← Тараджим

Тараджим · id 131

أعيان العصر وأعوان النصر

الصفدي

Полный текст (3 514 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

كان قريباً للسلطان الملك الناصر محمد. حضر إلى الديار المصرية في سنة ست وعشرين وسبع مئة بعد خروج الأمير سيف الدين أرغون النايب إلى حلب، وأظنه أخذ تقدمته، وعظمه السلطان لما وصل وأعطاه إمرة مئة. وكان الأمير سيف الدين يكتب بالمغلي، وكان إذا حضر كتاب من بوسعيد بالمغلي، ولم يكن الأمير سيف الدين أيتمش حاضراً يقرأه الأمير سيف الدين ظهير بغا، ويكتب جوابه بالذهب أو بالمداد، ولم أر أحداً أكثر من أقاربه بتلك البلاد، كانوا يفدون عليه في كل وقت طول السنة من مئتي نفس فما دونها إلى العشرة مدة مقامه في الديار المصرية، فمنهم من يقيم بالديار المصرية، ومنهم من يختار العود ويعود وقد بره ووصله وحمله وحمله. ولم يزل على حاله بالديار المصرية إلى أن توفي في سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة. ظهير بن أمير حاج بن عمر الشيخ ظهير الدين الأرزنجاني، بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الزاي وبعدها نون وجيم وبعدها ألف ونون وياء النسبة. ورد إلى دمشق صحبة الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى من مصر، لأنه كان يصحبه وهو في مصر إلى أن حضر إلى دمشق، وكان عنده عزيزاً مكرماً، ولكنه لا يدخل في أمر ولاية ولا عزل، وما أعرف أنه كان بيده شيء من الولايات غير نظر مسجد النارنج لا غير.

стр. 1332

ولم يزل عنده معظما إلى أن قال عنه حمزة التركماني للأمير سيف الدين تنكز: إن القاضي جمال الدين ابن جملة رشا ناصر الدين الدوادار بألف دينار حتى سعى له في قضاء الشام، فتنكر له تنكز، فأنكر ذلك، فسلمه تنكز إلى قاضي القضاة ابن جملة، فبالغ في تعزيره وأركبه حماراً، وطاف به في الأسواق، وهو يضرب بالدرة إلى أن رق له الناس وأحضر إلى تنكز في تلك الحال، فرحمه، وجرى على القاضي بسببه ما يأتي شرحه في ترجمته، وعزل من منصبه وحكم بفسقه وباعتقاله. ولم يزل الشيخ ظهير الدين على حاله إلى أن توفي رحمه الله تعالى في ذي القعدة سنة تسع وأربعين وسبع مئة بدمشق.

стр. 1333

حرف العين الألقاب والأنساب العابر الحنبلي شهاب الدين أحمد بن عبد الرحمن. والعابر الحنبلي زين الدين علي بن أحمد الآمدي. عامر بن محمد ابن علي بن وهب: هو عز الدين ابن الشيخ الإمام العلامة أوحد المجتهدين تقي الدين بن دقيق العيد القشيري المصري. سمع من العز الحراني، وابن الأنماطي، وغيرهما. جلس بحانوت العدول لما تعدل، وأورق غصن فضله وتهدل، وأقام على هذه القدم مده، ورفض هذا الضابط الضاغط لما قاساه فيه من الشده، ثم إنه خالط أهل المعاصي، وتوقل معهم هضبات تلك الصياصي، فأثرت فيه تلك الخلطه، وأصبح في بيته الصحيح غلطه، وأخرجته عن طريق أهله تلك العشره، وأمسى كما يقوله الناس: إزليط العثره، حتى إن أباه جفاه، ولفظه من حسابه ونفاه، ولما تولى والده قدس الله روحه، القضاء أقامه وأنزله من حانوت العدول لعلمه أنه على غير الاستقامة، فيا ضيعة اسمه، ويا خيبة حدس أبيه ووهمه لأنه سماه باسم أبي عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح، أمين هذه الأمة كما جاء في الأحاديث الصحاح.

стр. 1334

قد يبعد الشيء من شيء يشابهه ... إنّ السماء نظير الماء في الزرق وكان الشيخ تقي الدين قدس الله روحه قد سمى أولاده بأسماء الصحابة العشرة ﵃. ولم يزل عز الدين المذكور على حاله إلى أن هدم الموت ما عمر من عامر، وأضر به الداء المخامر. وتوفي رحمه الله تعالى في سنة إحدى عشرة وسبع مئة في القاهرة. العاقولي: جمال الدين عبد الله بن محمد. عائشة بنت محمد ابن المسلم بن سلام بن البهاء الحراني الشيخة الصالحة أم محمد. سمعت من إسماعيل بن أحمد العراقي، ومحمد بن أبي بكر المعروف بابن النور البلخي، ومحمد بن عبد الهادي المقدسي، وإبراهيم بن خليل، وعبد الرحمن ابن أبي الفهم اليلداني. أجازت لي بدمشق سنة تسع وعشرين وسبع مئة. وكتب عنها بإذنها عبد الله بن المحب. وتوفيت رحمها الله تعالى في شوال سنة ست وثلاثين وسبع مئة.

стр. 1335

وهي أخت المحدث محاسن، ومولدها سنة سبع وأربعين وست مئة. وكان قد سمعها أخوها في الخامسة، وسمعت من فرج القرطبي، والبلخي، وابن عبد الدائم والعماد وعبد الحميد، وتفردت، وروت جملة صالحة، وكانت خيرة قانعة فقيرة، تعمل في الحياكة. سمع منها أبو هريرة ابن شيخنا الذهبي، وأولاد المحب والطلبة، وروت فضائل الأوقات للبيهقي عن ابن خليل، وخرج لها ابن سعد. عائشة أم محمد ابنة العدل زين الدين إبراهيم بن أحمد بن عثمان بن عبد الله بن غدير الطائي الدمشقي المعروف بابن القواس. حجت غير مرة وجاورت بمكة سنين، وهي زوجة علاء الدين بن صدر الدين بن المنجا. أجازها ابن مسلمة، ومكي بن علان، والبهاء زهير القوصي، وابن زيلاق، وابن دفترخوان، والسليماني، والنور وعلي بن سعيد، والتلعفري، وهؤلاء السبعة أعيان الشعراء. توفيت رحمها الله تعالى سادس ذي القعدة سنة ثماني عشرة وسبع مئة. ومولدها سنة خمس وأربعين وست مئة تقريباً.

стр. 1336

عبادة بن عبد الغني الإمام المفتي زين الدين أبو سعد الحراني المؤذن الشروطي الحنبلي. كان قد طلب الحديث في وقت، ودار على الشيوخ قليلاً، ونسخ جملة من الأجزاء سنة بضع وتسعين وست مئة، ثم إنه تقدم في الفقه وناظر، وتميز في الفروع وفاكر بها وحاضر، فرأى أنه ارتفع عن هذه الدرجه، وأعدم بذاك الناس من حسن ضرجه، وكان عنده صحيح مسلم، عن القاسم الإربلي. ولم يزل على حاله إلى أن حكم الموت فساده في عباده، وأباده الله تعالى فيمن أباده. وتوفي رحمه الله تعالى في سنة تسع وثلاثين وسبع مئة. ومولده سنة إحدى وسبعين وست مئة. اللقب والنسب ابن عبادة الوكيل شهاب الدين أحمد بن علي عبد الله بن أحمد بن تمام بن حسان الشيخ الإمام الفاضل الزاهد الورع تقي الدين بن تمام التلي الصالحي الحنبلي. سمع من يحيى بن قميرة، وخطيب مردا، والكفرطابي، وإبراهيم بن خليل،

