← Тараджим

Тараджим · id 131

أعيان العصر وأعوان النصر

الصفدي

Полный текст (3 514 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

الخط من الإحسان. كتب بخطه المليح ربعة في ربع البغدادي الكبير، بقلم المحقق الذي يتعذر فيه التحرير، ووقفها بالجامع الأموي. وعنده مغالاة في الكتب النفيسة من كل فن. وكان قد فوض إليه الأمير سيف الدين أيتمش النظر في أمر الجامع الأموي، فاسترفع حساب المباشرين، وتعب في أمره، وتولى أمره بنفسه، وفي ضمن هذا ورد المرسوم بطلبه إلى مصر في يوم الخميس ثالث عشر شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة، فتوجه إلى القاهرة وأقام بها قريباً من عشرة أيام، ونزل به الأمر الذي وجب، وحل به القضاء المكنى أبا العجب. وتوفي رحمه الله تعالى في إحدى الجماديين من السنة المذكورة، وكان قد أشيع أنه طلب للوزارة. ؟ شيخو الأمير الكبير الأتابك سيف الدين الناصري. هو غير الأول، ومن صرح سعده وما تأول، وثبت سؤدده وما تحول، وكاد يكاثر أمواج البحار الزاخرة بما ملك وما تخول، وصدق الملك في أمره وما تقول، وكان قارون عصره، وعزيز مصره، وصاحب العقد والحل، والنقض والإبرام فيما حرم وما حل، وكانت الأمور به ماشيه، والخيرات فاشيه، وعيون حساده بأنوار سعوده عاشيه:

стр. 1227

تعود على الدنيا عوائد فضله ... فأقبل منها كلّ ما كان أدبرا بحلمٍ كأنّ الأرض منه توقّرت ... وجودٍ كأن البجر منه تفجّرا فقوي بذلك حزبه، وأضاءت في الآفاق شهبه، وأنشأ خلقا كثيرا، وجعل في كل مملكة غير واحد أميرا، وأراهم من إحسانه وخلعه جنةً وحريرا، فكبر نوابه في البلاد وكثروا، وجروا طلقا في ميادين سعودهم وما عثروا. ولم يزل على حاله إلى أن جرعه الدهر بغدره الأمرين، ونكد عيش جماعة كانوا على ملازمته مصرين، فجرح جراحة لم تندمل، وجعلت كل عين عليه بالدموع تنهمل. وتوفي رحمه الله تعالى في ليلة الجمعة سادس عشري ذي القعدة سنة ثمان وخمسين وسبع مئة. كان قد حظي عند الملك المظفر، وزادت وجاهته حتى شفع في الأمراء إخوة يلبغا وفي الأمير عز الدين طقطاي الدوادار، وأخرجهم من سجن الإسكندرية، ثم إنه استمر في دولة الملك الناصر حسن أحد أمراء المشور، في اخر الأمر كانت القصص تقرأ عليه بحضرة السلطان في أيام الخدم، وصار زمام الدولة بيده، وساسها أحسن سياسة بسكون وعدم شر، وكان يمنع كل حزب من الوثوب على الآخر، وعظم شأنه. ولم يزل على حاله إلى أن رسم السلطان بإمساك الوزير وأخيه الأمير سيف الدين بيبغاروس في طريق الحجاز، وكان شيخو قد خرج متصيداً إلى ناحية طنان، فلما كان يوم السبت رابع عشري شوال سنة إحدى وخمسين وسبع مئة رسم السلطان الملك

стр. 1228

الناصر حسن بإمساك الأمير سيف الدين منجك الوزير، وحلف الأمراء لنفسه، وكتب تقليد بنيابة طرابلس باسم الأمير سيف الدين شيخو، وجهز إليه مع الأمير سيف الدين طينال الجاشنكير، فتوجه إليه وأخذه من برا، وحضر به إلى دمشق، فوصل إليها ليلة الثلاثاء رابع ذي القعدة سنة إحدى وخمسين، وعلى يده مرسوم السلطان بإقامته في دمشق أميراً على إقطاع الأمير سيف الدين تلك السلامي. وتجهز تلك إلى القاهرة، فما وصل إلا وقد جاء على عقبه الأمير سيف الدين أرغون التاجي وعلى يده مرسوم بإمساكه وتجهيزه إلى باب السلطان، وتقييد مماليكه واعتقالهم بقلعة دمشق. ولما أمسك قرأ: " والفتنة أشدّ من القتل "، وقال: أين الأيمان التي حلفناها؟، وجهز سيفه صحبة الأمير سيف الدين طقتمر الشريفي، ثم جهز الأمير شيخو صحبة الأميرين مقيدا ومعهما الأمير سيف الدين جوبان وثلاثون جندياً يوصلونه إلى غزة، ولما وصلوا إلى قطيا توجهوا به إلى الإسكندرية، ولم يزل بها معتقلاً إلى أن خلع الملك الناصر حسن، وتولى الملك الملك الصالح صالح، فرسم بالإفراج عنه وعن بقية الأمراء الذين اعتقلوا مع الوزير منجك. ووصل الأمير سيف الدين شيخو إلى القاهرة في رابع شهر رجب الفرد سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة، ونزل الأشرفية، واستقر على عادته أولاً، وخرج مع السلطان

стр. 1229

الملك الصالح إلى الشام في واقعة بيبغاروس وتوجه إلى حلب هو والأمير طاز وأرغون الكاملي خلف بيبغاروس - على ما تقدم في ترجمة أرغون الكاملي - وعاد مع السلطان إلى القاهرة، ولما أقام بها صمم على العمل على إمساك بيبغاروس وأحمد الساقي وبكلمش بعد ما هربوا إلى الروم، فأمسكوا وحزت رؤوسهم، على ما تقدم في تراجمهم. وصمم أيضاً على إمساك ابن دلغادر، فأمسك، ولم يزل به إلى أن أحضر إلى القاهرة ووسط وعلق على باب زويلة. ثم إنه خرج بنفسه في طلب الأحدب الخارج بالصعيد، وأبعد في طلبه، وعدى مدينة قوص، فهرب أمامه وأمسك من جماعته جماعة كثيرة إلى الغاية، ووسطهم من مكان الظفر بهم إلى القاهرة، وأبلى في أمرهم بلاءً حسناً، وطهر الأرض منهم. وكان ذلك في أواخر سنة أربع وخمسين وسبع مئة وأوائل سنة خمس وخمسين. ولم يزل مظفراً منصوراً فيما يحاوله. وقلت أنا فيه: شيخو أمير الجيوش سار ... لأحدبٍ باسه لطيخ أهمل أمر العقاب لمّا ... ريّش في ضعفه الفريخ قولوا له أنت في ضلالٍ ... ما فيه خير وفيه ريخ مالك قدّامه مطارٌ ... أنت صبيٌّ وذاك شيخو ولم يزل على حاله إلى أن قيل له: إن الأمير سيف الدين جردمر أخا الأمير سيف الدين طاز والأمير ركن الدين عمر بن أحمد بن بكتمر الساقي قد أوقعا بينك وبين السلطان، وقد عزموا على الإيقاع بك، فتيقظ هو لهذا الأمر، وخلع السلطان

