ بسبب وجود انقطاع في سنده، وبعضهم جعله موقوفًا على راويه - وهو: أبو سعيد=
стр. 1787
بعمارتها (٧)، أو عوض معلوم وشرط عليه عمارتها خارجًا عن الأجرة: لم تصح (٨)، ولو آجرها بمعين على أن ينفق المستأجر ما تحتاج إليه محتسبًا به من الأجرة: صحَّ (٩) (وتصح) الإجارة (في الأجير والظئر بطعامهما وكسوتهما) روي عن أبي بكر، وعمر،
= الخدري -.
(٧) مسألة: إذا قال زيد لعمرو: "أجَّرتك هذه الدار سنة كاملة بشرط: أن تعمر ما انهدم منها": فلا تصح الإجارة؛ للتلازم؛ حيث إن القدر الذي يعمر ما انهدم مجهول فيلزم عدم صحة الإجارة؛ لفقدان شرط من شروط صحة الإجارة - وهو: العلم بقدر الأجرة - والمقصد: حماية المستأجر. (فرع): إن قال زيد لعمرو: "أجرتك هذه الدار شهرًا بشرط: أن تبني هذا الجدار الساقط" وبيَّن له وصف الجدار الذي يزيد بناءه - كما سبق بيانه -: فإن الإجارة تصح؛ للتلازم؛ حيث يلزم من توفر شرط صحة الإجارة وهو العلم بقدر الأجرة وهو بناء هذا الجدار عند العقد: صحتها.
(٨) مسألة: إذا قال زيد لعمرو: "أجرتك هذه الدار بألف درهم سنة كاملة بشرط: أن تعمر ما انهدم منها أيضًا": فلا تصح الإجارة؛ للتلازم؛ حيث إن الثمن الذي يعمر ما انهدم منها مجهول: فقد يزيد على المستأجر زيادة غير محتملة، وقد يطمع المؤجَّر ويطلب من المستأجر تحسينات تزيد من الثمن فيتضرَّر المستأجر، فيلزم من ذلك: عدم صحة الإجارة؛ لفقدان شرط من شروط صحتها - وهو العلم بالأجرة - والمقصد هو: منع الضرر عن المستأجر، وقطع التنازع.
(٩) مسألة: إذا قال زيد لعمرو: "أجرتك هذه الدار بألف سنة كاملة بشرط: أن تصلحها وتحسب ما تنفقه عليها من الأجرة - وهي: الألف - ": فإن الإجارة تصح؛ للقياس؛ بيانه: كما أن زيدًا لو وكَّل عمرًا لإصلاح دار ونحوها وأعطاه ما يُنفق به على ذلك فإنه يصح ذلك فكذلك هذه الحالة مثل ذلك والجامع: أن الإنفاق في الحالتين على المالك. والمقصد هنا: حماية المتعاقدين.
стр. 1788
وأبي موسى في الأجير، وأما الظئر فلقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ويُشترط لصحة العقد العلم بمدة الرضاع، ومعرفة الطفل بالمشاهدة، وموضع الرضاع، ومعرفة العوض (١٠) (وإن دخل حمامًا، أو سفينة) بلا عقد (أو
(١٠) مسألة: يجوز أن يستأجر زيد عمرًا للخدمة وغيرها بطعامه الذي اعتاد الناس أن يعطونه الأُجَراء؛ لقاعدتين: الأولى: فعل الصحابي؛ حيث إن أبا بكر وعمر، وأبا موسى، قد استأجروا الأجراء بطعامهم، وأن أبا هريرة قد أجَّر نفسه بطعام نفسه، الثانية: التلازم؛ حيث إن الطعام يُعتبر عوض لمنفعة، ويكفي فيه ما تعارف عليه الناس أن يطعموه أُجراءهم فيلزم: جواز ذلك ولو لم يُسمَّ مقدار الطعام؛ لكون العرف يكفي عن التسمية، والمقصد منه: قضاء حاجة المؤجر والمستأجر. تنبيه: استدلّ بعضهم بالسنة القولية؛ حيث إنه ﵇ لما قرأ قصة موسى ﵇ قال: "آجر نفسه ثمان سنين أو عشرًا على عفَّة فرجه، وطعام بطنه" قلتُ: هذا لا يصلح للاستدلال به هنا؛ لأن المسألة مفروضة في استئجار الآدمي بطعامه فقط، وهنا قد استؤجر موسى بطعامه، وإنكاحه، فاختلفت المسألتان. (فرع): يجوز أن يستأجر الرجل امرأة تُرضع له ولده بطعامها المعروف - وهو المسمَّى بالظئر - بشروط أربعة: أولها: أن تعلم المرأة المرضعة المدة التي ستقوم بإرضاع الطفل فيه، ثانيها: أن تشاهد المرضعة الطفل الذي سترضعه، ثالثها: أن يتفق والد الطفل والمرأة المرضعة على الموضع الذي ستُرضعه فيه هل هو في بيتها، أو في بيت والده؟ رابعها: أن يعرف كل من والده، والمرضعة قدر الأجرة، فإن لم تتوفَّر تلك الشروط فلا صحة للإجارة؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ حيث دلَّت هذه الآية بدلالة الإشارة على أن المقصود بهذه الآية هي: المرضعة غير الزوجة؛ لأن الزوجة تجب نفقتها وكسوتها ولو لم ترضع ولده - وقد فصَّلتُ هذا في كتابي: "طرق دلالة الألفاظ على الأحكام" الثانية: التلازم؛ وقد سبق بيانه في مسألة: (١٠) =
стр. 1789
