← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1319

تيسير مسائل الفقه شرح الروض المربع

عبد الكريم النملة

Полный текст (3 194 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

(والمبتداة) أي: في زمن يمكن أن يكون حيضًا، وهي: التي رأت الدم ولم تكن حاضت (تجلس) أي: تدع الصلاة والصيام ونحوهما بمجرد رؤيته، ولو حمرة أو صفرة، أو كدرة (أقلَّه) أي: أقل الحيض يومًا وليلة (ثم تغتسل)؛ لأنه آخر حيضها حكمًا (وتصلي) وتصوم ولا توطأ (فإن انقطع) دمها (لأكثره) أي: أكثر الحيض: خمسة عشر يومًا (فما دون) بضم النون؛ لقطعه عن الإضافة: (اغتسلت عند انقطاعه) أيضًا وجوبًا؛ لصلاحية أن يكون حيضًا، وتفعل كذلك في الشهر الثاني والثالث (فإن تكرر) الدم (ثلاثًا) أي: في ثلاثة أشهر ولم يختلف (فـ) هو كله (حيض) وثبتت عادتها فتجلسه في الشهر الرابع، ولا تثبت بدون ثلاث (وتقضي ما وجب فيه) أي: ما صامت فيه من واجب، وكذا: ما طافته أو اعتكفته فيه، وإن ارتفع حيضها ولم يعد أو أيست قبل التكرار: لم تقض (١٨) = الأعمال بالنيات ٤٣" وقد سبق بيانه في مسألة (١٦)، والثانية: القياس؛ بيانه: كما أن الميت إذا غسله المغسل ينوي عنه، فكذلك المجنونة مثله، والجامع: عدم الإدراك في كل، والمقصد من ذلك كما ذكرنا في مسألة (١٦). (١٨) مسألة: المبتدأة - وهي التي ترى دم الحيض لأول مرة وهي بالغة التاسعة - تجلس جميع الأيام التي ترى فيها ذلك الدم فلا تصلي ولا تصوم وإن طالت تلك الأيام حتى تصل إلى أكثر الحيض وهو: خمسة عشر يومًا، فإن خرج دم في اليوم السادس عشر: فهو دم استحاضة تغتسل وتصوم وتفعل ما تفعله الطاهرات وهذه طريقة الجمهور؛ للاستصحاب؛ حيث إن دم الحيض هو: الأصل؛ لكونه دم طبيعة وعادة يخرج من المرأة الصحيحة إلى آخر يوم الخامس عشر من بداية خروجه، فإذا خرج في اليوم السادس عشر: فإنه يكون دم عِلَّة ومرض - وهو: الاستحاضة -، أما قبل ذلك فهو دم حيض لذلك نستصحب ذلك ونعمل به، ونُرتِّب عليه أحكام الحيض: من ترك صلاة وصوم ونحوهما، =

стр. 282

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فإن قلتَ: لِمَ حسب كل ما يخرج من المبتدأة دم حيض مع احتمال أنه ليس كذلك؟ قلتُ: نظرًا لخروجه في وقته، ووجود صفته، وهو خارج ممن تحيض مثلها فيغلب على الظن: أنه دم حيض، والعمل بالغالب واجب، وهذا تعرفه النساء الطبيعيات من عادتهن، والعادة محكَّمة، وهذه الطريقة أيسر لعوام المسلمين وهم الأغلب، فإن قلتَ: إن المبتدأة لها طريقة لمعرفة عادة حيضها غير ما ذكره الجمهور وهي: أنها لو أتاها دم حيض في شهر رمضان مثلًا: فإن عادتها تكون يومًا وليلة فقط - وهو أقل الحيض -؛ فإذا انتهى اليوم والليلة: تغتسل، وتصلي وتصوم، وتعتكف، وتقرأ القرآن وإن كان الدم لا يزال يخرج، ولكنها لا توطأ؛ لاحتمال أن يكون ما يخرج منها حيضًا، فيحصل الأذى، فإذا انقطع الدم عنها لأكثر الحيض - وهو: خمسة عشر يومًا فما دونها كثمانية أيام مثلًا: فإنها تغتسل وجوبًا مرة ثانية، أي: بعد انقضاء الأيام الثمانية -، وتستمر في فعلها كفعل الطاهرات، فإن تكرَّر ذلك في شهر شوال: فإنها تعمل كعملها في رمضان، أي: تغتسل مرتين: مرة بعد يوم وليلة، ومرة أخرى بعد انقطاع الدم بعد الثمانية، وتستمر في فعلها كفعل الطاهرات، فإن تكرر ذلك في شهر ذي القعدة: فإنه يُعرف أن عادة تلك المبتدأة ثمانية أيام؛ لكونه تكرر في ثلاثة أشهر، ولم يختلف، وتفعل ذلك في بقية الشهور، أما الأيام التي بين اليوم والليلة إلى اليوم الثامن؛ حيث كانت تصوم وتصلي وتفعل ما تفعله الطاهرات: فإنها لا تقضي الصلاة؛ للمشقة، ولكنها تقضي الصوم وغيره، أما إن اختلفت أيام الحيض عند المبتدأة: فإن عادتها تكون أقل الأيام؛ لكونه هو المتيقن، فمثلًا: لو انقطع دمها في رمضان لما مضى ستة أيام، وانقطع دمها في شوال لما مضى عليها أربعة، وانقطع دمها في ذي القعدة لما مضى عليها ثلاثة أيام: فإن عادتها: تكون ثلاثة أيام؛ لتيقنه، فتجلسها في شهر ذي الحجة وما بعده من الشهور، ولا تقضي ما فعلته بين اليوم والليلة، والثلاثة الأيام؛ لعدم تكرار ذلك، =

стр. 283

(فإن عَبَر) أي: جاوز الدم (أكثره) أي: أكثر الحيض: (فـ) هي (مستحاضة) والاستحاضة: سيلان الدم في غير وقته من العرق العاذل من أدنى الرحم دون قعر (١٩) (فإن كان) لها تمييز: بأن كان (بعض دمها أحمر، وبعضه أسود ولم يَعْبُر) أي: يجاوز الأسود (أكثره) أي: أكثر الحيض (ولم ينقص عن أقله: فهو) أي: الأسود = وكذلك: لو انقطع دمها ولم يخرج مرة ثانية، وكذلك: الآيسة وهي: التي انقطع دمها لكبر أو مرض لا تقضي ذلك؛ لعدم التكرار، فلا يحكم بشيء عليها؛ لأن الأصل براءة ذمتها، هذا ما قاله أكثر الحنابلة وهو الذي ذكره المصنف هنا، قلتُ: هذه الطريقة فيها نوع مشقة، ولم أجد دليلًا قويًا عليها، فتكون طريقة الجمهور للمبتدأة أيسر مسلكًا، وأبين دليلًا، وأقل مشقة، وأكثر معرفة للناس على اختلاف طبقاتهم، وهو الموافق لقواعد الشريعة. (١٩) مسألة: إذا استمر خروج الدم أكثر من خمسة عشر يومًا: بأن خرج عشرين يومًا مثلًا -: فإن الخارج إلى آخر يوم الخامس عشر من بداية خروجه يُحسب على أنه حيض تترتب عليه أحكام الحيض، أما ما زاد عن خمسة عشر يومًا - وهي: خمسة أيام -: فيُحسب على أنه دم استحاضة، وعلى هذا: فإنها تغتسل في اليوم السادس عشر، وتصلي وتصوم وتفعل ما تفعله الطاهرات؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ - لامرأة تُستحاض -: "إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، وإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي" فأوجب هنا الاغتسال والصلاة بعد ذهاب قدر أكثر الحيض - وهو: خمسة عشر يومًا كما سبق - وإن كان الدم يخرج؛ لكونه دم استحاضة وليس بحيض، لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، تنبيه: الاستحاضة هو: سيلان دم أحمر فاتح لا رائحة له في غير وقت الحيض وذلك من عرق يوجد في طرف الرحم يُقال له: "العاذل" أو "العاذر" حيث إن ذلك يُسبب عذر الزوج لزوجته في ذلك كما جاء في اللسان (٧/ ١٤٢) -، وقد سبق بيان المقصد منه.

стр. 284

(حيضها) وكذا: إذا كان بعضه ثخينًا أو مُنتنًا وصلح حيضًا (تجلسه في الشهر الثاني) ولو لم يتكرر أو يتوالى (والأحمر) والرقيق وغير المنتن (استحاضة) تصوم فيه وتُصلِّي (٢٠) (وإن لم يكن دمها متميزًا: جلست) عن الصلاة ونحوها أقل الحيض من كل شهر حتى يتكرر ثلاثًا فتجلس (غالب الحيض) ستًا أو سبعًا بتحر (من كل (٢٠) مسألة: إذا كان الدم الخارج من المبتدأة متميزًا: بأن كان بعضه يميل إلى السواد، وكان غليظًا، وذا رائحة كريهة، وبعضه الآخر: أحمر فاتح رقيق ولا رائحة له، ولم يجاوز خروج الدم الأسود الغليظ أكثر الحيض - وهو: خمسة عشر يومًا - ولم ينقص خروجه عن أقل الحيض - وهو: يوم وليلة: فإن هذا الدم الأسود والغليظ والمنتن هو: حيضها، فتكون عادتها هي تلك الأيام التي خرج منها ذلك الدم فتجلسها فلا تصلي ولا تصوم فيها، وكذلك تجلس في الشهر الثاني مثل ما جلست في الشهر الأول إذا جاءها ذلك الدم الذي له تلك الصفات، وتفعل في الشهر الثالث كذلك، وإن لم يكن الدم أسود فيكون حيضًا لها عدد الأيام التي في الشهر الأول وإن لم يتكرر، بشرط أن لا يزيد ذلك عن خمسة عشر يومًا كما سبق -، أما الدم الأحمر الرقيق عديم الرائحة غالبًا: فإنه دم استحاضة تصوم وتصلي وتفعل في وقت خروجه كما تفعل الطاهرات؛ للسنة القولية؛ حيث جاءت امرأة إلى النبي ﷺ قائلة: إني أستحاض ولا أطهر أفادع الصلاة؟ فقال: "إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي" وفي رواية: "إذا كان دم الحيض: فإنه أسود فامسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي، فإنما هو عرق" فأوجب الشارع الصلاة عند خروج دم الاستحاضة؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا التفريق؟ قلتُ: لبيان أن لكل دم حكمه وهو من باب التيسير على المسلمين.

