← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 10081–10120 · переход к 10086.

стр. 10081

غيري (١). وقال ابن عباس. ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ قدر ربوبيتي وعظمتي (٢). ٥٨ - ثم خوف كفار مكة بمثل عذاب الأمم الخالية فقال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ معنى البَطَر في اللغة: الحيرة، والبطر في النعمة هو: أن تكثر عليه النعمة فيدْهشَ فيها, ولا يهتدي للشكر عليها (٣). قال الليث: البطر: الحَيرة، يقال: لا يُبْطِرن جَهلُ فلانٍ حِلمكَ. أي: لا يُدْهشكَ عنه (٤). ومنه قوله ﷺ : "الكِبْر بطر الحق" (٥)، وهو أن يتحير في الحق فلا يراه حقًا (٦). هذا هو أصل معنى البطر. وقال أبو إسحاق: البطر: الطغيان عند النعمة (٧). وبطر الحق على قوله: أن تطغى عند الحق؛ أي: تتكبر فلا تقبله. وقال أبو علي الفارسي: البطر فيما قال بعض الناس: كراهة الشيء من غير أن يستحق أن يكره. وانتصاب المعيشة عند الفراء بنقل الفعل

стр. 10082

وتحويله عنها، فإنه قال: نَصبُكَ المعيشةَ، كقوله: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] وكنَصْب قوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤] ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ [هود: ٧٧] وقد مر (١). وقال الزجاج: نُصب ﴿مَعِيشَتَهَا﴾ بإسقاط في، وأُعملَ الفعلُ، وتأويله: بطرت في معيشتها (٢). وهذا هو الوجه؛ لأن المعيشة لا تبطر، حتى يقال: كان الفعل لها، فنقل عنها: إنما يُبطر فيها (٣). قال ابن عباس: حملهم البطر والأشر. وقال مقاتل: بطروا وأشروا، وتقلبوا في رزق الله، فلم يشكروا نعمه (٤). وقال عطاء: عاشوا في البطر، فأكلوا رزق الله، وعبدوا الأصنام (٥). قوله تعالى: ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ قال مقاتل: لم تسكن بعد هلاك أهلها إلا قليلاً من المساكن، فقد سكن في

стр. 10083

بعضها (١). وعلى هذا الاستثناء من المساكن، يعني: أن بعضها مسكون فيه. وهذا القول هو اختيار الفراء؛ قال: يقول: قليل منها سُكن، وأكثرها لم يسكن، وهي خَرِبَة (٢). ورُدَّ عليه هذا بأن قيل: لو كان الاستثناء من المساكن، كان الوجه فيه الرفع، كقولك: القوم لم يُضرب إلا قليلٌ، ترفع إذا كان المضروب قليلاً، فإذا نصبت: كان القليل صفة للضرب أي: لم يُضرب إلا ضربًا قليلاً. وهذا معنى قول ابن عباس في هذه الآية؛ قال: لم يسكنها إلا المسافر، ومارُّ الطريق يومًا أو ساعة (٣). وعلى هذا التقدير: لم تسكن من بعدهم إلا سكونًا قليلاً. وهذا هو الصحيح معنًى ولفظًا؛ لأن منازل المهلَكين لم يعمر منها شيء، ولم تسكن بتة. وقوله: ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ أي: لِما خَلَّفوا بعد هلاكهم (٤)، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ﴾ (٥) [مريم: ٤٠] وقد مر (٦). ٥٩ - قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى﴾ يعني القرى الكفرة أهلها ﴿حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ أكثر المفسرين على أن المراد بأمَّها:

стр. 10084

مكة (١). وهو اختيار الفراء والزجاج (٢). وعلى هذا القول المراد: القرى التي حول مكة، لا البعيدة عنها؛ لأن التي بعدت عنها لا تنتفع ببعث الرسول في مكة. ويكون المعنى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ﴾ يا محمد ﴿مُهْلِكَ الْقُرَى﴾ التي حول مكة بكفرها في زمانك ﴿حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا﴾ وهي مكة ﴿رَسُولًا﴾ أي: يبعثك رسولاً فتنذرهم، ثم بعثه الله إليهم رسولاً. وهذا قول قتادة في تخصيص القرى (٣). وأظهر من هذا القول وأصح: أن القرى على عمومها، والمراد بأمها: أعظمها (٤). يقول: ما كان الله ليهلك القرى الكافرة حتى يبعث في أعظمها رسولاً ينذرهم. وخص الأعظم ببعثة الرسول فيها؛ لأن الرسول إنما يبعث إلى الأشراف، وأشراف القوم وملوكهم يسكنون المدائن الكبيرة، والمواضع التي هي أمُّ ما حولها. وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء، وقول الكلبي (٥). قال (٦) ابن عباس: ﴿حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ [يريد: في أهلها،

