← Тараджим

Тараджим · id 131

أعيان العصر وأعوان النصر

الصفدي

Полный текст (3 514 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

نبيّ جمالِ حُسن كم أقامت ... له الألحاظُ فينا من دلائل مسعود بن أبي الفضائل علم الدين المعروف بابن حشيش الكاتب. نقل طرائق خاله معين الدين هبة الله بن حشيش وزير المعظم بن الصالح أيوب وكاتبه. وكان قد رتّبه كاتب الوزارة بدمشق مدة، ثم اجتذبه الأشرف موسى صاحب حمص وحظي عنده، وله فيه أبيات: والله لولا الأشرف السلطانُ عنترة الجيوش ما كان ابن حشيش بين الناس إلا كالحشيش ولما توفي الأشرف صاحب حمص استمر علم الدين مسعود كاتب درج النواب بمعلوم من ديوان السلطان، ثم نقل الى كتابة الدرج بدمشق. أقام مدة ثم إنه توفي سنة ست وتسعين وست مئة بدمشق، وسيأتي ذكر ولده القاضي معين الدين هبة الله بن حشيش. مسعود بن قراسنقر الأمير سعد الدين بن الجاشنكير، أخو الأمير سيف الدين قطلوبك، وقد تقدم ذكره. كان قد ولي الحجوبية بدمشق مدة، ثم إنه تولى القدس مدة.

стр. 3257

ومات - رحمه الله تعالى - بدمشق ثاني شهر ربيع الآخر سنة تسع عشرة وسبع مئة، ونقل بعد ست ليال الى القدس ودفن هناك في تربةٍ كان عمّرها له. مسعود بن محمد بن محمد الإمام الفاضل قوام الدين ابن الشيخ برهان الدين ابن الشيخ الإمام شرف الدين الكرماني الحنفي. قدِم دمشق في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة، ونزل الخاتونية بالقصّاعين، وحضر عنده الجماعة، ودخل الى تنكز، وتردد إليه الطلبة، وكان يعرف الفقه والأصول العربية، وكان عنده بحث ونظر وجدال، ولوالده وجدّه مصنّفات في العلوم. الألقاب والأنساب ابن المشهدي محمد بن عمر. ابن مصدّق الحسين بن عليّ. ابن مُصعب نور الدين أحمد بن إبراهيم. المطروحي الأمير جمال الدين آقوش. المطعّم عيسى بن عبد الرحمن. ابن المطهّر الشيخ جمال الدين الحسين بن يوسف.

стр. 3258

ابن معبد الأمير علاء الدين علي بن محمود. وأخوه الأمير بدر الدين محمد بن محمود. المظفر بن محمد ابن جعفر الصّدر الكبير الأمير فخر الدين بن الطّرّاح، قد تقدّم ذكر أخيه قوام الدين الحسن بن محمد في مكانه من حرف الحاء. كان عارفاً بتحصيل الأموال وعمارة الأرضين. ولي نيابة واسط والحلة والكوفة مدة طويلة، وكان كريماً شجاعاً فاضلاً ينظم وينثر، وله خبرة تامة بمباشرة الديوان. ولم يزل على ذلك الى أن قُتل ببغداد، وكان عليه ديوان أكثر من مئة ألف درهم، وصودر أهله وأقاربه وأتباعه، وكان يكاتب السلطان الملك الأشرف صلاح الدين خليل بن قلاوون، وقد مرّ طرف من ذكره في ترجمة أخيه قوام الدين. مظفر بن عبد الله ابن مظفر بن قرناص الشيخ فتح الدين أبو الفتح بن بدر الدين بن قرناص الخزاعي الحموي. سمع بدمشق من ابن أبي اليسر سنة سبعين وست مئة. وحدّث عنه، وسمع منه ابن طويل وجماعة.

стр. 3259

وكان من أعيان بلده وعدولها، وله نظم. وولي نظر المعرّة، ونظر الجامع بحماة، وله مُلك يقوم بأمره. وتوفي - رحمه الله تعالى - في نصف المحرّم سنة ثلاثين وسبع مئة بحماة. الألقاب والأنساب ابن المعلم رشيد الدين الحنفي إسماعيل بن عثمان. وفخر الدين محمب بن محمد. وشمس الدين محمد بن يحيى. وتقي الدين يوسف بن إسماعيل. ابن معضاد محمد بن ابراهيم. ابن المغازي ضياء الدين عيسى بن أبي محمد. مغلطاي الأمير علاء الدين الناصري الجمالي، المعروف أولاً بمغلطاي خُرُزْ، بضم الخاء المعجمة والراء وبعدها زاي. كان من أكبر مماليك السلطان الملك الناصر محمد، أمير مئة مقدم ألف. ولاه السلطان الوزارة بعد الصاحب أمين الدين في رابع عشري شهر رمضان سنة أربع وعشرين وسبع مئة، كان أستاذدار وأمير منزل، وتولى الوزارة مضافة الى ذلك، ولم يجتمع ذلك قبله لغيره. وكان خيّراً كريماً عديم الشر حليماً، لا يستكثر شيئاً على أحد، ولا يظلم مَن اعترف ولا جحد، وعمّر داراً ومدرسة وتربة على التقوى إن شاء الله مؤسسة، وذلك بدرب الملوخية داخل القاهرة. إلا أنه في الآخر تزلزلت عند السلطان مكانته،

стр. 3260

وخانته إعانته فمرض وتعلل وظمئ الى العافية وما تبلل، وكلّ حدّ سعده وتغلل، وتردى حلة الإدبار وتجلل، وتوجه الى الحجاز، وانتقلت حقيقة حياته الى المجاز. وتوفي - رحمه الله تعالى - عائداً بعقبة إيلات سنة ثلاثين وسبع مئة، ولم يزل على الوزارة الى أن مات رحمه الله تعالى. وكان أستاذ داره سيف الدين مازان وخزنداره سيف الدين طُراي هما المتحدثان في القطع والوصل والاستخدام والانفصال، ولما ولي الوزارة طلب الصاحب شمس الدين غبريال من دمشق الى مصر وجعله ناظر الدولة معه، فأقام معه الى أن سعى في عوده الى الشام بعد سنتين، وكان إذا توقف الأمير سيف الدين أرغون النائب في العلامة على توقيع براتب أو بإقطاع أو بشيء من غير ذلك، يقول الوزير: لأي شيء ما كتبت عليه؟ فيقال له: يا خوند، أستكثر ذلك على صاحبه، فيقول: هو ما هو كثير عليه، إقطاعه تعمل في السنة ألف ألف درهم، ويعلّم هو على التوقيع. وكان قد حضر الى دمشق متوجهاً لكشف القلاع الحلبية في شهر رجب سنة خمس وعشرين وسبع مئة. مغلطاي الأمير علاء الدين البيسري، أحد أمراء دمشق. كان أميراً جيداً، وله معرفة بالطيور وأمراضها. ودفن بالجبل، وصلى عليه نائب السلطة الأفرم بسوق الخيل، وكانت وفاته في ثاني جمادى الأولى سنة سبع وسبع مئة.

стр. 3261

مغلطاي الأمير علاء الدين بن أمير مجلس. حضر الى دمشق من القاهرة، وكان في دمشق أمير مئة مقدم ألف، وكان الأمير سيف الدين يحبه ويكرمه. وتوفي رحمه الله تعالى في رابع ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، ودفن بجبل قاسيون. مغلطاي الأمير علاء الدين الخازن النائب بقلعة دمشق. توفي بها في عاشر صفر سنة ست وثلاثين وسبع مئة، ودفن في تربته بسفح قاسيون. وكان رجلاً جيداً محباً للخير، وله برّ ووقف، وخلّف تركةً جيدة. مغلطاي بن قليج ابن عبد الله، الشيخ الإمام الحافظ القدوة علاء الدين البكجري - بالباء ثانية الحروف وبعد الكاف جيم وراء وياء النسبة - الحنفي مدرّس الحديث بالظاهرية بين القصرين بالقاهرة. شيخ حديث، يعرف القديم والحديث، ويطول في معرفة الأسماء الى السماء بفرع أثيث، وينتقي بمعرفته الطيب من الخبيث، ولي الظاهرية شيخاً للحديث بها بعد

стр. 3262

شيخنا العلامة فتح الدين بن سيد الناس، وعبث المصريون به لأجل ذلك، ونظموا الأشعار والأزجال والبلاليق والأكياس، ونفضوا ما عندهم في ذلك ولم يغادروا بقايا نفقات ولا فضلات أكياس. وكان كثير السكون، والميل الى الموادعة والركون، جمع مجاميع حسنة، وألّف تواليف أتعب فيها أنامله، وكدّ أجفانه الوسنة. ولم يزل على حاله الى أن ابتلعته المقابر، واستوحشت له الأقلام والمحابر. وجاء الخبر الى دمشق بوفاته في سلخ شهر رمضان المعظم سنة اثنتين وستين وسبع مئة. ومولده بعد التسعين وست مئة. كان يلازم قاضي القضاة جلال الدين القزويني وانتفع بصحبته كثيراً، فلما مات الشيخ فتح الدين محمد بن سيد الناس - رحمه الله تعالى - في سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، تكلم القاضي له مع السلطان، فولاه تدريس الحديث بالظاهرية مكانه، وقام الناس وقعدوا لأجل ذلك، ولم يبال بهم. ولما كان في سنة خمس وأربعين وسبع مئة وقف له الشيخ صلاح الدين العلائي رحمه الله تعالى على تصنيف له وضعه في العشق، وكأنه تعرّض فيه لذكر عائشة الصدّيقة ﵂، فقام في أمره وكفّره، واعتقل أياماً، فقام في حقه الأمير بدر الدين جنكلي بن الباب وخلّصه.

