← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 10186–10225 · переход к 10191.

стр. 10186

هذا القول؛ وقال: المصلي لا يكون في منكر ولا فاحشة ما دام فيها (١). قال الكلبي: ﴿الْفَحْشَاءِ﴾ المعصية (٢). وهو: ما قبح من العمل ﴿وَالْمُنْكَرِ﴾ ما لا يعرف في شريعة ولا سنة (٣). والقول هو الأول (٤). وقوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ اختلفوا فيه على وجهين؛ روى عبد الله ابن ربيعة عن ابن عباس قال: ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه (٥). وروى عطية عنه قال: هو قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] قال: فذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه (٦). وهو: قول عبد الله، وسلمان، ومجاهد، ومقاتل؛ قال: يقول: إذا صليت لله فقد ذكرته، فيذكرك الله

стр. 10187

بخير، وذكرُ الله إياك أفضل من ذكرك إياه في الصلاة (١). ونحو هذا قال السدي وسعيد بن جبير (٢). وعلى هذا الوجه معنى قوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ بعد قوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ هو: أن الله لما أمر بإقام الصلاة، والصلاة لا تخلو من ذكر الله فكأنه أمر بذكره، فلما أمر بذكره أخبر أن ذكر الله العبد ما كان في صلاته أكبر من ذكر العبد؛ لأن العبد إذا ذكر الله، ذكره الله بالثواب؛ كقوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ وهذا معنى قول الفراء والزجاج وابن قتيبة، في هذا الوجه الأول (٣). الوجه الثاثي في تفسير الآية: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ مما سواه، وهو أفضل من كل شيء. وهذا قول أبي الدرداء وقتادة (٤). وروي معنى هذا الوجه عن النبي ﷺ ، وهو ما روى ابن مسعود عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ قال: "ذكر الله على كل حال أحسن وأفضل" (٥).

стр. 10188

والذكر: أن يذكره عندما حَرَّم، ويذكره عندما أحلَّ، فيأخذ ما أحل (١). والمعنى على هذا الوجه أن الله تعالى أخبر أن ذكره على كل الأحوال أكبر وأفضل؛ وذلك أن العبد إذا كان ذاكرًا الله في كل حال، لم يجر عليه القلم بمعصية؛ لأنه إذا ذكر ارتدع عما يهم به من السوء. فأما من يذكره بلسانه وهو مع ذلك يرتكب محظورًا، وما لا يحل، فليس هو ذاكرًا الله على الحقيقة. وعلى هذا لا تعلق لقوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ﴾ بما قبله. وقال الفراء وابن قتيبة في هذا الوجه: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ﴾ هو: التسبيح والتهليل، يقول: هو أكبر وأحرى وأحق بأن ينهى عن الفحشاء والمنكر (٢). فعلى الوجه الأول: المصدر الذي هو الذكر مضاف إلى الفاعل، وفي الوجه الثاني: مضاف إلى المفعول، وإن قال قائل في معنى الآية على الوجه الثاني: إن الله تعالى أمر نبيه ﵇ بتلاوة القرآن وإقام الصلاة، ثم قال: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ يعني: تلاوة القرآن، أخبر أنه أكبر وأفضل من كل شيء، فالمراد بذكر الله في الآية: تلاوة القرآن (٣). ويجوز أن يكون المعنى: وذكر الله الذي هو تلاوة القرآن، أكبر من الصلاة، فهو أحرى أن

стр. 10189

ينهى عن الفحشاء والمنكر. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد لا يخفى عليه شيء. ٤٦ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: بالقرآن والدعاء إلى الله بآياته، والتنبيه على حُجَجه (١) ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ إلا من أبى أن يقرَّ بالجزية، ونَصَب العرب، فأولئك فجادلوهم حتى يسلموا، أو يعطوا الجزية ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ الآية، وهذا معنى قول (٢) وقتادة وسعيد بن جبير وابن زيد؛ قالوا في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ أهل العرب، ومن لا عهد له فجادلوا هؤلاء بالسيف (٣). قال ابن زيد: ظلموا بالإقامة على كفرهم بعد قيام الحجة عليهم (٤). وقال آخرون: كان هذا قبل أن أُمر النبي ﷺ بالقتال، قيل له: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا﴾ من أتاكم من أهل الكتاب ﴿إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ يعني: تعظونهم بالقرآن، وتدعوهم إلى الإسلام ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ وهم الذين قالوا: مع الله إله، أو له ولد، أو شريك، أو يد الله مغلولة، وأن الله فقير، أو آذوا محمدًا فهؤلاء انتصروا منهم (٥).