стр. 10085

يعني: يسكن معظم أهلها. وقال الكلبي: ﴿فِي أُمِّهَا﴾] (١) يقول: في عظيمها (٢). وهو ما ذكرنا. قوله تعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ قال مقاتل: يخبرهم الرسول أن العذاب نازل بهم إن لم يؤمنوا (٣). وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد بظلمهم أهلكتهم (٤). قال الكلبي: وظلمهم هاهنا: شركهم (٥). وقال مقاتل: يقول: إلا وهم مذنبون. أي: لم نعذب على غير ذنب (٦). ونظير هذه الآية قوله: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٣١]. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧]. ٦٠ - قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال الكلبي ومقاتل: يعني كفار مكة، يقول: ما أُعطيتم من خير ومال ﴿فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا﴾ تتمتعون بها أيام حياتكم، ثم هي إلى فناء وانقضاء (٧). ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ من الثواب والنعيم للمؤمنين ﴿خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ أفضل وأدوم لأهله مما أعطيتم في الدنيا ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أن الباقي أفضل من الفاني

стр. 10086

الذاهب. قال ذلك ابن عباس ومقاتل (١). وروي عن أبي عمرو: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ بالياء (٢). والمعنى: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ يا محمد ذلك (٣). ٦١ - وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا﴾ قال مقاتل: يعني الجنة (٤). والمعنى: أفمن وعدناه على إيمانه وطاعته الجنة والثواب الجزيل ﴿فَهُوَ لَاقِيهِ﴾ أي: مصيبه ومدركه (٥). والمعنى: فهو لاقيه ما وعد، وصائر إليه. ﴿كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ كمن هو متمتع بشيء يفنى ويزول عن قريب (٦). ومتاع في موضع المصدر أي: متعناه تمتيع الحياة الدنيا، أي: تمتيعًا فيها بالمال والولد. والحياةُ الدنيا تنقطع عن قريب فينقطع تمتعه. وقوله: ﴿ثُمَّ هُوَ﴾ أي: هذا المتمتع ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ النار (٧)، كقوله: ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ (٨) [الصافات: ٥٧] وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٦] يدل على هذا أن ابن عباس قال: يريد: من المعذبين. وقال: نزلت في حمزة، وأبي جهل.

стр. 10087

وقال مقاتل: نزلت في محمد ﷺ ، وأبي جهل (١). وقال مجاهد: نزلت في حمزة، وعلي، وأبي جهل (٢). وهو قول القرظي (٣). وقال الكلبي: نزلت في عمار بن ياسر، وأبي جهل (٤). وقال السدي: في عمار، والوليد بن المغيرة (٥). وقال قتادة: نزلت في المؤمن والكافر (٦). وهو اختيار أبي إسحاق؛ قال: فالمؤمن آمن بالله ورسوله، وأطاعه ووقف عند أمره، فلقي جزاء ذلك الجنة، والذي متع متاع الحياة الدنيا الكافر؛ لم يؤمن بالله، ثم أُحضر يوم القيامة العذاب (٧). ٦٢ - قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ الكلام فيما يتعلق الظرف به هاهنا ذكرناه عند قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١] (٨) وسنذكر

стр. 10088

ذلك أيضًا عند قوله: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ﴾ [فصلت: ١٩] إن شاء الله (١). والمعنى: ويوم ينادي الله المشركين. قال مقاتل: يعني كفار مكة ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ في الدنيا أنهم شركائي (٢). قال أبو إسحاق: هذا على حكاية قولهم، المعنى: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ في قولكم، والله واحد لا شريك له (٣). ٦٣ - وقوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ أي: حقت عليهم كلمة العذاب، وهم: الشياطين. في قول مقاتل (٤).

стр. 10089

وقال ابن عباس في رواية الكلبي: هم رؤوس الضلالة (١). ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا﴾ يعنون: كفار بني آدم. في قول مقاتل (٢). وفي قول الكلبي: يعنون: الأتباع (٣). ومعنى ﴿أَغْوَيْنَا﴾: سوَّلنا لهم الغي والضلال (٤)؛ لأن التزيين إليهم، والله تعالى يهدي ويضل. قوله تعالى: ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾ قال ابن عباس ومقاتل: أضللناهم كما ضللنا ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ﴾ منهم (٥). تتبرأ الشياطين ممن كان يطيعهم ويعبدهم، والرؤساء ممن كان يقبل منهم ويتبعهم في الدنيا. قال الزجاج: برئ بعضهم من بعض، وصاروا أعداءً كما قال الله : ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ الآية (٦) [الزخرف: ٦٧] ٦٤ - قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ﴾ أي: لكفار بني آدم (٧) ﴿ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ أي: استعينوا بآلهتكم التي كنتم تعبدونها. أي: لينصروكم ويخلصوكم من العذاب. ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ فلم يجيبوهم (٨). ونظير هذه الآية في: الكهف [٥٢]؛ قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ﴾ الآية (٩). ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ

стр. 10090

لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾. قال المفسرون وأهل المعاني: جواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، على تقدير: لو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما رأوا العذاب في الآخرة، ولما اتبعوهم (١). ٦٥ - قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ﴾ يعني: يسأل الله الكفار ﴿فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ ما كان جوابكم لمن أُرسل إليكم من النبيين؟. ٦٦ - ﴿فَعَمِيَتْ﴾ أي: فخفيت واشتبهت (٢) ﴿عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ﴾ قال مجاهد ومقاتل: الحجج (٣). و ﴿الْأَنْبَاءُ﴾ معناها: الأخبار (٤)، جمع نبأ. وسميت حججهم: أنباءً؛ لأنها أخبار (٥) يُخبر بها. قال ابن عباس: يريد: الأخبار والجواب، وجوابهم لو أجابوا كان خبرًا. ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ لا يسأل بعضهم بعضًا عن الحجج؛ لأن الله أدحض حجتهم، وكلل ألسنتهم. قاله مقاتل (٦). وهو معنى قول قتادة: لا يحتجون (٧).