стр. 1337

وجماعة، والمرسي، واليلداني، وقرأ النحو على ابن مالك، وعلى ولده بدر الدين. كان رجلاً صالحا، دائم البشر لا يرى كالحا، ديناً خيرا، صيناً يرى وجهه في الظلمات نيرا، نزهاً محبوباً إلى القلوب، صلفاً طول عمره في الزهد على أسلوب، فقيراً لا يملك شيئا، ولا يجد له في الأرض فيئا، حسن الشعرة والمنادمه، مليح الذاكرة برئيا في المصادقة من المصادمه، ظريف البزة مع الزهد والقناعه، نظيف الملبس في الجمعة والجماعه، وله النظم الذي هو أسرى من النسيم وأسنى من العقد النظيم، يكاد يرشفه السمع راحا، ويداوي من قلوب أهل الكآبة جراحا، قد انسجم لفظه فهو صوب غمامه، ولذ تركيبه فهو صوت حمامه، تمكنت القوى في قوافيه، وطاب تلاف النفوس في تلافيه. ولم يزل على حاله إلى أن كسف بدر ابن تمام في تمامه، وغرد الحمام بل ناح على كأس حمامه. وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثماني عشرة وسبع مئة ليلة السبت ثلاث شهر ربيع الآخر. ومولده سنة خمس وثلاثين وست مئة. وسيأتي ذكر أخيه الشيخ محمد إن شاء الله تعالى في المحمدين. أخبرني القاضي شرف الدين أبو بكر بن القاضي شمس الدين بن شيخنا أبي الثناء محمود، قال: كان جدي، يعني القاضي شهاب الدين محموداً، قد أذن لغلامه الذي

стр. 1338

نفقته معه أنه مهما طلب منه الشيخ تقي الدين من الدراهم يعطه بغير إذنه، قال: فما كان يأخذ منه إلا ما هو مضرور إليه انتهى. قلت: وكان قد صحبه أكثر من خمسين سنة، وكان قد حج وجاور واجتمع بالتقي الحوراني وبقطب الدين ابن سبعين، وسافر وطوف البلاد، وأقام بالديار المصرية مدة، وصحب الفقراء والفضلاء، وتفرد عن ابن قميرة بالجزء الرابع من حديث الصفا، وخرج له فخر الدين بن البعلبكي مشيخة، قال: شيخنا البرزالي: قرأتها عليه، وكان زاهداً متقللاً من الدنيا، لم يكن له أثاث ولا طاسة ولا فراش ولا سراج ولا زبدية، وبيته خال من جميع ذلك، أنشدني شيخنا العلامة شهاب الدين محمود إجازةً لنفسه ما كتبه من الديار المصرية إلى الشيخ تقي الدين ابن تمام: هل عند من عندهم برئي وأسقامي ... علمٌ بأنّ نواههم أصل آلامي وأنّ جفني وقلبي بعد بعدهم ... ذا دائمٌ وجدهم فيهم وذا دامي بانوا فبان رقادي يوم بينهم ... فلست أطمع من طيفٍ بإلمام كتمت شأن الهوى يوم النّوى فنمى ... بسرّه من دموعي أيّ نّمام كانت لياليّ بيضاً في دنوّهم ... فلا تسل بعدهم ما حال أيامي ضنيت وجداً بهم والنّاس تحسب بي ... سقماً فأُبهم حالي عند لوّامي

стр. 1339

وليس أصل ضنى جسمي النحيل سوى ... فرط اشتياقي إلى لقيا ابن تّمام مولى متى أخل من برء برؤيته ... خلوت فرداً بأشجاني وأسقامي نأى ورؤيته عندي أحبّ إلى ... قلبي من الماء عند الحائم الظامي وصدّ عني فلن يسأل لجفوته ... عن هائمٍ دمعه من بعده هام يا ليت شعري ألم يبلغه أنّ له ... أخاً بمصر حليف الضّعف من عام ما كان ظنّي هذا في مودّته ... ولا الحديث كذا عن ساكني الشام فكتب الجواب ابن تمام عن ذلك: يا ساكني مصر فيكم ساكن الشام ... يكابد الشّوق من عامٍ إلى عام الله في رمقٍ أودى السّقام به ... كم ذا يعلّل فيكم نضو أسقام ما ظنّكم ببعيد الدار منفردٍ ... حليف همّ وأحزانٍ وآلام يا نازحين متى تدنوا النّوى بكم ... حالت لبعدكم حالي وأيّامي كم أسأل الطّرف عن طيفٍ يعاوده ... وما لجفني من عهدٍ بأحلام استودع الله قلباً في رحالكم ... عهدته منذ أزمانٍ وأعوام وما قضى بكم في حبكم أرباً ... ولو قضى فهو من وجدٍ بكم ظام من ذا يلوم أخا وجدٍ بحبّكم ... فأبعد الله عذّالي ولوّامي في ذمّة الله قومٌ ما ذكرتهم ... إلا ونمّ بوجدي مدمعي الدّامي قوم أذاب فؤادي فرط حبّهم ... وقد ألمّ بقلبي أيّ إلمام وما اتخذت سواهم عنهم بدلاً ... ولا نقضت لعهدي عقد إبرام ولا عرفت سوى حبي لهم أبدا ... حباً يعبّ؟ ر عنه جفني الهامي يا أوحداً أعربت عنه فضائله ... وسار في الكون سير الكوكب السّامي

стр. 1340

في نعت فضلك حار الفكر من دهشٍ ... وكلّ ظامٍ سقي من بحرك الطّامي لا يرتقي نحوك السّاري على فلكٍ ... فكيف من رام أن يسعى بأقدام منك استفاد بنو الآداب ما نظموا ... وعنك ما حفظوا من رقم أقلام أنت الشّهاب الذي سامى السّماك علاً ... وفيض فضلك فينا فيض إلهام لمّا رأيت كتاباً أنت كاتبه ... وأضرم الشّوق عندي أيّ إضرام أنشدت قلبي هذا منتهى أربي ... أعاد عهد حياتي بعد أعوام يا ناظريّ خذا من خدّه قبلاً ... مهو الحرير بتقبيلٍ وإكرام ثم اسرحا في رياضٍ من حدائقه ... وقد زهي زهرها الزّاهي بأكمام من ذا يوفّيه في ردّ الجواب له ... عذراً إليك ولو كنت ابن بسّام فكم جنحت ولي طرفٌ يخالسه ... وأنثني خجلاً من بعد إحجام يا ساكناً بفؤادي وهو منزله ... محلّ شخصك في سرّي وأوهامي حقاً أراك بلا شكّ مشاهدةً ... ما حال دونك إنجادي وإتهامي ولذّ عتبك لي يا منتهى أربي ... وفي العتاب حياةٌ بين أقوام حوشيت من عرضٍ يشكى ومن ألمٍ ... لكنّ عبدك أضحى حلف آلام ولو شكا سمجت منه شكايته ... إنّ الثمانين تستبطي يد الرّامي وحيد دارٍ فريدٌ في الأنام له ... جيران عهدٍ قديم بين آكام طالت بهم شقّة الأسفار ويحهم ... أخفوا وما نطقوا من تحت أرجام أبلى محاسنهم مرّ الجديد بهم ... وأبعد العهد عنهم بعد أيام

стр. 1341

فلا عداهم من الرّحمن رحمته ... فهي الرّجاء الذي قدّمت قدّامي وكم رجوت إلهي وهو أرحم لي ... وقلّ عند رجائي قبح آثامي فطال عمرك يا مولاي في دعةً ... ودام سعدك في عزٍّ وإنعام ولا خلت مصر يوماً من سناك بها ... ولا نأى نورك الضّاحي عن الشّام وأنشدني العلامة أبو حيان قال: أنشدنا لنفسه ابن تمام: وقالوا: تقول الشّعر قلت أُجيده ... وأنظمه كالدّرّ راقت عقوده وأبتكر المعنى البديع بصنعةٍ ... يحلّى بها عطف الكلام وجيده ويحلو إذا كرّرت بيت قصيدةٍ ... وفي كلّ بيتٍ منه يزها قصيده ولكنّني ما شمت بارق ديمةٍ ... ولا عارضٍ فيه ندى أستفيده فحسبي إلهٌ لا عدمت نواله ... وكلّ نوالٍ يبتديه يعيده وأنشدني أيضا قال: أنشدني لنفسه: وقالوا صبا بعد المشيب تعلّلاً ... وفي الشّيب ما ينهى عن اللهو والصّبا نعم قه صبا لمّا رأى الظّبي آنساً ... يميل كغصن البان يعطفه الصّبا أدار التفاتاً عاطل الجسيد حالياً ... وفي لحظه معنىً به الصبّ قد صبا ومزّق أثواب الدّجا وهو طالعٌ ... وأطلع بدراً بالجمال تحجّبا جرى حبّه في كلّ قلبٍ كأنّما ... تصوّر من أرواحنا وتركّبا وأنشدني، قال: أنشدنا لنفسه: أُكاتبكم وأعلم أنّ قلبي ... يذوب إذا ذكرتكم حريقا وأجفاني تسحّ الدّمع سيلاً ... به أمسيت في دمعي غريقا أُشاهد من محاسنكم محيّاً ... يكاد البدر يشبهه شقيقا