стр. 10190

قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا آمَنَّا﴾ يعني: لأهل الكتاب سوى هؤلاء الظلمة. ثم نُسخ هذا بالقتال. وهذا معنى قول الكلبي وقتادة ومجاهد في رواية ابن أبي نجيح (١). وقال آخرون: المراد بأهل الكتاب هاهنا: عبد الله بن سلام، ومن آمن منهم يقول: لا تجادلوهم وأخبروهم عما في القرآن ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ يعني: مشركيهم يقول: جادلوا الذين كفروا حتى تردوهم عن كفرهم. وهذا معنى قول مقاتل وابن عباس في رواية عطاء (٢).

стр. 10191

٤٧ - وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ أي: وكما أنزلنا الكتاب عليهم أنزلنا عليك الكتاب ﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يعني مؤمني أهل الكتاب (١) ﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ يعني مسلمي أهل مكة (٢). وقال ابن جرير: ﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يعني: كانوا قبل عصر النبي ﷺ من اليهود والنصارى كانوا مؤمنين بمحمد ﷺ ﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ﴾ يعني: الذين محمد بين أظهرهم، من أهل الكتاب ﴿مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ وهم مؤمنو أهل الكتاب (٣). وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء (٤). ثم قال: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا﴾ أي: بعد المعرفة (٥) ﴿إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ من اليهود، وذلك أنهم عرفوا أن محمدًا نبي، والقرآنَ حق (٦)، فجحدوا وأنكروا ولم يقروا، وكفروا بذلك الجحود. ٤٨ - قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ﴾ أي: ما كنت تقرأ قبل القرآن كتابًا، أي: ما كنت قارئًا قبل الوحي ولا كاتبًا، وهو قوله: ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ أي: ولا تخط الآن بيمينك كتابًا. وكذلك صفة النبي ﵇ في التوراة والإنجيل: أنه أُمِّي لا يقرأ ولا يكتب (٧).

стр. 10192

قال مجاهد: كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن النبي ﷺ لا يخط بيمينه، ولا يقرأ كتابًا، فنزلت هذه الآية (١). وقوله: ﴿إِذًا﴾ قال الفراء: ولو كنت تتلو ﴿لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (٢) قال ابن عباس: لشك الكافرون (٣). قال مجاهد يعني: قريشًا (٤). وهو قول قتادة (٥). ومعنى الآية: لو كنت تكتب وتقرأ الكتب قبل الوحي إذًا لشكوا؛ وقالوا هذا شيء تعلَّمه محمد وكتبه (٦). وقال مقاتل: يعني: كفار اليهود يقول: إذًا لشكوا فيكَ، وقالوا: إن الذي نجدُ في التوراة نعتَه هو: أمي لا يقرأ الكتاب، ولا يكتب، ولا يخطه بيمينه (٧). وهذا هو القول؛ لأن أهل الكتاب كانوا يعرفون النبي ﷺ بنعته وصفته حقًا يقينًا، وإنما يجحدون نبوتَه بعد اليقين، ويكفرون بالجحد، فلو كان النبي ﷺ كاتبًا قارئًا لكان بغير النعت الذي يعرفوه، وكانوا يشكون. وأما الكفار فإنهم ما عرفوه بالنبوة، وكانوا شاكين مع كونه أميًّا، وإذا كان كذلك

стр. 10193

فلا معنى لقوله: ﴿إِذًا لَارْتَابَ﴾ مع كونهم مرتابين؛ ووجهه ما قال الفراء: أي: لَكان أشدَّ لِريبة من كذَّب مِن أهل الكتاب (١). فحُمل قوله: ﴿لَارْتَابَ﴾ على زيادة الريبة، على قول مجاهد. والمعنى: أن المشركين كانوا شاكين في نبوته، مع أنه يخبرهم بقصص الماضين، من غير أن يقدر على كتابة وقراءة، فلو كان قارئًا كاتبًا لاشتد ارتيابهم، وقالوا: إنما تعلمه وقرأه من كتاب. وتفسير الآية: أي: الذي يأتي بالباطل، يقال: أبطل فلان: إذا كذب وادعى غير الحق (٢). وكلُّ من ادعى دينًا غيرَ الإسلام فهو مبطل. ٤٩ - قوله تعالى ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ قال الحسن: القرآن آيات بينات. ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ يعني: المؤمنين (٣). وهو قول عبد الله بن عباس في رواية عطاء؛ يريد: الذين حملوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار، وحملوه من بعد النبي ﵇. وعلى هذا الكناية عن القرآن والكتاب بقوله: ﴿هُوَ﴾. وقال قتادة ﴿بَلْ هُوَ﴾ يعني النبي ﷺ و ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ﴾ أهل العلم من أهل الكتاب؛ لأنهم يجدون في كتابهم نعته وصفته (٤). وعلى هذا التقدير: بل هو ذو آيات بينات، فحذف المضاف، وذلك أن كونه بالنعت