стр. 10091

وقال ابن عباس: لا ينطقون؛ يعني: بحجة (١). وذلك أن الله تعالى قد أعذر إليهم في الدنيا ببعث الرسول، ونصب الأدلة، فلا يكون لهم حجة، ولا عذر يوم القيامة (٢). قال الفراء: جاء في التفسير: عميت عليهم الحجج يومئذ فسكتوا، فذلك قوله: ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ أي: في تلك الساعة (٣). وهو معنى قول الكلبي: لم يدروا ما يجيبون به من ذلك الهول حين سئلوا (٤)، ثم أجابوه بعد ذلك، يعني: ما ذكر عنهم مما يجيبون به في القيامة، كقولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ونحو ذلك. ٦٧ - ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: من الشرك ﴿وَآمَنَ﴾ صدق بتوحيد الله (٥) ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ أدى الفرائض ﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ من الناجين الفائزين الذين سعدوا. قالوا جميعًا: و: (عسى)، من الله واجب (٦). ٦٨ - قوله: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ قال المفسرون:

стр. 10092

نزلت هذه الآية جوابًا للمشركين حين قالوا: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ﴾ الآية، [الزخرف: ٣١] ومعناه: ويختار ما يشاء لنبوته ورسالته (١). أي: فكما أن الخلق إليه، فهو يخلق ما يشاء، فكذلك الاختيار إليه في جميع الأشياء، فيختار مما خلق ما يشاء، ومن يشاء. ثم نفى الاختيار عن المشركين؛ وذلك أنهم اختاروا الوليد بن المغيرة من مكة، أو عروة بن مسعود من الطائف، اختاروا إما هذا أو ذاك للرسالة، فقال: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ أي: الاختيار. أي: ليس لهم أن يختاروا على الله (٢). قال ابني قتيبة: أي: لا يرسل الله الرسل على اختيارهم (٣). و ﴿الْخِيَرَةُ﴾ اسم من [الاختيار، يقام مقام المصدر، والخيرة: اسم للمختار] (٤). يقال: محمد خيرة الله من خلقه. ويجوز التخفيف فيهما، ذكر ذلك الليث والفراء، وغيرهما (٥). وعلى هذا (مَا) تكون نفيًا، وهو الصحيح الذي عليه عامة المفسرين، وأصحاب القراءة؛ وذلك أن جميع أصحاب

стр. 10093

الوقوف، ذكروا أن تمام الوقف على قوله: ﴿وَيَخْتَارُ﴾ ذكر ذلك نافع، ويعقوب، وأحمد بن موسى، وأبو حاتم، وعلي بن سليمان، ونصير، وغيرهم (١). وذكر أبو إسحاق وجهًا آخر؛ فقال: ويجوز أن تكون: (مَا) في معنى: [الذي، فيكون المعنى:] (٢) ويختار الذي لهم فيه الخيرة، ويكون معنى الاختيار هاهنا: ما يتعبدهم به. أي: ويختار فيما يدعوهم إليه من عبادته ما لهم فيه الخيرة، قال: والقول الأول وهو: أن تكون (مَا) نفيًا أجود. انتهى كلامه (٣). والقدرية ربما تتعلق بالوجه الثاني الذي ذكره أبو إسحاق؛ فيقولون:

стр. 10094

إن الله تعالى يريد بنا، ويختار لنا ما فيه الخيرة لنا، ويحتجون بالآية، ولا حجة لهم في ذلك؛ لأن حمل الآية على هذا الوجه إبطال لقول جميع المفسرين والقراء (١)؛ أما المفسرون فإنهم ذكروا سبب نزولها (٢)، وحَمْلُ الآية على الوجه الثاني يُبطل ما قالوا. وأما القراء فكلهم وقفوا على قوله: ﴿وَيَخْتَارُ﴾ ولو كان الأمر على ما يذهبون إليه لم يصح الوقف على: ﴿وَيَخْتَارُ﴾ وأيضًا فإن الكناية في قوله: ﴿لَهُمُ﴾ عن المشركين، يقول: ما كان للمشركين أن يختاروا على الله، فكيف يصح ما ذهبوا إليه. وقال أبو جعفر النحوي: لو صح ما قالوه لكان وجه الكلام نصب ﴿الْخِيَرَةُ﴾ على خبر كان (٣)، ثم وإن صح على البُعد فتأويله ما ذكره الزجاج؛ وهو: أن هذا الاختيار يعود إلى ما اختار الله لعباده مما أمرهم به. قال مقاتل: ثم نزه نفسه عن شركهم فقال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٤) وهذا يدل على أن الكناية في ﴿لَهُمُ﴾ عن المشركين خاصة.

стр. 10095

ثم أخبر بنفوذ علمه فيما خفي وظهر، فقال: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ ٦٩ - ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ ما تستر قلوبهم من الكفر، والعداوة لله ورسوله ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ من ذلك (١) بألسنتهم من الكفر والمعاصي. قال ذلك ابن عباس والكلبي ومقاتل (٢). ٧٠ - ثم وحد نفسه فقال: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾ قال مقاتل: يحمده أولياؤه في الدنيا، ويحمدونه في الآخرة يعني: أهل الجنة (٣) ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾ أي: الفصل بين الخلائق (٤). وقال ابن عباس: يريد ما حكم لأهل طاعته من المغفرة والرحمة، وما حكم لأهل معصيته من الشقاء والويل (٥). ٧١ - قوله: ﴿قُلْ﴾ أي: لأهل مكة (٦) ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ السرمد: الدائم. في قول جميع أهل اللغة والمفسرين (٧).