стр. 1230

الملك الصالح في يوم الاثنين ثاني شوال سنة خمس وخمسين وسبع مئة، وأخرج السلطان الملك الناصر حسن وأجلسه على التخت، وحلف له هو والعساكر، وأخرج الأمير سيف الدين طاز إلى حلب نائبا ومعه إخوته، واستقر هو بالقاهرة على حاله، كل الأمور راجعة إلى أمره، وزادت عظمته بعد ذلك، وزادت أملاكه وإقطاعه ومستأجراته بالشام وبالديار المصرية، وصار نوابه بالشام في كل مدينة أمراء كباراً، وخدموه وبالغوا، إلى أن قيل: إنه كان يدخل ديوانه من إقطاعه وأملاكه ومستأجراته في كل يوم مبلغ مئتي ألف درهم وأكثر، وهذا شيء لم نسمع به في هذه الدولة التركية. وعمر المدرسة العظيمة، والخانقاه المليحة، والتربة الحسنة في الصليبة، وقرر في المدرسة الأربعة مذاهب، ووقف عليها الوقوف العظيمة. ولم يزل على حاله إلى أن كان يوم الخميس ثامن شعبان سنة ثمان وخمسين وسبع مئة، فخرج شخص من مماليك السلطان المرتجعية عن الأمير سيف الدين منجك يدعى باي قجا، لما جلس السلطان في دار العدل وأذن للخاصكية بالدخول، فوثب عليه وضربه بالسيف في وجهه وفي يده. وكانت واقعةً صعبة، ومات من الزحمة على ما قيل يوم ذاك جماعة، وكان يوماً عظيماً. وركب عشرة من مقدمي الألوف ملبسين وتوجهوا إلى قبة النصر، وأمسك باي قجا المذكور، وقرر فلم يقر على أحد، وقال: أنا قدمت إليه قصة لينقلني من الخاصكية إلى الإقطاع فما قضى شغلي، فبقي هذا الأمر في نفسي. ثم إنه بعد مدة سمر باي قجا وطيف به في الشوارع. واستمر الأمير سيف الدين عليلاً من تلك الجراحة، ولم يصعد منها إلى القلعة إلى أن خرج السلطان إلى سرياقوس، ولم ينزل بها، ثم إنه دخل المدينة قبله.

стр. 1231

وتوفي في ليلة الجمعة في التاريخ المذكور رحمه الله تعالى. وما أحقه أن ينشد يوم موته: ألا رحم الله الأمير فإنّه ... أصمّ به الناعي وإن كان أسمعا وما كان إلاّ السيف لاقى ضريبة ... فقطّعها ثم انثنى فتقطّعا الألقاب والنسب ابن شيخ السلامية: فخر الدين عبد العزيز بن أحمد. والقاضي قطب الدين ناظر الجيش موسى بن أحمد. وولده صلاح الدين يوسف. وجمال الدين إبراهيم بن علي. بنو الشيرازي: جماعة، منهم: كمال الدين أحمد بن محمد. وعماد الدين المحتسب محمد بن أحمد. وشمس الدين محمد بن محمد بن محمد. الشيرازي: قطب الدين محمود بن مسعود. ونجم الدين إبراهيم بن عبد الرحمن.

стр. 1232

حرف الصاد الصابوني: أمين الدين عبد المحسن بن أحمد. وعلاء الدين علي بن يعقوب. ومجد الدين عيسى بن محمد. وجمال الدين أحمد بن يعقوب. صاروجا بفتح الصاد المهملة، وبعدها ألف وراء وواو وجيم وألف: الأمير صارم الدين المظفري، نسبة إلى مظفر الدين بن جندر. أخبرني الأمير شرف الدين حسين بن جندر قال: قلت للسلطان يوماً وقد أجري ذكره وهو في الاعتقال: يا خوند، هذا ما هو مظفري نسبة إلى المظفر الجاشنكير، وإنما هذا هو مملوك أخي مظفر الدين، فقال: هكذا؟! قلت: نعم، فما كان بعد ذلك إلا أيام حتى أفرج عنه. وكان أولاً بالديار المصرية، ولما أعطى السلطان الأمير سيف الدين تنكز إمرة عشرة قبل توجهه إلى الكرك سلم الإقطاع إليه، وقال: هذا آغا متاعك، على رأي الترك، فأحسن صاروجا إلى تنكز وخدمه وثمر له إقطاعه. ولما حضر السلطان من الكرك قيل له عنه إنه يميل إلى أمير موسى بن الصالح

стр. 1233

علي، فأمسكه في واقعة أمير موسى، ثم أفرج عنه بعد مدة تقارب العشرين سنة، وجهزه أميراً إلى صفد، فأقام بها مدة تزيد على السنة والنصف. ثم إنه نقل إلى دمشق على طبلخاناه، وكان الأمير سيف الدين يرعى له خدمته الأولى، وكان إذا خاطبه قال له: يا صارم. ولم يزل مقيماً بدمشق إلى أن أمسك الأمير سيف الدين تنكز، فأمسك الأمير سيف الدين بشتاك لما حضر إلى دمشق الأمير صارم الدين صاروجا ، واعتقل في قلعة دمشق في جملة من أمسك في تلك الواقعة، ثم إنه ورد المرسوم على الأمير علاء الدين ألطنبغا بأن يكحله، فدافع الأمير علاء الدين عنه يويمات يسيرة، ثم إنه خاف، فأمر بكحله، فعمي باصره، وكان ذلك عشية نهار، وفي صبيحة ذلك اليوم ورد المرسوم بالعفو عنه، ثم إنه رتب له ما يكفيه، وجهز إلى القدس، فأقام به مدة. ثم إنه عاد إلى دمشق وأقام بها إلى أخريات سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة، وتوفي رحمه الله تعالى. وكان رجلاً خير الطباع، سليم الصدر، كثير المؤانسة والإمتاع، قل أن يكون في خزانته شيء، بل الجميع يفرقه على مماليكه الخواص، والذين هم على خدمته وملازمته غواص. وكان كتابه ومن يتحدث في بابه يشكون من ذلك، ويرون أن أيامهم بهذا مثل الليالي الحوالك. وكان الأمير سيف الدين قد ولاه الحكم في البندق، ثم عزله منه وتغير عليه قليلاً، ثم عاد إلى الحنو عليه.

стр. 1234

صاروجا الأمير صارم الدين، نقيب النقباء بالديار المصرية. كان فيه دهاء وخدع، وصد عن الحق وصدع، لا يهاب أميراً ولا وزيرا، ولا يخاف كبيرا ولا صغيرا، له إقدام على السلطان، وعنده تختل ما يهتدي إليه الشيطان. قدمه السلطان وقربه، وأدناه لما عرفه وجر به كثيراً من مراده لما جربه. إلى أن خافه الأمراء، وهابه الكبراء. ولم يزل على ذلك إلى أن فارق الحياة، فجاءه الموت فجاءه، وقطع من الحياة أصله ورجاءه. وتوفي رحمه الله تعالى في سنة ست وثلاثين وسبع مئة. كان نقيباً صغيراً، فلما توفي الأمير عز الدين دقماق نقيب النقباء أمره السلطان وجعله مكانه، وقدمه وعظمه، وصار يدخل إليه على ضوء الشمع، ويتحدث معه في كل ما يريد، حتى خافه الأمراء الكبار وخافه النشو ناظر الخاص، على ما فيه. ثم إنه توجه مع السلطان في السنة المذكورة، لما وصل في تلك السفرة إلى خانق دندرا وعاد، فلما قارب القاهرة وقف صاروجا على بعض المعادي ليعدي الأطلاب، فوقف على بعض الجسور ومد يده بالعصا ليضرب شخصاً تعدى مكانه، فرفع يده بالعصا، فوقع من أعلى الفرس إلى الأرض ميتا.

