← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 10501–10540 · переход к 10506.

стр. 10501

٥٧ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ قال الكلبي: هم اليهود والنصارى والمشركين (١) أما اليهود فإنهم قالوا: يد الله مغلولة وإن الله فقير ونحن أغنياء وقالت النصارى المسيح ابن الله وإن الله ثالث ثلاثة وقال المشركون: الملائكة بنات الله والأصنام شركاؤه [وسبوا] (٢) رسول الله وكسروا رباعيته وقالوا: مجنون شاعر كذاب (٣). ونحو هذا قال قتادة (٤) يدل على صحة هذا التفسير ما روى عبد الله بن قيس قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أحد أصبر على أذى سمعه من الله أن يجعل له يدًا ويجعل له ولدًا وهو على ذلك معافيهم ومعطيهم ويرزقهم" (٥) وحقيقة معنى يؤذون الله يخالفون أمر الله ويعصونه ويقولون في وصفه ما هو منزه عنه والله تعالى لا يلحقه أذى ولكن لما كانت المخالفة فيما بيننا والخروج عن أمر الله يسمى إيذاء له خاطبنا الله بما نعرفه في تخاطبنا. وقوله: ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ قال مقاتل: يعني باللعنة في الدنيا: القتل والجلا وأما في الآخرة فإن الله يعذبهم بالنار فذلك قوله (٦)

стр. 10502

﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾. ٥٨ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ قال مجاهد: يقضون فيهم بعد ما علموا، يعني: يرمونهم بما ليس فيهم (١). وروي أن رجلَّا شتم علقمة فقرأ هذه الآية (٢). وقال قتادة والحسن: إياكم وأذى المؤمن فإن الله يغضب له (٣). واختلفوا في سبب نزوله، فقال عطاء عن ابن عباس: رأى عمر ﵁ جارية من الأنصار متبرجة فضربها وكره ما رأى من زينتها، فذهبت إلى أهلها تشكو عمر، فخرجوا إليه فآذوه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يريد عمر بن الخطاب (٤). وقال مقاتل: نزلت في علي بن أبي طالب وذلك أن نفرًا من المنافقين كانوا يؤذونه ويكذبون عليه (٥). وقال السدي والكلبي: نزلت في أهل الفسق والفجور كانوا يتبعون الإماء بالمدينة يفجرون بهن فكانت المرأة من نساء المؤمنين تبرز للحاجة، فيتعرض لها بعض الفجار يرى أنها أمة وكان الزي واحداً فتصيح به،

стр. 10503

فيذهب، فشكا المسلمون ذلك إلى رسول الله ﷺ فأنزل الله هذه الآية (١). ٥٩ - ثم نهى الحرائر أن يتشبهن بالإماء في الزي بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ جمع الجلباب يعني ملاءة المرأة التي تشتمل بها (٢). وذكرنا تفسير الجلباب في سورة النور [النور: ٣٠ - ٣١]، قال المفسرون في قوله: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ يغطين رءوسهن ووجوههن إلا عينًا واحدة، فيعلم أنهن حرائر فلا يعرض لهن بأذى من قول وهو قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ (٣) هذا قول ابن عباس وابن سيرين (٤). قال أصحابنا: الحكم في الحرة إذا برزت لحاجة أن تلتحف حتى لا يرى منها سوى الصحيحين، وأما الأمة فإنها أيضًا يأمرها بالستر والتقنع وإن كانت لا تؤمر في ذلك الزمان. كما روى أن عمر ﵁ أنكر على أمة رآها متقنعه (٥). ويجوز تغير الحكم في الأزمنة بتغير أهلها ألا ترى أن أصحاب رسول الله ﷺ منعوا النساء المساجد بعد وفاة رسول الله ﷺ مع

стр. 10504

قوله: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" (١) (٢).