стр. 10096

قال أبو عبيدة. وكل شيء لا ينقطع من عيش، أو غمٍّ أو بلاء دائم، فهو سرمد (١). وقال المبرد: يقال: هو يسهر سهرًا (٢) سرمدًا، إذا لم يكتحل فيه بغمض، ولا يكون السرمد ما يقع فيه فصل. قال المفسرون: دائمًا، لا نهار معه (٣). ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾ قال ابن عباس: بنور تطلبون فيه المعيشة (٤). وقال أبو إسحاق: أي بنهار تبصرون فيه، وتتصرفون في معايشكم، وتصلح فيه ثماركم ومنابتكم؛ لأن الله جعل الصلاح للخلق بالليل مع النهار، فلو كان واحد منهما دون الآخر هلك الخلق (٥). وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ أي: سماع فهم وقبول. يعني: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ هذه الحجة فتتدبرونها وتعملون بموجبها إذا كانت بمنطقة (٦) بأن ما أنتم عليه خطأ وضلال. وقال الكلبي: يقول: أفلا تطيعون من يفعل ذلك بكم (٧). ٧٢ - وقوله: ﴿تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ قال ابن عباس: يريد: تأوون فيه إلى

стр. 10097

مساكنكم، كما تأوي الطير إلى وكورها (١). وقال مقاتل: تستقرون فيه من النَّصَب (٢). وقال أهل المعاني: امتن الله على عباده بالليل للسكون والراحة، ولا ليل في الجنة؛ لأن دار التكليف لابد فيها من التعب الذي يحتاج معه إلى الراحة والحمَّام (٣)، وليس كذلك دار النعيم؛ لأنه إنما يتصرف فيها بالملاذ. قوله تعالى: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد ما أنتم عليه من الخطأ والضلالة والظلم. وقال الكلبي: أفلا تعقلون أنه ليس معه إله غيره يفعل ذلك بكم. قال أصحابنا: الإتيان من دلائل إثبات صانع واحد، وذلك أنه كان يجوز في العقل دوام كون الظلمة، وكذلك الضياء، فلما تعاقبا دلا على صانع يكور أحدهما على الآخر، ولما كان تعاقبهما على حسابٍ معلوم في الزيادة والنقصان، لا يختلفان في عام منذ خلقا، دل ذلك على توحيد الصانع؛ إذ لو كان معه إله لأشبه أن يريدَ أحدُهما بقاءَ الليل حين يريد الآخر انقضاءه، وكذلك ضياء النهار، فيختلفان حينئذ في حسابهما. ٧٣ - ثم أخبر أن الليل والنهار رحمة فقال (٤): ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ قال الكلبي: ومن نعمته أن جعل لكم الليل والنهار (٥)

стр. 10098

﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال ابن عباس: جعل لكم الليل لتأووا فيه مع أزواجكم، والنهار لتلتمسوا فيه من فضل الله. وقال الكلبي: السكون بالليل، والتماس المعيشة بالنهار (١). وعلي هذا قال الفراء: تجعل الهاء في قوله: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ راجعة على الليل خاصة، وأَضمرتْ للابتغاء هاءً أخرى تكون للنهار، قال: وإن شئت جعلت الليل والنهار كالفعلين؛ لأنهما ظلمة وضوء، فرَجتْ الهاء في ﴿فِيهِ﴾ عليهما جميعًا، كما تقول: إقبالك وإدبارك يؤذيني؛ لأنهما فعل، والفعل يُرَدُّ كثيره وتثنيته إلى التوحيد، فيكون ذلك صوابًا (٢). وذكر أبو إسحاق الوجهين أيضًا؛ فقال في الوجه الأول: المعنى: ﴿لِتَسْكُنُوا﴾ بالليل، وتبتغوا من فضله بالنهار، قال: وجائز: أن تسكنوا فيهما، وأن تبتغوا من فضل الله فيهما، فيكون المعنى: جعل الله لكم الزمان ليلاً ونهارًا ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٣). وقال المبرد: السكون إنما هو في الليل، والابتغاء من فضله يكون بالنهار، ولكن لما عطف أحدهما على الآخر، أُخرجا مخرج الواحد الجامع للشيئين. ونظير هذا من الكلام: لئن لقيت زيدًا وعمرًا، لتلقين منهما شجاعة وفصاحة؛ على أن الفصاحة لأحدهما، والشجاعة لأحدهما. وقوله تعالى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي الذي أنعم عليكم بهما فتوحدونه. قاله مقاتل (٤).