стр. 1235

الألقاب والنسب ابن صارو شهاب الدين أحمد بن إبراهيم . ابن صابر المقدم إبراهيم. ابن الصباغ الكوفي صالح بن عبد الله . ابن الصائغ المقرئ محمد بن أحمد. صالح بن أحمد بن عثمان صلاح الدين القواس، الشاعر البعلبكي. كان رجلاً خيرا، مضيء القلب نيرا، يعبر الرؤيا ويتكلم عليها مناسبا، ويجيد فهمها حاسبا. وينظم القريض، ويأتي به مثل زهر الروض الأريض. وكان كثير الاتضاع، غزير مادة الإمتاع. قد صحب الفقراء زمانا، وحفظ من كلامهم لؤلؤاً وجمانا. وسافر البلاد، وعلم منها ومن أهلها الطارف والتلاد. ولم يزل على حاله إلى أن انفسد مزاج صالح، وتلقاه العيش بعد بشره بوجهه الكالح. وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة في سادس عشر شهر ربيع الأول. ومولده سنة ثمان وثلاثين وست مئة.

стр. 1236

أنشدني شيخنا الذهبي، قال: أنشد المذكور قصيدته السائرة ذات الأوزان، وهي: دائي ثوى بفؤادٍ شفّه سقم ... لمحنتي من دواعي الهمّ والكمد بأضلعي لهبٌ تذكو شرارته ... من الضنى في محلّ الروح من جسدي يوم النوى ظلّ في قلبي له ألمٌ ... وحرقتي وبلائي فيه بالرّصد توجّعي من جوىً شبّت حرارته ... مع العنا قد رثى لي فيه ذو الحسد أصل الهوى ملبسي وجداً به عدمٌ ... لمهجتي من رشا بالحسن منفرد تتبّعي وجه من تزهو نضارته ... لمّا جنى مورثي وجداً مدى الأمد هدّ القوى حسنٌ كالبدر مبتسم ... لفتننتي موهنٌ عند النوى جلدي مودّعي قمرٌ تسبي إشارته ... إذا رنا ساطع الأنوار في البلد مهدي الجوى مولعٌ بالهجر منتقمٌ ... ما حيلتي قد كوى قلبي مع الكبد لمصرعي معتدٍ تحلو مرارته ... يا قومنا آخذٌ نحو الردى بيدي قلبي كوى مالكٌ في النفس محتكمٌ ... لقصّتي وهو سولي وهو معتمدي مروّعي سار لا شطّت زيارته ... لمّا انثنى قاتلي عمداً بلا قود قلت: يقال إن هذه القصيدة تقرأ على ثلاث مئة وستين وجها. وقد نظم الناس في هذا النوع قديما وحديثا، وأكثروا، وأحسن هذا النوع ما لم تظهر الكلفة عليه ويكون عذباً منسجما، وأقدم ما يوجد من هذا النوع قول

стр. 1237

أبي الحسن أحمد بن سعد الكاتب الأصبهاني، وكان بعد العشرين والثلاث مئة، وهو: وبلدةٍ قطعتها بضامر ... خفيددٍ عيرانة ركوب وليلة سهرتها لزائر ... ومسعدٍ مواصلٍ حبيب وقينةٍ وصلتها بظاهرٍ ... مسوّدٍ ترب العلا نجيب إذا غوت أرشدتها بخاطرٍ ... مسدّدٍ وهاجسٍ مصيب وقهوة باكرتها لتاجرٍ ... ذي عندٍ في دينه وحوب سورتها كسرتها بماطرٍ ... مبرّدٍ من جمّة القليب وحرب خصم هجتها مكاثر ... ذي عدد في قومه مهيب معرّد إبلٍ سقتها بباترٍ ... مهنّدٍ يغري الطلارسوب وكم حظوظٍ نلتها من قادر ... ممجّدٍ بصنعة القريب كافيت إذ شكرتها في سامرٍ ... ومشهد للملك الرقيب والأبيات المشهورة، وبعض الناس نسبها لأبي العلاء المعري، وما أظن أنا ذلك، وهي: جودي على المستنظر الصبّ الجوي ... وتعطّفي بوصاله لا تظلمي

стр. 1238

ذا المبتلى المتفكّر القلب الدوي ... واستكشفي عن حاله وترحّمي وصلي ولا تستنكري ذنبي البري ... وترأفي بالواله المستسلم تبدي القلا بتغيّري الحب الأبي ... المتلفي بخباله المتحكّم هذه الأبيات على كاملها من الكامل المسدس على أتم أنواعه، إلا أنه لحق الإضمار بعض أجزائها، فإذا حذفت الجزء الآخر من كل بيت، وجعلت القوافي عند قوله: بوصاله كانت الأبيات من شاذ الكامل المخمس. وأنشد العروضيون في مثله: لمن الصبيّ بجانب الصحراء ... ملقى غير ذي مهد فإذا حذفت من آخر كل بيت جزءين وجعلت القافية عند قوله وتعطفي كانت الأبيات من مربع الكامل، ومثله: وإذا افتقرت فلا تكن ... متخشّعاً وتجمّل فإذا اقتصرت على الشطر الأول من كل بيت، وجعلت القافية عند قوله الجوي كان من الضرب الرابع من الرجز، وصار البيت بيتين من مصرع الكامل المسدس، وإن حذفت من الشطر الأول جزءاً، وجعلت القافية عند قوله: الصب بقي معك بيتان مصرعان من أحذ الكامل المضمر، كقول زهير: لمن الديار بقنّة الحجر ... أقوين من حجٍ ومن دهر فإذا نقصت من الشطر الأول جزءين، وجعلت القافية عند قوله: المستنظر

стр. 1239

بقي بيتان من مربع الكامل المعرى، وإن شئت من الضرب الخامس من الرجز، وإن اقتصرت على الأجزاء الأول من الأبيات بقي مجموعها الأربعة الأجزاء بيتاً واحداً من مربع الكامل، وإن شئت من أقل أنواع الرجز المحدث، مثل قوله: طيفٌ ألم ... بذي سلم وهذه الأبيات الأربعة تقرأ على عدة وجوه. صالح بن ثامر بن حامد الإمام القاضي الفرضي تاج الدين أبو الفضل الجعبري الشافعي. سمع من ابن خليل، وعبد الحق المنبجي، والضياء صقر، والنظام البلخي، ومجد الدين بن تيمية، وعبد الله بن الخشوعي، والعماد عبد الحميد بن عبد الهاد. وخرج له أمين الدين بن الواني مشيخة. وولي قضاء أماكن. وروى عنه شيخنا علم الدين البرزالي، والواني، والطلبة. كان حاكماً عاقلا، لا يقبل في الحق لائماً ولا عاذلا، خيراً عفيفا، سليم القلب من

стр. 1240

الشر نظيفا. طريقه طريق السلف، يرى وهو بريء من الكبر والتيه والصلف. وكانت يده في الفرائض طولى، وذهنه فيه قد بلغ مراماً ونال سولا. وكان طويلاً مليح الشكل حسن الأخلاق. ولم يزل على حاله إلى أن أراد الله فناءه، وعمر به ربع الخير وفناءه. وتوفي رحمه الله تعالى في صفر سنة ست وسبع مئة. ومولده سنة بضع وعشرين وست مئة. وولي قضاء بعلبك، وناب في الحكم بدمشق، وولي الخطابة، واستسقى بالناس. وكان جيد الأحكام. وله قصيدة طويلة في الفرائض. وتولى نيابة الحكم بعده القاضي نجم الدين أحمد بن عبد المحسن الدمشقي. ولما طلع ليستسقي بالناس في خامس جمادى الأولى سنة أربع وتسعين وست مئة قعد الأمير علم الدين الدواداري أمام درج المنبر، ولما جاء القاضي تاج الدين الجعبري ليصعد المنبر، ويخطب قال له الدواداري: ما تستسقي بنا وأنت حاكم! فما رأى القاضي في مثل ذلك الجمع أن يرجع ويصعد المنبر غيره، فقال: اشهدوا علي أنني قد عزلت نفسي من الحكم، فقال له الدواداري: اصعد الآن. صالح بن عبد العظيم ابن يونس بن عبد القوي بن ياسين بن سوار المسند تقي الدين العسقلاني.