стр. 10194

الذي ذُكر في كتابهم آيات واضحات له في صدور أهل الكتاب، والعلم به، وهم مؤمنو أهل الكتاب، بل هو وأموره آيات. وفي الآية قول ثالث، ذكره الزجاج؛ فقال: بل كونُه غيرَ قارئٍ ولا كاتب ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ لأنه إذا لم يقرأ ولم يكتب، وأخبر بأقاصيص الأولين والأنبياء فهو ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (١). وهو معنى قول الكلبي (٢). والظاهر من هذه الأقوال قول قتادة ومقاتل (٣) لقوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ يعني: كفار اليهود (٤) , لأنهم جحدوا نبوته وكتموا أمره بعد المعرفة. ٥٠ - قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ كما كانت الأنبياء تجيء بها إلى قومهم (٥). وقرئ: ﴿آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ على الجمع (٦). وحجة الإفراد قوله: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥] وقوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾

стр. 10195

[الأنعام: ٣٧] وقد تقع آية على لفظ الواحد ويراد به كثرة؛ كما جاء: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠] واختار أبو عبيد الجمع؛ لقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (١) قال أبو علي: وهذا لا يكون دلالة على ترجيح القراءة بالجمع؛ لأنهم إنما اقترحوا آية فقيل: الآيات عند الله، أي: الآية التي اقترحتموها وآيات أُخر لم تقترحوها عند الله، وهو القادر على إرسالها، إذا شاء أرسلها، مع ما ذكرنا أن لفظ الواحد قد يراد به كثرة (٢). ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ يريد: أُنذر أهلَ المعصية بالنار، وليست إنزال الآية بيدي. قال مقاتل: فلما سألوا الآية قال الله تعالى: ٥١ - ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ أي: أو لم يكفهم من الآيات القرآن ﴿يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ فيه خبر ما قبلهم وما بعدهم ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: في إنزال الكتاب عليك ﴿لَرَحْمَةً﴾ لمن آمن به وعمل به (٣) ﴿وَذِكْرَى﴾ وتذكيرًا وموعظةً، ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ قال مقاتل: وكذبوا بالقرآن فنزل: ٥٢ - ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا﴾ (٤) أي: الله شاهدًا بيننا أني رسوله (٥)، وكفى هو شاهدًا ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وشهادة الله له إثباتُ المعجزة له بإنزال الكتاب عليه. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ﴾ قال

стр. 10196

ابن عباس: بغير الله. وقال مقاتل: بعبادة الشيطان (١). ٥٣ - قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ أي: استهزاءً وتكذيبًا (٢) منهم (٣) بذلك يستعجلونك به. نزلت في الذين قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ الآية [الأنفال: ٣٢] (٤). وقد مر (٥). قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَجَلٌ﴾ يعني: إن لعذابهم أجلاً، وهو يوم القيامة (٦). قال الله تعالى: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: ٤٦] هذا قول ابن عباس ومقاتل (٧). وقال الضحاك: الأجلُ المسمى لعذابهم: مدةُ أعمارهم، فإذا ماتوا صاروا في العذاب (٨). وقيل: الأجل المسمى: بدر (٩)؛ وهو قوله: ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ يعني:

стр. 10197

العذاب ببدر على هذا القول، وهو قول عطاء عن ابن عباس. ودليل القول الأول قوله: ٥٤ - ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ أخبر أن ميعاد عذابهم جهنم، وأنها تحيط بجماعتهم، فلا تبقي منهم أحدًا إلا دخلها (١). ثم أخبر أن تلك الإحاطة متى تكون، فقال: ٥٥ - ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ قال ابن عباس: هذا مثل قوله: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] وقوله: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ﴾ الآية [الزمر: ١٦] (٢). وقوله: ﴿وَيَقُولُ﴾ الموكل بعذابهم، يقول لهم (٣): ﴿ذُوقُوا﴾ ومن قرأ بالنون (٤) فلأن ذلك لما كان بأمره سبحانه جاز أن يُنسب إليه. وجوازه على هذا المعنى؛ لأن القديم سبحانه لا يكلمهما (٥).