стр. 10505

قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي: لمن اتبع [أمره رحيمًا به] (١) قاله ابن عباس (٢). وقال مقاتل: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ وفي تأخير العذاب ﴿رَحِيمًا﴾ حين لم يعجل بالعقوبة. ٦٠ - قال: ثم أوعدهم فقال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ عن نفاقهم. ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ يعني: الفجور (٣)، وهم الزناة وهو قول جميع المفسرين (٤) ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ قالوا: هم قوم كانوا يخبرون المؤمنين بما يكرهون من أمر عدوهم ويقولون: قد أتاكم العدو ويقولون [لسرايا] (٥) رسول الله ﷺ إنهم قتلوا وهزموا (٦) وذكر الفراء أن قومًا من المؤلفة قلوبهم كانوا يرجفون بأهل الصفة ويشنعون عليهم أنهم هم الذين يتناولون النساء لأنهم عزاب (٧)، ومعنى الإرجاف إشاعة الباطل للاغتمام به (٨). وهذا مما

стр. 10506

سبق تفسيره. قوله: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ قال ابن عباس: لنسلطنك عليهم (١)، وهو قول المفسرين وأهل المعاني (٢). وقال مقاتل: لنحملنك على قتلهم (٣) ومعنى الإغراءت الدعاء إلى تناول الشيء بالتحريض عليه، وقد مر (٤). ومعنى الآية [إن لم] (٥) ينته هؤلاء أمرناك بقتلهم حتى تقتلهم وتخلي المدينة منهم وهو قوله: ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: لا يساكنوك في المدينة، قال ابن عباس: لا يقيمون معك بالمدينة ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ إلا يسيرًا حتى يهلكوا (٦). قال الفراء: (ويجوز أن تجعل (٧) القِلَّة من صفة الملعونين كأنك قلت إلا قليلاً ملعونين؛ لأن قوله ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا﴾ يدل على أنهم ملعونون فيعرفون) (٨). ٦١ - ﴿مَلْعُونِينَ﴾ مطرودين مبعدين عن الرحمة وعنكم قاله

стр. 10507

المبرد (١). قال أبو إسحاق: (ملعونين منصوب على الحال لا يجاورونك إلا وهم ملعونين) (٢) وذكر الفراء: هذا القول وقولا آخر، فقال: (ملعونين على الشتم وعلى الفعل أي لا يجاورونك فيها إلا ملعونين والشتم على الاستئناف كما قال ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٤] فيمن نصب تم استئناف جزاء فقال: ﴿أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾ (٣) أي: مبعدين حيث ثقفوا مبعدين حيث ثقفوا فجعل قوله ملعونين متصلاً بما بعده. قال أبو إسحاق: (ولا يجوز أن يكون [قوله] (٤) ملعونين منصوبًا بما بعد أيضًا لا يجوز أن يقال ملعونًا أينما أخذ زيد يضرب؛ لأن ما بعد حروف الشرط لا تعمل فيما قبلها) (٥) وقوله: ﴿أُخِذُوا﴾ قال مقاتل: (وجدوا وأدركوا): ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ قال يعني خذوهم واقتلوهم) (٦). وقال المبرد: (أي الحكم فيهم هذا على جهة الأمر كما قال "العقرب يقتل" أي: هذا الحكم فيها) (٧). ٦٢ - قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ الآية قال أبو إسحاق: (المعنى سن

стр. 10508

الله في الذين بنافقون الأنبياء ويرجفون بهم أن يقتلوا حيث ما ثقفوا) (١). وهذا معنى قول المفسرين في هذه الآية (٢). ٦٣ - قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾ قال الكلبي: إن أهل مكة سألوا النبي ﷺ عن الساعة وعن قيامها فنزلت هذه الآية (٣). وقال مقاتل: إن النبي ﷺ كان يخطب فسأله رجل عن الساعة فأوحى الله إليه [فقال] (٤) (٥): ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٦). ونظير هذه الآية في الأعراف [آية: ١٨٧]. قوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ يقال: دريت الشيء عرفته وأدريته غيري إذا أعلمته ولا معنى أي شيء يعلمك علم الساعة حتى يكون قيامها أي [أنت] (٧) لا تعرفه. ثم قال: ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ والباقي ظاهر إلى قوله: ٦٧ - ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا﴾ (وساده جمع سيد وهو فعله مثل كتبة وفجرة ووجه الجمع بالألف والتاء أنهم قالوا الجُرُزات (٨) والطرقات