стр. 3263

وكان قد حفظ الفصيح لثعلب، وكفاية المتحفظ، وسمع من علي بن عمر الوالي، ويوسف بن عمر الختني، ويوسف الدبابيسي، وغيرهم، ووضع شيئاً في المؤتلف والمختلف، وعمل سيرة مختصرة للنبي ﷺ ، وقرأ النسائي بنفسه، ودرّس بجامع القلعة بالقاهرة بواسطة قاضي القضاة جلال الدين. وكان ساكناً جامد الحركة يلازم المطالعة والكتاب والدأب، وعنده كُتب كثيرة وأصول صحيحة. كتب إلي من القاهرة وأنا بدمشق في سنة تسع وثلاثين وسبع مئة: سلام كما ازدانت بروض أزاهرُ ... وذكرٌ كما نامت عيونٌ سواهرُ تحية من شطت به عنك داره ... وأنت له عينٌ وسمعٌ وناظرُ فيا سيد السادات غير مدافع ... ويا واحد الدنيا ولا من يفاخر لك الشرف الأسمى الذي لاح وجهه ... كما لاح وجه الصبح والصبح سافر لئن سهرت في المكرمات أوائل ... لقد شرفت بالمأثرات أواخر سجايا استوت منهن فيك بواطنٌ ... أقامت عليهن الدليل ظواهر يقبّل الأرض عبدٌ كتب هذه الخدمة عن ودّ لا أقول كصفو الراح، فإن فيها جُناحا ولا كسقط الزند، فربما كان شحاحاً، ولكن أصفى من ماء الغمام، وأضوا من قمر التمام، مستوحش من خدمتكم كثيراً، ومعلن بالثناء وإن كان المملوك حقيراً،

стр. 3264

ومستعرض خدمتكم وحاجتكم ليحصل له الشرف بمناجاتكم، ويتطلب منكم الدعاء بظهر الغيب، فإنه متقبل ولاسيما منكم بلا ريب. والمملوك أجلّ خدمتكم أن يكتب إليكم لما يقدحه خاطره، ويسفره ناظره، لكون باعه قصيراً في هذا العلم وغيره، وجبركم أوجب هذا الإدلال. فكتبت أنا الجواب إليه في ورق أحمر وهو: سطورٌ تبدّت أم رياض نواضرُ ... تحار لها مما حوته النواظرُ أتينا فخلناها أزاهر روضةٍ ... وما هي إلا في السماء زواهر وما شاهدت عيني سواها رسالةً ... يغازلني منها حسانٌ سواحر يحقق ما فيها من الحسن باطناً ... لأهل المعالي زخرفٌ وهو ظاهر صناعة من تمسي البلاغة فوق ما ... يحاوله من نظمه وهو قادر وما كل من عانى الترسّل ناثرٌ ... ولا كل من يعزى له النظم شاعر أيا حافظاً قد ضاع عرْفُ حديثه ... وما ضاع بل قد أحرزته الدفاتر تفضّلت بدأً بالتحية عالماً ... بأني عن غايات فضلك قاصر وباعك قد أمسى مديداً على العلا ... وبحركَ في النّظم المنقّح وافر إذا افتقر المنشي الى بعض فقرةٍ ... فعندك من حُرّ الكلام ذخائر وما شئت إلا أن فضلك بعدما ... ترحلت يرويه عطاءٌ وجابر

стр. 3265

فلا تلزمني بالجواب وبالجوى ... لبعدك يكفيني الحنين المسامر وشوقي الى ما فاتني من فضائل ... لها تقصت عندي البحور الزواخر وإني إذا ما غنّت الوُرق نادب ... وإني إذا نام الخليّون ساهر فلا زالت العلياء حاليةَ الطُّلى ... بألفاظك الحسنى فهنّ جواهر يقبّل الأرض التي تضع الملائكة بها الأجنحة، ويدّخر بها من بركات الدعاء نفائس الأسلحة، تقبيل من عدم أنسه، وفقد من السرور فصله ونوعه وجنسه، وعلم أن بهجته من الزمن كانت عارية فاستردّها، وكذلك العواري. وتبيّن أن الفراق جعل القلب مملوك الجوى والعبرات جواري، وتحقق أن الدهر ناقد فأعدم كل مسلم للنوى شرط البخاري. وكنا كما نهوى فيا دهرُ قُلْ لنا ... أفي الوَسعِ يوماً أن نعود كما كنّا على أن المملوك يصبّر نفسه على فراق مولانا ويتجلد، ويعلل قلبه باجتماع الشمل فإنه ألِف العَود وتعوّد، ويحمل الأمر في هذا البين على الظاهر ولا يتأوّل، ويتمسّك في بُعده بما قاله الأول: أأحباب قلبي والذين بذكرهم ... وترداده طولَ الزمان تعلّقي لئن غاب عن عيني بديعُ جمالكم ... وحار على الأبدان حكمُ التفرّق فما ضرّنا بُعدُ المسافة بيننا ... سرائرُنا تسري إليكم فنلتقي وينهي ورود المشرفة الشريفة، لا بل كنز الفصاحة التي لو أنفق البليغ مثل أحد ذهباً ما بلغ مُدّها ولا نصيفه، بل كعبة الحسن التي لا تزال الألباب بها طائفة،

стр. 3266

والعيون مطيفة، لا بل الغادة الحسناء التي تقرر بها الاستحسان في مذهب أبي حنيفة، فوجد مقام الجواب عنها ضنكاً، ووقف لها واستوقف وبكى واستبكى وقال: لك الفضل سبّاقاً به كلَّ غايةٍ ... وما لك فيه من شبيهٍ ولا مثلِ وقد كنتُ مسعوداً لو أني سابق ... بكبْتي عن شوقي ولكن بكت قبلي وقد شجع المملوك نفسه وأرسل الجواب في هذا الورق الأحمر لأمر يرجو فيه خيراً، ولأن الحمرة دليل الخجل إذا نشرت بين يدي مولانا الذي حمد البيان عند صباحه سُرىً وسيراً، ولأنها متى أوردت حديث بديع قال لها حفظ مولانا ونقده: لا يصح حديث جاء فيه ذكر الحُميرا، ولمولانا علوّ الرأي في الإتحاف بهذه الفوائد، والمحاسن التي لا تزال غصون رياضها للمتطفلين على الآداب موائد، والله تعالى يخرق ببقاء مولانا العوائد بمنّه وكرمه. مغلطاي الأمير علاء الدين المرتيني، بفتح الميم وسكون الراء وبعدها تاء ثالثة الحروف وياء آخر الحروف، ونون. ولي نيابة قلعة دمشق مرات، وولي الحجوبية بدمشق أيضاً وغير ذلك. وتوفي بقلعة دمشق نائباً في شعبان سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون

стр. 3267

دمشق، وكان قد جاء الخبر بوفاة ابن له بالقاهرة بأيام قلائل، فمات رحمه الله تعالى عقيب ذلك. وكان قد ولي قلعة دمشق في وقت جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وسبع مئة، وذلك بعد الأمير سيف الدين بنغجار. مغلطاي الأمير علاء الدين أمير آخور السلطان الملك الناصر حسن. كان شديد الباس قويّ النفس في دفع الإلباس، لا يصبر على ذلة، ولا يصاحب إلا العزمة المشمعلة، كثير الحسد، لا يرحم عدوّه ولو كان بين ماضغي أسد. وكان يتنفس الصعداء في حق الدولة، ويظن أنه فارس الجو وصاحب الجولة، ويرى أنه أحق بها منهم وأجدر، وأنه أولى بذلك وأقدر، فمازال يعمل على إبعاد من كرهه منهم، وذهاب الحكم في الأمر والنهي عنهم، وساعدته الأقدار على مراده، وحكم فيهم بيض سيوفه وسمر صعاده، وزاد في التشفي وإظهار حقوده، وتلظّت نار غضبه بوقوده: حتى لو ارتشق الحديد أذابه ... بالوقد من أنفاسه الصعداء ثم إن مدة حكمه ما امتدت، وشدة جبروته ما اشتدت، فكبا جواد سعده في وسط ميدانه، وخرّ بناؤه المشمخر بعد علوّ أركانه، فانقلبت الدولة عليه كما قلبها، وجُلبت البلية إليه كما جلبها، ونزل من الثريا الى الثرى، وكان أمام الملوك فأصبح وراء السوقة

стр. 3268

من الورى، وانحط منهبطاً الى سيدوك، وقال له القدر: هذا القدر الذي لا يعدوك: فيا لها من محنة عاجلت ... قريبةُ العرس من المأتم ثم إنه أُفرج عنه من اعتقاله، وحكم الدهر له بانتقاله، فما فرح بالفضاء حتى عثر بالقضاء، وناح عليه حمام حَمامه، وبكاه الغيث بأجفان غمامه. وتوفي بدمشق رحمه الله تعالى عاشر شهر رمضان سنة خمس وخمسين وسبع مئة. كان يشاقق الأمير سيف الدين منجك الوزير، ويسمعه الكلام الفجّ في كل وقت، وكان الوزير يتقيه، فلما توجه الأمير بيبغاروس الى الحجاز، عمل مغلطاي على إمساك الوزير، لأنه انفرد به، وقلب ذلك الحزب وأباده، وسيّر الى الطريق وأمسك النائب بيبغا، وهو أخو الوزير، وتفرّد بتدبير الحال، وطلع من الإصطبل وصار رأس نوبة، وسكن الأشرفية. وكان قد تزوج بابنة الأمير سيف الدين أيتمش نائب الشام، وأخرج الأمير سيف الدين شيخو الى الشام على أنه يتوجه الى طرابلس، ثم إنه سيّر الى دمشق فأمسكه، وجهّزه الى الاسكندرية، وأخرج الأمير علاء الدين علي المارداني الى دمشق، وأخرج غيره، وأراد إمساك أحمد الساقي نائب صفد، فجرى ما ذكرته في ترجمته، واستوحش الأمير سيف الدين أرغون الكاملي

стр. 3269

نائب حلب، فعمل على إمساكه، وتخبّط أمر الشام ومن فيه، وتعب الناس به، وصاروا منه في أمر مريج، وزاد في الإقدام على القبض والنقل، وإخراج الأمراء من الديار المصرية. ولم يزل شرّه يتفاقم، وضرره يتعاظم، الى أن خُلع السلطان الملك الناصر حسن في يوم الإثنين ثامن عشري جمادى الآخرة سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة، وذلك بعد ركوبهم الى قبة النصر، وأجلسوا السلطان الملك الصالح صالحاً على الكرسي، ثم إن السلطان أمسكه في رابع يوم من مُلكه، وهو ثاني شهر رجب الفرد، وأمسك معه جماعة، منهم الأمير سيف الدين منكلي بغا الفخري، وجُهّزوا الى الاسكندرية، وفي مغلطاي يقول القائل: سلطاننا في مغلطا ... ي أطاع أمرَ الخالقِ وشفى القلوب بحبسه ... وأذلّ كلَّ منافقِ وخبيصةَ البحر اغتدى ... وخراه منه نقانقي ولم يزل مغلطاي معتَقلاً الى أن أفرج السلطان الملك الصالح عنه وعن الوزير منجك، فوصل الأمير علاء الدين مغلطاي الى دمشق في حادي عشري شهر ربيع الآخر سنة خمس وخمسين وسبع مئة متوجهاً الى طرابلس ليكون بها مقيماً بطّالاً، وأقام بها قليلاً، فحصل له ضعفٌ وتعلّل، فسأل من السلطان أن يحضر الى دمشق ليتداوى بها ويقيم يها، فرسم له بذلك، فحضر الى دمشق وأقام بها أياماً قلائل، وهو في مرضه الى أن مات في تاريخه المذكور، رحمه الله تعالى. وكانت مدة حكمه ثمانية أشهر ويومين، لأنه أمسك الوزير منجك في رابع

стр. 3270

عشري شوال سنة إحدى وخمسين وسبع مئة، وأمسك هو في ثامن عشري جمادى الآخرة سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة، وذلك ثمانية أشهر، لا بل ثمانية أيام حسوماً. وقلت أنا في أمره لما أُمسك: مَغالطُ مغلطاي مشتْ قليلاً ... وروّجها الزمان له فراجتْ وعاجتْ عن قليلٍ واضمحلّت ... وما جاءت بخير حين ماجت اللقب والنسب ابن المغيث إسماعيل بن عبد العزيز. ابن مكتوم تاج الدين أحمد بن عبد القادر. ابن المكرّم أبو بكر بن محمد. وجمال الدين محمد بن مكرّم. ابن مكي محمد بن محمد. وأخوه أحمد. المقصّاتي المقرئ أبو بكر بن عمر. المقدسي بهاء الدين إبراهيم بن عبد الرحمن. المقريزي محي الدين عبد القادر بن محمد. المقاتلي فخر الدين عثمان بن بلبان. ابن مقاتل الزجّال علي بن مقاتل. ابن مقلّد حاجب العرب علي بن مقلّد. بني المُغَيزل جماعة: منهم زين الدين أحمد بن محمد، وفخر الدين عبد الله بن أحمد، وبهاء الدين عبد الصمد بن عبد اللطيف، وفخر الدين محمد بن

стр. 3271

عبد الكريم، وصلاح الدين يوسف بن محمد، وناصر الدين عبد الرحمن بن أحمد. ملك آص الأمير سيف الدين. كان أولاً بالديار المصرية جاشنكيراً، وقدم الى دمشق، ولم يزل على حاله، وباشر شدّ الدواوين بدمشق. ثم إنه سأل الإعفاء، فأجيب الى ذلك، وباشر عمارة التربة التي لأرغون شاه تحت قلعة دمشق. وكان قبل ذلك كله قد باشر نيابة جعبر، وجرت له واقعة مع العرب، ونجّاه الله منها، ثم إنه عاد الى دمشق. ولما أمسك السلطان الملك الناصر حسن الوزير منجك، أمر بإمساك الأمير سيف الدين ملك آص والأمير شهاب الدين بن صبح، لأنهما اتّهما بميلهما الى الوزير، فأمسكا بدمشق في يوم الخميس عشري القعدة سنة إحدى وخمسين وسبع مئة، واعتُقلا في قلعة دمشق. ولما كان في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة أفرج عنهما، فأعيدا الى طبلخاناه بعد ذلك، فأقام الأمير سيف الدين ملك آص على حاله. ولما حضر بيبغاروس الى دمشق انتمى إليه ملك آص، وبقي في خدمته، وندبه في أشغال ومهمات، فلما وصل السلطان الملك الصالح صالح الى دمشق أمر بإمساك جماعة، منهم الأمير ساطلمش الجلالي، والأمير زين الدين مصطفى البيري،

стр. 3272

والأمير علاء الدين علي بن البشمقدار، والأمير سيف الدين ملك آص، والأمير حسام الدين حسام مملوك أرغون شاه، وذلك في يوم الأربعاء خامس شوال سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة، وتوجهوا بهم الى الإسكندرية واعتُقلوا بها جميعاً. ولم يزالوا بها. ولما كان في يوم الأربعاء من شهر رجب الفرد سنة أربع وخمسين وسبع مئة وصل الى دمشق الأمير سيف الدين ملك آص والأمير سيف الدين ساطلمش الجلالي ومن كان معهما في الحبس، وقد أفرِج عنهم ورُسم لهم بالإقامة في دمشق بطّالين. ولم يزل ملك آص في دمشق بطّالاً الى أن كتب له الأمير علاء الدين أمير علي المارداني نائب الشام وسأل من السلطان أن يرتّب له على الأموال الديوانية مرتّب، فرسم له بذلك، ورتّب مقدار شهرين. ثم إنه توفي - رحمه الله تعالى - في ثامن عشر شهر رمضان سنة ست وخمسين وسبع مئة، ودُفن رحمه الله تعالى في تربته المليحة المجاورة لداره بجوار جامع يلبغا في سوق الخيل. ملِكْتَمُر الأمير سيف الدين الحجازي الناصري، أحد المقدّمين أمراء الألوف، أصهار السلطان الملك الناصر محمد، أظنه تزوّج بابنة السلطان التي كانت أولاً مع الأمير سيف الدين طغاي تمُر الناصري. كان في حركاته أشبه شيء بالقضيب إذا ماس، وهبّ به نسيم السحر بارد الأنفاس، ووجهه كالبدر إذا بدا، والشمس إذا رام الحائر بها الهدى، إذا التفت فلا