стр. 10198

وقيل: ﴿ذُوقُوا﴾ لوصول الألم إلى المعذب، كوصول الذوق إلى الذائق. ومعنى: ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: جزاء، كما قال: دونك ما جنيتَه فاحسُ وذُق (١)

стр. 10199

قال ابن عباس ومقاتل: ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من الكفر والتكذيب والافتراء على الله (١). ٥٦ - قوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ وذلك أن الله تعالى أمر المؤمنين بالهجرة فاشتد ذلك عليهم، وقالوا: كيف نخرج من ديارنا وأموالنا، ونذهب إلى بلاد لا دار لنا فيها, ولا مال؟ فأنزل الله فيهم: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ في معاشكم (٢). وقال الكلبي: نزلت في أهل مكة؛ أي: لا تجاوروا الظلمة في أرضهم (٣). وقال مقاتل: نزلت في ضعفاء مسلمي مكة؛ يقول: إن كنتم في ضيق بمكة من إظهار الإيمان بها، فإن أرض المدينة واسعة من الضيق ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ يعني: توحدوني في المدينة علانية (٤). وقال أبو إسحاق: تفسيرها أنهم أمروا بالهجرة من الموضع الذي لا تمكنهم فيه عبادة الله وأداء فرائضه، وكذلك يجب على من كان في بلدٍ يُعمل فيها بالمعاصي، ولا يمكنه تغيير ذلك أن يهاجر وينتقل إلى حيث يتهيأ له أن يعبد الله حق عبادته (٥). وهذا معنى قول مجاهد: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ فهاجروا وجاهدوا (٦).

стр. 10200

وقال سعيد بن جبير: من أُمر بمعصية فليهربْ، وتلا هذه الآية (١). وروى إسماعيل بن أبي خالد عنه في هذه الآية قال: إذا عُمل في أرضٍ بالمعاصي، فأخرجوا منها (٢). وقوله: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ قال الزجاج: (إياي) منصوب بفعل مضمر، الذي ظهر يُفسره؛ المعنى: فاعبدوا إياي فاعبدون، فاستغنى بأحد الفعلين عن الثاني، ولو قلت: إياي فاعبدوا، كان إياي منصوبًا بما بعد الفاء، ولا يحتاج إلى إضمار فعل، ودخول الفاء لمعنى الشرط، بتقدير: إن ضاق بكم موضع فإياي فاعبدوا، فإن أرضي واسعة (٣). قال مقاتل: ثم خوفهم بالموت ليهاجروا، فقال: ٥٧ - ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (٤) والمعنى لابد من الموت، وكل أحد ميت أينما كان، فلا تقيموا بدار الشرك خوفًا من الموت (٥).

стр. 10201

﴿ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ بعد الموت فنجزيكم بأعمالكم (١). وهذا حث على الطاعة فيما أَمر به من الهجرة. ثم ذكر ثواب من هاجر فقال: ٥٨ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾ قال ابن عباس: لنسكننهم غرف الدر والياقوت والزبرجد (٢). قال مقاتل: يعني لننزلنهم (٣). وهذا يدل على صحة قراءة العامة: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ يقال: بوأت فلانًا منزلًا تبويئًا وتبوئة (٤)، وذكرنا ذلك قديمًا (٥). وقرأ حمزة والكسائي: (لَنُثْوِيَنَّهُم) وهي قراءة عبد الله والأعمش (٦)، يقال: ثوى بالمكان إذا أقام به (٧)، ومنه قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٤٥] أي: مقيمًا نازلًا فيهم، والثويَّ: الضيف لإقامته

стр. 10202

عند المضيف (١). قال الزجاج: يقال: ثوى الرجل إذا أقام، وأثويته إذا أنزلته منزلًا يقيم فيه (٢). وقال حسان: ثوى في قريش بضع عشرة حِجةً (٣) أي: أقام ونزل فيهم. وإذا تعدى: ثوى، فزيدت عليه الهمزة، وجب أن يتعدى إلى المفعول الثاني (٤). قال الأخفش: قرأ الأعمش: ﴿لَنُثْوِيَنَّهُم مِنَ الجنَّةِ غُرَفًا﴾ قال: ولا يعجبني ذلك؛ لأنك لا تقول: أثويته الدار (٥). قال أبو علي: ووجه هذه القراءة كان في الأصل: لنثوينهم من الجنة في غرف، وحذف الجار، كما حذف من نحو قوله: أمرتك الخيرَ (٦) ....