стр. 10099

وقال ابن عباس. يريد: لكي تطيعوا (١). ٧٤ - وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أي: تكذِبون في دار الدنيا بأنهم شركائي. قال ابن عباس: وكل: زَعَم، في كتاب الله فهو كَذَب. وتفسير هذه الآية قد مر آنفًا (٢). قال أهل المعاني: وإنما كرر النداء بـ ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ تقريعًا بالإشراك بعد تقريع. وقيل: إن الأول تعزير بإقرارهم على أنفسهم بالغي الذي كانوا عليه، وهو قولهم: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا﴾ الآية، والثاني: تعجيز عن إقامة البرهان لَمَّا طولبوا به بحضرة الأشهاد، وهو: ٧٥ - قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ قال مقاتل: يعني: وأخرجنا، وشهيدها: رسولها الذي يشهد عليها بالبلاغ (٣)، وبما كان منها؛ في قول ابن عباس والمفسرين (٤). قال ابن قتيبة: أي: أحضرنا رسولهم المبعوث إليهم (٥). والإحضار معنى، وليس بتفسير. وهو لفظ أبي عبيدة (٦). وهذا كقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] وقوله: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ [النحل: ٨٤] (٧).

стр. 10100

وقوله: ﴿فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ قال مجاهد: حجتكم بما كنتم تعبدون وتقولون (١). وقال مقاتل: حجتكم بأن معي شريكًا (٢). وقال أبو إسحاق: أي هاتوا فيما اعتقدتم برهانًا، أي: بيانًا، إن كنتم على حق (٣). قوله: ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾ قال ابن عباس: فلم يجيبوا، وعلموا أن الذي جاءهم به رسلهم هو الحق. وقال مقاتل: فعلموا أن التوحيد لله ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ في الآخرة ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ في الدنيا أن مع الله شريكًا (٤). وافتراؤهم: ادعاؤهم الآلهة مع الله. ٧٦ - وقوله تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ قال ابن عباس: يريد: من بني إسرائيل، ثم في سبط (٥) موسى، وهو ابن خالته. وقال قتادة ومقاتل وإبراهيم: كان ابن عمه لخالته (٦)، كان قارون بن يصهر ابن قاهث، وموسى بن عمران بن قاهث (٧). وقال ابن إسحاق: كان موسى ابن أخي قارون، وقارون كان عم

стр. 10101

موسى لأبيه وأمه؛ لأن عمران وقارون كانا ابني: يصهر بن قاهث (١). وقوله: ﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ أي: بكثرة ماله، كأنه جاوز الحد بالتكبر والتجبر عليهم. وهذا قول قتادة؛ قال: بغى عليهم بكثرة ماله وولده بالكِبْر والبذخ (٢). ونحوه قال مقاتل (٣). وقال المسيب (٤): كان قارون عاملًا لفرعون على بني إسرائيل، فكان يبغي عليهم ويظلمهم (٥). وقال الفراء: بغيه عليهم: أنه قال: إذا كانت النبوة لموسى، وكان المَذبح والقربان في يد هارون، فمالي (٦)؟ وهذا قول الكلبي؛ قال: إن قارون قال لموسى: يا موسى ألك النبوة، ولهارون الحُبورَة (٧)؟ ولستُ في شيء من ذلك، لا أصبر على هذا أبدًا (٨). وعلى هذا بغيه: طلبه ما ليس له

стр. 10102

أن يطلبه من مساواة الأنبياء في درجتهم. وقال شهر بن حوشب في تفسير قوله: ﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾: زاد عليهم في الثياب شبرًا (١). وهذا معنى القول الأول, لأنه يريد: تكبر عليهم وتجبر، وطولُ الثوب من علامات الكبر، ولذلك نُهي عنه (٢). قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾ قال الأخفش: يريد: الذي إن مفاتحه، وهذا موضع لا يكاد يبتدأ فيه بـ: إن (٣). يعني: أنَّ (إِنَّ) هاهنا من صلة ما لا يبتدأ به هاهنا، فالوقف على (مَا) وإن كان (إِنَّ) من حروف الابتداء؛ لأن ما (٤) مع ما بعده من صلة الموصول (٥). والمراد بالمفاتيح هاهنا: الخزائن في قول الأكثرين. وهو قول مقاتل

стр. 10103

والضحاك وأبي صالح وأبي رزين؛ قالوا: ﴿مَفَاتِحَهُ﴾ خزائنه (١). وهذا كقِوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] يعني: خزائن الغيب (٢)، وقد مرَّ (٣). وقال آخرون: المفاتح هاهنا جمع: مفتاح، وهو ما يفتح به الباب. وهو قول قتادة ومجاهد وخيثمة؛ قالوا: كانت مفاتيحه من جلود الإبل (٤). والأول اختيار الفراء والزجاج؛ قال: الأشبه في التفسير: ﴿إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾: خزائن ماله (٥). وقال الفراء: ﴿مَفَاتِحَهُ﴾ خزائنه (٦). وأيضًا فإن المفاتح لو كان جمع مفتاح لكان وجه الكلام أن يقال: مفاتيح، وإن كان المفاتح جائزًا. قال الليث: وجمع المفتاح (٧) الذي يفتح به المِغلاقُ: مفاتيح، وجمع المَفْتَح الخزانة: مفاتح (٨).