стр. 285

شهر) من أول وقت ابتدائها إن علمته، وإلا: فمن أول كل هلالي (٢١) (والمستحاضة المعتادة) أي: التي تعرف شهرها ووقت حيضها وطهرها منه (ولو) كانت (مميزة: تجلس عادتها) ثم تغتسل بعدها وتصلي (٢٢) (وإن نسيتها) أي: نسيت (٢١) مسألة: إذا كان الدم الخارج من المبتدأة غير متميز: بأن كان على صفة واحدة: فلم تستطع التفريق بين الأسود والأحمر، وبين الغليظ والرقيق: فإنها تجلس: فلا تصلي ولا تصوم غالب الحيض عند النساء، وهي: ستة أيام أو سبعة من كل شهر وتجتهد في حال الدم وعادة قريباتها فيما يقرب على ظنها أنه أقرب إلى عادتها: فإن كانت تعلم ابتداء خروج الدم منها: جلست من أول خروجه إلى أن تبلغ ستة أو سبعة أيام دون النظر إلى الشهر الهلالي، وإن كانت لا تعلم ذلك: فإنها تجلس من أول كل شهر هلالي ستة أو سبعة أيام بعد تحريها واجتهادها في ذلك -؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ لحمنة بنت جحش - وكانت تُستحاض -: "تحيضي في علم الله ستة أيام أو سبعة، ثم اغتسلي وصلي أربعة وعشرين أو ثلاثة وعشرين يومًا كما تحيض النساء، وكما تطهر لميقات حيضهن وطهرن" فردَّها ﷺ إلى غالب الحيض عند النساء بهذا الأمر المطلق المقتضي للوجوب، فوجب عليها أن تجلس ستة أو سبعة أيام، فإن قلتَ: لِمَ شرع لها هذا؟ قلتُ: لتعذر العلم عن عادتها ومدتها؛ لكثرة ما يخرج منها من الدم غير المتميز، فلا طريق إلى ذلك إلا العمل بغالب عادات قريباتها، أو نساء مجتمعها، والعمل بالغالب واجب، تنبيه: قوله: " .. ونحوها أقل الحيض من كل شهر حتى يتكرر ثلاثًا" هذا بناء على مذهب أكثر الحنابلة في طريق معرفة المبتدأة لعادتها وقد بينت أنه مرجوح في مسألة (١٨). (٢٢) مسألة: إذا كانت المستحاضة - وهي: التي يخرج منها الدم أكثر الشهر أو كله - معتادة، أي: تعرف أن عادتها: أنها تحيض ستة أيام من ابتداء شهرها وتطهر =

стр. 286

عادتها: (عملت بالتمييز الصالح) بأن: لا ينقص الدم الأسود ونحوه عن يوم وليلة ولا يزيد على خمسة عشر يومًا، ولو تنقَّل، أو لم يتكرر (٢٣) (فإن لم يكن لها تمييز) = باقيه: فإن هذه تجلس ستة أيام من كل شهر من أول الشهر وتترك الصلاة والصيام إلى آخر اليوم السادس، ثم تغتسل قبل صلاة الفجر من اليوم السابع، وتصلي وتصوم وتفعل ما تفعله الطاهرات، هذا الواجب عليها وإن كانت تميز بين دم الحيض والاستحاضة، حيث لا يلتفت إلى تمييزها هذا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ لأم حبيبة - وكانت تستحاض -: "امكثي ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي وصلي" فأوجب عليها أن تجلس قدر الأيام التي تأتيها عادتها فيها؛ لأن الأمر هنا مطلق فيقتضي الوجوب، وهذا عام، فلم يسألها هل أنت تميزين بين دم الحيض والاستحاضة؟ فيشمل التي تميِّز وغيرها؛ لأن ترك الاستفصال عن الحال ينزل منزلة العموم في المقال فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن النظر إلى العادة أضبط؛ لعدم دخل الاحتمال إليه، بخلاف تمييز دم الحيض عن دم الاستحاضة: فإنه لا ينضبط؛ لكونه يختلف باختلاف ضعف البصر وحاسة الشم وقوتهما. (٢٣) مسألة: إذا نسيت المستحاضة عادتها: فلا تدري هل كانت عادتها تأتيها من أول الشهر أو وسطه أو آخره؟ وهل كانت ستة أيام أو خمسة؟ ولكنها تميز بين دم الحيض ودم الاستحاضة فإنها تعمل بهذا التمييز الصالح، وهو: صلاحية كون هذا الدم حيضًا بأن كان في وقته: بأن لا يزيد خروجه عن خمسة عشر يومًا - وهو أكثر الحيض - ولا ينقص خروجه عن يوم وليلة - وهو أقل الحيض وعلى ذلك تجعل زمن حيضها هو: زمن خروج الدم الأسود الغليظ المنتن، وتجعل زمن استحاضتها هو: زمن خروج الدم الأحمر الرقيق الذي لا رائحة له فتغتسل في هذا الزمن وتفعل ما تفعله الطاهرات، تفعل ذلك دائمًا سواء تنقَّل: بأن أتاها أحيانًا في أول الشهر، وأحيانًا في آخره، وسواء تكرر في ثلاثة أشهر أو لا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : - لمن تُستحاض -: "إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي" وقال: "إذا كان دم =

стр. 287

صالح، ونسيت عدده ووقته: (فغالب الحيض) تجلسه من أول كل مدَّة عُلِم الحيض فيها وضاع موضعه، وإلا: فمن أول كل هلالي (كالعالمة بموضعه) أي: موضع الحيض (الناسية لعدده) فتجلس غالب الحيض في موضعه (٢٤) (وإن علمت) المستحاضة (عدده) أي: عدد أيام حيضها (ونسيت موضعه من الشهر ولو) كان موضعه من الشهر (في نصفه: جلستها) أي: جلست أيام عادتها (من أوله) أي: أول الوقت الذي كان الحيض يأتيها فيه (كمن) أي: كمبتدأة (لا عادة لها ولا تمييز) فتجلس من أول وقت ابتدائها على ما تقدَّم (٢٥) (ومن زادت عادتها) مثل: أن = الحيض: فإنه دم أسود يعرف فأمسكي عن الصلاة، وإن كان الآخر فتوضئي فإنما هو عرق" حيث أوجب ترك الصلاة عند خروج الدم الأسود، دون خروج غيره من الدماء؛ لأن الأمر مطلق، وهو يقتضي الوجوب، فإن قلتَ: لِمَ تعمل هنا بالتمييز الصالح؟ قلتُ: لكونها نسيت عادتها، فتعذَّر العمل بها، فلم يبقى إلا العمل بالتمييز من باب "السبر والتقسيم". (٢٤) مسألة: إذا نسيت المستحاضة عادتها، ولا تميز بين دم الحيض ودم الاستحاضة، فإنها تجلس غالب الحيض عند النساء - وهو: ستة أو سبعة أيام - في موضع حيضها من أوله، للقياس، بيانه: كما أن المستحاضة العالمة بموضع حيضها وهي الأيام العشر الوسطى من الشهر - مثلًا - ولكنها نسيت عدد أيامها فلا تدري هل هي ستة أو خمسة؟: فتجلس غالب الحيض في الأيام الوسطى فكذلك المستحاضة التي نسيت عادتها ولا تمييز لها مثلها والجامع: نسيان عدد الأيام التي تحيض بها في كل، فإن قلتَ: لِمَ شرع لها ذلك؟ قلتُ: لأن هذا أقصى ما تستطيع فعله، أصله قوله ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". (٢٥) مسألة: إذا كانت المستحاضة عالمة بأيام حيضها وكانت خمسة من كل شهر - مثلًا - ولكنها نسيت موضعها فلا تدري هل كانت في أول الشهر أو وسطه أو آخره؟، أو كانت تعلم بأن تلك الخمسة واقعة في نصف الشهر، ولكنها نسيت =

стр. 288

يكون حيضها خمسة من كل شهر فيصير ستة (أو تقدَّمت) مثل: أن تكون عادتها من أول الشهر فتراه في آخره (أو تأخرت) عكس التي قبلها (فما تكرر) من ذلك (ثلاثًا): فهو (حيض)، ولا تلتفت إلى ما خرج عن العادة قبل تكرره كدم المبتدأة الزائد على أقل الحيض فتصوم فيه وتصلي قبل التكرار وتغتسل عند انقطاعه ثانيًا، فإذا تكرر ثلاثًا: صار عادة فتُعيد ما صامته ونحوه من فرض (٢٦) (وما نقص عن = ابتداءها: فلا تدري هل كانت من أول الخامس عشر من الشهر أو بعده؟: فإنها تجلس خمسة أيام من أول كل شهر، أو خمسة من اليوم الخامس عشر؛ للقياس، بيانه: كما أن المستحاضة المبتدأة - وهي التي لا عادة لها ولا تمييز - تجلس من أول كل شهر على أنها لا عادة لها ولا تمييز فكذلك الناسية مثلها، والجامع: جهل موضع أيام حيضها، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث أن دم الحيض دم صحة، ودم الاستحاضة دم فساد ومرض فغلَّبنا جانب الصحة، وجعلناها كالمبتدأة فيُحسب من أول الشهر؛ تيسيرًا على الناس. (٢٦) مسألة: إذا كانت عادتها ستة أيام من كل شهر، فزادت في شهر فصارت سبعة، ثم تكررت هذه الزيادة في الشهرين اللذين بعده: فإن عادتها تكون سبعة، وإن لم تتكرر، بأن جاءها في شهر: ستة، وفي الشهر الذي يليه: سبعة، وفي الشهر الذي بعده: ستة: فإن عادتها الأولى لا تتغير: فتستمر على أنها ستة، وإن كانت عادتها في آخر الشهر، فأتاها الحيض في الشهر الذي يليه في أوله وتكرر ذلك في الشهرين اللذين بعده: فإن عادتها تكون في أول كل شهر، وإن كانت عادتها في أول الشهر، فأتاها الحيض الشهر الذي يليه في آخره وتكرر ذلك في الشهرين اللذين بعده: فإن عادتها تكون في آخره، وهكذا، أما قبل تكرار الزيادة، أو تكرار التقديم أو التأخير: فلا يُلتفت إلى ما خرج من الدم وتصوم وتصلي في تلك الأيام غير المتكررة؛ للتلازم؛ حيث إن تكرُّر تلك =

стр. 289

العادة: طهر) فإن كانت عادتها ستًا فانقطع لخمس: اغتسلت عند انقطاعه وصَّلت؛ لأنها طاهرة (٢٧) (وما عاد فيها) أي: في أيام عادتها: كما لو كانت عشرًا فرأت الدم ستا، ثم انقطع يومين، ثم عاد في التاسع والعاشر: (جلسته) فيهما؛ لأنه صادف زمن العادة كما لو لم ينقطع (٢٨) (والصفرة والكدرة في زمن العادة: حيض) = الزيادة، وتكرُّر انتقال موضع العادة من أول الشهر إلى آخره أو بالعكس: يلزم منه تغيير مدة الحيض وتغيير موضعه؛ لأن هذا هو الغالب على الظن، ويلزم من عدم تكرار ذلك: عدم التغيير وتُستصحب عادتها الأولى وتعمل بها؛ لعدم التغيير وهذا أيسر، وهو: المقصد الشرعي، تنبيه: قوله: "كدم المبتدأة الزائد على أقل الحيض" إلى قوله: "ونحوه من فرض" مبني على مذهب كثير من الحنابلة ومنهم المصنف في طريقة معرفة عادة المبتدأة وقد بيَّنا ضعف ذلك، وأن طريقة الجمهور أرجح في مسألة (١٨). (٢٧) مسألة: إذا كانت عادتها ستة أيام، ثم نقصت فصارت خمسًا؛ حيث انقطع دمها بعد اليوم الخامس: فإنها تكون طاهرة بعد انقطاعه: تغتسل قبل صلاة الفجر من اليوم السادس وتصلي وتفعل ما تفعله الطاهرات؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ حيث دل مفهوم الصفة على جواز وطء النساء إذا انقطع الحيض الذي وُصف بأنه أذى، ويلزم من جواز وطئها: أن تفعل ما تفعله الطاهرات، أي: أن المرأة إذا انقطع دمها عن الخروج: فإنها تطهر، وإذا طهرت فإنها تفعل ما تفعله الطاهرات وهذا مطلق، وهو المقصد من هذا الحكم. (٢٨) مسألة: إذا كانت عادتها عشرة أيام من كُلِّ شهر، فرأت الدم ستة أيام فقط، ثم انقطع السابع والثامن - مثلًا - ثم عاد خروجه في التاسع والعاشر: فإنه يجب عليها أن تغتسل في السابع والثامن وتفعل ما تفعله الطاهرات، وتجلس في =

стр. 290

فتجلسهما، لا بعد العادة، ولو تكرّرتا؛ لقول أم عطية: "كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئًا" رواه أبو داود (٢٩) (ومن رأت يومًا) أو أقل أو أكثر (دمًا ويومًا) أو = التاسع والعاشر: فلا تصلي ولا تصوم، وتفعل ذلك كل امرأة ينقطع عنها الدم في وقت عادتها سواء كانت عادتها قليلة أو كثيرة؛ للقياس، بيانه: كما أن المرأة التي لم ينقطع عنها خروج الدم تجلس كل أيامها ولا تصلي ولا تصوم، فكذلك هذه المرأة تجلس الأيام التي رأت فيها الدم في أيام عادتها وإن انقطع فترة ثم عاد، أما الأيام التي لم تر فيها دمًا: فهي طاهرة لانقطاع الدم، والجامع: أن كلًا منهما صادف خروج الدم منها زمن العادة، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأن خروج الدم في أيام العادة بعد انقطاعه فيها يغلب على الظن: أنه دم حيض والعمل بالغالب واجب. (٢٩) مسألة: إذا رأت المرأة الصفرة - وهي: ماء أصفر - أو رأت الكدرة - وهي: ماء وسخ كدر - في زمن حيضها وعادتها: في أولها أو في آخرها: فإنهما يُعتبران من الحيض تجلس زمن خروجهما، أما إذا رأت ذلك قبل أيام عادتها، أو بعدها: فلا يُعتبران من الحيض، بل من جملة السوائل التي تخرج من فرج المرأة عادة، وتفعل في زمن خروجهما هنا ما تفعله الطاهرات؛ للسنة التقريرية؛ حيث إن أم عطية قالت: "كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئًا" حيث دل منطوقه على أن الصفرة والكدرة اللتين تأتيان في الطهر - وهو الذي بعد زمن الحيض - لا يُعتبران من الحيض، وكذلك: إذا خرجا قبل زمن الحيض لا يُعتبران من الحيض من باب مفهوم الموافقة، ودل بمفهوم الزمان: أنهما إذا خرجا في زمن الحيض فإنهما يُعتبران من الحيض، ولم يُنكر ذلك النبي ﷺ مع أنه لا يخفى على أحد؛ لكونه مما تعم به البلوى، ومع ذلك لم يبين خلاف ذلك، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأنهما إذا خرجا في وقت الحيض يغلب على الظن: أنه حيض، بخلاف ما إذا خرجا بعد زمنه ووقته.