стр. 10203

ويقوي ذلك أن الغرف وإن كانت مختصة، فقد أجريت المختصة من هذه الظروف مجرى غير المختص، نحو قوله: كما عسل الطريقَ الثعلبُ (١) ونحو: ذهبتُ الشامَ، عند سيبويه. ويدل على صحة قول سيبويه ما روي في الحديث: "إنما أنا لكم كالوالد، فإذا ذهب أحدكم الغائط" من غير حرف جر، وروي: "إلى الغائط" (٢). ويدل على صحة القراءة الأولى،

стр. 10204

قوله: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ [الزمر: ٧٤] (١). وقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ قال ابن عباس: يريد تحت الغرف الأنهار، كما وصف ﵎: ﴿مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الآية [محمد: ١٥] (٢). ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ مقيمين فيها لا يموتون، ولا يهرمون، ولا يسقمون. وقوله: ﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ قال: يريد المهاجرين والأنصار. قال

стр. 10205

مقاتل: ﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ لله (١). وفي الآية حذف يتم به الكلام، كأنه قيل: نعم أجر العاملين الغرف أو الجنة (٢). ٥٩ - ثم نعت هؤلاء فقال: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ قال ابن عباس: على دينهم، وعلى المخمصة، وعلى الجزع، وترك الأموال والأولاد والدور (٣). قوله تعالى: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ قال: وباللَّه يثقون في هجرتهم (٤). قال ابن عباس: ذلك أن المهاجرين توكلوا على الله وتركوا دورهم وأموالهم. قال مقاتل: إن أحدهم كان يقول بمكة: كيف أهاجر إلى المدينة وليس لي بها دار ولا معيشة؟ فوعظهم الله ليعتبروا، فقال: ٦٠ - ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ﴾ وكم من دابة (٥) ﴿فيِ الْأَرْضَ﴾ قال أبو إسحاق: كل حيوان على وجه الأرض بما يعقل ولا يعقل فهو دابة، وإنما هو: مَنْ دبت على الأرض، والمعنى: من نفس دابة (٦). وقوله: ﴿لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ قال ابن عباس: لا تقدر على رزقها. قال مقاتل: لا ترفع رزقها معها (٧).

стр. 10206

وقال سفيان وعلي بن الأقمر: لا تدخر شيئًا لغد (١). وقال أبو إسحاق: أي لا تدخر رزقها، إنما تصبح فيرزقها الله، وعلى هذا أكثر الحيوان (٢). قال سفيان: وليس شىء مما خلق الله يَخْبَأُ إلا الإنسان والفأرة والنملة (٣). قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ يرزقكم إن هاجرتم إلى المدينة ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لقولكم: إنا لا نجد ما ننفق بالمدينة (٤) ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما في قلوبكم (٥). ٦١ - قال ابن عباس: ثم رجع إلى المشركين فقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ﴾ إلى قوله: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ يقرون بأن الله خالق هذه الأشياء. قال الله تعالى: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: فكيف يكذبون بتوحيدي (٦). أي: إذا كان الله هو الخالق وحده، وجب أن يكون هو المعبود وحده من غير شريك. والمعنى: فكيف يُصرفون عن التوحيد بعد قيام الدليل.

стр. 10207

قال مقاتل: ثم رجع إلى الذين رغبهم في الهجرة؛ الذين قالوا: لا نجد ما ننفق فقال: ٦٢ - ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ (١) قال ابن عباس: يريد البر والفاجر، فكيف لا أبسط عليكم. وقوله: ﴿وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ قال مقاتل: ويقتر على من يشاء (٢) ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مما أنتم فيه من الشدة، وما أريد من إدخال الرفق عليكم ﴿عَلِيمٌ﴾. ٦٣ - وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ يعني: كفار مكة، إلى قوله: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أي: الله الذي فعل هذه الأشياء (٣). ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ بإقرارهم بذلك. قاله مقاتل وابن عباس (٤). ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ توحيد ربهم مع إقرارهم بأن الله خلق الأشياء كلها وحده (٥)، وأنزل المطر. والمراد بالأكثر: الجميع. وقد مر (٦). ٦٤ - قوله تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ يعني: الحياة في هذه الدار ﴿إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يريد باطل وغرور وعبث تنقضي عن قريب (٧).

стр. 10208

﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ لهي دار الحياة لا موت فيها (١). وقال الكلبي: هي حياة لا يموت فيها أهلها (٢). وقال قتادة والسدي: لهىِ الحياة (٣). وقال الفراء: لهي الحياة حياة لا موت فيها (٤). وقال الزجاج: معناه: هي دار الحياة الدائمة (٥). وقال أبو عبيدة وابن قتيبة: ﴿الْحَيَوَانُ﴾ الحياة (٦). فالمفسرون وأصحاب المعاني على أن الحيوان هاهنا بمعنى: الحياة. قال أبو علي: قال أبو عبيدة: الحياة والحيوان والحي واحد، فهذه على ما حكاه أبو عبيدة مصادر (٧). والحياة كالحَلْية والحَدَمَة؛ وهي شدة التهاب النار (٨).