стр. 1241

سمع من النجيب عبد اللطيف الحراني وغيره، وأجاز لي سنة ثمان وعشرين بالقاهرة. وتوفي رحمه الله تعالى ... صالح بن عبد الله شرف الدين أبو محمد الصصري ابن بواب المدرسة القيمرية بدمشق. سمع بدمشق ومصر وحلب، وكتب وحصل، وتخرج، وسمع من خلق بعد سنة ثلاثين وسبع مئة، ثم إنه فتر واشتغل بالإسكندرية على ابن النصفي، وتلا بالسبع على أبي حيان. وكان في القاهرة في خدمة القاضي جمال الدين إبراهيم ابن العلامة شهاب الدين محمود، يدور بأولاده ويسمعهم على الأشياخ، فلما توجه جمال الدين إلى كتاب السر في حلب استمر في خدمة القاضي علاء الدين بن فضل الله صاحب ديوان الإنشاء، فأثرى وحسنت حاله، وجاء إلى دمشق في قالب غير الأول، وأقام قليلاً، وخدمة الناس، وتوجه إلى القاهرة فأقام بها قليلاً. وتوفي رحمه الله تعالى في رابع شوال سنة ثمان وأربعين وسبع مئة. صالح بن عبد الله بن جعفر ابن علي بن صالح بن الصباغ، الشيخ الإمام العالم الزاهد محيي الدين أبو عبد الله الأسدي الكوفي الحنفي.

стр. 1242

كان فقيه بلده وإمامها في أنواع العلوم والتصوف والزهد والأدب، طلب لتدريس المستنصرية مراراً وامتنع. أجاز له الصغاني في سنة خمسين وست مئة. وتوفي رحمه الله تعالى في سابع عشري صفر سنة سبع وعشرين وسبع مئة. ومولده سنة تسع وثلاثين وست مئة بالكوفة. مات هو يوم الجمعة، ومات قبله ليلة الجمعة الإمام السيد الشريف جمال الدين يوسف بن حماد الحسيني المشهدي، وكان شيخ الشيعة ومفتيها. وله قصائد نبوية، وشعره رقيق، وكان معظما بالمدينة النبوية وبالعراق. صالح بن عبد الوهاب ابن أحمد بن أبي الفتح بن سحنون الخطيب الفقيه العدل تقي الدين أبو البقاء ابن الشيخ الإمام مجد الدين الحنفي. كان خطيب الجامع بالنيرب بدمشق. سمع من ابن عبد الدايم. وكان ذا هيئة مليحه وخطابة فصيحه، وفيه تودد للأنام، وسماحة يدخل بها في زمرة الكرام. وكان يجلس في حانوت الشهود تحت القلعه، وينفق من رفاقه بحسن خلقه كل سلعه. ولم يزل إلى أن حل الخطب بالخطيب، وحنى الموت غصنه الرطيب. وتوفي رحمه الله تعالى في ثاني عشري شهر رجب الفرد سنة ست عشرة وسبع مئة.

стр. 1243

ومولده يوم الأربعاء عاشر صفر سنة سبع وخمسين وست مئة. وتولى الخطابة مكانه ولده مجد الدين إبراهيم على عادة والده وجده، ونظم أبوه اسمه عند ولادته فقال: تيّمنت فيه غبطة باسم صالحٍ ... فسمّيته مستهدياً برشاده عسى الله فينا أن يمنّ بفضله ... فيحييه عبداً صالحاً في عباده صالح بن محمد بن قلاوون السلطان الملك الصالح ابن السلطان الملك الناصر من ابنة الأمير سيف الدين تنكز ﵏ أجمعين. لما كان في يوم الاثنين ثامن عشري جمادى الآخرة سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة أخذ الأمير سيف الدين طاز والأمير علاء الدين مغلطاي أمير آخور ومن معهما من أرباب الحل والعقد، وخلعوا الملك الناصر حسن، وأجلسوا أخاه الملك الصالح على كرسي الملك بحضور أمير المؤمنين المعتضد أبي الفتح أبي بكر وحضور القضاة، وحلفوا له العساكر، وجهز الأمير سيف الدين بزلار إلى دمشق ليحلف العساكر الشامية. ولما كان في يوم الجمعة آخر النهار ركب أمير آخور المذكور ومنكلي بغا الفخري إلى

стр. 1244

قبة النصر، وهو رابع شهر رجب الفرد، فركب الأمير طاز والسلطان الملك الصالح، فكانت النصرة للسلطان الملك الصالح عليهما، وعاد إلى القلعة منصوراً، ورسم بالإفراج عن الأمير شيخو وبيبغاروس والوزير منجك وغيرهم ممن كان معتقلاً. واستقرت الأحوال. ولما خرج بيبغاروس وأحمد الساقي وبكلمش بالشام، على ما تقدم في ترجمة المذكورين، خرج الملك الصالح إلى الشام وجرد العساكر إلى دمشق، وجهز نائب الشام الأمير سيف الدين أرغون الكاملي، والأمير شيخو، والأمير طاز إلى حلب خلف ببيغاروس ومن معه، وأقام في دمشق إلى أن عاد شيخو وطاز، وصام شهر رمضان في دمشق، وصلى الجمعة في الجامع الأموي ثاني شوال، وخرج من الجامع وركب وتوجه بالعساكر إلى الديار المصرية. ولم يزل على حاله إلى أن قيل للأمير سيف الدين شيخو إن السلطان قد اتفق مع الأمير طاز وأخيه جردمر على أنهم يمسكونك، فلما بلغه ذلك خلع الملك الصالح صالحاً، وأجلس السلطان الملك الناصر حسن في ثاني شوال سنة خمس وخمسين وسبع مئة على كرسي الملك، فسبحان من لا يحول ولا يزول. وحضر الأمير عز الدين أيدمر الشمسي وحلف عساكر الشام للملك الناصر حسن، وأخرج الأمير طاز لنيابة حلب.