стр. 291

أقل أو أكثر (نقاء: فالدم: حيض)؛ حيث بلغ مجموعه أقل الحيض (والنقاء: طهر) تغتسل فيه وتصوم وتصلي، ويكره وطؤها فيه (ما لم يعبر) أي: يجاوز مجموعهما (أكثره) أي: أكثر الحيض، فيكون استحاضة (٣٠) (والمستحاضة ونحوها) ممن به (٣٠) مسألة: إذا بدأ زمن عادة المرأة، وتقطعت، بأن خرج الدم يومًا، ثم انقطع في اليوم الذي يليه، ثم عاد وخرج في اليوم الثالث، وهكذا فإنه يحسب هذا كله على أنه حيض؛ ولا يُلتفت إلى اليوم الذي انقطع فيه الدم ما دام أنه في زمن حيضها ولم يتجاوز خمسة عشر يومًا؛ لقول الصحابي؛ حيث إن بعض النساء كنَّ يبعثن إلى عائشة بالدرجة - وهي: القطنة - فيها الصفرة والكدرة بعد إخراجها من فرجها فتقول لهن: "لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء" فقد دل على أن المرأة ينقطع عنها الدم فترة، ولكنها لم تر القصة البيضاء - وهو: الماء الأبيض الذي يُشبه الجص في الصفاء والبياض يخرج في آخر الحيض - فتقول لهن عائشة: "هذا ليس بطهر، بل لا زلتن في مدة الحيض" فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك أيسر للمسلمات، وأكثر إنضباطًا، وأقل تكلفة، فإن قلتَ: لِمَ اشترط عدم مجاوزته خمسة عشر يومًا؟ قلتُ: لأنه إذا خرج دم في اليوم السادس عشر: فإنه يكون دم استحاضة، وقد سبق، فإن قلتَ: إنها تجلس في اليوم الذي رأت فيه الدم على أنه حيض، وتطهر في اليوم الذي ينقطع فيه وتفعل فيه ما تفعله الطاهرات وهكذا، وهذا قول كثير من الحنابلة - وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود الدم: وجوب كونه حيضًا، ويلزم من انقطاعه: وجوب كونه طهرًا - كما ورد في الآية؛ حيث قال تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ قلتُ: هذا غير منضبط؛ فقد تتوَّهم المرأة أنها طهرت كما ورد عن عائشة، فما قلناه أضبط، وأقل مشقة، وكلفة؛ إذ يلزم على مذهبكم: أن تغتسل يومًا، وتترك يومًا وهذا فيه مشقة عظيمة غير =

стр. 292

سلس البول، أو مذي، أو ريح، أو جرح لا يرقأ دمه، أو رعاف دائم (تغسل جرح) لإزالة ما عليه من الخبث (وتعصبه) عصبًا يمنع الخارج حسب الإمكان، فإن لم يمكن عصبه كالباسور: صلى على حسب حاله، ولا يلزم إعادتهما لكل صلاة ما لم يُفرِّط (وتتوضأ لـ) دخول (وقت كل صلاة) إن خرج شيء (وتصلي) ما دام الوقت (فروضًا ونوافل): فإن لم يخرج شيء: لم يجب الوضوء، (٣١) وإن أعتيد = خافية، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع قول الصحابي والمصلحة" فعندنا: يرجحان على التلازم؛ لمراعاة أحوال النساء، وعندهم: يُرجح التلازم عليهما، تنبيه: قوله: "ويكره وطؤها فيه" هذا مبني على مذهب أكثر الحنابلة، بل يحرم وطؤها؛ لأنه يحسب على أنه حيض؛ لكونها في زمنه. (٣١) مسألة: مَنْ حدثه مستمر - كالمستحاضة ومن به سلس بول، وقروح وجروح سيَّالة، أو ريح مستمر، أو رعاف دائم، أو باسور -: إذا أراد الصلاة: فإنه يغسل فرجه لإزالة النجاسة، ثم يعصب على فرجه بشيء، ثم يتوضأ إذا دخل وقت الصلاة إن خرج شيء من ذلك الخبث، ويصلي بهذا الوضوء ما شاء من الفروض والنوافل داخل وقت تلك الصلاة، وإن لم يستطع عصبه: صلى على حسب حاله - ولو خرج منه شيء -، ولا يعيد تلك الصلاة ولو امتنع هذا الخبث من الخروج بعد الصلاة بشرط: عدم التفريط في أمر الله تعالى؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ للمستحاضة: "إغسلي عنك الدم وصلي" وفي رواية: "وتوضئي لكل صلاة" وهو زيادة ثقة مقبولة، حيث دلَّ ذلك على أن المستحاضة تغسل مكان خروج الدم، وتتوضأ لكل صلاة، وتصلي كل فرض ونافلة في وقت الصلاة؛ لأن "كلَّ" من صيغ العموم، ولأن الأمر مطلق فيقتضي الوجوب، ومن به حدث =

стр. 293

انقطاعه زمنًا يتسع للوضوء والصلاة: تعيَّن؛ لأنه أمكن الإتيان بها كاملة، (٣٢) ومن يلحقه السلس قائمًا: صلى قاعدًا أو راكعًا، أو ساجدًا يركع ويسجد (٣٣) (ولا توطأ) = دائم غير المستحاضة مثلها؛ لعدم الفارق بجامع: استمرار الحدث من باب مفهوم الموافقة، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأن طهارة من به حدث مستمر طهارة ضرورية فلا بد أن تُقيَّد بذلك؛ كما في المتيمم للعجز عن استعمال الماء، والضرورة تُقدَّر بقدرها، أصله قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وقوله ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". (٣٢) مسألة: إذا عرف مَنْ به حدث مستمر - كالمستحاضة وصاحب السلس -: أن هذا الحدث يقل أو ينقطع في وقت معين يتسع للوضوء والصلاة: فإن هذا الوقت يتعين عليه أن يصلي فيه وإن تأخر؛ للمصلحة؛ حيث يلزم من معرفته لذلك أن يأتي بالعبادة كاملة بدون عذر ولا ضرورة، وإذا أمكنه أن يأتي بها كاملة فتلزمه، فإن ترك ذلك: فإنه يأثم، أصله قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وهذا أنفع له من حيث الأجر والثواب. (٣٣) مسألة: إذا علم مَنْ به حدث مستمر - كالمستحاضة أو صاحب السلس - حالة يقل فيها خروج حدثه أو ينقطع: فإنه يجب عليه أن يصلي على الحالة التي ينقطع فيها الحدث، أو يقل خروجه بشرط: أن تكون من الحالات التي شرع الله الصلاة فيها: وهي: القيام أو القعود أو الاضطجاع ويركع ويسجد على حسب ذلك، للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه كمال العبادة المطلوب إيقاعها؛ أصله: قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.

стр. 294

المستحاضة (إلا من خوف العنَتَ) منه أو منها ولا كفارة فيه (٣٤) (ويستحب غسلها) (٣٤) مسألة: يباح وطء المستحاضة سواء خافت هي أو زوجها العنت والضرر أو لا؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فدل على إباحة وطء الزوج لزوجته، وهذا عام، فيشمل من خاف العنت أو لا، والحامل والحائل والمستحاضة، والحائض والنفساء، فأخرجت الحائض - ومثلها النفساء - بالتخصيص ومُنِع من وطئها بقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ فيعمل بالآية الأولى، فيما بقي بعد التخصيص وهو: الحامل والحائل والمستحاضة - من جواز وطئهن، الثانية: السنة التقريرية؛ حيث إن بعض الصحابيات كانت تُستحاض - كحمنة، وفاطمة، وأم حبيبة - فلم يرد عنه ﷺ - على كثرة أسألتهن له: أنه بين عدم وطء الزوج لزوجته المستحاضة، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فدَّل على إقراره بوطء الزوج لزوجته، فإن قلتَ: لِمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو منع الزوج من أن يطأ المستحاضة: للحقه ضرر؛ نظرًا لطول مدة ذلك ولعدم انضباطه، فإن قلتَ: لا يجوز وطء المستحاضة إلا إذا خافت أو خاف زوجها العنت والضرر - وهو ما ذكره المصنف هنا، وإذا وطأ بدون عذر: فلا كفارة -؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن الحائض لا يجوز وطئها فكذلك المستحاضة مثلها، والجامع: خروج الدم في كل، الثانية: قول الصحابي؛ حيث قالت عائشة: "المستحاضة لا يغشاها زوجها" قلتُ: أما القياس ففاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن دم الحيض قذر، وله رائحة كريهه، وغليظ، ويمنع المرأة من الصلاة والصوم، ومدته قصيرة، بخلاف دم الاستحاضة فليست فيه تلك الأمور الخمسة، ولا قياس مع هذا الفارق، أما قول الصحابي - وهو قول عائشة -: فليس بحجة؛ لأنه معارض بقول صحابي آخر وهو قول ابن عباس: "المستحاضة يأتيها زوجها إذا صلت"، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: =

стр. 295

أي: غسل المستحاضة (لكل صلاة)؛ لأن أم حبيبة استُحيضت فسألت النبي ﷺ عن ذلك" فأمرها أن تغتسل، فكانت تغتسل عند كل صلاة" متفق عليه (٣٥) (واكثر مدة النفاس) وهو: دم يرخيه الرحم للولادة وبعدها، وهو: بقية الدم الذي احتبس في مدة الحمل لأجله، وأصله لغة: من التنفُّس، وهو: الخروج من الجوف أو من "نفَّس الله كُربته" أي: فرجها (أربعون يومًا) وأول مدَّته: من الوضع، وما رأته قبل الولادة بيومين أو ثلاثة بأمارة: فنُفاس وتقدَّم، (٣٦) = سببه: "معارضة القياس وقول الصحابي للكتاب والسنة" فعندنا: يقدم العمل بالكتاب والسنة لقوتهما، وعندهم: يقدم القياس وقول الصحابي، وأيضًا: "هل أقوال الصحابة تتساقط إذا تعارضت أو لا؟ فعندنا: نعم، وعندهم: لا. (٣٥) مسألة: يُستحب أن تغتسل المستحاضة قبل كل صلاة؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن أم حبيبة كانت تُستحاض وكانت تغتسل لكل صلاة، فإن قلتَ: إنه ﷺ قد أمرها بالاغتسال، والأمر مطلق فيقتضي الوجوب، قلتُ: هذا الأمر هو أمر بأن تغتسل عند انتهاء أيام حيضها، وهو: واجب بالاتفاق؛ لهذا الأمر المطلق، أما اغتسال أم حبيبة لكل صلاة: فهو اجتهاد منها؛ احتياطًا، فإن قلتَ: لِمَ اسْتُحب ذلك الاغتسال عند كل صلاة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه زيادة في نظافتها وطهارتها، وإبعاد الوسخ عنها، فإن قلتَ: لِمَ لم يجب اغتسالها هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يشق عليها مشقة عظيمة، نظرًا لتكرار الصلوات، وقلة المياه. (٣٦) مسألة: أكثر مدة النفاس - وهو: الدم الخارج من الرحم بعد الولادة -: أربعون يومًا، تبدأ من لحظة الولادة والوضع، وفي هذه المدة لا تصلي ولا تصوم، وبعد الانتهاء منها تغتسل وتصلي وتفعل ما تفعله الطاهرات، ولو استمر الدم بالخروج، ولا يُحسب من الأربعين ما خرج من الدم قبل الولادة بيومين أو ثلاثة - كما سبق - لكن يجوز لها ترك الصلاة والصيام؛ لشدة أوجاع الولادة في هذه الأيام الثلاثة، ويجب عليها أن تقضي ما تركته من الصلوات في =