стр. 1342

وأصحب من جمالكم خيالاً ... فأنّى سرت يرشدني الطريقا ومن سلك السّبيل إلى حماكم ... بكم بلغ المنى وقضى الحقوقا ومن شعره: طرقتك من أعلى زرود ودونها ... عنقا زرود ومن تهمامة نفنف تتعسّف المرمى البعيد لقصدها ... يا حبّذا المرمى وما تتعسّف ومنه: معانٍ كنت أشهدها عياناً ... وإن لم تشهد المعنى العيون وألفاظ متى فكّرت فيها ... ففيها من محاسنها فنون ومنه: تبدّى فهو أحسن من رأينا ... وألطف من تهيم به العقول وأسفر وهو في فلك المعاني ... وعنه الطّرف ناظره كليل له قدٌّ يميل إذا تثنّى ... كذاك الغصن من هيفٍ يميل وخدٌّ ورده الجوريّ غضٌّ ... وطرفٌ لحظه سيفٌ صقيل وخالٌ قد طفا في ماءٍ حسنٍ ... فراق بحسنه الخدّ الأسيل تخال الخدّ من ماءٍ وجمرٍ ... وفيه الخال نشوانٌ يجول وكم لام العذول عليه جهلاً ... وآخر ما جرى عشق العذول قلت: وهو مأخوذ من قول أبي الطيب: مالنا كلّنا جوٍ يا رسول ... أنا أهوى وقلبك المتبول

стр. 1343

كلّما عاد من بعثت إليها ... هام فيها وخان فيما يقول وإذا خامر الهوى قلب صبٍّ ... فعليه لكلّ عينٍ دليل أفسدت بيننا الأمانات عينا ... ها وخانت قلوبهنّ العقول وقال ابن سناء الملك: راح رسولاً وجاءني عاشق ... وعاقه عن رسالتي عائق وعاد لا بالجواب بل بجوىً ... أخرسه والهوى به ناطق وذكرت أنا بقول ابن تمام ﵀ ما قلته أنا ومن مادته أخذت، وعلى منواله نسجت: ألحّ عذولي في هواه وزاد في ... ملامي، فقلت: احتل على غير مسمعي فلم يدر من فرط الولوع بذكره ... مصيبته حتى تعشقه معي وقلت أنا أيضاً على هذه المادة: بي غزالٌ لمّا أطعت هواه ... أخذ القلب والتّصبر غصبا ما أفاق العذول من سكرة العذ ... ل عليه حتى غدا فيه صبّا عبد الله بن أحمد بن عبد الله ابن أحمد بن محمد، الشيخ الإمام الصالح المحدث أبو محمد بن الشيخ المحدث محب الدين السعدي المقدسي الجماعيلي الدمشقي الصالحي الحنبلي. سمعه والده، وحفظه القرآن، وطلب بنفسه في سنة سبع وتسعين، ولحق ابن

стр. 1344

القواس، وابن عساكر الشرف، والغسولي، والناس بعدهم، وكان عنده عوال عن ابن البخاري وبنت مكي وعدة، وانتقى له شيخنا الذهبي جزءاً، وانتقى هو لبعض مشايخه ونسخ عدة أجزاء. وخلف عدة أولاد، وكان من أهل الخير والصيانه، وأولي الصلاح والديانه، حسن الشكل واللحية السوداء، والوجه كأنه بدر في الليلة الظلماء، طيب الصوت لذيذ النغمه، إذا تلا كأنما صب على الآذان صوب نعمه، يقرأ سريعاً مع فصاحه، ويخيط بإيراده ما في القلوب من جراحه. نفع الناس بمواعيده العامه، وأفاض عليهم فيها ملابس التقوى التامه، وكان له محبون وزبون يدفع بهم الحرب الزبون، وكان يقرأ في الحائط الشمالي ومجلسه حافل غاص، وسمعته غير مرة. ولم يزل على حاله إلى أن طالت منه الرقده، وأذاق الله الناس فقده. وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع وثلاثين وسبع مئة. ومولده سنة اثنتين وثمانين وست مئة. عبد الله بن أحمد بن علي ابن أحمد الشيخ الإمام الفقيه النحوي جلال الدين بن الشيخ فخر الدين بن الفصيح العراقي الكوفي الحنفي، قد تقدم ذكر والده في الأحمدين.

стр. 1345

وكان هذا جلال الدين همته مباركه، وعنده في العلوم مشاركه، وقدم إلى دمشق، وسمع بها وسمع أولاده. إلا أنه عجل عليه حتفه، ورغم بالتراب أنفه. وتوفي رحمه الله تعالى في سنة خمس وأربعين وسبع مئة. ومولده سنة اثنتين وسبع مئة. وكان قد سمع ببغداد من جماعة، وسمع بدمشق من شيخنا الذهبي، ومن الجزري. عبد الله بن أحمد بن يوسف ابن الحسن الفقيه الفاضل جلال الدين أبو اليمن الزرندي، بالزاي والراء المفتوحة وبعدها نون ساكنة، الشافعي. سمع بالحرمين، وبحماة، وحلب، والساحل، وغير ذلك، وقرأ كثيراً، وله عدة محافيظ، وكتب المشتبه، وسمع أبا العباس الجزري، والمزي، والذهبي، وغيرهم من الموجودين. وكان شاباً فيه يقظه، وطلب في كل لحظه، لا يفتر ولا يني، ولا يعدل عن الدأب ولا ينثني. ولم يزل على حاله إلى أن قصف، ومحق بدره بعدما خسف.

стр. 1346

وتوفي رحمه الله تعالى في العشر الأخير من شعبان سنة تسع وأربعين وسبع مئة. بالطاعون. ومولده سنة عشرين وسبع مئة. عبد الله بن أحمد بن محمد بن سليمان القاضي تاج الدين بن القاضي الشيخ شهاب الدين بن غانم. تقدم ذكر والده رحمه الله تعالى. كان شاباً غضا، طري البشرة بضا، كتب في ديوان الإنشاء بدمشق فأخجل الحدائق، وتعثرت وراء أشرعته البوارق، يكاد قلمه يفوت الطرف تسرعا، ويظن من يراه أنه لم يعمل أقلامه تبرعا، وكان الناس يتعجبون من كتابته البديعه، وحركة يده السريعه. ولم يزل على حاله إلى أن عثرت قوائم جواده، وأصاب سهم المنية حبة فؤاده. وتوفي رحمه الله تعالى يوم الثلاثاء سادس المحرم ثمان وعشرين وسبع مئة. ومولده سنة ثلاث وتسعين وست مئة. ووجدت بخطه أبياتاً كتبها للقاضي علاء الدين بن الأثير: ومثلك إن أبدى الجميل أعاده ... وإن جاد بالمعروف عاد كمّلا وما زلت تغني بالنّدى كلّ مقترٍ ... مقلّ فتولي العالمين تطوّلا وما جاءك المسكين قطّ مؤمّلا ... جميلك إلاّ نال ما كان أمّلا لك اشتهرت يا بن الأثير مآثرٌ ... بآثارها الحسنى ملأت بها الملا

стр. 1347

وجودك قد عمّ الوجود وأهله ... فما منزلٌ من فيض فضلك قد خلا وأنت فلم تبرح تغيث ولم تزل ... تعين ذوي الحاجات منك تفضّلا فلا زلت محروس المقرّ مبلّغا ... أمانيك مشكور الندى دائم العلا ورثاه والده بشعر كثير، ومنه ما كتبه تحت خطه بعد وفاته: آها لكاتبها وما ... فعلت بأنملها الظراف نوب المنون العارضا ... ت لكلّ حيٍّ بالتّلاف أفرطت في تفريطهنّ ... بما أفتن من التلاق تجتاح أرواح الورى ... بظواهرٍ منها خواف لتعيدهم كمرامدٍ ... بالريح تنسفها السّواف أجّجن نيران الجحيم ... أسىً بقلبي والشّغاف وأطلن سقماّ ماله ... إلاّ علاج الموت شاف عبد الله بن أحمد الوزير علم الدين بن القاضي تاج الدين بن زنبور. كان كاتباً سعيد البدايه، متصرفاً له في التدبير عنايه، جمع له من الوظائف الجليلة ما لم يجمع لغيره، ودانت له الأيام حتى ذل الأُسود لعيره، وجمع له من الأموال ما تقصر عنه أمواج الأمواه، وتكل عن وصفه أفواج الكلم من الأفواه، واقتنى من الأملاك ما يحار له الأملاك، وحاز من الإنعام ما يقف السابح في ذكره إن عام، وأما المراكيب والمراكب والملابس التي تفخر بها الكواكب، فشيء زاد على المعهود مقداره، وضاقت في البر والبحر أقطاره.