стр. 1245

ولم يزل الملك الصالح على حاله عند والدته ابنة الأمير سيف الدين تنكز لا يركب ولا ينزل إلى أن ورد الخبر إلى الشام بوفاته رحمه الله تعالى في صفر سنة اثنتين وستين وسبع مئة. وكان مولده في سنة سبع وثلاثين وسبع مئة. ؟ صالح بن مختار ابن صالح بن أبي الفوارس تقي الدين أبو التقي الشيخ الإمام، إمام قبة الشافعي ﵁ الأسنوي. سمع الكثير، وأجاز لي في سنة ثمان وعشرين آذنا في ذلك لعمر بن علي بن شعيب القرشي. مولده في شهر رمضان سنة اثنتين وأربعين وست مئة. وتوفي رحمه الله تعالى.. اللقب والنسب الصالح بن المنصور علي بن قلاوون. والصالح بن الناصر إسماعيل بن محمد. والصالح أخوه صالح بن محمد .

стр. 1246

ابن صغير الطبيب ناصر الدين محمد بن محمد. صالحة خاتون بنت الملك مجير الدين يعقوب ابن السلطان الملك العادل أبي بكر محمد بن أيوب. لم يكن في وقتها أعلى نسباً منها. توفيت رحمها الله تعالى في عشري شهر رجب الفرد سنة ست وعشرين وسبع مئة. ومولدها سنة خمسين وست مئة تقريبا. الألقاب والأنساب ابن صبرة الأمير عز الدين الحسين بن عمر ابن الصباغ النحوي الكوفي محيي الدين عبد الله بن جعفر. ابن صبح الأمير علاء الدين علي بن حسن. الصائغ شمس الدين محمد بن الحسن. ابن الصائغ محب الدين محمد بن عبد الله. ابن الصائغ أبو اليسر محمد بن محمد بن محمد. وأخوه: محمد بن محمد بن محمد. وأخوه: ناصر الدين محمد بن محمد بن محمد بن محمد. صدقة بن بيدمر الأمير بدر الدين ابن الأمير سيف الدين، تقدم ذكر والده.

стр. 1247

كان هذا الأمير صدقة لو قال: أنا شقيق البدر، كل الناس صدقه، شاباً أجمع الناس على ظرفه وحلاوة تلوين طرفه، أسمر يهزأ قده إذا اهتز بالأسمر، وإذا افتر ثغره الأبيض رأى محبه الموت الأحمر، قد زانه الميل والهيف، وود الحمام لو غنى على قده أو هتف، لطيف الأخلاق، يفوق الناس بجماله على الإطلاق، لم يبقل خده، ولا انكف من سيف ناظره حده. لم يزل في ميدان شبابه الغض، وعنفوان صباه الذي ما انفرط ولا انفض حتى صار القبر لجوهرة صدقة صدفه، ولقيه الموت في وسط شوطه وصدفه. وتوفي - رحمه الله تعالى - عبطة في أوائل شهر رجب سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون دمشق. وكان أمير عشرة في طرابلس، وهو مضاف إلى دمشق. اللقب والنسب بنو صصرى، جماعة: قاضي القضاة نجم الدين أحمد بن محمد. وأمين الدين سالم بن محمد. وشرف الدين محمد بن عبد الرحمن. الصفدي، جماعة، منهم: زين الدين عمر بن داود. وولده شهاب الدين أحمد. ونور الدين علي بن إسماعيل. وأمين الدين درويش محمد بن علي. والشيخ نجم الدين الصفدي حسن بن محمد. وولده الخطيب كمال الدين محمد بن حسن.

стр. 1248

صفنجي الأمير سيف الدين الركني، مملوك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير. كانت له مكانة عند أستاذه، ونقل إلى دمشق. وكان ديناً مشكور السيرة. توفي رحمه الله تعالى في رابع عشري صفر سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، ودفن بتربته بجبل قاسيون بالقرب من زاوية السيوفي. صفية بنت الشيخ الإمام العالم المحدث مجد الدين أحمد بن عبد الله بن المسلم بن حماد بن ميسرة الأزدي، أم محمد، وتدعى ست الشام. قال شيخنا علم الدين البرزالي: روت لنا عن أصحاب ابن عساكر، ويحيى الثقفي وغيرهما. وكانت امرأة صالحة مباركة. قصدت الحج فماتت بمدينة الرسول ﷺ ، وصلي عليها بالحرم الشريف، ودفنت بالبقيع ثاني عشري ذي القعدة سنة أربع وسبع مئة. ومولدها سنة سبع وأربعين وست مئة. صفية بنت الإمام شرف الدين

стр. 1249

أحمد بن أحمد المعمرة، أم أحمد المقدسية، زوج الشيخ بهاء الدين بن العز عمر. في الحجة يوم الأربعاء عشري الحجة سنة أربعين وسبع مئة، توفيت رحمها الله تعالى. حدثت بصحيح مسلم عن ابن عبد الدايم. صلغاي الأمير سيف الدين الناصري، من أمراء الأربعين بدمشق. كان يسكن جوار المدرسة القيمرية، وهو صهر الأمير زين الدين كتبغا الحاجب. وكان أميراً ديناً خيراً، يسلم على من يلقاه في الطريق. وكان الأمير سيف الدين تنكز يحبه ولا يفارقه في صيوده. وتوفي رحمه الله تعالى في عشري صفر سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، ودفن في مقبرة القبيبات. اللقب والنسب الصفي الهندي محمد بن عبد الرحيم . ابن صف عذاره نجم الدين محمد بن يحيى. ابن الصيرفي المحدث شرف الدين حسن بن علي. ومجد الدين محمد بن محمد. الصياح إبراهيم بن منير .

стр. 1250

الصفدي الشيخ نجم الدين الخطيب حسن بن محمد. وزين الدين الموقع عمر بن داود. ونور الدين علي بن إسماعيل. والصفدي: الطبيب. وشهاب الدين الطبيب: أحمد بن يوسف. والصفدي: سراج عمر شيخ سعيد السعداء. صرغتمش الأمير سيف الدين الناصري رأس نوبة. كان جميل الصوره، وصفات الحسن فيه محصولة محصوره، محياه كالبدر السافر في الظلام، أو الشمس إذا برزت من خلف الغمام. كتب وقرا، وأضاف أهل العلم وقرى، وعمر المدرسة المعروفة به بالقاهره، وجعل نجوم محاسنها في الإبداع زاهره، وكان يتلو القرآن على المشايخ، ويحب أن يكون في التجويد ذا قدم راسخ، إلا أن أخلاقه كان فيها شراسه، ونفسه فيها على احتمال الأذى نفاسه، فأقدم على عزل القضاه، واتبع السلطان في ذلك رضاه؛ لأنه كان قد انفرد بالتدبير، وثقلت وطأته على الدولة حتى خف عندها ثبير، وسالمته الأيام، وتيقظ سعده والناس عنه نيام، فكان مع جماله وبطشه يغلو عند من يعتبره بأرشه: كالبدر حسناً وقد يعاوده ... عبوس ليث العرين في عبده

стр. 1251

كأنّما مبرم القضاء به ... من رسله والحمام من رصده ولم يزل عالي الكعب، مالي القلوب بالرعب في حتى أخذ " أخذةً رابيه "، ولم تكن أنياب النوب عنه نابيه، فأمسكه الناصر حسن في العشرين من شهر رمضان سنة تسع وخمسين وسبع مئة. وكان ذلك آخر العهد به. أول ما ورد إلى القاهرة في جلبة الخواجة المعروف بالصواف في سنة سبع وثلاثين أو ثمان وثلاثين وسبع مئة، فاشتراه السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون بثمانين ألف درهم، وخلع عليه تشريفاً كاملاً بحياصة ذهب، وكتب له توقيعاً بمسامحة كثيرة في متاجره، فقارب الثمن عنه مئة ألف درهم وهذا ما بلغنا ولا سمعنا به في هذه الدولة التركية، وأكثر ما بلغنا عن السلطان الملك المنصور قلاوون الألفي، وكان أقباش مملوك الإمام الناصر قد اشتراه الإمام الناصر بخمسة آلاف دينار أظنها كانت رائجا، وهو الدينار بستة دراهم، أو دينار الجيش: اثنا عشر درهما، ومع ذلك فلم تكن لصرغتمش صورة عند أستاذه ولا مكانة، ومات وهو في الطباق من جملة آحاد الجمدارية.