стр. 296

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = تلك الثلاثة بعد الفراغ من الأربعين؛ لقاعدتين: الأولى: السنة التقريرية؛ حيث قالت أم سلمة: "كانت النفساء تجلس على عهد رسول ﷺ أربعين يومًا وأربعين ليلة" ولم يُنكر ﷺ ذلك مع أنه يغلب على الظن علمه بذلك، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولفظ: "النفساء" يلزم منه: أن الدم الذي يخرج قبل الولادة لا يُحسب من الأربعين - وهو: مدة النفاس -؛ لكون ذلك مشتقًا من كونها تنفَّست بعد خروج ولدها، والدم الذي خرج قبل الولادة قبل هذا التنفَّس فلا يُحسب من النفاس، ودل بمفهوم العدد على أن ما بعد الأربعين لا يُحسب نفاسًا؛ الثانية: قول الصحابي؛ حيث ثبت عن ابن عمر وابن عباس وأنس وأم سلمة أن أكثر مدة النفاس أربعون يومًا، فإن قلتَ: لِمَ كان أكثر مدة النفاس أربعين؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو زاد عن ذلك: لشق ذلك على الأزواج في امتناعهم عنهن ويشق عليهن في عدم فعلها للعبادات، فهو مناسب لهم ولهن، فإن قلتَ: لِمَ سُميت بالنفساء؟ قلتُ: لأنه بخروج ولدها نفَّس الله كربها، وفرَّج عنها، وهو مستعار من نفس الهواء الذي يردُّه التنفُّس إلى الجوف فيبرِّد من حرارته ويُعدِّلها - كما جاء في "اللسان" (٦/ ٢٣٦) - وقيل: غير ذلك؛ فإن قلتَ: أكثر مدة النفاس ستون يومًا، وهو رواية عن مالك، والشافعي واختيار ابن عثيمين؛ للوقوع؛ حيث وقع النساء من ترى دم النفاس في هذه المدَّة كما قال عطاء والأوزاعي، قلتُ: إن هذا اجتهاد مستنده وقوع ذلك من نوادر النساء: فلا يقوى على معارضة السنة التقريرية وقول الصحابي، وما مستنده غالب النساء وهو: استمرار النفاس أربعين يومًا، ثم إن ما زاد على الأربعين يُحتمل أنه دم نفاس، ويحتمل أنه دم حيض، ويُحتمل أنه دم استحاضة كما لو زاد عن الستين، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال، تنبيه: قوله: "وما رأته قبل الولادة بيومين أو ثلاثة بأمارة فنفاس"، قلتُ: هذا لا يُحسب مع الأربعين، بل إن الأربعين يومًا يبدأ حسابها من تاريخ الوضع كما سبق بيانه.

стр. 297

ويثبت حكمه بشيء فيه خلق الإنسان (٣٧) ولا حدَّ لأقله؛ لأنه لم يرد تحديده (٣٨) وإن جاوز الدم الأربعين وصادف عادة حيضها ولم يزد، أو زاد وتكرر: فحيض إن لم يجاوز أكثره، ولا يدخل حيض واستحاضة في مدة نفاس (ومتى طهرت قبله) أي: (٣٧) مسألة: تجلس المرأة أربعين يومًا إذا ولدت ولدًا قد تبين فيه خلق الإنسان، وهو: المضغة، وهو: ما بلغ واحدًا وثمانين يومًا في الرحم فأكثر، وبناء على ذلك: إذا وضعت المرأة شيئًا له ثمانون يومًا فأقل: فلا تجلس، ولا تكون نفساء، وتفعل ما تفعله الطاهرات: تصوم تصلي؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ "إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعون يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يُرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: يُكتب رزقه، وأجله وعمله وشقي أو سعيد"، وعلى هذا: تظهر صورة الجنين وتخطيطه بعد ثمانين يومًا في الغالب، وهذا هو الذي تجلس له المرأة إذا أخرجته وإن لم يكن حيًا؛ إذ يُصاحب ذلك دماء عادة. (٣٨) مسألة: لا حدَّ لأقل النفاس، وبناء على ذلك: فلو ولدت امرأة ثم بعد ولادتها بيوم أو يومين، أو لحظة انقطع دمها: فإنها تطهر، فيجب عليها أن تغتسل، وتفعل ما تفعله الطاهرات من صلاة ووطء ونحوهما؛ للقياس، بيانه: كما أن الحائض إذا انقطع دمها قبل تمام عادتها: فإنه يجب عليها التطهر وعمل كل ما تعمله الطاهرات من صوم وصلاة ووطء، فكذلك النفاس مثلها والجامع: توقُّف الدم - المانع من العبادات وغيرها - في كل، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: لكون أقل النفاس لم يرد من الشارع تحديده، فقيس على ما يُشابهه، وهذا من التيسير، وهو المقصد الشرعي.

стр. 298

قبل انقضاء أكثره: (تطهرت) أي: اغتسلت (وصلَّت) وصامت كسائر الطاهرات، كالحائض إذا انقطع دمها في عادتها (٣٩) (ويُكره وطؤها قبل الأربعين بعد) انقطاع (٣٩) مسألة: إذا استمر خروج دم النفساء أربعين يومًا، وفي هذه المدة ترى دمًا فيه صفة دم الحيض -وقد سبق- وأحيانًا ترى دمًا فيه صفة دم الاستحاضة - وقد سبق -: فإنها لا تنظر إلى ذلك، بل كله يُحسب على أنه دم نفاس ما دامت في مدة الأربعين: فلا حيض ولا استحاضة في مدة النفاس، أما إذا انتهت الأربعون واستمر خروج الدم: ففيه تفصيل هو: أولًا: إن صادف خروج هذا الدم أيام عادتها في الحيض وهي تعرفها: فإن هذا الدم يكون حيضًا بشرط: أن لا يزيد عن خمسة عشر يومًا، فإن زاد: فهو دم استحاضة - كما سبق - ثانيًا: إن لم يُصادف خروج الدم عادتها في الحيض: فإنه يكون دم حيض بشرطين: أولهما: أن يتكرَّر وقوع ذلك؛ حيث إن التكرار دليل على انتقال عادتها من موضع إلى موضع آخر في الشهر، ثانيهما: أن لا يزيد خروج هذا الدم عن الدم عن خمسة عشر يومًا، فإن زاد: فهو دم استحاضة كما سبق -؛ لقاعدتين: الأولى: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل أن الدم الخارج في الأربعين: أنه دم نفاس، فيُستصحب هذا ويُعمل به، ولا يُلتفت إلى غيره وإن كانت أوصافه موجودة، الثانية: التلازم؛ حيث إنه إذا زاد خروج الدم عن الأربعين ووجدت فيه صفات دم الحيض في الوقت والوصف والتكرار فإنه يلزم: أن يكون هذا الدم دم حيض، أما إن لم يصلح هذا الدم أن يكون حيضًا بسبب الوقت والوصف وعدم التكرار: فيلزم عدم حسبانه دم حيض، بل استحاضة، تنبيه: قوله: "ومتى ظهرت قبله .. " إلى قوله: "إذا انقطع دمها في عادتها" قد سبق بيانه في مسألة (٣٨).

стр. 299

الدم و (التطهير) أي: الاغتسال، قال أحمد: "ما يُعجبني أن يأتيها زوجها على حديث عثمان بن أبي العاص" (٤٠) (فإن عاودها الدم) في الأربعين: (فمشكوك فيه) كما لو لم تره، ثم رأته فيها (ولا تصوم وتصلي) أي: تتعبَّد؛ لأنها واجبة في ذمتها بيقين وسقوطها بهذا الدم مشكوك فيه (وتقضي الواجب) من صوم ونحوه، احتياطًا ولوجوبه يقينًا، ولا تقضي الصلاة كما تقدم (٤١) (وهو) أي: النفاس (٤٠) مسألة: يُباح وطء النفساء إذا انقطع عنها الدم واغتسلت ولو كانت لم تستكمل الأربعين بلا كراهة؛ للقياس، بيانه: كما يُباح وطء الحائض إذا انقطع عنها الدم واغتسلت ولو لم تستكمل أيام عادتها فكذلك النفساء مثلها، والجامع: انقطاع الدم في كل، فإن قلتَ: لِمَ أبيح ذلك بلا كراهة؟ قلتُ: لعدم وجود ما يمنع ذلك، ولو كُره ذلك لربما شق على بعض الأزواج أو عليها، فإن قلتَ: يُكره وطؤها إذا انقطع عنها الدم واغتسلت وهي لم تستكمل الأربعين، وهو قول بعض العلماء، وهو ما ذكره المصنف هنا، لقول الصحابي؛ حيث ثبت أن عثمان بن أبي العاص قال لزوجته: "إذا نفست لا تقربيني أربعين يومًا" قلتُ: هذا القول معارض للقياس الذي ذكرناه، وإذا تعارض القياس مع قول الصحابي: فإن القياس يُقدم؛ لأنه دليل متفق عليه، أما قول الصحابي فمختلف فيه، والمتفق عليه إجمالًا مقدم على المختلف فيه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض قول الصحابي مع القياس" فعندنا: يقدم القياس، وعندهم قول الصحابي. (٤١) مسألة: إذا انقطع الدم عن النفساء قبل تمام الأربعين: فإنها تغتسل وتفعل ما تفعله الطاهرات، فإن عاودها خروج الدم قبل انقضاء الأربعين: فإن هذا الدم يكون دم نفاس تدع الصلاة والصيام لأجله، وتقضي فيما بعد: الصوم فقط؛ للقياس، بيانه: كما أن الحائض إذا انقطع عنها الدم في أيام عادتها: فإنها =

стр. 300

(كالحيض فيما يحل) كالاستمتاع بما دون الفرج (و) فيما (يحرم) به كالوطء في الفرج (٤٢) والصوم والصلاة (٤٣) والطلاق بغير سؤالها = تغتسل وتفعل ما تفعله الطاهرات، فإن عاودها الدم في أيام عادتها: فإنه يكون دم حيض تترك من أجله الصلاة والصوم ونحوهما فكذلك النفساء مثلها، والجامع: أن كلًا منهما قد انقطع عنها الدم في وقت خروجه، ثم عاود الخروج في ذلك الوقت، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأنه خروج في وقت خصَّص للنفاس، وهو قد انقطع لطارئ وقد زال هذا الطارئ فيكون كما هو في الأصل، فإن قلتَ: إن غلب على ظنها أنه دم نفاس: فهو كذلك، وإن شكَّت فيه: فإنه يكون دم فساد - وهو دم استحاضة - تصوم وتصلي وتفعل ما تفعله الطاهرات؛ فإذا انقطع هذا الدم: تقضي الصوم فقط وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للاستصحاب؛ حيث إن سبب وجوب الصلاة والصيام متيقن وسقوطهما بهذا الدم مشكوك فيه: فيجب أن نستصحب ما تيقنا منه - وهو وجوب هذه العبادات - ونترك ما شككنا فيه، فلا يُعمل على أن هذا الدم دم نفاس، للشك فيه قلتُ: إن الاستصحاب يُعمل به حتى يرد دليل يُغير الحالة، وثبت لدينا دليل قد غيَّر حالته وهو: القياس على الحيض الذي ذكرناه، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل القياس على الحائض دليل قد غيَّر الأصل المستصحب أو لا؟ " فعندنا: نعم، وعندهم: لا. (٤٢) مسألة: يُباح للزوج أن يستمتع بزوجته أو أمته النفساء فيما دون الفرج؛ أما الوطء في الفرج فحرام؛ للقياس على الحائض، كما سبق في مسألة (١٢). (٤٣) مسألة: يحرم على النفساء: الصوم والصلاة، وأي شيء تُشترط له الطهارة كالطواف وقراءة القرآن ومس المصحف، ولو فعلت ذلك: لم يصح ذلك منها؛ للقياس على الحائض، وقد سبق في مسألة (٩).