стр. 3273

تلتفت الى الغزال النافر، ولا تحتج مع جبينه الى الصبّاح السافر، مع جود من أين للغمام كرمُه إذا سفح، أو البحر نواله إذا طفح، وخلق كأنه نسيم ورْد هبّ في سحره، وجرّ ذيله المبلول على زهره، فهو كما قال أبو تمام في وليده وتغزّل به في قصيده: مليٌّ بأن يسترقّ القلو ... بَ على هزله وعلى جدّه وأن يوجد السّحر في طرفه ... وأن يُجتنى الوردُ من خدّه يشفّ القلوب وإن أكذبَ ... الظنون وأخلفَ في وعده بما أشبه البدرَ من حُسنه ... وما شاكل الغصنَ من قدّه وألسنةُ الحمد مجموعةٌ ... على شكره وعلى حمده وجرتْ له بعد أستاذه الناصر أمور، وكُسف بدره وسط الديجور، وغرُب نجماً، ثم بزغ في سماء السعادة قمراً تمّا. ولم يزل بعد ذلك في مدارج صعود، ومطالع سعود، الى أن غُصّ من بريق السيف بريق، وأمسكه الأجَل في المشيق. وكانت قتلته في حادي عشري شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين وسبع مئة. ولم يكن عند أستاذه الناصر أحدٌ في منزلته ولا مَن يُدانيه في علوّ مرتبته. قال لي القاضي شرف الدين النشّو: لو أن هذا الحجازي يلازم خدمة السلطان ويواظبها أخذ منه شيئاً كثيراً الى الغاية.

стр. 3274

وقال لي الشيخ شهاب الدين أحمد العسجدي: اجتمعتُ به فرأيت على ذهنه مسائل فقهية يسأل عنها، وذهنه جيّد. وقال لي كاتبه مجد الدين رزق الله: إنه يلعب بجميع الملاهي، بالعود والدفّ وغير ذلك. وحكى لي أنه يصفُّ له ثلاثة أرؤس خيلاً وأن هيهمز نفسه فيعدّيها في الهواء الى الأرض من ذلك الجانب من غير أن يضع يده على شيء منها. ولقد رأيته وهو في القاهرة وفي صلاة الجمعة مع السلطان بجامع قلعة الجبل، وما يكاد يستقرّ على الأرض لا قائماً ولا قاعداً، لا يزال في حركة يتموج وينعطف كالغصن، وكان من محبة السلطان فيه ما يدعه ينزل يوم السبت الى الميدان للعب بالكرة، بل يدعه ينزل يوم الثلاثاء ويلعب بالكرة هو وخاصيّته من الجمداريّة الذين يألف بهم ويميل إليهم من مماليك السلطان، وكان يقول له: يا ملكتمر لما تلعب تبرقَع حتى لا تؤثّر الشمس في وجهك، ولا يدعه يحضر الخدمة إلا في بعض الأوقات القليلة حتى لا يراه أحد. وكان الحجازي في جملة من أمسكهم قوصون وحبسهم في واقعة المنصور أبي بكر، ولما حضر الناصر أحمد من الكرك أخرجه م الحبس، وقتل قوصون، وأبان في واقعة الكامل عن فروسية ورُجلة، على ما تقدّم في ترجمة الأمير شمس الدين آق سنقر.

стр. 3275

وكان الحجازي أحد من قام بدولة الملك المظفّر حاجّي، ولم يزل في غاية العظمة والوجاهة الى أن تنكّر له الملك المظفر بسبب لعب الكرة وتحزّبهم، وكأنه أضمر الغدر، فجاء أحد من اتفق معه الى السلطان وعرّفه أنهم قد عزموا يوم الإثنين عشري شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين على الركوب الى قبة النصر ليفعلوا كما فعلوا بالملك الكامل، فطلبه السلطان الملك المظفّر عشية الأحد العصر، وأمسكه أمسك الأمراء الستة المذكورين في ترجمة آقسُنقر، ويقال إن الأمير سيف الدين منجك وغيره من الخاصكية ضربوه بالسيوف وبضّعوه، فقال الأمير شمس الدين آقسنقر وقد أمسكوه أيضاً: هذا المسكين ما هو مسلم؟ فضربوه بالسيوف وقطّعوه. وكان الأمير سيف الدين ملكتمر شاباً طويلاً حسن الوجه، خفيف الحركة، زائد الكرم، قلّ من يحضر بين يديه ويخرج بغير خلعة ولا إنعام سواء كان ربّ سيفٍ أو قلم أو ربّ صناعة. وحكى لي بعض الفقهاء أنه وهبه مرة ألف دينار ولم يجتمع به إلا مرة واحدة. وكان أخيراً قد لفّ عليه أولاد الأمراء يركبون معه وينزلون في خدمته ويأكلون على سماطه ويأخذون إنعاماته وإطلاقاته، ولهذا أُمسك معه جماعة منهم واعتُقلوا، وكان السبب في إمساكه وإمساك غيره، شجاع الدين أغرلو المقدّم ذكره. وقلت أنا فيه رحمه الله تعالى: بغا أغرلو على الحجازي ... وكان للمُلك كالطراز مضى شهيداً وعاش هذا ... يرتع في اللؤم والمغازي فمصرُ والشام في التها ... ب البرق اليماني على الحجازي

стр. 3276

ملكتَمُر الأمير سيف الدين السعيدي. أظنه الذي جهّزه القان بوسعيد الى الملك الناصر محمد بن قلاوون هو والأمير سيف الدين أرغون شاه، وحضر في وقت الى الشام وأقام به ثم طُلب الى مصر وأقام بها الى أن أمسك الأمير سيف الدين صرغتمش، فرسم السلطان الملك الناصر حسن بإخراجه الى قلعة المسلمين. فخرج وهو مريضٌ، فلما وصل الى حماة توفّي الى رحمة الله تعالى في العشر الأول من ذي القعدة سنة تسع وخمسين وسبع مئة. ملكتمر الأمير سيف الدين المعروف بالدم الأسود. كان أمير ستين فارساً بدمشق، وسكن بالعقيبة عند حمام الجلال. توفي رحمه الله تعالى في جمادى الآخرة سنة أربع عشرة وسبع مئة. اللقب والنسب ابن الملاق محمد بن علي. ابن ملّي الشيخ نجم الدين أحمد بن محسن.

стр. 3277

المنجّا بن عثمان ابن سعد بن المنجا بن بركات بن المؤمّل، العالم العلامة المفتي زين الدين أبو البركات ابن الصدر عز الدين ابن الإمام الكبير الأوحد العلامة وجيه الدين التنوخي المعري الأصل، الدمشقي المولد، الحنبلي. حضر على جعفر الهمداني، وابن المقيّر، وسالم بن صصرى، وسمع من السخاوي، والتاج القرطبي، والرشيد بن مسلمة، وتفقّه على أصحاب جدّه، وعلى أصحاب الشيخ الموفّق، وقرأ الأصول على كمال الدين التفليسي وغيره، وبرع في المذهب. وتفقّه عليه ابن الفخر، وابن أبي الفتح، وابن تيمية، وجماعة من الأئمة. وشرح كتاب المقنع في الفقه شرحاً جيّداً في أربع مجلّدات، وفسّر الكتاب العزيز ولكنه لم يبيّضْهُ، وألقاه كلَّه دروساً، وشرع في شرح المحصول ولم يكمله واختصر نصفه. وكانت له في الجامع الأموي حلقة للاشتغال والفتوى نحو ثلاثين سنة متبرّعاً. وكان يصوم الخميس والإثنين، ويذكّر من حين يصلي الصبح الى أن يصلي الضحى.