стр. 1348

وعاند أولاً وكاد يدركه العطب، ونهض من وهدة الخطب إلى ذروة المنبر من العز وخطب، ثم إنه استقل من يعانده، واستذل من يراوده، فوقع هو في هوة لا يصل من ينتاشه إلى قرارها، وتاه في موماة هلاك لا ينجيه الحذر من فرارها، فأخذ من مأمنه، وثار إليه الشر من مكمنه، فأصبح علمه منكسا، وقلمه مركسا، ونزلت به من الزمان بليه، وأمست حلية المنصب من ابن زنبور خليه، يطلب من ينصره فلا يجده، ويروم من يعضده فلا يعده ولا يعده، وتنوع له العذاب، وتفرع من الهوان ما أذله وأذاب، إلى أن تقطعت القلوب له رحمه، وجاءه الفرج فلم يخلص إليه من الزحمه، عادة من الزمان أجرى الناس عليها، وأجراهم بعد غاياتهم إليها. ثم إنه جهز إلى قوص، مع حظه المنقوص، ففارق أربعة رق له فيها الحسدة: مناصبه ووطنه وماله وولده، فبات وزيراً سعيدا، وأصبح فقيراً في البلاد طريدا، فلا رغبة لعاقل في العليا، ومرحباً بإقبال هذه الدنيا، فقد: تفانى الرجال على حبّها ... وما يحصلون على طائل ولم يزل بقوص، والذل يغور به ويغوص، إلى أن اندفع إلى القبر واندفن، وخرج من دنياه وما معه غير الكفن. وتوفي بقوص رحمه الله تعالى في ثاني عشر شهر ربيع الأول سنة خمس وخمسين وسبع مئة. أول ما علمته من أمره أن القاضي شرف الدين النشو ناظر الخاص استخدمه كاتب الإصطبلات بعد أولاد الجيعان في أواخر أيام الملك الناصر محمد، وبقي القاضي

стр. 1349

علم الدين على هذه الوظيفة إلى أن خرج القاضي علم الدين بن القطب من مصر إلى دمشق، فخلت عنه وظيفة استيفاء الصحبة، وخرج إلى حلب وكشف القلاع، وحصل أموالاً. وبقي على ذلك إلى أن أمسك جمال الكفاة في واقعته الأخيرة، ومات تحت العقوبة، فنقل القاضي موفق الدين إلى نظر الخاص، فبقي قليلاً، وطلب الإعفاء فأعفوه، وتولى علم الدين بن زنبور الخاص، وأضيف إليه من الجيش بعد القاضي أمين الدين، ولم يزل على ذلك إلى أن أمسك الأمير سيف الدين منجك الوزير، فأضيفت الوزارة إلى ابن زنبور، وهذا أمر ما اتفق لغيره أبداً، ولا سمعنا به وإنما كان الجيش والخاص مع جمال الكفاة، وهذه الوظائف الثلاث، هي عبارة عن الدولة إلا كتابة السر، فعلم الدين بن زنبور، أول من جمع له هذه الوظائف. وبقي على ذلك إلى أن خرج السلطان الملك الصالح صالح إلى الشام في واقعة بيبغاروس، فحضر معه إلى دمشق وأظهر في دمشق عظمة زائدة، وروع الكتاب ومباشري الأوقاف ولكنه لم يضرب أحداً، ولا كشف رأسه، وتوجه مع السلطان عائداً إلى مصر، في أوائل ذي القعدة سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة. ولما وصل عمل السلطان سماطا عظيماً، وخلع فيه على الأمراء كبارهم وصغارهم، وكان تشريف الأمير صرغتمش ناقصاً عن غيره، وكان في قلبه من الوزير، فدخل إلى الأمير سيف الدين طاز وأراه تشريفه، وقال: هكذا يكون تشريفي، واتفق معه على إمساك ابن زنبور. وخرج من عنده وطلبه وأهانه وضربه ورسم عليه وجد في ضربه، ومصادرته، فأخذ منه من الذهب والفضة والقماش والأصناف والكراع والأملاك ما يزيد على الحد، ويتوهم الناقل لذلك أنه ما يصدق في ذلك، ويستحيي العاقل من

стр. 1350

ذكره. وبقي ف العقوبة زماناً، وكان الأمير سيف الدين شيخو يعتني به في الباطن، فشفع فيه وخلصه وجهزه إلى قوص فأقام بها إلى أن مات في التاريخ المذكور، وقيل: إنه سم، وقيل: نهشه ثعبان، والله أعلم. وتولى الوزارة بعده القاضي موفق الدين وتولى الخاص القاضي بدر الدين كاتب يلبغا، وتولى القاضي تاج الدين أحمد بن أمين الملك نظر الجيش. وبلغنا أنه لما أعيد الملك الناصر حسن إلى الملك أعيدت المصادرة على من بقي من ذوي قرابة ابن زنبور، وأنه أخذ له، ومنهم جملة من المال، وأما ما أخذ منه في المصادرة في حياته فنقلت من خط الشيخ بدر الدين الحمصي من ورقة بخطه، على ما أملاه القاضي شمس الدين محمد البهنسي: أواني ذهب وفضة ستون قنطاراً. جوهر ستون رطلاً. لولو أردبان. ذهب مصكوك مئتا ألف وأربعة آلاف دينار، ضمن صندوق، ستة آلاف حياصة، ضمن صناديق زركش: ستة آلاف كلوته، وذخائر عدة، قماش بدنه: ألفان وست مئة فرجية. بسط: ستة آلاف. صنجة دراهم: خمسون ألف درهم. شاشات: ثلاث مئة شاش. دواب عاملة: ستة آلاف. حلابة: ستة آلاف. معاصر سكر: خمس وعشرون معصرة. وخيل وبغال: ألف، دراهم ثلاثة أرداب. إقطاعات سبع، كل إقطاع: خمسة وعشرون ألف درهم. عبيد: مئة. خدم: ستون. جواري: سبع مئة. أملاك القيمة عنها. ثلاث مئة ألف دينار. مراكب: سبع مئة. رخام القيمة عنه: مئتا ألف درهم. نحاس: قيمته أربعة آلاف دينار. سروج وبدلات خمس مئة. مخازن ومتاجر: أربع مئة ألف دينار. نطوع: سبعة آلاف. دواب: خمس مئة. بساتين: مئتان. سواقي: ألف وأربع مئة.

стр. 1351

عبد الله بن أحمد بن محمد ابن محمد بن نصر الله الشيخ فخر الدين بن الشيخ الإمام تاج الدين ابن المغيزل الحموي شيخ الشيوخ بحماة. كان رجلاً مباركاً، ولي المشيخة بعد والده وأقام فيها أكثر من أربعين سنةً. ووليها بعده قاضي القضاة شرف الدين البارزي. سمع بقراءة شيخنا البرزالي بحماة على والده سنة خمس وثمانين وست مئة. وكان منقطعاً يصوم دائماً ويتعبد، ولم يكن قد تأخر في بني المغيزل مثله. وتوفي رحمه الله تعالى في تاسع عشري شهر رمضان ثلاث وثلاثين وسبع مئة. عبد الله بن أحمد بن عبد الحميد ابن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي. قال شيخنا علم الدين البرزالي: روى لنا عن إبراهيم بن خليل وغيره، وكان فقيهاً كتب الكثير وسمع وكتب الطباق: وصار نقيباً للقاضي الحنبلي قبل موته بشهر. وتوفي رحمه الله تعالى في شعبان سنة تسع وتسعين وست مئة. ومولده سنة إحدى وخمسين وست مئة. وله حضور على خطيب مردا، وهو في ثاني سنة من عمره، وسمع من جده وعم والده الفقيه محمد بن عبد الهادي وابن عبد الدائم وغيرهم.