стр. 301

على عوض (٤٤) (و) فيما (يجب) به كالغسل (٤٥) والكفارة بالوطء فيه (٤٦) (٤٤) مسألة: يُباح للزوج أن يطلِّق زوجته النفساء؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل إباحة الطلاق في أيِّ وقتٍ شاء الزوج، ولم يرد دليل يُغير ذلك عن النفساء، فيُستصحب ذلك ويعمل به، فإن قلتَ: يحرم طلاق النفساء، وهو قول كثير من العلماء، وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للقياس، بيانه: كما أنه يحرم طلاق الحائض: لقوله ﷺ لابن عمر لما طلق امرأته وهي حائض: "مره فليُراجعها ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملًا"، فحرم هنا: طلاق الحائض؛ لكونها غير طاهرة، فكذلك النفساء مثلها، والجامع: عدم الطهارة، قلتُ: هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إنه إذا طلقها وهي حائض: فإن المطلقة تتضرَّر؛ حيث إنه لابد أن تأتي بثلاث حيض غير الحيضة التي طلقها في أثنائها فتطول عليها مدة العدة بهذا فيقع الضرر عليها، فدفعًا لذلك حُرِّم الطلاق في الحيض؛ بخلاف النفاس فلو طلقها زوجها في نفاسها: فإنه لا يُحسب من العدة بل تعتد بثلاث حيض، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل القياس على الحائض دليل قد غيَّر الأصل المستصحب أو لا؟ " فعندنا لا يُغير؛ لضعف القياس، وعندهم نعم. تنبيه: قوله: "والطلاق بغير سؤالها على عوض" يشير به إلى أن الطلاق عنده حرام في النفاس إلا إذا طلبت هي الطلاق بعوض فإنه يجوز؛ لتحقيق طلبها، وهو "الخلع" وقد سبق بيان أن الراجح: جواز طلاقها مطلقًا. (٤٥) مسألة: يجب على النفساء أن تغتسل إذا انقطع عنها الدم وأرادت الصلاة وإن لم تجد الماء أو لم تستطع استعماله: فإنها تتيمم، للقياس على الحائض كما سبق في مسألة (١٥). (٤٦) مسألة: يحرم وطء النفساء أثناء خروج دم النفاس، وإن فعل الزوج فعليه الاستغفار فقط، دون الكفارة؛ للقياس على الحائض كما سبق في مسألة (١١)، =

стр. 302

(و) فيما (يسقط) به كوجوب الصلاة، فلا تقضيها (٤٧) (غير العدَّة)؛ فإن المفارقة في الحياة تعتدُّ بالحيض دون النفاس (٤٨) (و) غير (البلوغ) فيثبت بالحيض دون النفاس؛ لحصول البلوغ بالإنزال السابق للحمل، (٤٩)، ولا يُحتسب بمدة النفاس على المولي، بخلاف مدة الحيض (٥٠) (وإن ولدت) امرأة (توأمين) = تنبيه: قوله: "والكفارة بالوطء فيه" يُشير إلى وجوب إخراج دينار أو نصفه عندما يطأ الزوج النفساء؛ قياسًا على الحائض، وهذا مرجوح كما سبق في مسألة (١١). (٤٧) مسألة: تسقط الصلاة والصوم عن النفساء، فإذا تطهرت: تقضي الصوم، دون الصلاة؛ للقياس على الحائض، وقد سبق ذلك في مسألة (٩). (٤٨) مسألة: إذا طلق الزوج زوجته قبل الولادة ولو بساعة: فإن العدة تنتهي بمجرد الولادة، ولو طلقها بعد الولادة؛ فإنها تعتدُّ بثلاث حيض؛ لعدم الحمل، بخلاف طلاق الحائض وقد سبق ذلك في مسألة (٤٤). (٤٩) مسألة: النفاس ليس من علامات البلوغ، بل الحيض الذي قبله هو الذي من علاماته، فإذا حاضت المرأة: علم أنها بالغ فتُكلَّف بالتكاليف الشرعية؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود النفاس: وجود الحمل قبله، ويلزم من وجود الحمل: وجود الإنزال - من المرأة والزوج - ويلزم من وجود الإنزال: وجود الحيض، فيكون الحيض هو الدال على البلوغ. (٥٠) مسألة: إذا قال الزوج للنفساء: "والله لا أقربك أربعة أشهر" وهو الإيلاء المعروف: فلا تحتسب مدة النفاس من تلك الأشهر، بخلاف الحائض: فإنه إذا قال لها ذلك وهي حائض: فإن مدة الحيض تحتسب من مدة تلك الأشهر؛ للعرف والعادة؛ حيث اعتاد الناس على حسبان مدة الحيض من ذلك، دون مدَّة النفاس، من غير نكير من العلماء، فأشبه الإجماع.

стр. 303

أي: ولدين في بطن واحد: (فأول النفاس وآخره من أولهما) كالحمل الواحد، فلو كان بينهما أربعون فأكثر: فلا نفاس للثاني، (٥١) ومن صارت نفساء بتعديها (٥١) مسألة: إذا ولدت امرأة ولدين في حمل واحد - وهما التوأمان - وكانت ولادة الثاني بعد يومين أو ثلاثة أو أكثر من ولادة الأول: فإنه يُحسب أول مدة النفاس من ولادة الأول، وآخره يُحسب من نهاية الأربعين على ولادة الثاني، فمثلًا: لو ولدت المرأة الولد الأول: فإنه يبدأ نفاسها من ولادته؛ فإذا ولدت الثاني بيومين أو ثلاثة فإنها تستأنف وتبدأ نفاسها من لحظة ولادة الثاني حتى ينقطع الدم أو يتم أربعون يومًا من ولادة الثاني، وبناء على ذلك: فإن مدة النفاس لمن ولدت توأمين قد تزيد عن الأربعين، وهو قول أكثر العلماء، وهو رواية عن أحمد؛ للقياس، بيانه: كما أن الرَّجل إذا طلق زوجته، ثم بدأت بعدة الطلاق، ولما ذهبت حيضة عليها: راجعها ووطأها، ثم طلقها بعد ذلك: فإنه يجب عليها استئناف العدة من جديد فكذلك من ولدت توأمين مثلها، والجامع: أن كلًا من الوطء بعد الطلاق، والولد الثاني قد قطع المدة الأولى من الحساب، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذه المرأة لو لم تجلس للثاني جلوس نفاس كامل - وهو: أربعون يومًا: للحق ضرر ومشقة بسبب تكليفها بالتكاليف الشرعية من صلاة وصوم مع خروج دم صالح لأن يكون دم نفاس؛ لوجود سببه، فإن قلتَ: إن مدة النفاس - وهو: أربعون يومًا - يُحسب من خروج الولد الأول فقط، ولا يُنظر للثاني، فلو ولدت الثاني بعد الأول بيومين: فإنه يبقى من مدة النفاس للثاني ثمان وثلاثون يومًا، ولو ولدت الثاني بعد الأول بأربعين يومًا: فلا نفاس للثاني، فيكون ما خرج من الدم بعد ولادة الثاني: دم فساد - وهو استحاضة - وتفعل فيه ما تفعله الطاهرات؛ للقياس، بيانه: كما أن من ولدت ولدًا واحدًا يكون لها نفاس واحد - وهو: أربعون يومًا - تبدأ من ولادته، فكذلك من ولدت ولدين في =

стр. 304

بضرب بطنها، أو بشرب دواء: لم تقض (٥٢) = بطن واحد يكون لها نفاس واحد يبدأ من الأول، والجامع: أن كلًا منهما قد حملت به حملًا واحدًا، فتكون مدته واحدة، ولا تُزاد على ذلك وإن تعدَّد المحمول، وما كان أوله منه: كان آخره منه، قلتُ: هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن من حملت بولد واحد في بطنها ليست مثل من حملت بولدين في بطنها من حيث كثرة الدماء الخارجة، ومن حيث المدة، ومن حيث التعب والإرهاق، ونظرًا لهذه الفروق، فإنه يُفرق بينهما من حيث مدة النفاس؛ للمصلحة، وقد بيناها، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" وهذا يُسمى بقياس الشبه، فنحن قلنا: إن من ولدت بتوأمين أكثر شبهًا في حساب المدة بمن تطلق، ثم تراجع، وهم قالوا: أنها أكثر شبهًا بمن ولدت ولدًا واحدًا. (٥٢) مسألة: إذا خرج ما في بطن المرأة من ولد كامل أو غير كامل وخرج دم بسبب تعديها على نفسها بضرب، أو شرب دواء أسقطه: فإنها تترك الصلاة لأجله، ولا تقضي الصلوات التي تركتها؛ للتلازم؛ حيث إن خروج الدم لم يكن من جهتها ولا تعدَّت به فلا يكون معصية، فلا يلزم من خروج هذا الدم: أن تقضي الصلاة، بل تتركها وقت خروجه، وكذا: الحيض مثل ذلك. هذه آخر مسائل باب "الحيض والاستحاضة والنفاس" وهو آخر أبواب كتاب الطهارة ويليه كتاب "الصلاة".

стр. 305

كتاب الصلاة في اللغة: الدعاء، قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أي: ادع لهم، وفي الشرع: أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، سُمِّيت "صلاة" لاشتمالها على الدعاء، مشتقة من "الصلوين" وهما: عرقان من جانبي الذنب، وقيل عضمان ينحنيان في الركوع والسجود، (١) وفرضت ليلة كتاب الصلاة حقيقة الصلاة وحكمها وفيه إحدى وعشرون مسألة: (١) مسألة: الصلاة لغة هي: الدعاء والاستغفار، ومنه قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ وقوله ﷺ : "ومن كان صائمًا فليُصل" والمراد: ادع لهم، وادع لأهل الوليمة إذا دعوه ولم يأكل، والصلاة في الاصطلاح: "أقوال وأفعال مخصوصة يُتعبَّد بها مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم"، وهذا الإطلاق في الشرع حقيقة فيها؛ لأن الصلاة لفظ منقول من معناه اللغوي إلى معناه في الشرع؛ لوجود علاقة بين المعنى اللغوي - وهو: الدعاء - والمعنى الشرعي، وهو: اشتمال تلك الصلاة على دعاء العبادة ودعاء المسألة، وقد فصَّلتُ ذلك في كتاب: "المهذب" (٣/ ١١٥٠)، فإن قلتَ: لِمَ سُمِّيت هذه الأفعال والأقوال بالصلاة؟ قلتُ: لاشتمالها على دعاء العبادة والمسألة، لذا سُمِّيت صلاة الجنازة بالصلاة مع أنه لا ركوع فيها ولا سجود؛ لاشتمالها على الدعاء - كما في "المنتقى" (١/ ١٣) و "المقدمات" (٣/ ٧) و "الفوائد" (٢/ ٦) - وقيل: سُميت بذلك أخذًا من الصلوين، وهما عرقان في الردف، وأصلهما: "الصلا" وهو: عرق في =