أعطى ثوبه قصارًا، أو خياطًا) ليعملاه (بلا عقد: صح بأجرة العادة)؛ لأن العرف الجاري بذلك يقوم مقام القول، وكذا: لو دفع متاعه لمن يبيعه، أو استعمل حمالًا ونحوه فله أجرة مثله، ولو لم يكن له عادة بأخذ الأجرة (١١)، الشرط
= فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهي سد حاجة الناس. فإن قلتَ: لِمَ اشترطت تلك الشروط هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية المرضعة ووالد الطفل من الجهل في بعض ما تترتَّب عليه تلك الرضاعة: من طول مدة أو قصرها، وكبر حجم الطفل أو صغره، ومشقة ذهاب المرضعة إلى والد الطفل، أو عدمها، وكثرة أجره أو قلَّتها؛ حيث إن الجهل في تلك الأمور يُؤدِّي إلى التنازع والاختلاف، فدفعًا لذلك: اشترطت تلك الشروط، فإن قلتَ: إن التأجير بالطعام لا يصح مطلقًا: سواء تأجير المرء نفسه بطعامه، أو الظئر؛ للمصلحة: حيث إن الطعام والعمل والرضاع والحليب الذي يرضعه الطفل يختلف كثرةً وقلةً اختلافًا متباينًا، فيكون مجهولًا، فيقع غرر بسبب ذلك فيلزم عدم صحته؛ لفقدان شرطه وهو: معرفة العمل، والأجرة - قلتُ: إن اختلاف هذا واقع، ولكن يُقدَّر ذلك بما تعارف الناس عليه من عمل، وطعام، ولبن، والعادة محكَّمة، كما قيل في الإطعام والكسوة في كفارة اليمين حيث إنه يكفي في ذلك أدنى ما يُطلق عليه الاسم، وكذا: الوصية ونحو ذلك، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض الكتاب وفعل الصحابي، والمصلحة العامة مع المصلحة الخاصة التي ذكرها المخالف".
(١١) مسألة: إذا دفع زيد إلى عمرو قماشًا ليخيطه له، أو يُقصِّره له، أو دخل حمامًا لعمرو ليتنظف فيه، أو ركب سفينة ليسافر عليها، أو أعطاه متاعه ليبيعه له، أو حمَّله متاعًا ليحمله له إلى منزله، ووقع ذلك من غير عقد إجارة ولا شرط، ولا ذكر للتعويض، وكان عمرو قد أعدَّ ونصب نفسه لذلك بأن كان خياطًا، أو قصَّارًا، أو صاحب حمام أو سفينة، أو بياعًا، أو حمالًا: فإن هذا يصح؛ ويعطى أجرة =
стр. 1790
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= المثل، وهي أجرة من يعمل مثل عمله؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أنه يجوز بيع السلعة بنقد بدون تعيين نوع ذلك النقد إذا وُجد نقد قد اشتهر في التداول في ذلك البلد، ويُطالب البائع بذلك النقد المشهور وإن لم يُعيِّن ذلك في أول العقد فكذلك الحال هنا، والجامع: أنه في كل منهما يكفِ العرف الجاري ويقوم مقام القول الثانية: التلازم؛ حيث إن شاهد الحال - وهو وضع نفسه خياطًا، أو قصَّارًا، أو صاحب حمام أو سفينة، أو بيَّاعًا، أو حمَّالًا - يلزم منه إعطاؤه أجرة المثل، ولو لم يتكلَّم، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه تيسير على الناس، إذ لو اشتُرط في ذلك وجود العقد، وذكر الأجرة والقبول والإيجاب: لتعطَّلت أكثر أعمال الناس، فدفعًا لذلك: شُرع هذا، فإن قلتَ: إن هذا لا يصح، ولا يستحق أُجرة المثل، وهو قول جمهور الشافعية وكثير من العلماء؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الشخص لو تبرَّع بعمله لآخر فلا يستحق أُجرة فكذلك مَنْ أعطي عملًا يعمله، أو طُلب منه شيء بدون عقد أو شرط عوض لا يستحق شيئًا والجامع: أن كلًّا منهما قد عمل ذلك من غير عوض مشروط في العقد ومجهول لهما قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن المتبرِّع لم يشهد الحال على أنه يقوم بالأعمال بأجرة، بخلاف ما نتكلَّم عنه حيث اشتُرط فيه: كونه مُعدًّا لنفسه لذلك، ومع الفرق لا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" حيث إنّا ألحقناه بالنقد المشهور في البلد عند بيع سلعة؛ لكون ذلك أكثر شبهًا به عندنا، وهم ألحقوه بالمتبرّع بعمله؛ لكون ذلك أكثر شبهًا به عندهم، وهو "قياس الشبه". (فرع): إذا لم يُعدَّ نفسه وينصبها للعمل وأخذ الأجرة فلا يصح استئجاره إلا بعقد، وشرط، وذكر للتعويض عند العقد؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المتبرِّع بعمل شيء لا يُعطى أجرة على عمله إلا بعد عقد وشرط وتسمية للأجرة فكذلك هذا والجامع: أنه في كل=
следующие страницы →