стр. 1352

عبد الله بن أحمد بن علي ابن المظفر - وسيأتي تمام نسبه في ترجمة ولده القاضي فخر الدين محمد - القاضي الصدر الكبير الرئيس بهاء الدين ابن الحلي ناظر الجيوش بالديار المصرية. كان من أعيان المصريين وصدورهم ونجوم مباشريهم وبدورهم، قال شيخنا البرزالي: روى لنا عن النجيب عبد اللطيف الحراني. وتوفي رحمه الله تعالى في ليلة الجمعة عاشر شوال سنة تسع وسبع مئة. ودفن بالقرافة. وتولى الوظيفة بعده القاضي فخر الدين كاتب المماليك. عبد الله بن أبي بكر بن عرام بفتح العين المهملة وتشديد الراء وبعدها ألف وميم: الأسواني المحتد، الإسكندراني الدار والوفاة. سمع الحديث، وصحب الشيخ أبا العباس المرسي، وأمه بنت الشيخ الشاذلي. كان يقرئ النحو بإسكندريه، ويألف به كل ذي نفس سنيه، وأفعال سريه، فأفات الجهل وأفاد العلم، وساد الناس لما ساسهم بالحلم، وكان يذكر عنه كرامات، ويشاهد له في الصلاح مقامات. ولم يزل على حاله إلى أن عرى الموت ابن عرام حياته، وقدر له بالسوء بياته.

стр. 1353

وتوفي رحمه الله تعالى سنة إحدى وعشرين وسبع مئة. ومولده بدمنهور سنة أربع وخمسين وست مئة. عبد الله بن تاج الرئاسة الصاحب الرئيس الوزير الكبير أمين الملك وزير الديار المصرية والشامية. لما استسلم الجاشنكير الأمير ركن الدين بيبرس النصارى اختبأ الصاحب أمين الدين هو والصاحب شمس الدين غبريال تقدير شهر، ولما طال الأمر عليهما ظهرا وأسلما. وهو ابن أخت السديد الأعز المذكور المشهور في الدولة الظاهرية المنصورية، وكان خاله مستوفياً، وبه تخرج، وعليه تدرب، ولما مات رتب هو مكانه ومال في الاستيفاء، السعادة الزائدة والدنيا العريضة، وزر بعد ذلك ثلاث مرات، وهو يتأسف على وظيفة الاستيفاء. وكان رئيساً كبيرا، كاتباً منفذاً وزيرا، قد درب الأمور وباشرها، ورأى المناصب الجليلة وعاش بها وعاشرها، ولم أر من يكتب أسرع منه ولا أقوى، ولا أعرف بالمصطلح في الدولة ولا أحوز لمعرفة عوائدها ولا أحوى، يكون مرتفقاً على مدوره، والورقة في يده اليسرى مهوره، فيأخذ القلم ويكتب ما يريده ويلقيه أسرع من البرق، وأعجل من الشمس التي يكون ضؤوها في الغرب وهي في الشرق، وكان إذا وضع القلم في أول السطر وكتبه لا يرفعه إلى آخره قدرةً على الكتابة، كأنما يمد بسبب.

стр. 1354

وكان مع جلالة منصبه كثير الأدب، زائد التواضع إذا أمر أو نهى أو طلب، وكتب بخطه المليح ربعة مليحه، واعتنى بأمرها فجاءت جيدة صحيحه، وكان يتغالى في أمداح النبي ﷺ ، ويكتبها بخطه ممن أنشدها أو تكلم. ولم يزل بدمشق على نظر الدواوين إلى أن طلب إلى مصر ليعاد إلى الوزاره، فتوجه إليها، ولم يصل إلا وأمره قد نقصه من حسن العباره، فأقام في بيته بطالا إلى أن قبض عليه، وأخذ روحه قبل ما لديه. وتوفي ﵀ تحت المصادرة والعقاب، وطلب الأموال منه بلا حساب، وذلك في سنة أربعين وسبع مئة. وكان قد ولي الوزارة عوضاً عن الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب بالديار المصرية في شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وسبع مئة، ثم عزل منها وتولى الوزارة بعده الأمير بدر الدين بن التركماني في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وسبع مئة، وصودر وأفرج عنه، ثم إنه ولي الوزارة ثانياً، فعمل عليه القاضي كريم الدين الكبير وفخر الدين وأخرجاه إلى طرابلس ناظراً بمعلوم الوزارة في مصر، فوصل إليها في شهر ربيع الأول سنة ثماني عشرة وسبع مئة، وأقام بها إلى أن حج فيما أظن واستعفى من المباشرة، وسأل الإقامة في القدس يعبد الله تعالى هناك، فأجيب إلى ذلك، فتوجه إليها في المحرم سنة عشرين وسبع مئة، وله راتب يكفيه، في كل مرة يعزل شاماً ومصراً. ولم يزل بالقدس مقيماً، إلى أن أمسك القاضي كريم الدين الكبير في شهر ربيع

стр. 1355

الآخر سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة، فطلب إلى مصر على البريد، ولما وصل في خامس عشري ربيع الآخر ولاه السلطان الوزارة مرة ثالثة. أخبرني الصاحب أمين الدين رحمه الله تعالى قال: لو علمت أنه بقي في الدنيا وظيفة يقال لها نظر خاص ما خرجت من القدس، قلت: لم ذاك يا مولانا الصاحب؟ قال: لأن ناظر الخاص يدخل إلى السلطان بكرة النهار فيتحدث معه بكل ما يريد أن يطلقه وينعم به على خواصه وجواريه ومن يختاره، ويدخل بعده ناظر الجيش فيتحدث معه في إقطاعات الأمراء والجند بالديار المصرية والشامية من الزيادات والنقصان والإفراجات، ويدخل كاتب السر فيقرأ البريد عليه وفيه من الولايات والعزل جميع ما بالشام، وأدخل أنا بعد ذلك، فيقول: اخرج احمل لناظر الخاص كذا وكذا فأنا فلاح لذلك المولى، وليس لي مع السلطان حديث إلا في فندق الجبن، دار التفاح، صناعة التمر، جهات القاهرة ومصر، فعلمت صحة ما قاله. وأقام في الوزارة إلى أن كثر الطلب عليه، فدخل إلى السلطان وقال: يا خوند ما يصلح للوزارة إلا واحد من مماليك مولانا السلطان يكون أمير مئة مقدم ألف، واتفقا على الأمير علاء الدين

стр. 1356

مغلطاي الجمالي، فقال له السلطان. اخرج نفذ أشغالك إلى آخر النهار وانزل إلى بيتك واسترح، وأعلم الناس أن الوزير فلان. فخرج ونفذ الأشغال، وكتب على التواقيع، وأطلق ورتب إلى آخر النهار، ونزل آخر النهار إلى بيته بالمشاعل والفوانيس على عادة الوزير، والنظار والمستوفون والمنشدون قدامه، ولما نزل على باب بيته قال: يا جماعة مساكم الله بالخير، ووزيركم غداً علاء الدين مغلطاي الجمالي، وكان ذلك عزلاً لم يعزله وزير غيره في الدولة التركية، وذلك يوم الخميس ثامن شهر رمضان سنة أربع وعشرين وسبع مئة. ثم لازم بيته يأكل مرتبه إلى أن عمل الاستيمار في أيام الجمالي، ووفر فيه جماعة، فطلب هو من السلطان أن يتصدق عليه بوظيفة، فقال السلطان تكون ناظر الدولة كبيراً مع الوزير، فباشر النظر في شوال سنة ثمان وعشرين وسبع مئة هو والقاضي مجد الدين بن لفيتة أربعين يوماً فكان حمله على الجميع ثقيلاً. فاجتمع الكتاب بأجمعهم عليه، وقاموا كتفاً واحدة، فما كان إلا أن كان يوماً وهو قاعد في باب الوزير لخدمة العصر، وإذا خادم صغير خرج من القصر وجاء إلى باب الوزير وأغلق دواته وقال: يا مولانا بسم الله الزم بيتك، فلزم بيته. ولما أمسك الصاحب شمس الدين غبريال وجاء السلطان من الحجاز وطلب غبريال إلى مصر رسم السلطان للصاحب أمين الدين بمكانه ناظر النظار بدمشق، وذلك في صفر سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، فأقام بها بعمل الوزارة إلى أن أمسك السلطان النشو ناظر الخاص في سنة أربعين وسبع مئة، طلب الصاحب أمين الدين إلى مصر ليوليه الوزارة، فعمل الكتاب عليه وسعوا في أمره إلى أن انثنى عزمه عنه، فأقام في بيته قليلاً، ثم أمسك هو ووالده القاضي تاج الدين ناظر الدولة والقاضي كريم الدين مستوفي الصحبة، وصودروا، وبسط عليهم العذاب إلى أتوفي هو رحمه الله تعالى تحت العقاب في سنة أربعين وسبع مئة. وكان الصاحب أمين الدين كثير التواضع والأدب مع جميع الناس كبارهم وصغارهم، وكان قد أسن وكبر، ولا يدخل عليه أحد إلا يقوم له، ويحكى عقيب