стр. 10509

والمعنات في [جمع معن] (١) جمع معين فكذلك يجوز في هذا الجمع سادات، قال أبو الحسن: ولا يكادون يقولون سادات قال وهي عربية) (٢). قال الكلبي: قالوا ربنا أطعنا أشرافنا وعظماءنا فأزالونا عن طريق الهدى (٣). وقال مقاتل: أطعنا سادتنا في الشرف وكبراءنا وذوي الأسنان منا قال وهم المطعمون (٤) في غزوة بدر (٥). ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ الهدى وهو التوحيد، والتقدير: أضلونا عن السبيل فلما حذف الجار وصار الفعل والإضلال لا يتعدى إلى مفعولين من غير توسط حرف الجر كقوله: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ [الفرقان: ٢٩] قال أبو عبيدة: ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ أضلونا عن السبيل (٦). وذكرنا الكلام في نحو قوله: السبيلا والرسولا في أول السورة (٧). ٦٨ - ثم قالت الأتباع: ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ يعنون: القادة والرؤساء أي: عذبهم مثل عذابنا (٨) قوله تعالى: ﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾

стр. 10510

قال مقاتل: يعني: اللعن علي أثر اللعن (١). وقرأ عاصم كبيرًا بالياء على وصف اللعن بالكبر وهو العظم والثاء أشبه بالمعنى؛ لأنهم يلعنون مرة بعد مرة وقد جاء ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] فالكثرة أشبه بالمرار المتكررة من الكبر (٢). [مع ما ذكرنا من تفسير (٣) مقاتل] ويشهد لصحة قراءة عاصم قول الكلبي في تفسير: ﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ يقول عذبهم عذابًا كبيرًا (٤). ٦٩ - وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ قال مقاتل: وعظ الله المؤمنين ألا يؤذوا محمدًا ﷺ بقولهم زيد بن محمد فإن ذلك أذى له كما آذت بنو إسرائيل موسى فزعموا أنه آدر وذلك أن موسى كان فيه حياء شديد وكان لا يغتسل إلا وعليه إزار وكانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة، فقالوا ما يمنع موسى أن يتجرد كما نتجرد إلا أنه آدر فانطلق ذات يوم يغتسل في عين بأرض الشام واستتر بصخرة فوضع ثيابه عليها [ففرت] (٥) الصخرة بثيابه فاتبعها موسى متجردًا حتى انتهى إلى [ملأ من] (٦) بني إسرائيل فنظرت إليه [بنو إسرائيل فإذا هو من أحسن (٧) خلقًا وأعدله

стр. 10511

صورة وليس به] (١) الذي قالوا فذلك قوله: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ [وهذا قول ابن عباس] (٢) والحسن والمفسرين وروي ذلك مرفوعًا عن أبي هريرة بطرق كثيرة (٣). قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ الوجيه ذو الوجاهة [يقال] (٤) وجه الرجل يوجه وجاهة فهو وجيه إذا كان ذا جاء (٥)، وقد قال ابن عباس: [كان (٦) عند الله] حظيًا لا يسأله شيئاً إلا أعطاه (٧). وقال الحسن: كان مستجاب الدعوة (٨). وقال مقاتل: يعني مكينا (٩). ٧٠ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ قال الليث: يقال: قل قولًا سددًا أو سديدًا أي صوابًا [والسدد مقصور] (١٠) من

стр. 10512

السداد (١) وأنشد لكعب: ماذا عليها وماذا كان ينقصها ... يوم الترحل لو قالت لنا سددا (٢) وقال شمر: السداد الإصابة في المنطق، يقال: إنه لذو سداد في منطقه وتدبيره ورميه إذا كان مصيبًا. ويقال سديد إذا أتى السداد (٣). قال ابن عباس: قوله: ﴿سَدِيدًا﴾ صوابًا (٤). وقال الحسن: صادقًا (٥). وقال مقاتل: عدلًا وهو التوحيد (٦). وقال عطاء عن ابن عباس: يريد شهادة ألا إله إلا الله (٧). وقال عكرمة والكلبي: هو ألا إله إلا الله (٨). ومعنى الآية: هو أن الله أمر المؤمنين بالتوحيد والتقوى ووعد عليهما

стр. 10513

أن يصلح أعمالهم فقال: ٧١ - ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ قال ابن عباس: يتقبل حسناتكم (١). قال مقاتل: يزكي أعمالكم (٢). ٧٢ - قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ (٣) قال ابن عباس: الأمانة الفرائض التي افترضها الله على العباد (٤). وقال الحسن: هو الدين، فالدين كله أمانة (٥). وقال أبو العالية: الأمانة ما أمروا به وما نهوا عنه (٦). وقال مقاتل: الأمانة هي الطاعة (٧). والأمانة في هذه الآية في قول جميعهم: الطاعة والفرائض التي (٨) يتعلق بأدائها الثواب وبتضييعها العقاب (٩). وروى زيد بن أسلم عن النبي ﷺ أنه قال: "الأمانة ثلاثة: الصلاة