стр. 10104

وقوله: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ معنى النَّوء في اللغة: النهوض بجهد ومشقة (١). قال ذو الرُّمة يصف الفراخ: يَنُوءنَ ولم يُكْسَيْنَ إلا منازعًا ... من الريش تَنْواءَ الفِصالِ الهَزائلِ (٢) ويقال: ناء بحمله، إذا نهض به مثقلًا. قال ذو الرمة: تَنوءُ بأُخراها فَلأيًا قيامُها ... وتمشي الهُوينى عن قريبٍ فَتُبْهرُ (٣) يريد: أنها تنهض بجهد لما في آخرها، وهي عجيزتها من اللحم. قال الأزهري: وأصل النَّوء: الميل في شِقٍ، أنشد الفراء: حتى إذا ما التأمَتْ مَوَاصِلُه ... وناء في شِقِّ الشمالِ كاهلُه يعني: الرامي لَمَّا نزع القوس مال في جانب الشمال (٤). وقيل لمن نهض بحمله: ناء به؛ لأنه إذا نهض به وهو ثقيل أناء الناهض، أي: أماله.

стр. 10105

وكذلك النجم إذا سقط مائلًا عن مغيبه الذي يغيب فيه (١). وذكرنا تفسير العصبة عند قوله: ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ [يوسف: ٨، ١٤] (٢). قال ابن عباس في رواية عطاء: كان يحمل مفاتيحه أربعون رجلاً، أقوى ما يكون من الرجال (٣). وقال مجاهد: العصبة ما بين العشرة إلى خمسة عشر (٤). وقال مقاتل: العصبة: عشرة نفر إلى أربعين (٥). وقال الكلبي: ما بين الخمسة عشر إلى الأربعين (٦). وقال أبو صالح: العصبة أربعون (٧).

стр. 10106

قال أبو إسحاق: والعصبة في اللغة: الجماعة الذين أمرهم واحد, يتابع بعضهم بعضًا في الفعل، ويتعصب بعضهم لبعض (١). روى الأعمش عن خيثمة قال: كان إذا ركب قارون حملت المفاتيح على ستين بغلًا أغرَّ محجلًا (٢). وقال أبو صالح: كانت تُحمل على أربعين بغلاً، وقيل: سبعون بغلًا (٣). ولست أدري كيف فسروا العصبة بالبغال، وهي في الرجال (٤)! قال مقاتل في تفسير: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ عن حمل خزائنه (٥). وقال ابن عباس: ليثقلهم حمل المفاتيح (٦). واختلفوا في وجه: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾؛ فقال أبو زيد: يقال نؤت بالحمل أنوء به، إذا نهضت به. وناءني الحمل إذا أثقلني (٧). وهذا معنى قول

стр. 10107

ابن عباس: ليثقلهم (١). وعلى هذا الباء في: ﴿بِالْعُصْبَةِ﴾ للتعدية. وشرح ذلك الفراء والمبرد؛ قال الفراء: نوؤها بالعصبة أن تثقلهم. والمعنى: ﴿إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾ تَنيءُ العصبةَ، أي: تميلهم من ثقلها، فإذا أدخلت الباء قلت: تنوء بهم، كما قال الله تعالى: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٦] والمعنى: ائتوني بقِطْر، فإذا حذفت الباء زدت على الفعل ألفا من أوله (٢). وقال المبرد: مجازه في الحقيقة: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ أي: تجعل العصبة تنوء؛ وهذا كقولك: قم بنا، أي: اجعلنا نقوم، واعدل بنا إلى فلان، وهذا محض كلام العرب. وأنشد لقيس بن الخطيم: ديارَ التي كادت ونحن على مِنًى ... تَحُلُّ بنا لولا نَجاءُ الرَّكائبِ (٣) أي: تجعلنا نحلها (٤). ونحو هذا قال أبو إسحاق: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ لتثقل العصبة (٥). وقال أبو عبيدة ومن وافقه: هذا مقلوب، إنما العصبة تنوء بالمفاتيح (٦)، وهذا قول الأخفش، وأنشد:

стр. 10108

ما كنتَ في الحربِ العَوانِ مُغَمَّرًا ... إذْ شَبَّ حَرُّ وَقودِها أجزَالها (١) والأجزال: هي شَبَّت الحرَّ، فجعل هذا مثل قولهم: أوْ بلغتْ سؤاتُهم هَجَرُ (٢) يريد: بلغت سؤاتهم هجر. قال الفراء: فإن كان سمع بهذا أثرًا فهو وجه، وإلا فإن الرجل جهل المعنى (٣).

стр. 10109

وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ﴾ قال مقاتل: بنو إسرائيل (١). وقال الفراء: يعني موسى، وهو من الجمع الذي أريد به الواحد، كقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وإنما كان رجلاً من أشجع؛ يقال له نعيم بن مسعود (٢). قوله تعالى: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ قال المفسرون: لا تأشر ولا تمرح ولا تبطر ولا تفخر (٣). وأنشد أبو عبيدة في الفرح بمعنى البطر قول هُدبة (٤): ولستُ بِمفْراحٍ إذا الدهرُ سَرَّني ... ولا جازعٍ من صَرْفِه المُتَقَلِب (٥) وأنشد لابن أحمر: ولا يُنسِيني الحَدَثانُ عِرْضي ... ولا أُلقِي من الفرحِ إلإزارا (٦)