стр. 1357

ذلك أن خاله كان إذا جاء إلى قوم يقول بالله لا تقوموا فإن هذا دين يشق علي وفاؤه. ولما حضر إلى دمشق أحبه الأمير سيف الدين تنكز أخيراً محبة كبيرة، وكان يثني على آدابه وحشمته. ولما عمل نظر الدولة مع الجمالي كنت بالديار المصرية فطلبني وقال: أشتهي أن تكتب عني المكاتبات والأجوبة، ورتب لي عليه شيئاً، وكنت أبيت معه وأصبح وأنا في جامكيته وجرايته وقماشه، فيعاملني بآداب كثيرة وحشمة زائدة، رحمه الله تعالى. إذا جاءته قصة أو كتاب قلب ذاك وكتب في ظهره: مولانا يتصدق ويكتب بكيت وكيت. ولما رسم له بنظر النظار بدمشق كنت إذ ذاك في ديوان الإنشاء بالديار المصرية، وكتبت له توقيعاً شريفاً بذلك ونسخته: الحمد لله الذي جعل ولي أيامنا الزاهرة أمينا وأحله ضمائر من ضمائرنا الظاهرة مكانا أينما توجه وجده مكينا، وخصه بالإخلاص لدولتنا القاهرة فهو يقيناً يقينا، وعضد بتدبيره ممالكنا الشريفة فكان على نيل الأمل الذي لا يمين يمينا، وفجر خلاله نهراً أصبح على نيل السعود معيناً معينا، وزين به آفاق المعالي فما دجا أمر إلا وكان فكره صبحاً مبينا، وجمل به الرتب الفاخرة، فكم قلد جيدها عقداً نفيسا، ورصع في تاجها دراً ثمينا، وأعانه على ما يتولاه فهو الأسد الأسد الذي اتخذ الأقلام عرينا. نحمده على نعمه التي خصتنا بولي تتجمل به الدول، وتغنى الممالك بتدبيره عن النصار والخول، وتحسد أيامنا الشريفة عليه أيام من مضى من الملوك الأول، وتحل السعود حيث حل إذ لم يكن لها عنه حول.

стр. 1358

ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً نستمطر بها صوب الصواب، ونرفل منها في ثوب الثواب، وندخر منها حاصلاً ليوم الحساب، ونعتد برها واصلاً ليوم الفصل والمآب. ونشهد أن سيدنا محمداً عبده الصادق الأمين، ورسوله الذي لم يكن على الغيب بضنين، وحبيبه الذي فضل الملائكة المقربين، ونجيه الذي أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى حجة على الملحدين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين صحبوا ووزروا، وأيدوا حزبه ونصروا، وبذلوا في نصحه ما قدروا، وعدلوا فيما نهوا وأمروا، صلاةً لهم تكون لهم هدىً ونوراً إذا حشروا، ويضوع بها عرفهم في الغرف ويطيب نشرهم إذا نشروا، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. وبعد: فإن أشرف الكواكب أبعدها دارا، وأجلها سراً وأقلها سرارا، وأدناها مبارا وأعلاها منارا، وأطيب الجنات جناباً ما طاب أرجاً وثمارا، وفجر خلاله كل نهر تروع حصاه حالية العذارى، ورنحت معاطف غضونه سلافة النسيم فتراها سكارى، وتمد ظلال الغصون، فتخال أنها على وجنات الأزهار تدب عذارا. وكانت دمشق المحروسة لها هذه الصفات، وعلى صفاها تهب نسمات هذه السمات، لم يتصف غيرها بهذه الصفة، ولا اتفق أولو الألباب إلا على محاسنها المختلفة، فهي البقعة التي يطرب لأوصاف جمالها الجماد، والبلد الذي ذهب المفسرون إلى أنها إرم ذات العماد،

стр. 1359

وهي في الدنيا أنموذج الجنة التي وعد بها المتقون، ومثال النعيم للذين عند ربهم يرزقون، وهي زهرة ملكنا، ودرة سلكنا، وقد خلت هذه المدة ممن يراعي مصالح أحوالها، ويرعى نجوم أموالها، ويدبر أمر مملكتها أجمل تدبير، ويحمي حوزتها ويحاشيها من التدمير، فيسم منها غفلا، ويحلي عطلا، ويملأ خزائنها خيراً يجلى، إذا ملأنا ساحتها خيلاً ورجلا. تعين أن ننتدب لها من خبرناه بعداً وقربا، وهززناه مثقفاً لدناً وسللناه عضبا، وخبأناه في خزائن فكرنا فكان أشرف ما يدخر وأعز ما يخبا، كم نهى في الأيام وأمر، وكم شد أزراً لما وزر، وكم غنيت به أيامنا عن الشمس، وليالينا عن القمر، وكم رفعنا راية مجد فتلقاها عرابة فضله بيمين الظفر، وكم علا ذرى رتب تعز على الكواكب الثابتة، فضلاً عمن يتنقل في المباشرات من البشر، وكم كانت الأموال جمادى فأعادها ربيعاً غرد به طائر الإقبال في الجهات وصفر. وكان المجلس العالي القضائي الوزيري الصاحبي الأميني هو معنى هذه الإشاره، وشمس هذه الهالة وبدر هذه الداره، نزل من العلياء في الصميم، وفخر بأقلامه التي هي سمر الرماح كما فخرت بقوسها تميم، وتحفظت الموال في دفاتره التي يوشيها فأوت إلى الكهف والرقيم، وقال لسان قلمه " اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم "، و: عقم الزمان بأن يجيء بمثله ... إنّ الزمان بمثله لعقيم

стр. 1360

وتشبه به أقوام فبانوا وبادوا، وقام منهم عباد العباد، فلما قام عبد الله يدعوه كادوا. أردنا أن ينال الشام فضله، كما نالته مصر فما يساهم فيه سواهما ولا يقول لسان الملك لغيره: حللت بهذا حلّة بعد حلّة ... بهذا فطاب الواديان كلاهما فلذلك رسم بالأمر الشريف العالي المولوي السلطاني الملكي الناصري أعلاه الله وشرفه، أن يفوض إليه تدبير الممالك الشريفة بالشام المحروس ونظر الخواص الشريفة والأوقاف المبرورة على عادة من تقدمه في ذلك وبمعلومه الشاهد به الديوان المعمور إلى آخر وقت، وهو في الشهر مبلغ أربعة آلاف وست مئة وثلاثة وسبعين. تفصيله عن: نظر المملكة الشريفة بالشام المحروس: أربعة آلاف ومئة وثلاثة وثلاثين، مبلغ ألفان وسبع مئة وثلاثة وثلاثين: ثمن لحم وتوابل، ألف وثلاث مئة وخمسون، خارجاً عما باسم كتابة النظر، وهو في الشهر قمح غرارة ونصف، دراهم: مئة وخمسون. عن نظر الخاص الشريف، غلات عن الوظيفتين: تسع وعشرون غرارة، مبلغ وثمن لحم وتوابل: ثلاثة أرطال بالدمشقي: خمس مئة وأربعون درهماً، تفصيله: قمح تسع غرائر، شعير عشرون غرارة، أصناف المشاهرة: بالوزن الدمشقي، سكر بياض اثنان وعشرون رطلاً ونصف، حطب: تسعة قناطير. وفي اليوم بالدمشقي، خبز: خمسة عشر رطلاً، شمع: أوقية ونصف، ماء ورد: أوقية ونصف، صابون:

стр. 1361

أوقية ونصف، زيت طيب: نصف رطل، والكسوة والتوسعة والأضحية والأتبان على العادة لمن تقدمه في ذلك. فليتلق هذه الولاية بالعزم الذي نعهده، والحزم الذي شاهدناه ونشهده، والتدبير الذي يعترف له الصواب ولا يجحده، حتى تثمر الأموال في ورق الحساب، وتزيد نمواً وسمواً فتفوق الأمواج في البحار وتفوت المطر في السحاب. مع رفق يكون في شدته، ولين يزيد مضاء حدته، وعدل يصون مهلة مدته، فالعدل يعمر، والجور يدمر ولا يثمر، بحيث إن الحقوق تصل إلى أربابها، والمعاليم تطلع بدورها كاملة في كل هلال على أصحابها، والرسوم لا تزاد على الطاقة في بابها، والرعايا يجنون ثمن العدل متشابها، وإذا أنعمنا على بعض أوليائنا بجمل فلا تكدر بأن تؤخر، وإذا استدعيناه إلى أبوابنا بمهم فليكن الإسراع إليه يخجل البرق المتألق في السحاب المسخر فما أردناك إلا أنك سهم خرج من كنانة، وشهم لا يثني إلى الباطل عيانه ولا عنانه، فاشكر هذه النعم على منائحها، وشنف الأسماع بمدائحها، متحققاً أن في النقل بلوغ العز والأمل، وأنه: لو كان في شرف المأوى بلوغ منى ... لم تبرح الشمس يوماً دارة الحمل فاستصحب الفرح والجذل بدل الفكر والجدل، وسر على بركة آرائنا الشريفة

стр. 1362

وقل: وفي بلاد من أختها بدل، واختر ما اختارته لك سعادتنا المؤبدة المؤيدة فطرفها بالذكاء مكتحل: إن السعادة فيما أنت فاعله ... وفّقت مرتحلاً أو غير مرتحل فما آثرنا بتوجهك إلى الشام إلا ليأتيك المجد من هنا وهنا، ولأنك إذا كنت معنا في المعنى فما غبت في الصورة عنا، وابسط أملك " إنك اليوم لدينا مكينٌ أمين "، ونزه نفسك فقد أويت " إلى ربوةٍ ذات قرارٍ ومعين "، والوصايا كثيرة وأنت ابن بجدتها علماً ومعرفة، وفارس نجدتها الذي لا يقدم على أمر حتى يعرف مصرفه، فما نحتاج أن نرشدك منها إلى علم، ولا أن نشير إليك فيها بأنملة قلم، وتقوى الله تعالى هي العروة الوثقى، والكعبة التي من يطوف بها " فلا يضلّ ولا يشقى "، فعض بالناجذ عليها وضم يديك على معطفيها، والله يتولى ولايتك، ويعين دربتك في الأمور وعنايتك، والخط الشريف أعلاه الله تعالى وشرفه أعلاه، حجة بثبوته والعمل بمقتضاه، إن شاء الله تعالى. وأنشدني لنفسه إجازة ما كتبه شيخنا العلامة شهاب الدين أبو الثناء محمود عندما ولي الوزارة الأخيرة سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة: تبلّجت الدّنيا وأشرق نورها ... وعاودها بعد النّفور سرورها

стр. 1363

وماست بأعطاف الممالك نفحةٌ ... من العزّ عمّ الخلق طيباً مرورها وردّت على دست الوزارة بهجةٌ ... إذا لم تكنها الشمس فهي نظيرها فأربت على ماضي الدّهور لكونها ... أُعيدت إلى المولى الوزير أُمورها وصاحبها حكماً فكلّ محكّمٍ ... يباشرها من عنده يستعيرها وما رسمت من بعده باسم غيره ... فساوى الورود الآن منها صدورها وهل يطرق الآمال أرجاء ربّته ... على مفرق الشّعرى العبور عبورها أمين الدّنا والدين والملك والعلى ... ومعلي سنا آرائها ومشيرها فأشرقت الأقطار بعد قطوبها ... بمرآه وافتّرت سروراً ثغورها ولم لا ترى تلك الثغور بواسماً ... وآراؤه حول الممالك سورها ولم يدر إن أثرى ثرى الملك بالنّدى ... أيمناه أحيت تربها أم بحورها وقد كانت الآمال ماتت فردّها ... به نشر بشرى كان فيها نشورها ولو نذرت من قبلها رتبةٌ علت ... لحقّ عليها أن توفّى نذورها يلوح بأجياد التقاليد وصفه ... فتشرق بالدرّ الثمين سطورها وتبدو معاني نفسه في مدادها ... كما تتبدّى في الليالي بدورها إذا ما سطت أقلامه وضراغم ... لها الطّرس غابٌ والصّرير زئيرها وإن أجرت الأرزاق فهي غمائم ... يسير إلى الآفاق منها مطيرها وإن دبّحت طرساً فأبهج روضه ... يناظر زهر النيّرات نضيرها وإن سجعت في مهرقٍ فحمائم ... لها الكتب دوحٌ والقلوب طيورها أتانا به لطف الإله بخلقه ... وكلّ امرئ هادي العيون قريرها إذا أجدبت أرضٌ وغاض معينها ... فمن راحتيه روضها وغديرها فأخصب واديها وأمرع ربعها ... وأُصلح غاويها وأثرى فقيرها

стр. 1364

بحجته معنى الجلالة سافرٌ ... وأضفى ستور الكاملين سفورها ويدنيه منّا فضله في علوّه ... كشمس الضحى تعلو ويقرب نورها وقد لحظ الأعمال أوّل نظرةٍ ... تساوى لديه نأيها وحضورها ووافت حمول المال من كلّ وجهة ... ثقالا هواديها بطيّا مسيرها ولم يك عن عسفٍ ولكن أثارها ... وقد خفيت من كل قطرٍ خبيرها فأضحت بيوت المال ملأى برأيه ... تغصّ ولا يخشى انتقاصاً غريرها وقد أخصبت منه الخزائن فاغتدت ... كروضة حسن والدلال زهورها ولو لم تكن قد أصبحت وهي جنّة ... به ما علا الأبرار منها حريرها أيا مالك النّعمى الذي لنواله ... مناهل لم يكدر لديّ نميرها لقد كنت أخشى أن أموت وما أتى ... بما كنت أرجو من علاك بشيرها وقد كنت بالعقبى من الله واثقا ... وإن أبطأت أيامها وشهورها وإنك ما استنصرت إلاّ بربك الع ... ليّ ولم ينس العباد نصيرها ومن يكن الرحمن حافظ نفسه ... فكيد أعادي نفسه لا يضيرها فدونكها يصفي لك العزّ وردها ... ويضفي جبير السّعد منك جبورها فقد يئست منها وقد آل أمرها ... إليك نفوس زال عنها غرورها فأكرم بملكٍ أنت منه أمينه ... ودولة ملك أنت فيها وزيرها وعش وابق ما غنّى الحمام بدوحه ... وبارى هديل الورق منها هديرها يقبل الأرض التي يود لو فاز بلثم أعتابها، أو كحل ناظره الذي قذي بالبعد عنها بلثم ترابها، ويتمنى لو قام لديها بفرض التهنئة منشدا، أو مثل بها بين الأولياء منبهاً لهم على تكرار السجود لله تعالى ومرشدا. وينهي ورود البشرى التي كانت الآمال تترقب ورودها، والتهاني التي كانت الأماني تتنجز من الدهر وعودها، والنعم التي كانت