стр. 306

الإسراء (٢) (تجب) الخمس في كل يوم وليلة (على كل مسلم مكلَّف) أي: بالغ عاقل: ذكر أو أنثى أو خنثي: حر أو عبد، أو مبعَّض (٣) = الظهر يفترق عند عجز الذنب - وقيل: هما عضمان ينحنيان عند الركوع - كما في "الذخيرة" (٢/ ١٥) والأول: أنسب. (٢) مسألة: فُرضت الصلاة في ليلة الإسراء والمعراج بمكة قبل الهجرة بعام واحد، وهي أول ما فُرِض من أركان الإسلام - بعد الشهادتين؛ للإجماع؛ حيث قال ابن عبد البر في "الاستذكار": "لم تختلف الآثار ولا العلماء في أن الصلاة فرضت بمكة ليلة الإسراء". (٣) مسألة: تجب الصلوات الخمس في اليوم والليلة على كُلِّ مسلم مكلف، أي: بالغ عاقل، وهذا مطلق، أي: سواء كان ذكرًا أو أنثى أو خنثى، وسواء كان حرًا أو عبدًا، أو مبعَّضًا - أي: بعضه حر وبعضه الآخر عبد؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ حيث أوجب الصلاة؛ لأن الأمر مطلق فيقتضي الوجوب، الثانية: السنة القولية، وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ لمعاذ - حين بعثه إلى أهل اليمن -: "ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة" حيث بيَّن أن الإسلام - وهما الشهادتان - شرط لصحة الصلاة وهذا عام لجميع ما ذكر، ثانيهما: قوله: "رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ" حيث دل مفهوم الغاية على أن العاقل البالغ تجب عليه الصلاة من جملة الواجبات، فإن قلتَ: لِمَ وجبت على المسلم المكلَّف؟ قلتُ: لأن الصلاة لا تجتمع مع الكفر، لما بينهما من التناقض، كما بينت ذلك في كتابي: "الإلمام في مسألة تكليف الكفار بفروع الإسلام"، ولأن البالغ العاقل =

стр. 307

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = يُدرك المقصود من الصلاة والمراد من التَّعبُّد بها وتصح النية منه، بخلاف الصبي والمجنون فلا يدركان ذلك، ولا تصح منهما نية، فإن قلت: لِمَ وجبت الصلاة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الصلاة تُعتبر أكمل العبادات؛ لاشتمالها على جميع أنواع التكبيرات والتحميدات، والتسابيح، والتذلل والخضوع والخشوع، ودعاء العبادة ودعاء المسألة، والقراءة، واشتمالها على جلب الأرزاق، وتقوية القلوب، وتفريج الهموم والغموم، وتنشيط الجوارح، وشرح الصدور، وإبعاد الشياطين، وهذا ثابت لمن طاب مأكله، وتأثيرها على احتقار الدنيا وزينتها ومراكزها، فإن قلت: لِمَ كانت الصلوات خمس فقط دون زيادة أو نقصان؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن تلك الأوقات الخمسة تحدث فيها آيات عظيمة تستوجب شكر الله عليها، فطلوع وظهور الإسفار ناسبه وجوب صلاة الفجر، وزوال الشمس زوالًا بطيئًا ناسبه وجوب صلاة الظهر، وزوال الشمس زوالًا سريعًا ناسبه وجوب صلاة العصر، وغروب الشمس وبداية الليل ناسبه وجوب صلاة المغرب، وحلول الليل والظلام ناسبه وجوب صلاة العشاء، وهذه الأوقات قد صلى فيها الأنبياء السابقين: فالفجر صلاة آدم، والظهر صلاة إبراهيم، والعصر صلاة يونس، والمغرب صلاة عيسى، والعشاء صلاة موسى ﵈ وذلك لنعم أنعم الله بها عليهم، فأرادوا شكر الله عليها، فأراد الله تعالى أن يجمع لنبيه وأمته هذه الصلوات فأوجبها عليهم؛ تكثيرًا لأجورهم، ثم إن ذلك يُناسب مصلحة المسلم، حيث جعل فاصلًا طويلًا بين الفجر والظهر لكسب رزقه بعد ما جعل فاصلًا طويلًا بين العشاء والفجر ليأخذ ما يحتاجه من النوم الكافي، فإن قلتَ: لِمَ كانت أكثر الصلوات في آخر النهار: كالظهر والعصر والمغرب والعشاء؛ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا الوقت ليس بوقت عمل، ولا بوقت نوم فأراد الشارع إشغاله بالذكر، فإن قلتَ: لِمَ =

стр. 308

(لا حائضًا ونفساء) فلا تجب عليهما (٤) (ويقضي من زال عقله بنومٍ أو إغماء، أو سكر) طوعًا أو كرهًا (أو نحوه) كشرب دواء؛ لحديث "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" رواه مسلم، و "غشي على عمار ثلاثًا ثم أفاق وتوضأ وقضى تلك الثلاث" ويقضي من شرب محرَّمًا حتى زمن جنون طرأ متصلًا به؛ تغليظًا عليه (٥) = اختلفت تلك الصلوات في الركعات؟ قلتُ: لأن آدم صلى الفجر ركعتين؛ لأن الله أنجاه من ظلمة الليل لما أُخرج من الجنة، وأنه سبحانه قد أرجع إليه النهار، والظهر صلاها إبراهيم أربعًا؛ لإزالة غم الولد، وإتيانه بالفداء، ولرضى ربه بذلك، وصبر ولده، والعصر صلاها يونس أربعًا؛ لأن الله أنجاه من ظلمة الذلة وظلمة البحر، وظلمة الحوت، وظلمة الليل، والمغرب صلاها عيسى شكرًا لله؛ لأنه استطاع نفى الألوهية عن نفسه، وعن أمه، وأثبتها لله، والعشاء صلاها موسى شكرًا لله على أن الله أنجاه من غم هارون، وغم غرق فرعون، وغم أولاده، وغم حيرته في البحر. (٤) مسألة: تسقط الصلاة عن الحائض والنفساء، ولا يقضيان تلك الصلاة بعد انقضاء مدة الحيض والنفاس، وقد سبق بيانه في مسألة (٩ و ٤٧) من باب "الحيض والاستحاضة والنفساء". (٥) مسألة: إذا نام شخص أو شرب أي شيء مزيل لعقله سواء كان حرامًا أو لا، مختارًا أو لا، جُنَّ بسببه أو لا: فإنه إذا أفاق يقضي ما فاته من الصلوات؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" فأوجب على النائم قضاء الصلاة التي نام عنها؛ لأن الأمر هنا مطلق فيقتضي الوجوب، وهو عام في الأزمان، فيقضي الفرض في أي وقت شاء، سواء كان وقت نهي أو لا، خرج وقتها أو لا؛ لأن لفظ "مَنْ" الشرطية و "إذا" التي بمعنى "حين" من صيغ العموم، والسكران كالنائم؛ لعدم الفارق بجامع إزالة العقل من =

стр. 309

(ولا تصح) الصلاة (من مجنون) وغير مميِّز؛ لأنه لا يعقل = باب مفهوم الموافقة المساوي، فإن قلت: لِمَ يقضي هنا؟ قلتُ: لسد الذرائع؛ حيث إنه لو لم يقض هؤلاء ما فاتهم عند إفاقتهم لأدَّى ذلك إلى تساهل هؤلاء فينامون أو يشربون شيئًا يزيل عقولهم لئلا يؤدُّوا الصلاة، فأوجب عليهم قضاء الصلوات التي تركوها؛ تغليظًا عليهم، منعًا من التساهل في أعظم ركن من أركان الإسلام. [فرع]: المغمى عليه لا يقضي ما فاته من الصلوات أثناء الإغماء؛ للقياس، بيانه: كما أن المجنون لا يقضي ما فاته من الصلوات إذا أفاق فكذلك المغمى عليه مثله، والجامع: أن كلًا منهما قد حدث رغم أنفه، ولا يمكن إفاقتهما، فإن قلت: لِمَ لا يقضي المغمى عليه؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه يحصل بسبب ليس منه، وقد يطول، فيشق قضاؤه، فإن قلت: إن المغمى عليه يقضي ما فاته من الصلوات إذا أفاق، وهو قول بعض العلماء، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أن النائم يقضي الصلوات فكذلك المغمى عليه مثله، والجامع: زوال العقل في كل، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن عمَّارًا قد أغمي عليه فقضى ما فاته بعد إفاقته، قلتُ: أما القياس ففاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن الإغماء نادر الوقوع، والمغمى عليه لا يمكن إفاقته، وأنه يحصل بسبب مرض أو نحوه، بخلاف النوم: فهو كثير الوقوع، ويمكن إفاقة النائم، وهو طبيعي يحصل بدون مرض، ومع هذه الفروق فلا قياس، أما فعل الصحابي: - وهو عمَّار -: فيُحتمل أنه فعل ذلك على سبيل الوجوب، ويُحتمل أنه قضى ذلك على سبيل الاستحباب، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين": فنحن قسناه على المجنون؛ لأنه أكثر شبهًا به وهم قاسوه على "النائم" لأنه أكثر شبهًا به عندهم، وهذا يُسمى بقياس الشبه، وأيضًا "تعارض فعل الصحابي مع القياس" فعندنا يقدم القياس على المجنون؛ لضعف فعل الصحابي؛ لاحتماله، وعندهم: يقدم فعل الصحابي.

стр. 310

النية (٦) (ولا) تصح من (كافر)؛ لعدم صحة النية منه، ولا تجب عليه، بمعنى: أنه لا يجب عليه القضاء إذا أسلم، ويُعاقب عليها، وعلى سائر فروع الإسلام (٧) (فإن (٦) مسألة: لا تصح الصلاة من مجنون، وصبي غير مميز - وهو: الذي لا يُميز بين الخير والشر - ولا من الهرم، والمعتوه - وهما اللذان قد اختلطت عليهما حقائق الأمور -، ولو أفاق المجنون، أو ميز أو بلغ الصبي أو شفي الهرم والمعتوه: فإنهم لا يقضون ما فاتهم من الصلوات؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من عدم إدراكهم للنية وشروطها: عدم صحة ما يعملونه؛ لأنه لا عمل صحيح إلا بنية كما قال ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات". (٧) مسألة: الكافر - أصليًا أو مرتدًا - إذا صلى في أثناء كفره: فإن صلاته لا تصح منه، وإذا أسلم: فلا يجب قضاء الصلوات التي تركها أثناء كفره، ولكنه يُعاقب على تركه لجميع فروع الإسلام: من صلاة وحج وزكاة ونحوها من أول علمه بالإسلام وقدرته عليه إلى وفاته؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ، قَالُوا: لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ وقال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ حيث إنه بيَّن أن سبب دخولهم النار أنهم تركوا الصلاة، وكذا أوجب عليهم الحج وهم في حالة كفرهم؛ لأن لفظ "الناس" اسم جنس وهو من صيغ العموم فيدخل الكافر، وهذا يدل على مخاطبتهم بفروع الإسلام، وأنهم معاقبون على تركها في الآخرة، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" فلا صحة لأي عمل إلا بنية، ولا نية صحيحة لكافر في حال كفره، فلا يُحسب أي عمل عمله أنه شرعي، الثالثة: السنة التقريرية؛ حيث إنه قد أسلم الجم الغفير من الصحابة على يد النبي ﷺ ، فلم يرو أنه أمر أحدهم أن يقضي ما فاته من الصلوات - أو غيرها من الفروع التي تركها أثناء كفره - ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وقد خصَّصت لهذه المسألة مصنَّفًا قد صدر منذ زمن هو: "الإلمام في مسألة تكليف الكفار بفروع الإسلام".