стр. 3278

وكان له مع الصلوات تطوّعٌ كثير، وفي آخر الليل تهجّد، ويفطّر الفقراء عنده في بعض الليالي وفي شهر رمضان كله. وسمع صحيح مسلم على السخاوي. وكان له مُلكٌ وثروة وحرمة وافرة، وسأل الناس الشيخ جمال الدين بن مالك أن يشرح لهم ألفيته فقال: زين الدين يشرحها لكم. وكان قد قرأ على ابن مالك وأجاز لشيخنا الذهبي جميع مرويّاته. وتوفي رحمه الله تعالى سنة ست وتسعين وست مئة. ومولده سنة إحدى وثلاثين وست مئة. اللقب والنسب المنبجي الأديب بدر الدين محمد بن عمر. ومحمد بن خلف. ابن منتاب شمس الدين محمد بن داود. منتصر بن الحسن بن منتصر الشيخ ضياء الدين الكناني العسقلاني المحتد، الأدفوي المولد والدار، خطيب أدفو. سمع من الشيخ شمس الدين محمد بن إبراهيم بن عبد الواحد بن علي بن سرور

стр. 3279

المقدسي، وأبي عبد الله بن النعمان، وغيرهما. وقرأ الفقه، ثم ورد الى البلاد فقيرٌ من السعودية فصحبه وتصوّف، وعمّر رباطاً بأدفو. قال كمال الدين الأدفوي: وكان كثير المروءة، كثير المكارم والحلم، يبذل ماله ونفسه وجاهه في حوائج الناس. وكان صحيح الاعتقاد وكان كل يوم جمعة يصلي الصبح بغلس، ويخرج الى المقابر يزور ويقرأ ويدعو، لا يخلّ بذلك ولا ينقطع عن الصلوات الخمس بالجماعة إلا لضرورة. وكان يحفظ مسائل من الفقه والكلام، ويستحضر تواريخ وتراجم الناس وأنسابهم، وكان من أحسن الناس خطابةً يُشجي سامعه. وتوفي رحمه الله تعالى سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، وقال: قرأت عليه جزءاً من الشّفاء. اللقب والنسب بنو المنجا عز الدين المحتسب محمد بن أحمد. وقاضي القضاة علاء الدين بن المنجا. ووجيه الدين محمد بن عثمان. وشرف الدين محمد بن المنجا. وعز الدين محمد بن أحمد ناظر الجامع. ابن المنذر فخر الدين محمد بن المنذر. منصور بن جمّاز منصور بن جمّاز بن شيخة الحسيني صاحب المدينة الشريفة النبوية.

стр. 3280

قتل رحمه الله تعالى سنة خمس وعشرين وسبع مئة في رابع عشر شهر رمضان، قتله في البرية شابٌ من أقاربه. وكان قد كبر وأسنّ وشاخ، وله مدة في إمرة المدينة من حياة والده، لأن والده كان قد كبر وعجز، وكان يخطَب لهما معاً الى أن مات والده، واستقر في إمرة المدينة بعده ولده الأمير بدر الدين كُبيش. منصور بن عبد الكريم ابن أحمد الشيخ الصالح أبو أحمد السَراوي المعروف بابن العجمي وبابن الحمصي. قال شيخنا علم الدين البرزالي: كان شيخاً صالحاً أقام بدمشق مدةً في بستان جوار دار الطُعم، حضرت يوماً عنده فذكر أن والده كان تاجراً من أهل تبريز، وأنه قرأ القرآن ولازم التجارة مع والده الى أن بلغ عشرين سنة، فترك ذلك وحصل له إقبال على الطاعة. وجاور وحضر واقعة حمص سنة ثمانين وست مئة، ورأى الملائكة فيها، وأنه نظم قصيدة على حرف التاء أكثر من ألفي بيت في السلوك، قال: وأنشدني بعضها، وكان اجتماعي به في جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعين وست مئة. ثم إنه بعد ذلك انتقل الى حمص، وتولى بها مشيخة الخانقاه الى أن توفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الآخر سنة تسع وتسعين وست مئة. ومولده سنة خمس وأربعين وست مئة. اللقب والنسب المنصور جماعة: صاحب ماردين غازي بن قرا أرسلان.

стр. 3281

والمنصور حسام الدين لاجين. والمنصور أبو بكر بن محمد. والمنصور الكبير والد المملوك سيف الدين قلاون. ابن منعة محمد بن أحمد. المنفلوطي شرف الدين محمد بن عبد المنعم. منكلي بُغا الأمير سيف الدين الناصري. كان سلحداراً من أكبر خاصكية السلطان الملك الناصر محمد، وكان شكلاً مليحاً طوالاً، تامّ الخَلق كبير الذقن، وكان من خوشداشية الأمير سيف الدين أرغون النائب، وهو أمير مئة مقدّم ألف، وزوّجه السلطان أخيراً بزوجته بنت بُرقطاي قريب القان أزبك، فأقامت عنده قليلاً. وتوفي عنها في سنة ثلاثين أو أوائل إحدى وثلاثين وسبع مئة. ثم تزوّجها الأمير سيف الدين موصون أخو قوصون. منكلي بغا الأمير سيف الدين الفخري الناصري. كان في جملة أمراء دمشق، ولما توجّه العساكر الى مصر في نوبة السلطان أحمد، توجه هو صحبة الفخري، وأقام في القاهرة، ثم جعل أمير جاندار.

стр. 3282

وكان حسن الشكل بسّاماً، فيه خيرٌ ومروءة وتعصّب لمن يخدمه. ولم يزل على ذلك الى أن رُسم له في أيام المظفّر حاجي بنيابة طرابلس، فحضر إليها على البريد ووصل الى دمشق في ثاني عشري المحرّم سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، وحضر معه الأمير شجاع الدين أغرلو، ليقرّه في النيابة ويعود، فأقام بها نائباً الى أن جرى للأمير سيف الدين يلبغا ما جرى من هروبه وإمساكه، على ما يأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى، فطلب منكلي بغا الفخري الى مصر، وجاء في طلبه الأمير سيف الدين طشبغا الجمدار، ووصل الى دمشق وتوجّه منها الى القاهرة في ثامن عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، وأقام بمصر، من أكبر أمراء المشور، وزادت عظمته لما أمسِك الأمير سيف الدين منجك الوزير، لأنه هو الذي عضد الأمير علاء الدين مغلطاي أمير آخور على إمساك الوزير. ولم يزل في زيادة عظمة الى أن خُلع الملك الناصر حسن وتولى الملك الصالح صالح، فأُمسك منكلي بغا المذكور في ثاني شهر رجب من السنة المذكورة. ولم يزل في الاعتقال بالإسكندرية الى أن وصل الخبرُ الى دمشق بوفاته في جمادى الأولى سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة. ووجدَت له أموال عظيمة. منكلي بغا الأمير سيف الدين. أنشأه الملك الصالح إسماعيل، وصار من أكبر الخاصكية، وحضر من مصر ليتوجّه

стр. 3283

بالأمير بدر الدين أمير مسعود بن الخطير في أيام الملك المظفّر حاجي ليرتّبه في نيابة طرابلس ويعود، وأحضره من غزة وتوجه به الى طرابلس وأقرّه فيها وعاد الى دمشق فأقام بدمشق مدة ثلاثة أيام. وتوفي رحمه الله تعالى في ثاني عشر شهر رجب سنة ثمان وأربعين وسبع مئة. منكبرس الأمير الكبير ركن الدين أبو سعيد الجمالي التركي الساقي، وأحد غلمان الأمير جمال الدين إيدغدي العزيزي. كان بطلاً شجاعاً مهيباً من أمراء الدولة المنصورية والأشرفية، ولي نيابة غزة في دولة المنصور لاجين. سمع منه شيخنا الذهبي بحضرة ابن الظاهري، وشهد الوقعة، فجاءته ضربة في وجهه، فصرخ في أصحابه وحمل بهم في التتار، فجاءه سهمٌ واشتغل عنه أصحابه، ثم عادوا إليه فوجدوه مستنداً الى رمحه، فلما سقط عجزوا عن دفنه. وكانت قتلته في سنة تسع وتسعين وست مئة. منكوتمر الأمير سيف الدين مملوك السلطان حسام الدين لاجين.