стр. 1252

وقد كنت يوماً عند القاضي شرف الدين النشو ناظر الخاص وقد أنعم عليه السلطان بعشر طاقات أديم طائفي، فجاء إلى النشو يطلبها، وما احتفل به، وتردد مرات حتى أخذها، ثم إنه بقي بعد ذلك خامل الذكر إلى أيام المظفر حاجي، فخرج مع الأمير فخر الدين أياز السلاح دار لما جاء نائباً إلى حلب وهو معه مسفر حتى يقره في النيابة وعاد، ثم إنه جعل بعد ذلك يتقدم رتبة بعد رتبة إلى أن ورد مع السلطان الملك الصالح صالح إلى دمشق في واقعة بيبغاروس، وتوجه الأمير سيف الدين شيخو والأمير سيف الدين طاز إلى حلب خلف بيبغاروس، وبقي هو عند السلطان في دمشق يدبر أمره، إلى أن عاد السلطان إلى مصر، ولما وصلوا إليها عمل على الوزير علم الدين بن زنبور، وقام في أمره قياماً عظيماً، وبالغ في أمره إلى أن أمسكه وصادره، وأخذت منه أموال عظيمة، وقوى نفسه في أمره، وأعاره الأميران شيخو وطاز سكتةً في أمره لأنه توجع، وصمم عليهما، ومنها عظم، ولم يزل إلى أن أعيد الملك الناصر حسن إلى الملك وأخرج الأمير سيف الدين طاز إلى حلب، وبقي هو والأمير شيخو. ولما جرح شيخو تلك الجراحة ومات منها انفرد الأمير صرغتمش بتدبير الملك، وعظم أمره وزاد مكانة، وعزل القضاة بمصر والشام، وغير النواب الكبار، وخضع السلطان له وصبر عليه وأرخى به طول الإمهال إلى أن أمسكه في التاريخ المذكور ومعه حاجب الحجاب الأمير سيف الدين طشتمر القاسمي وملكتمر المحمدي وابن تنكز

стр. 1253

وطرغاي وأولاد آراي، وجهز إلى ثغر الإسكندرية، وقضى الله أمره فيه دون الجماعة. وعمر تلك المدرسة، وكان يتعصب لمذهبه كثيراً، وبالغ في عمارتها وزخرفها، وكان يؤثر الفضلاء ويقربهم، ويسأل عن مسائل في اللغة والفقه، ويعظم العجم ويؤثرهم. وكان قد انفرد بالحديث في أمر الأوقاف، وأمر البريد في مصر والشام. وضاق الناس منه، فما كان يركب البريد بمصر أحد إلا بعلمه، ومنع أحداً من البريدية أن يحمل معه دراهم وذهباً أو قماشاً على ظهر خيل البريد، وأمر بأن يعتبروا في قطيا، وزاد في هذا وأمثاله. وبالغ في أمر الأوقاف، وعمرت الأوقاف في أيامه. ووجدت بخطه في حائط المدرسة السلطانية بحلب مكتوبا: أبداً تستردّ ما تهب الدنيا ... فيا ليت جودها كان بخلا وكتب: صرغتمش الناصري. فلما رأيت ذلك عجبت من هذا الاتفاق، فكأنه كاشف نفسه بما وقع له، واستردت الدنيا ما وهبته، وأخذ السلطان من أمواله وحواصله شيئاً يعجز الوصف عنه.

стр. 1254

وكنت أنا قد كتبت قصيدة أمدحه بها، لكني ما جهزتها إليه، وهي: يا همّ لا تدخل إلى خاطري ... فإنّ لي صرغتمش الناصري قد زيّن الله الليالي به ... لأنّه كالقمر الزاهر وكّمل الله المعالي به ... فأصبحت في رونق باهر والملك قد أضحى به في حمىً ... لأنّه كالأسد الخادر غلّ يد الظلم وعدوانه ... وكفّ كفّ الخائن الجائر مسدّد الآراء في فعله ... لأنّه ذو باطن طاهر ما أبصر الناس ولم يسمعوا ... بمثله في الزمن الغابر سيوفه إن سلّها في الوغى ... كبارقٍ تحت الدجى طائر يغمدها في مهجات العدا ... فتكتسي قرب الدم المائر يمينه للجود معتادة ... قد أخجلت صوب الحيا الماطر فعن عطاءٍ جوده حدّثنا ... واللطف يرويه لنا عن جابر كواكب السعد له قد غدت ... تخدمه في الفلك الدائر ومذهب النعمان زاد فضله ... فشاع في البادي وفي الحاضر وزاده حسناً إلى جماله ... فراق في الباطن والظاهر أنشا له مدرسةً حسنها ... بين الورى كما لمثل السائر فسيحة الأرجاء قد زخرفت ... بكلّ لونٍ راق للناظر رخامها مختلفٌ لونه ... كمثل روض يانعٍ زاهر وذهنه متّقدٌ بالذكا ... لأنّه ذو خاطرٍ حاضر وعلمه زاد على غيره ... كلج بحرٍ طافحٍ زاخر

стр. 1255

يسبق برق الجوّ إدراكه ... لا كامرئٍ في جهله عاثر يقول من يسمع ألفاظه ... كم ترك الأوّل للآخر فوصفه أعجز كلّ الورى ... من ناظم القول ومن ناثر إنّ الثنا في وصفه قد غدا ... غنيمة الوارد والصادر تلهو به الركبان في سيرهم ... لأنّه أعجوبة السامر يلقى الذي يسعى إلى بابه ... بنائلٍ من جوده الغامر فالله يرعاه ولم ينسه ... عند خطوب الزمن الغادر لأنّه فوّض ما في نفسه ... منه إلى المقتدر القاهر

стр. 1256

حرف الضاد الضفدع الخياط: محمد بن يوسف. ؟ ضياء الدين المعبدي الشيخ المشهور بالديار المصرية. كان حسن الشكل، ظريفاً، فيه عفة وديانه، وتنديبه ظريف، وتنديره حلو، وكانت له مكارم ووجاهه. قال يوماً - وقد رأى الشيخ محمد القصار وهو في سماع يرقص - فقال له: يا قصار، أنجست الخرقة. فقال له القصار سريعاً: من دقك الخارج. وأضافهم يوماً إنسان؛ وأحضر لهم توتاً، فلما أكلوه، فرغت الضيافة، فقال الشيخ ضياء الدين: يا جماعة، توته، توته، فرغت الحدوته. قال لي شيخنا العلامة تقي الدين قاضي القضاة السبكي: هو الذي كان السبب في ولاية الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد قضاء الديار المصرية، وحلف عليه بالطلاق من زوجته ابنة ... وأخذه، وطلع به إلى السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين؛ وقال له جئتك بسفيان بن عيينة، أو الثوري، كما قال.