стр. 311

صلى) الكافر على اختلاف أنواعه في دار الإسلام أو الحرب جماعة أو منفردًا بمسجد أو غيره (فمسلم حكمًا) فلو مات عقب الصلاة: فتركته لأقاربه المسلمين، ويُغسَّل، ويُصلى عليه، ويُدفن في مقابرنا، وإن أراد البقاء على الكفر وقال: "إنما أردت التهزي": لم يُقبل، وكذا لو أذن، ولو في غير وقته (٨) (ويؤمر بها صغير لسبع) أي: يُلزم وليه: أن يأمره بالصلاة لتمام سبع سنين، وتعليمه إياها، والطهارة ليعتادها: ذكرًا كان أو أنثى، وأن يكفّه عن المفاسد (و) أن (يُضرب عليها لعشر) سنين؛ لحديث عمرو بن شُعيب عن أبيه عن جده يرفعه: "مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها لعشر، وفرّقوا بينهم في المضاجع" رواه أحمد وغيره (٩) (فإن بلغ في أثنائها): بأن تمت مدة بلوغه وهو في الصلاة (أو بعدها (٨) مسألة: إذا رأينا كافرًا يؤذن أو يقيم أو يصلي: فإنا نحكم بإسلامه: له ما للمسلمين، وعليه ما عليهم: بأن يرثه أقاربه المسلمون بعد وفاته، ويُغسَّل ويُكفن ويُدفن في مقابرهم؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا فله ما لنا وعليه ما علينا" وهذا قد فعل ذلك، أو فعل مقدمات الصلاة، فيدخل في عموم ذلك؛ لأن "مَنْ" الشرطية من صيغ العموم، فيكون - على ذلك مسلمًا، فإن قلتَ: لِمَ حُكِم عليه بالإسلام؟ قلتُ: لأن الصلاة والأذان والإقامة عبادات خاصة بشرعنا لا يفعلها إلا مسلم؛ لاشتمالها على الشهادتين، وهذا ما ظهر، ويجب العمل بالظاهر، [فرع]: إذا قال الكافر: "إني أذنتُ وأقمتُ وصليتُ استهزاء": فإنه لا يقبل منه إلا الإسلام: فيُستتاب ثلاثة أيام فإن تاب ورجع إلى الإسلام وإلا: قُتل بالسيف؛ قياسًا على المرتد - كما سيأتي -. (٩) مسألة: إذا بلغ الصبي سبع سنين - وهو سن التمييز غالبًا - يجب على وليه أن يأمره بالصلاة، وأن يُعلِّمه طريقة الطهارة لها، وأن يعظِّم شأن الصلاة في نفسه، وأن يُعلِّمه فعل كل خير، وترك كل شر، وإن لم يُصل - وهو ابن عشر =

стр. 312

في وقتها: أعاد) أي: لزمه إعادتها؛ لأنها نافلة في حقه، فلم تجزئه عن الفريضة، = -: فإنه يضربه لأجل ذلك؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها لعشر" حيث أوجب الشارع على ولي الصبي أن يأمره بالصلاة، وإذا أبى، أن يضربه لأجلها - إذا بلغ العاشرة؛ لأن الأمر هنا مطلق، فيقتضي الوجوب، ولذا: لو ترك الولي ذلك لأثم، لكونه قد ترك واجبًا، ويدل مفهوم العدد: على أن الصبي لا يُؤمر بها إذا كان له أقل من سبع سنين، ولا يُضرب عليها إذا كان له أقل من عشر سنين، فإن قلت: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: لتأديبه وتهذيبه على أداء الصلاة؛ لئلا يستثقلها إذا بلغ، وخُصِّص هذا السن؛ لأنه يميز فيه بين حقائق الأمور، ويقوى على تحمُّل الضرب وهو في سنِّ العاشرة، فإن قلت: لِمَ لا تجب الصلاة على الصبي المميز؟ قلتُ: لأن الصبا مظنة الغباوة، وضعف العقل عن إدراك الغايات والنيات والمقاصد، وعدم قدرته على الاستقلالية، ولأنه عار عن البلية العُظمى وهي: "الشهوة"، فإن قلت: لِمَ وجب على الولي تعظيم الصلاة، وتعليمه الطهارة والآداب؟ قلتُ: لأن تلك الأمور تساعد الصبي على القيام بالصلاة بإخلاص إذا بلغ من باب "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، فإن قلتَ: إن ضرب الصبي يدل على وجوب الصلاة عليه، وهو رواية عن الإمام أحمد؛ للتلازم؛ حيث يلزم من الضرب: المعاقبة، ولزم من معاقبة الصبي على تركه للصلاة أنها واجبة عليه؛ لأنه لا عقاب إلا على ترك واجب، قلتُ: إن الضرب هنا ضرب تأديب وتهذيب، لا ضرب عقاب؛ لأن الصبي لا يُكلَّف بشيء؛ لقوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: الصبي حتى يبلغ .. " وهذا التلازم لا يقوى على تخصيصه فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "تعارض التلازم مع السنة القولية" فعندنا: يُعمل بعموم السنة، وعندهم: يُعمل بالتلازم ويقوى على تخصيص عموم السنة.

стр. 313

ويُعيد التيمم، لا الوضوء، والإسلام (١٠) (ويحرم) على من وجب عليه (تأخيرها (١٠) مسألة: إذا دخل صبي في صلاة الظهر - مثلًا، ثم بلغ في أثنائها - أو بعد الفراغ منها بأن علم بلوغه خمسة عشر، بأي علامة، فإنه لا يجب عليه إعادة تلك الصلاة سواء خرج وقت الصلاة أو لا؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث إن الصبي فعل ما له فعله على الوجه الذي طُلب منه فيلزم من فعله: سقوط الطلب عنه، الثانية: القياس، بيانه: كما أن الصبي إذا بلغ في أثناء يوم صوم من أيام رمضان: فإنه لا يقضي هذا اليوم فكذلك الصلاة مثله، والجامع: البلوغ في أثناء فعل النافلة التي هو المطالب بها في كل، فإن قلت: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير على الخلق، فإن قلت: إنه إذا بلغ في أثناء أو بعد الصلاة: فإنه يُعيد الصلاة إذا لم يخرج وقتها، دون إعادة الوضوء بالماء، والشهادتين وهو الذي ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن البالغ إذا صلى قبل دخول الوقت لا تجزئه صلاته، فتجب إعادتها، فكذلك الصبي إذا صلى قبل البلوغ: فإن صلاته لا تجزئه، فيجب إعادتها والجامع: أن كلًا منهما قد صلى قبل وجود سبب الوجوب، قلتُ: هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن البالغ يعلم أن الصلاة واجبة عليه إذا دخل وقتها، فعلم أن صلاته قبله لا تجزئه، أما الصبي فلم يعلم وجوبها عليه إلا بعد دخوله بها، أو بعد الفراغ منها، وكان بلوغه فجأة عنده، فاختلفا، ولذلك: تبطل صلاة البالغ قبل دخول وقتها، لأنه لم يفعل ما وجب عليه، ولا يصلي الصبي الذي بلغ في أثناء الصلاة أو بعدها مرة ثانية؛ لأنه فعل ما عليه فعله، فلا يُطالب بها مرة ثانية، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين"؛ حيث إنا قسناه على الصبي الذي بلغ في أثناء صومه؛ لأنه أكثر شبهًا به، وهم قاسوه على البالغ الذي صلى قبل دخول الوقت؛ لأنه أكثر شبهًا به، وهذا يُسمَّى بـ "قياس الشبه". تنبيه: قوله: "ويُعيد التيمم" يقصد إن كان الصبي قد =

стр. 314

عن وقتها) المختار، أو تأخير بعضها (١١) (إلا لناوِ الجمع) لعذر فيُباح له التأخير؛ لأن وقت الثانية يصير وقتًا لهما (١٢) (و) إلَّا (لمشتغل بشرطها الذي يُحصِّله قريبًا) كانقطاع ثوبه الذي ليس عنده غيره إذا لم يفرغ من خياطته حتى خرج الوقت، فإن = صلى تلك الصلاة التي بلغ في أثنائها أو بعدها بالتيمم، فإنه يعيد ذلك التيمم والصلاة؛ لأن التيمم مشروع لكل صلاة؛ لأنه ليس برافع، وإنما هو مبيح للصلاة - كما سبق في مسألة (٣٠) من باب "التيمم" - وهذا على حسب مذهبه: من أن الصلاة تُعاد، وقد بيَّنا أنها لا تُعاد. (١١) مسألة: يحرم على المكلف تأخير الصلاة عن وقتها المحدد شرعًا لها بلا عذر، وكذا: يحرم تأخير صلاة العصر عن وقتها المختار إلى وقتها الضروري - وسيأتي بيان ذلك؛ للسنة الفعلية والقولية؛ حيث إنه ﷺ قد صلى بأصحابه الصلوات الخمس بأوقاتها وقال: "وقت صلاتكم بين ما رأيتم" فحصر هنا الصلاة بين وقتين معلومين - سيأتي بيانهما - فدل مفهوم الزمان على تحريم تأخير الصلاة عن وقتها المحدد شرعًا، فإن قلت: لِمَ حُرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن تحديد الصلاة بوقت معين له أسرارٌ وحِكم كثيرة: منها: شكر الله تعالى على نعم وآيات عظيمة تظهر في هذا الوقت - كما سبق في مسألة (٣) - والامتحان والابتلاء: وهذا كله فيه أجر عظيم. (١٢) مسألة: يُباح لمن نوى الجمع بين صلاتي الظهر والعصر، أو الجمع بين المغرب والعشاء؛ لسفر أو مرض أو مطر: أن يؤخر صلاة الأولى إلى وقت الثانية جمع تأخير - كما سيأتي -؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ كان يفعل ذلك - كما رواه أنس -، فإن قلتَ: لِمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير وتوسعة على الناس فيكون وقت الثانية وقتًا للصلاتين معًا.

стр. 315

كان بعيدًا عُرفًا: صلى، (١٣) ولمن لزمته: التأخير في الوقت مع العزم عليه ما لم يظن مانعًا، وتسقط بموته، ولم يأثم (١٤) (ومن جحد وجوبها: كفر) إذا كان ممن لا يجهله (١٣) مسألة: يُباح تأخير الصلاة عن وقتها لمن اشتغل بإيجاد ماء أو تراب يتطهر به، أو إيجاد سترة يستر بها عورته بشرط: أن يغلب على ظنه أن ذلك سيستغرق وقتًا قصيرًا بعد الوقت كساعة ونحوها؛ للقياس، بيانه: كما أن الحركة اليسيرة في الصلاة لا تضر فكذلك خروج وقتها بقليل لا يضر بسبب اشتغاله بتوفير شرط من شروط الصلاة: كستر العورة والطهارة ونحوهما، فإن قلتَ: لِمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهو تحصيل أجر الستر أو التطهر، وأن الزيادة أو النقصان القليل في الشرع لا يضر إذا وجدت المصلحة لذلك، فإن قلتَ: لِمَ اشترط ذلك الشرط؟ قلتُ: لأن تحصيل ذلك إذا كان سيستغرق وقتًا طويلًا: فإنه يكون عاجزًا عنه، والواجب يسقط بالعجز عنه. [فرع]: يُباح تأخير الصلاة عن وقتها للخائف على نفسه، أو أهله، أو ماله إلى أن يزول الخوف، لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد شُغل عن صلاة العصر يوم الخندق إلى غروب الشمس، فصلى العصر، ثم المغرب، فظاهره: أنه أخرها بسبب الخوف من العدو، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن أنسًا قال: "اشتدت الحرب غداة تستُّر فلم يصلوا إلا بعد طلوع الشمس" و "تستُّر" بلد في خراسان، فظاهره: أن بعض الصحابة لم يؤخرها إلا بسبب الخوف، فإن قلتَ: لِمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للمسلمين، وترك الصلاة إذا وجد ما يُشغل القلب عنها. (١٤) مسألة: الصلاة واجبة وجوبًا موسَّعًا، فيُباح للمكلف أن يؤخر الصلاة عن أول وقتها إلى وسطه، أو إلى آخره إذا غلب على ظنه العيش إلى آخره، لكن إذا أراد أن يؤخرها إلى وسط أو آخر وقتها: فإنه يجب عليه أن يعزم وينوي أنه سيُصلِّيها في آخر وقتها، فلو مات قبل أن يصل إلى آخر وقتها فإنها تسقط عنه، =