стр. 10209

والحيوان: كالفوران (١) والغليان. والحِيّ كالعِيِّ (٢)؛ قالوا: حَيِي يحيى حياءً (٣)، كما قالوا: عَييِ يَعْيا عياء (٤)، ومن ذلك قول العجاج: كنا بها إذِ الحَياة حِيُّ (٥) فهذا (٦) إذا الحياةُ حياةٌ. وقال أبو زيد: الحيوان ما فيه روح (٧). والمَوَتَان: ما لا روح فيه (٨). والحيوان في روايتي أبي زيد وأبي عبيدة على ضربين؛ أحدهما: أن يكون مصدرًا كما حكاه أبو عبيدة. والآخر: أن يكون وصفًا كما حكاه أبو زيد. والحيوان على قول أبي زيد مثل الحَيّ الذي يراد به خلاف الميت، وقد

стр. 10210

جاء الصفة على هذا المثال نحو قولهم: رجلٌ صَمَيَانٌ للسريع الخفيف (١)، والزَّفَيَان (٢)، قال: وتحتَ رَحلي زَفَيَانٌ مَيْلَعُ (٣) فهذا أظهر من أن يقال له وصف بالمصدر، فأما قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ فيحتمل أن يكون المعنى: وإن حياة الدار الآخرة هي الحياة؛ لأنه لا نقص فيها ولا نفاد لها، أي: فتلك الحياة هي الحياة لا التي يشوبها ما يشوب الحياة في هذه الدار، فيكون الحيوان مصدر على هذا. ويجوز أن يكون الحيوان الذي هو خلاف المَوَتان، وقيل للدار الآخرة: الحيوان؛ لأنها لا تزول ولا تبيد كما تبيد هذه الدار وتزول، فتكون الدار وصفت بالحياة لهذا المعنى، والمراد أهلها. ويجوز أن يكون التقدير في قوله: ﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ هي ذات الحيوان، أي: دار الآخرة هي دار الحياة، كأنه لم يعتد بحياة هذه الدار حياة. فأما القول في حروف الحيوان: أن العين واللام مِثْلان في أصل الكلمة، وأبدلت من الثانية الواو لَمَّا لم يسع الإدغام في هذا المثال، ألا ترى أن مثل: شَلَل وطَلَل (٤) يصح ولا يدغم؛ فكذلك الحيوان لَمَّا لم يجز الإدغام

стр. 10211

تُوصل فيه إلى إزالة المثلين بالبدل، ووجب ذلك في الثاني منهما، وهو الكثير العام في كلامهم؛ لأن التكرير وقع بها، هذا مذهب الخليل وسيبويه وأصحابهما (١)؛ إلا أبا عثمان فإنه ذهب في أن الحيوان غير مُبْدَل الواو؛ وأن الواو فيه أصل وإن لم يكن منه فِعْل، وشَبَّه هذا بقولهم: فَاظَ الميتُ يَفِيظُ فَيْظًا وفَوْظًا (٢)، ولا يستعملون من فَوْظٍ فِعْلاً، فكذلك الحيوان عنده مصدر لم يُشتقَّ منه فِعل، بمنزلة فَوْظٍ؛ ألا ترى أنهم لا يقولون: فاظ يفوظ كما قالوا: فاظ يفيظ. قال أبو علي: الذي أجازه أبو عثمان فاسد من قِبَل أنه لا يمتنع أن يكون في الكلام مصدر عينه: واو، وفاؤه: لام صحيحان؛ مثل: فَوْظٍ، وصَوْغٍ (٣)، وقَوْلٍ، ومَوْتٍ، وأشباه ذلك، فأما أن يوجد في الكلام كلمة عينها: ياء، ولامها: واو فلا، فحمله الحيوان على فَوْظٍ خطأٌ؛ لأنه شَبَّه ما لا يوجدُ في الكلام بما هو موجود مطرد؛ وبهذا علمنا أن حَيْوةَ في مثل: رَجاء بن حَيْوة؛ أصله: حَيَّة وأن اللام إنما قلبت واوًا لضربٍ من التَوسُّع، وكراهةً لتضعيف الياء، ولأن الكلمة أيضًا عَلَم؛ والأعلام يَعْرِضُ فيها ما لا يعرض في غيرها؛ نحو: مَوْهَب ومَوْرَق، ومَوْظَب (٤).