стр. 3284

كان عند مخدومه جزءاً لا يتجزّا، ولدناً صلبت قناته وإن لام مهَزّا، لا يخرج عما يراه، ولا يضرب به جبلاً إلا قطعه وفراه، قد حكم عليه وملكه، وأدار عليه فلكه، وهو لا يرى خلافَه، ولا يرشف إلا سُلافه، فكان عنده: نافذ الأمر لو يجير من النق ... ص بدور الدّجي لدام التّمام فسلك في النيابة ما لا يجب، وترك كل أمير من الأكابر وقلبه من الخوف يجب، وجسّر أستاذه على إمساك جماعة، وهوّن عليه أمانيّه وأطماعه، فتغلّثت الخواطر من الأمراء الأكابر، وتوحّشوا بعد الأنس وأيقنوا أن السجون لهم مقابر. فقتلوا السلطان، كما مرّ في ترجمته، وجرّوا هذا ملكتمر على حزّ رقبته، على ما تقدّم في ترجمة لاجين، وذلك سنة ثمان وتسعين وست مئة. وبنى المدرسة التي داخل القاهرة، ودرّس بها في شوال سنة سبع وتسعين وست مئة. وكان قد ولي كفالة الممالك بالقاهرة بعد إمساك قراسُنقر وجماعته في منتصف ذي القعدة سنة ست وتسعين وست مئة. الألقاب والأنساب ابن مُنيّر فخر الدين عبد الواحد بن منصور. ابن مهاجر الشاعر أحمد بن عبد الله. ابن المهتار مجد الدين أحمد بن محمد. ومجد الدين عليّ بن يوسف. وناصر الدين محمد بن يوسف.

стр. 3285

ال مهدي كان قد خرج بعض الزنادقة من مدينة حماة وتوجّه الى بلاد النُصيرية ودخل بلد جبلة، وورد الى دمشق محضرٌ من طرابلس، مضمونه أنه لما كان يوم الجمعة ثاني عشري ذي الحجة سنة سبع عشرة وسبع مئة بعد صلاة الجمعة حضرت النصيرية الكفرة الفجرة الى مدينة جبلة، وعُدّتهم أكثر من ثلاثة آلاف، يقدمهم شخص تارة يدّعي أنه محمد بن الحسن ال مهدي القائم بأمر الله تعالى، وتارة يدّعي أنه علي بن أبي طالب فاطر السماوات والأرض، وتارة يدعي أنه محمد بن عبد الله، وأن البلاد بلاده، والمملكة الإسلامية مملكته وأن المسلمين كفرة، وأن دين النصيرية هو الحق، وأن السلطان الملك الناصر محمد صاحب البلاد مات من ثمانية أيام، واحتوى المذكور على عقول جماعة من مقدّمي النصيرية، وعيّن لكل إنسان منهم تقدمة ألف، ونيابة قلعة من قلاع المسلمين من المملكة الإسلامية، وفرّق عليهم إقطاعات الأمراء والحلقة، وافترقت الطائفة المذكورة ثلاث فرق على مدينة جبلة، فرقة ظهرت قبلي البلد بالشرق فخرج عليهم عسكر المسلمين فكسّرهم وقتل جماعة عدتهم مئة وأربعة وعشرون، وقتل من المسلمين نفر يسير، وهربت الفرقة المذكورة، وجرح من المسلمين منهم جمال الدين مقدّم العسكر بجبلة. وفرقة ثانية ظهرت قبلي جبلة بالغرب على جانب البحر، وفرقة ثالثة ظهرت شرقيّ جبلة بشمال، وكثروا على المسلمين وكسروهم، وهجموا على جبلة، ونهبوا الأموال، وسبوا الأولاد، وهتكوا النساء، وقتلوا جماعةً من المسلمين بجبلة، ورفعوا أصواتهم لا إله إلا عليّ، ولا حجاب إلا محمد، ولا باب إلا سلمان، وسبّوا أبا بكر وعمر وعثمان ﵃. وبقي الشيوخ والنساء والصبيان يصيحون وا إسلاماه، وا سلطاناه، وا امراءاه، ولم يكن لهم مُنجد في تلك الحالة إلا الله تعالى، وجعلوا يتضرّعون ويبتهلون. وجرى في هذا اليوم أمر عظيم.

стр. 3286

ثم إن الشخص المذكور جمع الأموال المذكورة المأخوذة وقسّمها على مقدميهم، وقال إنه لم يكن للمسلمين ذكرٌ ولا خبرٌ ولا دولة، ولو كنت في عشرة بقضيبٍ واحد لا بسيفٍ ولا بترس ولا برمح، انتصرتُ عليهم وقتلتهم، وأظهر دين النصيرية ونادى في البلاد المقاسمة عليهم بالعشر، وأمر بخراب المساجد، وجعلها خمّارات، وأمسك النصيرية جماعة من المسلمين بجبلة، وأرادوا قتلهم، وقالوا لهم: آمنوا بمحمد بن الحسن، وقولوا لا إله إلا عليّ، فمن قالَها حقن دمه وصان ماله وأعطي فرماناً. وكانوا في اليوم المذكور قبل دخوله جبلة كبسوا ذوق سليمان التركماني وذوق تركمان من جهة حلب، وأخذوا أموالهم وأولادهم وحريمهم، وكان الغالب على الجمع المذكور طائفة العبديين، ومنهم الشخص المذكور، وطائفة من الحرانية وجماعة من بلد المرقب والعليقة، والمنيعة. وفي عشية اليوم المذكور، وصل الأمير بدر الدين التاجي مقدم عسكر اللاذقية، وبات يحرس جبلة وأولاده حضور معه، ومعه العسكر، وكان قد عزم المذكور على دخول جبلة مرة ثانية، والشخص المذكور في جامع بجبلة بخيله ورجاله بقرية اسمها الصريفة من عمل جبلة. وقد ثبت المحضر المذكور على قاضي جبلة، وقيل إن المذكور كان يريهم خياماً وعساكر في البحر ويقول لجمعه هؤلاء الملائكة يقاتلون معكم وينصرونكم. ثم إن العسكر الطرابلسي ركب معهم إليهم فأبادوهم، وقتلوا منهم جماعة وقُتل كبيرُهم المذكور، وأراح الله منهم. مهدي الأمير عز الدين والي حلب.

стр. 3287

ذُكر أنه كان وتّاراً يصنع الأوتار بحلب ويبيعها للقطّانين، ثم إنه توصل وعمل الجندية، ثم أخذ عشرة، وعمل ولاية حلب، ثم شدّ الدواوين بحلب. وكان حسن الشكل مليحَ الذقن والحواجب، أسود الشعر، حلو العبارة، عليه قبول. حضر مع بيبغاروس الى دمشق، ثم إنه أُمسِك مع من أمسك وحضر مع الجماعة الذين جُهّزوا مع الأمير فارس الدين ألبكي، واعتُقلوا بقلعة دمشق. ثم إنه أخرج ووسّط في ثالث شوال سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة في سوق الخيل هو ونائب صفد برناق وحاجي أخو أحمد نائب صفد وأسنبغا الرسولي نائب جعبر وأسنَ بك بن خليل الطرقي، على ما تقدّم في ترجمة ألطّنبغا برناق. مهلهل بن سعيد الفقيه نجم الدين الخليلي. كان شاهداً عاقداً فقيهاً مدرّساً بالفرخشاهية الشافعية ومدرسة سبع المجانين، وكان ضعيف البصر، معروفاً بخدمة القاضي شرف الدين بن فضل الله. توفي رحمه الله تعالى في سادس عشر جمادى الأولى سنة عشر وسبع مئة. ابن مهمندار العرب يوسف بن سيف الدولة. مهنا بن عيسى بن مهنا أمير آل فضل عرب الشام. من بيتٍ أولهم من رجل من طيّ بن

стр. 3288

سلسلة بن عُنين بن سلامان، نشأ هذا الرجل في أيام أتابك زنكي وأيام ولده نور الدين الشهيد، وفد عليه فأكرمه وشاد بذكره، والى هذا عنين يُنسب كل عرب عنين من كان من ولده أو من حلفائه أو من استخدمه الأمراء الذين من ولده، وهم يزعمون أنهم من ولد جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك من العبّاسة بنت المهدي أخت الرشيد هارون. كان هذا الأمير حسام الدين مهنّا طويل النجاد، كثير الرماد، عزير العتاد، ينخرط في سلوك الملوك، وتقصّر الشمس عن بلوغ مجده إذا كانت في الدّلوك، يتطفّل الملوك على وفادته، ويرون سعادتهم دون سعادته، يبالغون في إنعاماته، ويزيدون فيما يجرونه في إقطاعاته. لم يزل معظَّماً عند ملوك المغل والإسلام، مفخماً إذا نشرت في الحروب مطويات الأعلام، أجار قراسُنقر والأفرم والزردكاش، وردهم بعد موتهم الى الانتعاش. ولم تُحفر له ذمة، ولم يبال بالسلطان أمدحه أم ذمّه، وتشرّد بسببهم عن وطنه، وبعد لذلك عن عطنه، وتمادت الأيام والليالي على ما فعل، واشتغل السلطان بأمره واشتعل، وأتعب العساكر في تطلّبه، وكل البريد من تقاضي وعوده وتقلّبه، وحفيت الأقلام بما تخطّ الرسائل، وتنمّق الاستعطاف والوسائل، ونفذت بيوت الأموال في ترضّيه، وتقضّت الأعمار في تقاضيه: الى كم ترد الرسل عما أتوا له ... كأنهم في ما وهبتَ مُلامُ