стр. 10514

والصيام والغسل من الجنابة" (١). وروي عن الحسن في هذه الآية قال: عرضت الأمانة على السموات السبع الطباق التي زينت بالنجوم وحملت العرش العظيم، فقيل لهن: أتأخذن الأمانة بما فيها؟ قلن: وما فيها؟ قلن (٢) لها: إن أحسنتن جزيتن وإن أسأتن عوقبتم. قلن: لا، ثم عرضت على الأرضين السبع اللاتي شددن بالأوتاد وذللت للمهاد وأسكنت العباد، فقيل لهن: أتأخذن الأمانة بما فيها؟ قلن: وما فيها؟ قلن لها (٣): إن أحسنتن جزيتنن وإن أسأتن عوقبتن (٤). قلن: لا، ثم عرضت على الجبال الصم الشم الشوامخ البوادخ الصلاب الصعاب، فقيل لهن: أتأخذن الأمانة بما فيها؟ قلن: وما فيها؟ قيل: إن اْحسنتن جزيتن وإن أسأتن عوقبتن، قلن: لا. فذلك قوله: ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾. وقال ابن جريج: قالت السموات: يا رب خلقتني وجعلتني سقفا محفوظًا، وأجريت في الشمس والقمر، لا أتحمل فريضة ولا أبتغي ثوابًا ولا عقابًا (٥).

стр. 10515

وقال مقاتل بن حيان: بدأ الله بالسموات فعرض عليهن الأمانة وهي الطاعة، فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة ولكن علي الفضل والكرامة والثواب في الجنة؟ قلن: يا رب إنا لا نستطيع هذا الأمر وليست بنا قوة ولكنا لك مطيعون. وقال للأرض مثل ذلك، فقالت: لا صبر لنا على هذه يا رب ولا نطيقه، ولكنا لك سامعون مطيعون ولا نعصيك في شيء تأمرنا به. ثم قربت الجبال كلها فقلن مثل ذلك وهذا قول جميع المفسرين (١). وعلى هذا يكون العرض على أعيان هذه الأشياء بأن ركب الله تعالى فيهن العقول ويفهمن (٢) خطابهن حتى فهمن ونطقن بالجواب، ومعنى قوله: ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا﴾ أي: مخافة وخشية، لا معصية ومخالفة، والعرض كان تخييرًا لا لزامًا. قوله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ قال ابن عباس: قال الله لآدم: إني عرضت الأمانة على السموات والأرض فلم تطقها أفتحملها أنت [بما فيها] (٣)؟ قال: وما فيها؟ قال: إن أحسنت جزيت وإن أسأت عوقبت (٤). قال: فأنا أتحملها بما فيها، فلم يلبث في الجنة إلا قدر ما بين الأولى والعصر حتى أخرجه الشيطان منها (٥).

стр. 10516

وقال في رو اية عطاء: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ يريد آدم ﵇، عرض عليه أداء الفرائض والصلوات الخمس في مواقيتها، وأداء الزكاة عند محلها، وصام رمضان وحج البيت، على أن له الثواب وعليه العقاب، فقال: بين أذني وعاتقي (١). وقال ابن حيان: قال الله تعالى لآدم: أتحمل هذه الأمانة وترعاها حق رعايتها؟ فقال آدم: وما لي عندك؟ قال: إن أحسنت وأطعت ورعيت الأمانة فذلك الكرامة وحسن الثواب في الجنة، وإن عصيت وأسأت فإني معذبك ومعاقبك. قال: قد رضيت ربي وتحملها، فقال الله قد حملتها فذلك قوله: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ (٢). وقال ابن عثمان: عرضت على آدم الطاعة والمعصية وعرف ثواب الطاعة وعقاب المعصية (٣) قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾، قال الكلبي: ظلمه حين عصى ربه فأخرج من الجنة وجهله حين احتملها (٤). وقال المقاتلان: ظلومًا لنفسه جهولًا بعاقبة ما تحمل (٥). وهذا معنى قول المفسرين.