стр. 10212

قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ يعني لو علموا لرغبوا في الباقي الدائم عن الفاني الزائل، ولكنهم لا يعلمون. ٦٥ - قوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين كفار مكة. وذكرنا معنى ﴿فِي﴾ عند قوله: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا﴾ [هود: ٤١] (١). و ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أفردوا الله بالطاعة، وتركوا شركاءهم فلا يدعونهم لإنجائهم ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ﴾ الله من أهوال البحر، وأفضوا إلى البر ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ به في البر فلا يوحدونه كما وحدوه في البحر (٢). وهذا إخبار عن عنادهم، وأنهم عند الشدائد يعلمون أن القادر على كشفها الله وحده، فإذا زالت عادوا إلى كفرهم (٣). ٦٦ - قوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ في هذه اللام وجهان؛

стр. 10213

أحدهما: أنها لام كي، وهي متعلقة بالإشراك، كأن المعنى: يشركون ليكفروا؛ أي: ليجحدوا نعمة الله في إنجائه إياهم، أي: لا فائدة لهم في الإشراك إلا الكفر، فليس يردُّ عليهم الشرك نفعًا إلا الكفر والتمتع بما يستمتعون به في العاجلة من غير نصيب في الآخرة. ومن جعل هذه لام كي كسر لام قوله: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ ومن جزم اللام أراد الأمر (١)، وهو على معنى: التهديد والوعيد كقوله: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] و ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] ونحو ذلك من الأوامر التي معناها الوعيد (٢). ويدل على جواز الأمر هاهنا قوله في الأخرى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (٣). ٦٧ - وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ ذكرنا تفسيره ونزوله في سورة: القصص (٤). قال ابن عباس: يعني مكة يأمن أهلها، ومن يلجأُ إليهم (٥). ﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ يريد: العرب يسبي بعضهم بعضًا، وأهلُ مكة آمنون (٦). قال مقاتل: أدفع عنهم، وهم يأكلون رزقي، ويعبدون

стр. 10214

غيري (١). ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ يعني: الشيطان (٢). وقال الكلبي: يعني الآلهة (٣) ﴿وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ قال مقاتل: ﴿وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ [قريش: ٤] ﴿يَكْفُرُونَ﴾ (٤) وقال الكلبي: بمحمد والإِسلام (٥). ٦٨ - ثم ذكر أنهم أظلمُ الخلق فقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أي: لا أحد أظلم ممن زعم أن لله شريكًا، وأنه أمر بالفواحش (٦). ﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾ بمحمد والقرآن (٧) ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ أمَا لهذا المكذب مأوى في جهنم (٨) وهو استفهام معناه: التقرير (٩). ٦٩ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ قال ابن زيد: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا﴾ هؤلاء المشركين وقاتلوهم في نصرة ديننا، ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ لنعصمنهم ولنرشدنهم إلى ديننا (١٠). والأولى أن يكون معنى الهداية

стр. 10215

هاهنا: الزيادة منها والتثبيت عليها. قال أبو إسحاق: أعلم الله أنه يزيد المجاهدين هداية، كما أنه يزيد الكافرين بكفرهم ضلالة، كذلك يزيد المجاهدين هداية كما قال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧] (١). وقال أبو سَوْرَة: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا﴾ في الغزو لنهدينهم سبل الشهادة والمغفرة (٢). قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال مقاتل: في العون لهم (٣). وقال الزجاج: تأويله: إن الله ناصرهم (٤). وقال ابن عباس: يريد بالمحسنين الموحدين.

стр. 10216

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عمادة البحث العلمي سلسلة الرسائل الجامعية التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) سورة الروم تحقيق د. سليمان بن إبراهيم بن محمد الحصين من أول سورة لقمان إلى آخر سورة يس تحقيق د. محمد بن عبد الله بن سابح الطيار أشرف على طباعته وإخراجه د. عبد العزيز سطام آل سعود ... أ. د. تركي بن سهو العتيبي الجزء الثامن عشر

стр. 10217

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عمادة البحث العلمي سلسلة الرسائل الجامعية التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) سورة الروم تحقيق د. سليمان بن إبراهيم بن محمد الحصين من أول سورة لقمان إلى آخر سورة يس تحقيق د. محمد بن عبد الله بن سابح الطيار أشرف على طباعته وإخراجه د. عبد العزيز سطام آل سعود ... أ. د. تركي بن سهو العتيبي الجزء الثامن عشر