стр. 3289

فإن كنتَ لا تعطي الذّمام طواعة ... فعوذُ الأعادي بالكريم ذمامُ وإن نفوساً أمّمَتْك، منيعةٌ ... وإن دماءً أمّلتْك حرامُ إذا خاف ملك من مليكٍ أجَرْتَه ... وسيفَك خافوا، والجوار يُسامُ إلا أنه فاز في الوفاء بالثّناء السموألي، وفاح بعد وفاته الذكر المندليّ، ولم يزل يدافع بوعوده، ويمني السلطان بوصاله بعد صدوده مدة تزيد على الاثنتين وعشرين سنة، والسلطان يرى كل سيئة يأتي بها حسنة، الى أن داس بساطه، وأوفد عليه اغتباطه، فسُرَّ بمقدمه، ولم ينل قطرة من دمه، وأفاض عليه أنعُماً أخجل البحار مددُها، وأملّ الأنفاس والأنفال عددها، وعاد الى بيوته سالما، وظن الناس به أنه كان في هذه الحركة حالما. ولم يزل بعد ذلك على حاله الى أن ركب مطية الشرجع، وعزّ على ذويه المآب والمرجع. وتوفي رحمه الله تعالى في ثامن عشر ذي القعدة سنة خمس وثلاثين وسبع مئة بالقرب من سلمية، ودُفن بتربةٍ له في قرية بينها وبين سلمية مسافة بريد، وحزن العرب عليه، وأقاموا له مأتماً عظيماً، واجتمع الرجال لذلك والنساء من البلاد والقرى، ولبسوا السّواد، وعاش نيفاً وثمانين سنة. وقلت أنا لما توفي رحمه الله تعالى: أمسى مهنا بالممات منغّصا ... فمصابُه عمّ الأنام وخصّصا كم شقّ منه على الصوارم والقنا ... إدراكُ مطلوبٍ وقد شقّ العصا

стр. 3290

وأقام في نجدٍ بحصن مانع ... لا تستطيع له الجيوش تخلّصا حتى إذا وافت منيّته، وقد ... أمسى به ظلُ الحياة مقلّصا جرّت عليه الريح ذيلَ هوانه ... لم يدرِ ضربَ الرمل أو طرْقَ الحصى وهؤلاء آل فضل هم جمهرة العرب، وجمهرة الحرب والحرَب، وسحبُ السّماح إذا جرّ الكرم ذيله وانسحب. ومهنّا جده: هو الأمير مانع بن حُديثة بن فضل بن ربيعة الطائي الشامي التدمري، كان أمير عرب الشام في دولة طغتكين صاحب دمشق، ولم يصرّح لأحد من هذا البيت بإمرة على العرب بتقليد من السلطان إلا من أيام العادل الكبير أبي بكر أخي السلطان صلاح الدين، أمّر منهم حُديثة، ثم إن ابنه الكامل قسم الإمرة نصفين لمانع بن حُديثة ولغنّام أبي طاهر بن غنّام، ثم إن الإمرة انتقلت الى أبي بكر بن علي بن حُديثة، وعلا فيها قدره، وبعدَ صيتُه. ولما كان من البحرية ما كان، ساقت تصاريف الدهر الملك الظاهر بيبرس الى بيوتهم وهو طريدٌ شريد، ولم يكن معه سوى فرس واحد يعوّل عليه، فسأل علي بن حُديثة فرساً يركبه فلم يُعطه شيئاً، وكان ذلك بمحضر من عيسى بن مهنا، فأخذه عيسى إليه، وضمّه وآواه وأكرمه وقراه، وخيّره في رباط خيله، فاختار منها فرساً، فأعطاه ذلك وزوّده، وبالغ في الإحسان إليه، فعرفها الظاهر له، ولما تسلطن الظاهر، انتزع الإمرة من أبي بكر بن علي، وجعلها لعيسى بن مهنا، وأتاه أحمد بن طاهر بن غنّام وسأله أن يشركه معه في الإمرة، فأرضاه بأن يعطيه إمرة ببوق،

стр. 3291

وبقي أبو بكر بن علي شرداً طريداً، تارة بنجد، وتارة بأطراف الشام الى أن مات. وأمّنه الملك الظاهر غير مرة وحلف له فما وثق به واطمأنّ إليه. وعلتْ درجة عيسى بن مهنا عند الظاهر ولم يزل معظّماً الى أن مات. ثم إن الإمرة صارت لولده الأمير حسام الدين مهنا هذا في أيام الملك المنصور قلاوون، وعلت مكانته أكثر من مكانة أبيه. قال شيخُنا شهاب الدين محمود: حضرت طرنطاي المنصوري، وهو مخيّم بالخربة، وقد حضره أحمد بن حجّي أمير آل مَري يدّعي بألف بعير أخذتها آل فضل لعربه، ومهنّا حاضر، وكل منهما جالس الى جانب من طرنطاي فألحّ أحمد بن حجي في المطالبة واحتدّ وارتفع صوته، ومهنا ساكت لا يتكلم، فلما طال تمادي أحمد في الضجيج وتمادى مهنا في السكوت، أقبل طرنطاي على مهنا وقال: ما تقول يا ملك العرب، فقال: وما أقول؟ نُعطيهم ما طلبوا، هم أولاد عمّنا، وإن كانت لهم عندنا هذه البُعيرات، أعطيناهم حقّهم، وإن كان ما لهم شيء، فما هو كثير إذا أعطينا بني عمّنا من مالنا. فقال أحمد: ألا قل، تكلم، وزاد في هذا ومثله، ومهنا ساكت، فلما زاد، رفع مهنا رأسه إليه وقال: يا أحمد: إن كان كلامك عليك هيّناً فكلامي أنا عليّ ما هو هيّن، وهذه الأباعر أقل من أن يحصل فيها كلام، وأنا أعطيك إياها. ثم قام فقال طرنطاي، هكذا والله يكون الأمير. ولم يزل مهنا على إمرته الى أن جاءت الدولة الأشرفية. ولما خرج الأشرف لفتح قلعة الروم مرّت العساكر بسرمين إقطاع مهنا، فأكلت زروعها وآذَتْ آهلَها، فشكوا

стр. 3292

الى مهنّا أذية العساكر، فشكا الى الأشرف، فعزّ على الأشرف، واستنقص همّته وقال: كم جهد ما أوذوا حتى تواجهني بالشكوى، وما كان يغتفر هذا الفعل لهذا الجيش العظيم الخارج لأجل إذلال العدو وقصّ جناح الكفر. وأسمعه من هذا ومثله، ثم لما كان الفتح ركب الأشرف في الفرات في خواصه، ومعه جلساؤه من بني مهدي وكانوا يضحكونه، فجاء مهنا بن عيسى فأمر بمدّ الإسقالة له ليدخل، فلما دخل عليها غمز عليه فحرِّكت الإسقالة فوقع في الماء وتلوّث بالطين، فهزأت به بنو مهدي، وضحك الأشرف ومن حوله، وطوى مهنا جوانحه على ألمها، ثم إنه استأذن في الانصراف الى بيوته، فأذن له وقال: الى لعنة الله، فأسرّها مهنا في نفسه ولم يُبْدِها، وركب من وقته وتوجه الى أهله وأقام عندهم على حذر، ثم لما عاد الأشرف ونزل بحماة، بعث إليه مهنا بخيل وجمال، فقبلها وخلع على رسوله وبعث إليه خلعة سنيّة ليطَمْئِنه بذلك ثم يكسبه، فلما جاءت إليه، لبسها إظهاراً للطاعة، وارتحل لوقته ضارباً وجه البرية، فلم يتمّ للأشرف ما أراده منه. وعاد الى مصر وفي نفسه من إمساك مهنا وإخوته وبنيه. وظن مهنا أن لا حقد عنده، فلم يلبث الأشرف أن خرج الى الكرك وخرج منها على أنه يتصيّد كباش الجبل، فعمل له مهنا ضيافةً عظيمة، فحضرها الأشرف وأكل منها، ولما فرغ من ذلك أمسك مهنا ومعه جماعة، وجهزهم الى مصر وحبسهم في برج القلعة، وضيّق عليهم إلا في الراتب لهم. وكان مهنا في الحبس لا يأكل إلا بعد مدة، وإذا أكل أكل ما يُقيم رمقه، ويصلي الصبح، ويُدير وجهه الى الحائط ويصمت ولا يكلم أحداً حتى تطلع الشمس، ثم يقوم بعجلة وسرعة ويأخذ كفاً من حصى وتراب كان هناك، ثم يزمجر ويرمي به الى الحائط كالأسد الصّائل. فلما خرج الأشرف الى الصيد، ترك ذلك الفعل، فقيل له في ذلك، فقال: قُضي الأمر، ولم يُر منبسطاً إلا في ذلك الحين.