стр. 1257

وتوفي الشيخ ضياء الدين - رحمه الله تعالى - في جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين وسبع مئة بالقاهرة بزاويته بالقرب من جامع السلطان. ضياء الدين بن خطيب بيت الآبار: محتسب القاهرة، وناظر البيمارستان المنصوري، اسمه يوسف بن أبي بكر.

стр. 1258

حرف الطاء طابطا بالطاء المهملة وبعدها ألف وباء موحدة وطاء ثانية مهملة وألف، الأمير سيف الدين، والد الأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي، أحد أمراء المئين مقدمي الألوف بحلب وبدمشق. كان رجلاً أميا، غراً غتميا، لا يعرف ما الناس فيه، ولا يدري الفرق بين الحليم والسفيه، ذاق فقد مثل ذلك الولد، وعدم الصبر عليه والجلد، فالعجب كل العجب حياته بعده، وكونه ما سكن فيه لحده. لم يزل على حاله إلى أن غص بالموت، ونص عليه الفوت. وتوفي - رحمه الله تعالى - بحلب في صفر سنة خمسين وسبع مئة. وفد على البلاد لما حظي ولده عند الملك الناصر محمد، هو وولداه، الأمير سيف الدين أسندمر والأمير سيف الدين قراكز. ولم يزل إلى أن خرج ولده يلبغا إلى حماة نائباً، فخرج هو وأولاده، ولما توجه يلبغا إلى حلب نائباً، توجهوا معه، وصار هو أمير مئة مقدم ألف، وأولاده أمراء. ولما جاء يلبغا نائباً إلى دمشق، حضروا معه، ولما جرى له ما جرى وهرب هربوا

стр. 1259

معه، ولما أمسك بحماة أمسكوا، وقيد هو وولده يلبغا، وجهزا إلى مصر، فلما وصلا إلى قاقون، تلقاهما الأمير سيف الدين منجك، وأطلعهما إلى قلعة قاقون، وأفرد كل منهم عن الآخر، ثم إنه أركب الأمير سيف الدين على البريد، وجهز إلى مصر، وأما ولده يلبغا فخنق، وحز رأسه، وجهز بعده. ثم إن طابطا جهز إلى الإسكندرية، ولما تولى الملك الناصر حسن بعده؛ أفرج عنه، وأطلقه، وكان مدة مقامه في الحبس ثلاثة أشهر تقريباً، وأفرج عنه في شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وسبع مئة. ثم إنه جهز أميراً إلى حلب، فأقام بها إلى أن توفي - رحمه الله تعالى - في التاريخ المتقدم. طاجار بالطاء المهملة وبعد الألف جيم وألف بعدها راء، الأمير سيف الدين الدوادار المارداني الناصري. كان شكله مليحا، ووجهه صبيحا، مسترسل شعر الذقن في سواد، خفيف الحركة، لا يلحقه جواد، وكان يغلب عليه اللعب واللهو، والانشراح والزهو، لا يؤثر على الرقص شيئا، ولا يتخذ غير ظله فيئا، على أنه مكنه أستاذه تمكيناً كثيرا، وأحله من الدولة محلاً أثيرا، ركبه في البريد إلى الشام مرات، وتلقاه الناس بالخدم والمبرات، وحصل مالاً جزيلاً في مدة قريبه، واقتنى أشياء من كل صنف عجيبه.

стр. 1260

ولم يزل في لهوه ومجونه، وعدم تثبته وسكونه، إلى أن راح فيمن راح، ونفضت من أمره الراح، في سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة. وكان الأمير علاء الدين ألطنبغا المارداني الذي تقدم ذكره هو في خوشداشه الذي نبه عليه، وأشار بإصبعه إليه، فقربه السلطان، وولاه الدوادارية بعد إنفصال الأمير سيف الدين بغا الدودار، على ما تقدم في ترجمة بغا، بعناية القاضي شرف الدين النشو ناظر الخاص وعناية القاضي شهاب الدين بن فضل الله، لأنه كان صغيراً وكرها سيف الدين بغا، وتوهما أنه يكون طوع ما يختارانه، ويحاولانه منه، فما كان إلا أن تقدم، وذاق طعم الوظيفة، فعاملها بضد ما توهماه فيه، وأملاه منه، وأمره السلطان طبلخاناه، وقال له: والك يا طاجار، ما كان دودار أمير مئة قط، وأنا أعطيك إمرة مئة، فاجعل بالك مني، واقض أشغالك في ضمن أشغالي ولا تقض أشغالي في ضمن أشغالك، وإذا دفع إليك أحد شيئاً من الذهب برطيلاً، احمله إلى كاتبي النشو. وجهزه السلطان مع الأمير سيف الدين طشتمر الساقي إلى صفد، ليقره في النيابة، فأعطاه، على ما قيل، مئة ألف درهم، وجاء من صفد إلى عند الأمير سيف الدين تنكز، فأعطاه جملة، وكان تنكز في مرج الغسولة، فلما رأى خام الأمير سيف الدين تنكز، قال: والله هذا الخام ما هو للسلطان. فبلغ ذلك تنكز، وكان سبب الوحشة بينهما. وكان تنكز إذا طلع إلى المرج، يأخذ حريمه معه، وهن تسع جوار موطوءات، كل واحدة ببيتها وخدمها وجواريها، ويضرب عليهن شقة كبيرة يحشر خامهن فيها، ثم إنه بعد ذلك حضر إلى الشام خمس ست مرات، وقد ذكرت في ترجمة تنكز ما اتفق له، عندما جاء إليه قبل إمساكه، وما دار بينهما، ثم إنه جهزه للسلطان صحبة الأمير سيف الدين بشتاك، لما حضر للحوطة على موجود تنكز، وعاد إلى مصر، فلما توفي السلطان الملك الناصر، تمكن من ولده الملك المنصور أبي بكر،

стр. 1261

فيقال: إنه هو الذي حسن له الفتك بقوصون، ولما شعر قوصون بذلك، خلع المنصور، ورتب أخاه الأشرف كجك، وأمسك طاجار وجماعة، وجهزهم إلى إسكندرية، فقتل طاجار مع بشتاك. وكان كثير اللعب يخرج من قدام السلطان، وينزل إلى القاهرة، ويعمل سماعاً، ويرقص، إلى أن يجيء وقت الخدمة، فيطلع إلى القلعة. وكان عليه في الرقص خفة وحركة وروح، وما تقرب إليه عماد الدين بن الرومي بشيء غير الرقص. وكان إذا ساق في البريد في مهم السلطان ينام طول ليله، ويقوم بكرةً، فيركب خيل البريد الجياد، ويسوق مشواراً واحداً من المركز إلى المركز، فإذا وصل المركز، ونزل، قال لمماليكه: صفقوا. فيصفقون له، ويرقص إلى أن يشدوا له الخيل فيركب، ويفعل ذلك من باب مصر إلى باب دمشق، وكذا إذا عاد. وكان بشتاك يحط عليه، ويكرهه، ويندب عليه قدام السلطان، ولما أمسك حمل من بيته إلى القلعة ستة صناديق مملوءة ذهباً، وكان السلطان قد زوجه ابنة الأمير علاء الدين مغلطاي الجمالي الوزير، وكانت أولاً زوج الأمير خضر ابن الأمير علاء الدين ألطنبغا نائب حلب والشام. وطاجار هو الذي عمر الخان الذي في جينين الذي ليس على درب مصر مثله بشد نجم الدين بن الزيبق، وعمر الحوض السبيل الذي في طريق غزة.