стр. 1365

الأولياء تخشى أن تجود بأنفسها قبل أن ترى وجودها، فالحمد لله على هذه المنن التي أجابت من سأل، وتركت المملوك وأمثاله من الأولياء يصحبون الدنيا بلا أمل، وأعادت على النواظر نضارة نورها وإضاءة نورها، وردت إلى القلوب ما بعد من آمالها أو نفر من سرورها، وفسحت للأولياء في أرجاء الرجاء مجالا، وأجرت سوابق الإحسان في مضمار المعنى فغدت لها المحامد غررا، والأثنية المشرقة أحجالا، ثم الحمد لله على هذه المنة التي لا يقدر الشكر قدرها، ولا يدرك سرار الانتهاء بدرها، ولا تزال الأقدار تعاضد نهيها وأمرها، والسعادة ترفه بيمن خياطتها الممالك بيض جيوشها المرهفة وسمرها، والمملوك فقد اجتنى ثمر دعائه الصالح، وأخذ من هذه التهنئة حظ المقيم الملازم بالأبواب العالية مع أنه النائي النازح، والله يجعل هذه المنة فاتحة ما يستقبل من أمثالها، ويمتع الأولياء كافة بما أنجزت لها الأيام من وعود آمالها بمنه وكرمه إن شاء الله تعالى. عبد الله بن جعفر بن علي بن صالح محيي الدين الأسدي الكوفي النحوي الحنفي، ابن الصباغ. أجاز له رضي الدين الصاغاني، والموفق الكواشي، وبالعامة من ابن الخير، وألقى الكشاف مرات دروسا، وجلا من آدابه، على الطلبة عروسا، وسقى من فضائله المتنوعة غروسا، وكانت له جلالة وأبوة وأصالة، عرض عليه تدريس المستنصرية فأبى، وصار له بهذا الإعراض حديث ونبا، وكانت فضائله موصوفه، وهو في ذلك الزمان فاضل الكوفه.

стр. 1366

ولم يزل على حاله إلى أن أصبح الموت بابن الصباغ صبا، وصبت الأحزان عليه سحائب الدموع صبا. وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع وعشرين وسبع مئة. ومولده سنة تسع وثلاثين وست مئة. كان فيه عبادة وزهادة، وكتب عنه عفيف الدين المطري، وأجاز للشيخ تقي الدين بن رافع، ونظم الفرائض. عبد الله بن جعفر عفيف الدين التهامي أحد كتاب الإنشاء للملك المؤيد صاحب اليمن، كان دينا حسن السيره، طاهر السريره. نقلت من خط الشيخ تاج الدين عبد الباقي اليمني، قال: كان عفيف الدين يملي على أربعة قريضاً من فيه، على غرض طالبه ومستفتيه، من غير لعثمه، ولا فأفأة ولا تمتمه، في أوزان مختلفه، وقواف غير مؤتلفه، وبلغ السبعين، وهو مشتمل برداء الدين. وقال: توفي سنة أربع عشرة وسبع مئة ببلده من أعمال الجثة. قال يمدح المؤيد وقد سار إلى عدن من تعز، وعيد بها:

стр. 1367

أعلمت من قاد الجبال خيولا ... وأفاض من لمع السيوف سيولا وأماج بحراً من دلاصٍ سابحٍ ... جرّت أسود الغاب منه ذيولا ومن القسىّ أهلةً ما تنقضى ... منها الخضاب عن النصول نصولا وتزاحمت سمر القنا فتعانقت ... قرباً كما يلقى الخليل خليلا فالغيث لا يلقى الطريق إلى الثرى ... والريح فيها لا تطيق دخولا سحبٌ سرت فيها السيوف بوارقاً ... وتجاوبت فيها الرعود صهيلا طلعت أسنّتها نجوماً في السما ... فتبادرت عنها النجوم أُفولا تركت ديار الملحدين طلولا ... مما تبيح بها دماً مطلولا والأرض ترجف تحتها من أفكلٍ ... والجوّ يحسب شلوه مأكولا حطمت جحافلها الجحافل حطمةً ... تدع الحمام مع القتيل قتيلا طلبوا الفرار فمّد أشطان القنا ... فأعاد معقلهم بها معقولا عرفوا الذي جهلوا فكلّ غضنفرٍ ... في النّاس عاد نعامة إجفيلا ملك إذا هاجت هوائج بأسه ... جعل العزيز من الملوك ذليلا بحر إلى بحر يسير بمثله ... والملح أحقر أن يكون مثيلا وقال: وقد أمر المؤيد أن تطرح دراهم في بركة صافية، وأن ينزل الخدام والحاضرون للغوص عليها: أرى بركة قد طما ماؤها ... وفي قعرها ورقٌ منتثر فيا ملك الأرض هذي السّما ... وهذي النجوم وأنت القمر

стр. 1368

وقال: وقد أمر المؤيد أن يقطع الندامى عناقيد عنب، فقطع عفيف الدين عنقوداً وحمله إلى السلطان وهو يقول: جاء ابن جعفر حاملاً بيمينه ... عنقود كرم وهو من نعماكا يقضي الزمان بأنّ نصرك عاجلٌ ... يأتي إليك برأس من عاداكا وقال: وقد حضر خروف المغني من الشام سنة ثلاثين وسبع مئة، وغنى بين يدي السلطان: إن أيامكم لأمنٌ ويمنٌ ... وأمانٌ في كل بدوٍ وحضر هيبةٌ منك صالحت بين سرحا ... نٍ وسنحلٍ وبين صقر وكدري ومن المعجزات أنّ خروفاً ... يرفع الصوت وهو عند الهزبر قلت: كذا نقلته من خط الشيخ تاج الدين اليمني قوله: أمن ويمن وأمان، والأمن والأمان واحد. عبد الله بن أبي جمرة خطيب غرناطة المالكي. روى عن أبي الربيع بن سالم وأقام مدة بسبته لا يخرج عنها جمعته ولا سبته. ثم إنه ولي خطابة غرناطه، وغدق به صاحبها ذاك وناطه، وكان ذلك في آخر عمره ونهاية أمره.

стр. 1369

خطب يوم جمعة وسقط ميتاً من أعلى المنبر، وكان ذلك آية لمن عق ومن بر، وذلك بعد سنة عشر وسبع مئة. عبد الله بن حسن ابن عبد الله بن عبد الغني بن عبد الواحد بن سرور، الشيخ الفقيه الإمام المحدث اللغوي المفتي قاضي القضاة شرف الدين أبو محمد بن العلامة شرف الدين بن الحافظ جمال الدين بن الحافظ تقي الدين الدمشقي الصالحي الحنبلي. سمع حضورا سنة ثمان وأربعين، وحدث عن مكي بن علان، والعراقي، والكفرطابي، ومحمد بن سعد، سمع منه صحيفة همام والعماد بن عبد الهادي، واليلداني، وخطيب مردا، وعلي بن يوسف الصوري، وإبراهيم بن خليل، وأبي المظفر سبط الجوزي، وطائفة. وحدث بصحيح مسلم عن ابن عبد الهادي، وطلب قليلا بنفسه، وقرأ على ابن عبد الدائم والشيخ شمس الدين، روى الكثير وتفرد، وكان يمل ولا يحتمل تطويل المحدثين، تفقه وبرع في مذهبه، وأفتى ودرس في حال تقلبه. وكان خيراً وقورا، ساكناً صبورا، حسن السمت، لا يرى في حاله عوج ولا

стр. 1370

أمت، لين العريكه، من جالسه صار في أمره وما هو فيه شريكه، تقلد الحكم بعد عز الدين المقدسي فما غير زيه، ولا حول نديه، ولا ركب بغلة، ولا حضر المواكب ولا مشى في حفلة، بل كان يركب حماره، وجعل ذلك دليلاً وأماره. وكان طويل القامة رقيقا، دقيق الصوت رفيقا. مليح الذهن حسن المحاوره، متع المحاضره، ولم يكن محذلقاً في أموره، ولم يكن عنده فطنة في غيبته ولا في حضوره. ولم يزل على حاله إلى أن جاءه الأجل فبغته، ولم يخطه الذي وصفه ونعته، حكم بالبلد إلى العصر، وطلع إلى الجبل ففاجأه الموت وهو يتوضأ للمغرب سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة. وكانت ولايته سنة وشهرين. ومولده سنة ست وأربعين وست مئة. وأجاز لي رحمه الله تعالى في سنة تسع وعشرين وسبع مئة، وكتب عنه بإذنه عبد الله بن أحمد بن المحب. وكان وصول تقليده بالقضاء إلى دمشق يوم الثلاثاء سابع عشري شهر ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة. عبد الله بن الحسين ابن أبي التائب بن أبي العيش، الشيخ المسند المعمر الشاهد، بدر الدين أبو محمد الأنصاري.
следующие страницы →