стр. 10110

يعني من البطر والأشر. وقال ابن قتيبة وغيره: أراد: لا تأشر؛ لأن السرور غير مكروه (١). وهذا نحو قوله: ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ (٢) [هود: ١٠] وقد مر (٣). ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ يعني: الأشرين البطرين، الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم. قاله مجاهد ومقاتل (٤). وقال عطاء عن ابن عباس: يريد: المستهزئين (٥). وهو معنى وليس بتفسيرة وذلك أن الاستهزاء من علامات البطر. ٧٧ - وقال أبو إسحاق: أراد لا تفرح بكثرة المال في الدنيا, لأن الذي يفرح بالمال يصرفه في غير أمر الآخرة. والدليل على أنهم أرادوا لا تفرح بالمال في الدنيا، قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ (٦) واطلب فيما أعطاك الله من المال (٧) والخير والنعمة والسعة:

стр. 10111

الجنة. قاله ابن عباس ومقاتل (١). والمعنى: اطلب فيما أنعم الله به عليك الجنة، وهو: أن يشكر الله، وينفق مما أوتي في رضا الله، يدل عليه قوله: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد: العمل لله فيها بما يحب ويرضى. وقال في رواية الأعمش: أي: تعمل فيها لآخرتك (٢). وهو قول مقاتل ومجاهد وابن زيد؛ قالوا: لا تترك أن تعمل لآخرتك (٣)؛ لأن حقيقة نصيب الإنسان من الدنيا الذي يعمل به لآخرته (٤). ونحو هذا روى الوالبي عن ابن عباس (٥). وهو معنى ما روي عن علي: لا تنس صحتك وشبابك وغناك أن تطلب بها الآخرة (٦). وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: العمل بطاعة الله نصيبه من الدنيا، الذي يثاب عليه في الآخرة (٧). وقال قتادة: لا تنس الحلال من الدنيا؛ ابتغ الحلال (٨). والمعنى على

стр. 10112

هذا: لا تترك أن تطلب فيها حظك من الرزق الحلال (١). وقال الحسن: أُمر أن يأخذ من ماله قدر عيشه، وُيقدَّم ما سوى ذلك لآخرته (٢). وعنه أيضًا في هذا المعنى: قَدِّم الفضل، وأمسك ما يُبلغك (٣) وعلى هذا المراد بالنصيب: قدر ما يكفيه، يقول: اترك ذلك، وقدِّم ما سواه. ونحو هذا روي عن ابن زاذان (٤). قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: يريد أطع الله واعبده كما أنعم عليك. وقال مقاتل: وأحسن العطية في الصدقة والخير ﴿كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ يقول: لا تبغ بإحسان الله إليك أن تعمل في الأرض بالمعاصي (٥). وقال الكلبي: ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ فتدعو إلى عبادة غير الله (٦). فلما أمروه أن يطيع الله في ماله، قال لهم (٧): ٧٨ - ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ قال أبو إسحاق: ادعى أنه أعطي المال لعلمه بالتوراة (٨).

стр. 10113

وقال الفراء: على فضلٍ عندي، أي: كنت أهله ومستحقًا له (١) إذ أعطيته لفضل علمي (٢). ويروى أنه كان أقرأَ رجلٍ في بني إسرائيل للتوراة؛ فقال: إنما فضلني الله بهذا المال عليكم كما فضلني عليكم بالعلم (٣). وهذا معنى قول مقاتل: على خيرٍ عَلِمه الله عندي (٤). وقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ فكفر؛ يعني: كفر لَمَّا رأى أن المال حصل له بعلمه، ولم يَرَ ذلك من عطاء الله إياه، فكأنه أراد: بعلمه في التصرف، وأنواع المكاسب؛ ويدل على هذا المعنى ما روى علي بن زيد بن جُدعان، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل (٥) أنه ذَكَر سليمان بن داود فيما أوتي من الملك، ثم قرأ قوله: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ [النمل: ٤٠] ولم يقل: هذا من كرامتي، ثم ذكر قارون فقال: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ يعني أن سليمان ﵇ رأى ما أُعطي فضلاً من الله عليه، وقارون رأى ذلك من نفسه (٦).

стр. 10114

وقال الكلبي: قال ابن عباس: ﴿عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ بصنعة الذهب (١). قال الزجاج: والذي روي أنه كان يعمل الكيمياء لا يصح؛ لأن الكيمياء باطل لاحقيقة له (٢).

стр. 10115

قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ قارون ﴿أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ﴾ بالعذاب ﴿مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ﴾ في الدنيا حين كذبوا رسلهم ﴿مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ للأموال (١). قال ابن عباس ومقاتل: يريد نمروذ بن كنعان، الجبار، وغيره (٢). قوله تعالى: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ قال مجاهد: الملائكة لا تَسأل عنهم (٣) قد عرفتهم زرقًا، سود الوجوه (٤). وقال الكلبي: لا يُسأل الكافر عن ذنبه، كل معروف بسيماه (٥). واختار الفراء هذا القول (٦)؛ فقال: يقول: يعرفون بسيماهم، كما قال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ﴾ الآية، [الرحمن: ٣٩] ثم قال: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] (٧). وهذا القول لا يصح؛ لأن سؤالهم عن ذنوبهم ليس لمعرفتهم وليعرفوا, ولو قيل: ولا يَسأل عن المجرمين، لصح المعنى الذي ذهبوا إليه. والصحيح ما قال قتادة؛ قال: إنهم يدخلون النار بغير