стр. 1262

طاز بعد الطاء المهملة والألف زاي، ابن قطغاج، بضم القاف وسكون الطاء المهملة وبعدها غين معجمة وألف وجيم. الأمير سيف الدين أمير مجلس. أول ما اشتهر ذكره في أيام الصالح إسماعيل. وهو شكل تام طويل، نبيه نبيل، شجاع بطل، إذا أعمل فكره خمل معه الكيد من عدوه وبطل، حر النفس والطباع، ما لازم شيمته التي هو عليها من الرضاع، أبي الهمه، قوي العزمه، بريء من التهمه، حمل عسكر مصر بعدده وآلاته، وخيوله التي تربط في اصطبلاته. ولم يزل أميراً إلى أن خلع الكامل شعبان، وأقيم المظفر حاجي، فكان هو أحد الأمراء الستة أرباب الحل والعقد. ولما خلع المظفر، وأقيم السلطان الملك الناصر حسن زادت وجاهته وحرمته. وهو الذي أمسك الأمير سيف الدين بيبغاروس في طريق الحجاز. وهو الذي أمسك الملك المجاهد سيف الإسلام علي بن المؤيد هزبر الدين داود صاحب اليمن، وأحضره إلى مصر. وهو الذي قام في نوبة الملك الناصر حسن لما خلع وأجلس الملك الصالح صالح على كرسي الملك.

стр. 1263

وهو الذي قام على الأمير علاء الدين مغلطاي أمير آخور، والأمير سيف الدين منكلي بغا الفخري، لما ركبا إلى قبة النصر، وخرجا على الملك الصالح بعد أربعة أيام، وهرب الصالح، ودخل إلى والدته، فدخل الأمير طاز إليها، والتزم به لها، واخذه، وركبه، وتوجه به، ورزقهما الله تعالى النصر. وهو الذي سعى في إخراج الأمراء المعتقلين الذين أمسكوا في نوبة الوزير منجك، وبدا منه كل خير، ونصره الله في كل موطن. وكان في درب الحجاز يلبس عباءة وزربولاً، ويخفي نفسه، ويدخل في طلب بيبغاروس، ويتجسس على أخباره. ولما خرج بيبغا من الحبس ووصل إلى حلب نائباً، وحدثته نفسه بالخروج على الدولة، وفشا هذا الأمر وزاد، ووصل بيبغاروس إلى دمشق، جهز قطلوبك الفارسي إلى الأمير سيف الدين أرغون الكاملي، وهو على لد، يقول له: ما لي غريم دون المسلمين والسلطان إلا أنت وطاز، ولما بلغ ذلك إلى الأمير سيف الدين طاز قال: قد رضيت. وسير إليه يقول: أنا أمسكتك في درب الحجاز، وحججت بك، وما مكنت أحداً من أذاك، وأخرجتك من الحبس، وأعطيتك نيابة حلب، وأنت تعرفني جيداً، وأنا واصل إليك، إن أردت بارزتك وحدي، وإن أردت أنا وطلبي وأنت وطلبك، وما حاجة إلى قتال المسلمين وسفك دمائهم. ولما وصل الأمير سيف الدين طاز إلى غزة، ثم اجتمع بالأمير سيف الدين أرغون الكاملي، وتوجها إلى جهة بيبغاروس، وبلغه الخبر، هرب، وتفرق شمل من كان معه من العساكر، وساقا وراءه إلى حلب، وهرب هو إلى الأبلستين. وقلت أنا في ذلك:

стр. 1264

قلت إذا بيبغا أراد خروجاً ... وهو يدري غريمه في الحجاز بيبغا بيبغا طويرٌ ضعيف ... وعليه من طاز قد طاربازي ثم إن الأمير طاز عاد هو والأمير سيف الدين شيخو إلى دمشق، وأخذ السلطان الملك الصالح، وتوجها به والعساكر المصرية إلى القاهرة، واستقروا بها، وجرى بعد ذلك لبيبغا وأحمد الساقي وبكلمش ما جرى، على ما تقدم في ترجمتهم. ولم يزل الأمير سيف الدين طاز على حاله إلى ثاني شوال سنة خمس وخمسين وسبع مئة، فخلع الملك الصالح، وأعيد الملك الناصر حسن إلى الملك، ورسم للأمير سيف الدين طاز بالخروج إلى حلب نائباً، فخرج إليها، وأقام بها إلى أن ورد المرسوم عليه على يد الأمير سيف الدين منكلي بغا الناصري بحضوره إلى الباب الشريف على البريد في عشرة سروج، وذلك في أول سنة تسع وخمسين، فأقام بحلب يومين ثلاثة، ثم إنه خاشن الأمراء، وأمسكهم، ورسم عليهم، ثم أفرج عنهم بعد ما حوصر من القلعة، وركب في جماعته وطلبه ملبسين، وحضر إلى القطيفة، وعسكر طرابلس وحماة وحلب وجماعة من دمشق يسيرون خلفه منزلةً بمنزلة، وخرج ملك الأمراء أمير علي بمن بقي من عسكر دمشق لابسي السلاح، وقعد له على خان لاجين، فترددت الرسل بينهما، وآخر الأمر حلف له أمير علي نائب الشام على تمكينه من التوجه في عشرة سروج إلى باب السلطان، وتوجه إلى الكسوة، وهناك قيد، وتوجه به منكلي بغا،

стр. 1265

وأمسك إخوته، واعتقلوا في قلعة دمشق وفي قلعة صفد، وتوجهوا به إلى الكرك، وتوجهت أمه إليه وأم ولده موسى، وولده، ولم يضيق عليه بالكرك. ثم إنه بعد إمساك صرغتمش في شهر رمضان سنة تسع وخمسين وسبع مئة رسم السلطان بنقله من الكرك إلى إسكندرية، فاعتقل بها، وكحله وهو في حبس الإسكندرية ولم يزل على حاله معتقلاً إلى أن خلع الملك الناصر حسن، وجرى له ما جرى فأفرج عنه في أول دولة الملك المنصور صلاح الدين محمد بن المظفر حاجي بتدبير الأمير سيف الدين يلبغا الخاصكي، يقال: إنه أنعم عليه بمئة ألف درهم وقماش كثير فاختار أن يكون مقيماً بالقدس، فوصل إلى القدس فيما أظن في أوائل شهر رجب الفرد سنة اثنتين وستين وسبع مئة، ثم إنه جهز إلى دمشق، وفي مستهل المحرم سنة ثلاث وستين وسبع مئة حضر له برلغ مكتوب بالذهب مزمك بأن يكون طرخانا على عادة الأمير منجك، يقيم في أي مكان اختاره من الشام. وكان قد ورد إلى دمشق في أواخر سنة اثنتين وستين، ونزل بالقصر الأبلق، وتوجه ملك الأمراء أمير علي لتلقيه، وكان هو قد عرج عن الطريق، فلم يلقه، وحضر طاز إلى دار السعادة، فلم يلق ملك الأمراء، فعاد إلى القصر، وتوجه ملك الأمراء إليه. وسلم عليه، ثم إنه سكن في الدار التي للأمير سيف الدين تنكز المعروفة بدار الذهب، وأقام بها مدة إلى أن مرض، وانتقل إلى القصر الأبلق، وطول فيه،
следующие страницы →