стр. 316

وإن فعلها؛ لأنه مُكذِّب الله ورسوله وإجماع الأمة، وإن ادَّعى الجهل كحديث عهد بالإسلام: عُرِّف وجوبها، ولم يُحكم بكفره، لأنه معذور، فإن أصرَّ: كفر (١٥) (وكذا: = ولا يعصي بذلك ولا يأثم؛ للسنة القولية؛ حيث إن جبريل ﵇ قد صلى بالنبي ﷺ كل صلاة في أول وقتها وفي آخرها في يومين ثم قال: "يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين" وهذا يلزم منه: تخيير المكلف بين أجزاء وقت الصلاة: فإن شاء صلى في أوله، أو في آخره، ويلزم منه: أنه إذا أخرها إلى آخر وقتها: فإنه فعل ما له فعله، فلا يعصي، ولا يأثم فيما لو مات قبل وصوله إلى آخر الوقت، فإن قلتَ: لِمَ كان وقت الصلاة واسعًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الصلاة تتكرر في اليوم والليلة خمس مرات، فقد لا تسمح ظروف المكلف أن يصليها في أول وقتها، أو وسطه، أو آخره، فخيره الشارع بينها، وهذا فيه توسعة وتيسير، وقد فصَّلتُ الكلام عن هذا في كتابي: "الواجب الموسَّع" فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط العزم على فعلها في آخر الوقت؟ قلتُ: لأن هذا يخرجه عن عزمه على تركها مطلقًا فيكفر. (١٥) مسألة: إذا جحد شخص وجوب الصلاة: ففيه تفصيل: أولًا: إن كان ممن يجهل مثله كمن أسلم حديثًا، أو الناشئ في صحراء لا يرى فيها أحدًا: فإن هذا يُعلَّم أحكام الإسلام، ومنها: الصلاة: فإن أقرَّ وعمل بذلك: تُرك وشأنه، وإن أصرَّ على جحد وجوبها فإنه يُستتاب ثلاثة أيام، ثم يحكم بكفره ويُقتل بالسيف، ثانيًا: إن كان ممن لا يجهل مثله كالناشئ بين المسلمين: فإنه يُستتاب ثلاثة أيام: فإن أصرَّ: يحكم بكفره ويقتل بالسيف؛ للقياس، بيانه: كما أن المرتد عن الإسلام يُفعل به ذلك، فكذلك من جحد وجوب الصلاة، والجامع: أن كلًا منهما قد كتب الكتاب، والسنة وإجماع الأمة، فإن قلتَ: لِمَ يُعلَّم مَنْ يجهل مثله؟ قلتُ: لكونه معذورًا بالجهل؛ أصله قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ فإن قلتَ: لِمَ يُستتاب ثلاثًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا يُعطيه =

стр. 317

تاركها تهاونًا) أو كسلًا، لا جحودًا (١٦) (ودعاه إمام أو نائبه) لفعلها (فأصرَّ وضاق وقت الثانية عنها) أي: عن الثانية، لحديث: "أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما تفقدون منه الصلاة" قال أحمد: شيء ذهب آخره: لم يبق منه شيء، فإن لم يُدع لفعلها: لم يُحكم بكفره؛ لاحتمال: أنه تركها لعذر يعتقد سقوطها لمثله (١٧) = مهلة للتفكير، فإن قلتَ: لِمَ يُحكم بكفره ويقتل بالسيف؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه ما فعل ذلك إلا لكونه قد احتقر الإسلام وتعاليمه، فيخشى من أن ينشر ذلك: فيقتل منعًا لذلك. (١٦) مسألة: إذا أقرَّ شخص بوجوب الصلاة، ولكنه ترك فعلها تهاونًا وكسلًا: فإنه يُستتاب ثلاثة أيام: فإن أصرَّ على عدم فعلها: يحكم بكفره ويُقتل بالسيف؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ حيث دل مفهوم الشرط هنا على أن الذي لم يقم الصلاة: فإنه لا يُخلَّى سبيله، بل يُقتل لكفره، وهذا عام فيشمل من تركها تهاونًا وغيره، فإن قلتَ: لِمَ يُقتل هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع نشر فساده. (١٧) مسألة: لا يُحكم بكفر من ترك الصلاة تهاونًا وكسلًا: إلا بشرطين: أولهما: أن يقول له إمام أو نائبه: "صل وإلا قتلناك؛ لكفرك" ثانيهما: أن يضيق وقت الصلاة الثانية: كأن يترك صلاة الظهر، ثم يضيق وقت صلاة العصر، وتقرب الشمس من المغيب وهو لم يصل الظهر والعصر: فإنه إذا لم يصل: فإنه يحكم بكفره؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ وهو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا .. ﴾ كما سبق في مسألة (١٦)، الثانية: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ : "أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما تفقدون الصلاة" ويلزم منه أن الشخص إذا ترك الصلاة: فلا دين له وهو الكافر، ثانيهما: قوله ﷺ : "الذي بيننا وبين الكفر: ترك الصلاة" وهو واضح الدلالة؛ الثالثة: المصلحة؛ حيث إن =

стр. 318

(ولا يُقتل حتى يُستتاب ثلاثًا فيهما) أي: فيما إذا جحد وجوبها، وفيما إذا تركها تهاونًا، فإن تابا، وإلا ضربت عنقهما والجمعة كغيرها (١٨) وكذا: ترك ركن أو = الحكم على شخص بالكفر بدون دعوته، وإمهاله والصبر عليه إلى أن يضيق وقت الصلاة الثانية: فيه تجني عليه؛ لأن تركه للصلاة يُحتمل أنه تركها لعذر يظن أنه يسقطها، ويُحتمل أنه تركها لإرادته جمعها مع أخرى لعذر، ومع جواز هذين الاحتمالين: فلا حكم، وهذا دليل يردُّ على من زعم أنه لا دليل على اشتراط هذين - كابن عثيمين وغيره -. (١٨) مسألة: لا يجوز قتل من جحد وجوب الصلاة - جمعة أو غيرها من الفرائض - أو من ترك فعلها تهاونًا وكسلًا إلا بعد أن يُستتاب ثلاثة أيام بأن يُحبس في مكان، ويقال له في كل يوم: "صلِّ وإلا قتلناك" فإن لم يفعل ذلك: قتل في اليوم الرابع كفرًا بالسيف؛ لقواعد: الأولى: القياس، بيانه: كما أن المرتد عن الإسلام لا يُقتل حتى يُستتاب ثلاثًا فكذلك الجاحد لوجوب الصلاة أو التارك لفعلها تهاونًا مثله، والجامع: أن كلًا منهما قد ترك حقًّا ثابتًا يحتاج إلى البيان، الثانية: قول الصحابي: حيث إن عمر قال فيمن ترك الصلاة: "هلا حبستموه ثلاثًا لعلَّه يتوب" الثالثة: المصلحة؛ حيث إن إمهاله ثلاثة أيام يجعله يعيد النظر فيما يعتقده، وقد يكون قد غُرِّر به وخُدِع، فيُبيَّن له الحق في هذه الأيام، وعادة أن الشخص إذا ذكِّر بالآيات والأحاديث وأقوال السلف: تاب إلى الله تعالى، ففي الاستتابة مصلحة له وللمسلمين، فإن قلتَ: لِمَ كانت الأيام ثلاثة؟ قلتُ: لمناسبتها لهذه الحالة؛ حيث إنه في اليوم الأول يبيَّن له الحق، وفي الثاني يفكِّر في ذلك، وفي الثالث: يقول النتيجة، فإن قلتَ: لِمَ لا يُقتل كفرًا، ولا يُقتل حدًّا؟ قلتُ: لأن حكمه حكم المرتدين عن =

стр. 319

شرط، (١٩) وينبغي الإشاعة عن تاركها بتركها حتى يُصلي ولا ينبغي السلام عليه، = الإسلام، وعليه: فلا يُغسَّل ولا يكفن ولا يصلى عليه، ولا يُدفن مع المسلمين، ولا يورث بخلاف المقتول حدًّا: فهو مسلم حكمًا كالزاني المحصن والقاتل؛ فهذا إذا قتل يُغسَّل ويكفن ويُصلى عليه ويدفن مع المسلمين، ويورث، فإن قلت: لِمَ يُقتل بالسيف؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المقصود هو إنهاء حياته، لئلا يؤثر على الآخرين، وليس المقصود تعذيبه، فإن قلت: لم يُقتل بهذا وهو أهون القتلات مع أنه كافر، والزاني المحصن أو الزانية يقتلان بالرجم وهو: أشد القتلات؟ قلتُ: لأن مفسدة هذا الكافر قليلة، أما الزانية والزاني فمفسدتهما شاملة لهما ولعائلتهما ولأولادهما، وللأزواج، ويؤثر في الأنساب، ولأن الجسم قد اهتز كله بالحرام، فلا بد أن يعذب كله في الحياة، - وعذاب الآخرة أمرُّ -؛ جزاءً لهما وردعًا لمن تحدِّثه نفسه بأن يفعل ذلك، فإن قلتَ: إنه لا يُستتاب، بل يُقتل فورًا إلا إذا اقتضت المصلحة استتابته وهو قول كثير من العلماء وتبعهم ابن عثيمين؟ قلتُ: إن هذا غير منضبط فقد يستتيب الإمام أحدًا لمجرد التشهي والهوى فتكون استتابته مطلقًا هو الذي تقتضيه المصلحة العامة، والقياس كما سبق بيانه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "تعارض المصلحتين" فعندنا: المصلحة العامة تقتضي الاستتابة، وهي أقوى؛ لانضباطها. (١٩) مسألة: إذا ترك الشخص ركنًا من أركان الصلاة، أو شرطًا من شروطها، أو واجبًا من واجباتها عمدًا وهو يعتقده: فإنه يكفر، فيُستتاب ثلاثة أيام، فإن تاب، وإلا قتل، للتلازم؛ حيث يلزم ممن ترك ركنًا، أو شرطًا، أو واجبًا يعتقده؛ إبطال صلاته عمدًا، ومن فعل ذلك فيلزم كفره، والكافر يُقتل؛ لاستهتاره بشرائع الإسلام القطعية - كما سبق -.

стр. 320

ولا إجابة دعوته، قاله الشيخ تقي الدين، ويُصير مسلمًا بالصلاة، (٢٠) ولا يكفر بترك غيرها: من زكاة وصوم، وحج، تهاونًا وبخلًا. (٢١) (٢٠) مسألة: إذا ترك شخص الصلاة؛ جُحدًا لوجوبها، أو تهاونًا بها، فلم يصل مطلقًا: فيجب على المسلمين الذين حوله: أن يهجروه: بأن لا يُسلموا عليه، ولا يُجالسوه ولا يشاركونه في شيء، وينشرون عنه أنه لا يصلي مطلقًا، فإن صلى: فإنه يُحكم بأنه مسلم؛ دون إعادة للشهادتين؛ للمصلحة؛ حيث إن هذه الطريقة قد تردعه فيعود إلى الصواب والحق. [فرع]: إذا تاب وصلَّى فإنه لا يقضي ما تركه عمدًا من الصلوات؛ للتلازم؛ حيث إنه قبل توبته كان كافرًا، ويلزم من ذلك: أن لا يقضي؛ لأن الكافر لا يقضي ما تركه أثناء كفره؛ لقوله ﷺ : "الإسلام يجب ما قبله"، فإن قلت: لِمَ لا يقضي؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ما تركه قد يكون كثيرًا؛ فلو وجب عليه قضاؤه بعد توبته: لشق عليه ذلك، ولتسبب في تنفيره عن التوبة، فدفعًا لذلك، وتحبيبًا له في الإسلام، وتأليفًا لقلبه: سقط عنه القضاء، وقد فصَّلتُ ذلك في كتابي: "الإلمام". (٢١) مسألة: إذا ترك شخص ركنًا من أركان الإسلام: وهو: الزكاة، أو الصوم، أو الحج تهاونًا وكسلًا وبخلًا: فإنه يُستتاب ثلاثة أيام، فإن تاب وزكى وصام وحج: وإلا قتل في اليوم الرابع كفرًا بالسيف؛ لقواعد: الأولى: الكتاب، وهو من وجهين: أولهما قوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ حيث دل مفهوم الشرط على أن الذي يترك الزكاة يُقتل ولا يُخلَّى سبيله، ثانيهما: قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ حيث أوجبهما معًا، وهذا يدل على عدم التفريق بينهما عند الترك، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان وحج البيت" حيث دل مفهوم العدد على أن من ترك واحدًا من هذه الأركان: فليس بمسلم؛ لأنه ليس أحدها بأولى من الآخر، الثالثة: إجماع الصحابة؛ حيث إن أبا بكر لما أصرَّ على قتال مانعي =
следующие страницы →