стр. 10116

حساب (١). فأما قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢)﴾ [الحجر: ٩٢] فإنهم يُسألون سؤال تقريع وتوبيخ؛ كما قال الحسن في هذه الآية: لا يُسألون ليُعلم ذلك مِنْ قِبَلِهم، وإن سئلوا فسؤال تقريع وتوبيخ (٢). وقال أهل المعاني: ﴿يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ سؤال من لعل له عذرًا يسقط لائمته (٣). وقال مقاتل: يقول لا يُسأل مجرمو هذه الأمة عن ذنوب الأمم الخالية الذين عذبوا في الدنيا، فإن الله قد أحصى أعمالهم الخبيثة وعلمها (٤). وعلى هذا القول الكناية في: ﴿ذُنُوبِهِمُ﴾ لا تعود [إلى المجرمين] (٥)، إنما تعود إلى مَنْ أهلك الله من القرون؛ وهو أيضًا ليس بالقوي. ٧٩ - قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ يعني بني إسرائيل ﴿فِي زِينَتِهِ﴾ قال مقاتل: يعني بالزينة: الشارة (٦). قال عطاء عن ابن عباس: قالوا: البغال الشُّهْب (٧) حَمَل عليها

стр. 10117

الكواعب من الجواري (١)، وألبسهن ثياب الحمرة (٢). وقال مجاهد: خرج بجوارٍ عليهن ثياب حمر، على بَراذينَ بيضٍ، عليها سرج حمر من أُرجوان (٣). وقال قتادة: خرج على أربعة آلاف دابة، عليهم ثياب حمر، منها ألف بغلة بيضاء عليها قطائف الأُرجوان (٤). وقال مقاتل: خرج على بغلة شهباء عليها سَرج من ذهب، عليه الأُرجوان، ومعه أربعة آلاف فارس على الخيل، عليهم وعلى دوابهم الأُرجوان، ومعهم ثلاثمائة جارية بيض، عليهن الحلي، والثياب الحمر، على البغال الشُّهب (٥). قال أبو إسحاق: والأرجوان في اللغة: صبغ أحمر، وهو: ما روي

стр. 10118

أنه كان عليهم وعلى خيلهم الديباج الأحمر (١). ونحو هذا قال إبراهيم والكلبي (٢)؛ وزاد الكلبي: خرج بثوب أخضر، كان الله أنزله على موسى من الجنة، فسرقه منه قارون. وروى مبارك عن الحسن في قوله: ﴿فِي زِينَتِهِ﴾ قال ثياب صفر (٣). ونحو هذا روى عثمان بن الأسود عن مجاهد، قال: عليهم ثياب معصفرة (٤). وهو قول ابن زيد قال: خرج في سبعين ألفًا عليهم المعصفرات (٥). قال مقاتل: فلما نظر مؤمنو أهل (٦) ذلك الزمان في تلك الزينة والجمال، تمنوا مثل ذلك، وهو قوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ لذو نصيب وافر من الدنيا (٧). ٨٠ - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ قال ابن عباس: يريد الأحبار من بني إسرائيل (٨). وقال مقاتل: ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ بما وعد الله في الآخرة؛ قالوا للذين

стр. 10119

تمنوا مثل ما أوتي قارون: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ﴾ ما عند الله من الثواب والجزاء ﴿خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ﴾ صدَّق بتوحيد الله ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ وقام بالفرائض. أي: إن ذلك خير مما أعطي قارون في الدنيا (١). ﴿وَلَا يُلَقَّاهَا﴾ [قال مقاتل: لا يؤتاها يعني: الأعمال الصالحة (٢). وعلى هذا الكناية تعود إلى ما دل عليه قوله: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ وقال الكلبي:] (٣) ولا يعطاها في الآخرة ﴿إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ على أمر الله، يعني: الجنة (٤). ودل عليها قوله: ﴿ثَوَابُ اللَّهِ﴾ وقال الزجاج: ولا يُلقى هذه الكلمة، يعني قولهم: ﴿ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ (٥) ﴿إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ على طاعة الله، وعن زينة الدنيا (٦). وقال ابن قتيبة: ولا يوفق لها ولا يُرزقَها (٧). وهو قول الفراء؛ يقول: ولا يُلقَّى أن يقول: ﴿ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ ﴿إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ (٨). ٨١ - قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ ذكرنا معنى الخسف في سورة: سبحان (٩). قال مقاتل وقتادة: فهو يتجلجل في الأرض كلَّ يوم قامةَ رجلٍ إلى يوم

стр. 10120

القيامة (١). وقال ابن عباس: خُسف به إلى الأرض السفلى (٢). وقال مقاتل: لما خَسف الله بقارون، قالت بنو إسرائيل: إن موسى إنما أهلك قارون ليأخذ ماله وداره، فخسف الله بعد قارون بثلاثة أيام بدار قارون، وماله الصامت وانقطع الكلام (٣). قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يقول: لم يكن له جند يمنعونه من الله ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ من الممتنعين مما نزل به من الخسف (٤). والمنتصر: الذي قد بلغ حالة النُّصرَة (٥). ٨٢ - وقوله: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ﴾: صار أولئك الذين تمنوا ما رُزق من المال والزينة يتندمون على ذلك التمني؛ وهو قوله: ﴿يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾ الآية (٦). قال سيبويه في هذه الكلمة: سألت عنها الخليل فزعم أنها: (وَيْ)، مفصولة من: (كأن)، وأن القوم تنبهوا، فقالوا: (وَيْ)، متندمين على ما
следующие страницы →