стр. 10218

جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٣٠ هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر الواحدي، علي بن أحمد التفسير البسيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ)./ سليمان بن إبراهيم بن محمد الحصين، محمد بن عبد الله بن سابح الطيار الرياض ١٤٣٠ هـ ٢٥ مج. (سلسلة الرسائل الجامعية) ردمكـ: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة) ٨ - ٨٧٥ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ١٨) ١ - القرآن تفسير ... ٢ - الواحدي علي بن أحمد أ - العنوان ... ب - السلسلة ديوي ٢٢٧.٣ ... ٨٦٨/ ١٤٣٠ رقم الإيداع: ٨٦٨/ ١٤٣٠ هـ ردمكـ: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة) ٨ - ٨٧٥ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ١٨)

стр. 10219

التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) [١٨]

стр. 10220

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 10221

التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) سورة الروم تحقيق د. سليمان بن إبراهيم بن محمد الحصين

стр. 10222

تفسير سورة الروم (١) ١ - ﴿الم﴾ ذكرنا تفسيره في سورة العنكبوت. ٢، ٣ - قوله تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ قال المفسرون: إن أهل فارس غلبوا أهل الروم ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ ففرح بذلك كفار مكة، وقالوا: إن فارس ليست لهم كتب ونحن مثلهم، وقد غلبوا أهلَ الروم وهم أهل كتاب مثلكم، فنحن أيضًا نغلبكم كما غلبت فارس الروم (٢). وقال السدي: اقتتلت فارس والروم فغلبتهم فارس، ففخر أبو سفيان ابن حرب على المسلمين، وقال: الذين ليس لهم كتاب غلبوا الذين لهم الكتاب. فذلك قوله: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ (٣) وهم جيل من ولد الروم بن عيص بن إسحاق (٤)، غلب اسم أبيهم عليهم، فصار كالاسم للقبيلة. وإن شئت قلت:

стр. 10223

جمع رومي منسوب إلى روم بن عيص، كما يقال: زِنجي وزنج، ونحو ذلك. قال صاحب النظم: لا يحتمل قوله: ﴿الم﴾ هاهنا إلا أن يكون في معنى القسم، ويكون خبره في قوله: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ على معنى: لقد غلبت، فلما أضمرت: قد، أضمرت معها: اللام، وقد مما يضمر، كقوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] وقول النابغة: أَضْحَتْ خَلاءً وأضحى أهلُها احتمَلُوا (١) يعني: قد احتملوا. ولما أضمر: قد، في الآية وهو موضع اللام أيضًا كقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] فيقال لهم: ﴿أَكَفَرْتُمْ﴾ أضمر الفاء معه؛ لأنه موضعه، وذلك أن جواب (أما) لا يكون إلا بالفاء، كما قال : ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ﴾ [آل عمران: ١٠٧]. وقوله: ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: يريد الجزيرة (٢). قال ابن أبي نجيح: هي الجزيرة، وهي أقرب أرض الروم إلى

стр. 10224

فارس (١). وعن ابن عباس أيضًا: طَرف الشام (٢). وقال مقاتل: هي الأردن وفلسطين. وعكرمة: أذرعات وكَسْكَر (٣). وقوله: ﴿وَهُمْ﴾ يعني: الروم ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ قال الفراء: كلام العرب: غَلَبتُه غَلَبَةً، فإذا أضافوا أسقطوا الهاء، كما أسقطوها من قوله: ﴿وَإِقَامَ الصَّلَاةِ﴾ [الأنبياء: ٧٣] والكلام: إقامة الصلاة (٤). وأنكر الزجاج ذلك؛ وقال: هذا خطأ، والغَلَب والغَلَبة مصدر: غَلَبْتُ، مثل: الجَلَبُ والجَلَبَة (٥). وقال المبرد: أضاف الغلبة إلى الروم وهم مفعولون؛ لأن الفعل يضاف إلى مفعوله كما يضاف إلى فاعله؛ لأنه صاحبه، تقول: أعجبني

стр. 10225

خياطة الخياط، وبناء الباني، ونجر النجار، ويضاف إلى المفعول, لأنه فيه حَلَّ، يقولون: ما أحسن بناءَ هذه الدار، وخياطةَ هذا الثوب، ونجرَ هذا الباب، ومثل هذا في القرآن كثير؛ كقوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] أي: حب المال ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨]: أي حب الطعام، ومثله: ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ [ص: ٢٤] وهذا مما ذكرنا قديمًا (١). ٣، ٤ - قوله تعالى: ﴿سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ ذكرنا تفسير البضع عند قوله: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢] (٢). أخبر الله تعالى: أن الروم بعد ما غُلبوا سيغلبون، ويصيرون غالبين لفارس؛ روى عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ ناحب أبو بكر قريشًا ثم أتى النبي ﷺ وقال: إني ناحبتهم، فقال له النبي ﷺ : "فهلا احتطت فإن البضع ما بين الثلاث إلى التسع" (٣).
следующие страницы →