стр. 3293

قال القاضي شهاب الدين أحمد بن فضل الله: حدّثني الأمير مظفّر الدين موسى بن مهنا قال: لما كنا في الاعتقال كان عمي محمد بن عيسى مغرى بدخول المرتفق والتطويل فيه، وكان المرتفق مقارباً لدور حريم السلطان أو لبعض الأمراء، فقلت له في ذلك فقال: يا ولد مهنا، لعلي أسمع خبراً من النسوان، فإنهن يتحدّثن بما لا يتحدث به الرجال. فبينما نحن ذات يوم، وإنما بمحمد قد خرج وقال بشراكم، قد سمعت صائحة النساء تقول: واسلطاناه، فقلنا له: دعنا مما تقول، فقال: هو ما أقول لكم. وكان لنا صاحب من العرب تنكّر وأقام بمصر، وكان يقف قبالة مرمى البُرج الذي نحن فيه ويومئ إلينا ونومئ إليه، غير أنه لا يسمعنا ولا نسمعه، فلما كنا في تلك الساعة ومحمد يحدثنا، وإذا بصاحبنا قد جاء وأومأ ثم مدّ يده الى التراب وصنع فيه هيئة قبر ونصب عليه عوداً، عليه خرقة صفراء كأنها صنجق سلطاني ثم نكسها وقعد كأنه يبكي، ثم وقف قائماً ورقص، فتأكّد الخبر عندنا بموت الأشرف. فلما فُتح علينا من الغد سألنا الفتّاح والسجانين فأنكروا، ثم اعترف لنا بعضهم، فكان ذلك أعظم سرور دخل على قلبنا. ولما خرجوا من السجن شكوا احتياجهم الى النساء، فأطلق لهم جماعة من الجواري الأشرفيات، ولم يكن مرادهم بذلك إلا التشفي، وأُعيد الجماعة الى أهلهم إلا مهنا، فإنه أخّر مدة ثم جُهّز، ولما خرج من دمشق لحقه البريد من دمشق الى ثنيّة العقاب بأن يعود، فامتنع وتوجّه الى أهله، وكانوا قد ندموا على إطلاقه، ثم إنه قدم مصر بعد ذلك مرات وهو كالطائر الحذر الذي نُصبت له الأشراك في كل مكان، وآخر مرة قدمها في أوائل الدولة الناصرية الأخيرة سنة عشر وسبع مئة، وكان بلرلغي الكبير مملوك مهنا وهو الذي قدمه، فلما وجده قد أمسك تحدث فيه مع السلطان، وقال هذا مملوكي وقدمته ليعطى إقطاعاً في الحلقة فأعطى فوق حقّه حتى جعلتموه ملكاً من الملوك، وأنا أريد أن تأخذ كل ماله ومماليكه وتعطيه إياه برقبته ليكون عندي الى أن

стр. 3294

يموت، فوُعد بذلك. ثم إن بلرلغي مات في ذلك الوقت، فقيل له: قد مات، فعزّ ذلك عليه من عدم قبول شفاعته مع ما كان يمت به من سوابق الخدم للسلطان لما كان في الكرك. وخرج مهنا وقد طار خوفاً ورعباً، ولما اجتمع بقراسُنقر، وكانت بينهما صداقة مؤكدة قديمة، وكل منهما مستوحش، فجدّدا الأيمان والعهود على المضافرة، وأن لا يسلّم واحد منهما صاحبه. ولما توجه قراسنقر الى حلب زاره مهنا وخلا به، فأراه قراسنقر كتاباً من السلطان إليه فيه إعمال الحيلة على إمساك مهنا، فقال له مهنا: فما أنت صانع، قال: أنا أطيعه فيك وأجاهره، وهو يجعلني وكدَه ودأبه، فمَن يحميني منه إن قصدني، قال له مهنا تجيء إلينا. فتحالفا على ذلك. ثم إن مهنا وفّى لقراسُنقر لما توجه إليه - على ما مرّ في ترجمة قراسنقر وأجاره. وأما زوجة مهنا عائشة بنت عساف، فإنها بالغت في خدمة قراسنقر، وكانت تقول لمهنا: يا مهنا، ذكر الدهر، لا تدعه. وكذلك محمد بن عيسى بن علي الأفضل بن عيسى بن مهنا أخو مهنا، فما كان رأيه إلا التقرب بإمساك قراسنقر والجماعة الى السلطان، فكانت عائشة تقول: تعساً لأم ولدت الفضل بن مهنا. وكتب مهنا الى السلطان يستعطفه ويقول: هؤلاء مماليكك ومماليك أبيك وكبار بيتكم، وقد هربوا من الموت، وسألوا أن تكفّ عنهم وتهبهم البيرة لقراسنقر، الرحبة للأفرم، وبهسنا للزردكاش، وإذا حصل مهمٌ جامعٌ للإسلام حضروا إليه وجاهدوا بين يديك، على ما مرّ في ترجمة قراسنقر. وما اطمأنّوا، وجهّزهم مهنا الى خربندا وقال له: متى حميت هؤلاء كنت أنا في

стр. 3295

طاعتك وخفرت الرّكب العراقي، وسيّرهم مع ابنه سليمان، وجهّز معهم لخربندا ومن حوله خيولاً مسوّمة من جهته، فقوبلوا بالإكرام والرعاية، وخلع على سليمان، وأطلق له أموالاً جمة، وجهّزت لمهنا خلع وإنعامات وبرالغ بالبصرة له ولأهله، ومعها الحلة والكوفة وسائر البلاد الفراتية، واشتدت الوحشة بينه وبين السلطان الملك الناصر محمد، فأعطى الإمرة لأخيه فضل، وتظاهر مهنا بالمنافرة والمُباينة والوحشة، وحضر الى خربندا، فأكرمه غاية الإكرام وأجلّه نهاية الإجلال، وقرر أمر الركب العراقي، وأعطى عصاه خفارة لهم وتأميناً، وضاع الزمان وامتدّت الأيام والليالي في المراوغة من مهنا، وهو يعد السلطان أنه يحضر إليه ويُمنّيه ويسوّف به من وقت الى وقت، والبريد يروح ويجيء، والرُسل تتردد مثل الأمير بهاء الدين أرسلان الدواردار والأمير علاء الدين الطّنبغا نائب حلب والشيخ صدر الدين بن الوكيل، وما ألوى ولا عاج، ثم كان أولاده وإخوته يتناوبون الحضور الى السلطان وهو ينعم عليهم بمئين ألوف وبالإقطاعات العظيمة والأملاك، وهم يمنّونه حضوره ويعدونه بقدومه، ومهنا لا يزداد إلا حذراً. والسلطان لا يزداد إلا طمعاً في حضوره، ومع ذلك في هذه المدة جميعها ما تنقطع المراسلات بينهما والمكاتبات والشفاعات، وإذا ظهرت للمسلمين مصلحة نبّه مهنا عليها وأشار إليها، وكان السلطان يقبل نُصحه. ثم لما كان سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، توجّه مهنا بنفسه من ذاته الى السلطان، ووصل الى دمشق يوم الجمعة رابع ذي الحجة من السنة، ودخل الديار المصرية، فأكرمه السلطان غاية الإكرام وأنعم عليه بإنعامات كثيرة الى الغاية. وعاد مهنا راجعاً الى بلاده، وكان دخوله قلعة الجبل نهار الأحد عشري الحجة، وعاد الى دمشق فدخلها
следующие страницы →