стр. 10517

وقال قتادة: ظلومًا للأمانة جهولًا بحقها (١). هذا الذي ذكرنا في تفسير هذه الآية مذهب الجمهور أهل التفسير، وقال السدي: الأمانة هي ائتمان آدم ابنه قابيل على أهله وولده وخيانته إياه في قتل أخيه، وذلك أن الله تعالى قال لآدم إن لي بيتًا بمكة فأته. قال آدم للسماء: احفظي ولدي بالأمانة فأبت، وقال للأرض فأبت، وقال للجبال فأبت، فقال لقابيل، قال: نعم تذهب وترجع وتجد أهلك كما يسرك، فانطلق آدم ثم رجع وقد قتل قابيل هابيل (٢). وقال أبو إسحاق: حقيقة تفسير هذه الآية -والله أعلم- أن الله تعالى ائتمن بني آدم على ما افترض عليهم من طاعته، وائتمن السموات والأرض والجبال بقول: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] فعرفنا الله أن السموات والأرض لم تحمل الأمانة أي: [أدتها] (٣) فكل من خان الأمانة فقد حملها وكذلك من أثم فقد حمل الإثم ويسمى حاملًا للإثم والسموات والأرض أبين أن يحملن الأمانة وأديتها وأداؤهما طاعتهما فيما أمر الله به وترك المعصية، وحملها الإنسان، قال الحسن: أراد الكافر والمنافق حملا الأمانة أي: خانا ولم يطيعا، قال: فهذا المعنى والله أعلم صحيح، ومن أطاع الأنبياء والصديقين والمؤمنين لا يقال ظلومًا جهولًا وتصديق ذلك ما يتلو هذا من قوله: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ﴾ (٤). قال الأزهري: [وما علمت أحد شرح في هذه الآية ما شرحه أبو

стр. 10518

إسحاق قال: ومما يؤيد قوله (١) في حمل الأمانة أنه خيانتها وترك أدائها قول الشاعر: إذا أنت لم تبرح تؤدي أمانة ... وتحمل أخرى أفرحتك الودائع) (٢) (٣) أراد بقوله: وتحمل أخرى أي: تخونها فلا تؤدها يدلك على ذلك قوله أفرحتك الودائع أي: أثقل ظهرك الأمانات التي تخونها ولا تؤديها، قال أبو علي: وحملها الإنسان أي: لم يؤدها؛ لأن حمل الحامل الشيء إمساك له وخلاف لأدائه وكأنه لم يؤد الأمانة (٤). ٧٣ - قوله تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ قال المقاتلان: ليعذبهم الله بما خانوا الأمانة وكذبوا الرسل ونقضوا الميثاق الذي أقروا به حين أخرجهم من ظهر آدم ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ بأدائهم الأمانة ووفائهم بالعهد والميثاق (٥). وروي عن الحسن وقتادة أنهما قالا قوله: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ﴾ فقالا: هؤلاء الذين خانوهما وهم الذين ظلموها (٦). ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ هؤلاء أدوها. وقال ابن قتيبة:

стр. 10519

أي عرضنا ذلك ليظهر نفاق المنافق وشرك المشارك (١) فيعذبهما الله ويظهر إيمان المؤمن فيتوب الله عليه) (٢) أي يعود عليه بالرحمة والمغفرة إن حصل منه تقصير في نقص الطاعات، ولذلك ذكرنا بلفظ التوبة وخص بالعذاب والمشرك فدل أن المؤمن العاص في خارج من العذاب وداخل في قوله: ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ غفورًا للمؤمنين رحيمًا بهم قاله ابن عباس ومقاتل (٣). والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 10520

سورة سبأ

стр. 10521

سورة سبأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: له كل ذلك خلقًا وملكًا. ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾، قال ابن عباس: يريد حيث لا يحمد أحد (١) غيره. وقال مقاتل: يعني يحمده أولياؤه في الآخرة، إذا دخلوا الجنة، فقالوا: الحمد لله الذي صدقنا وعده، والحمد لله الذي هدانا لهذا (٢) . ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ قال ابن عباس: حكيم في خلقه أن يميتهم ثم يحييهم، الخبير لمن أطاعه ومن عصاه (٣). وقال قتادة: حكيم في أمره خبير بخلقه (٤). ٢ - ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ﴾ يدخل. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ من (٥) مطر أو كنزاً (٦). قاله

стр. 10522

الكلبي وغيره (١). ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ من زرع ونبات. ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من مطر أو مصيبة أو رزق. ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ من الملائكة وأشباه ذلك من أعمال العباد. ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ﴾ بأوليائه. ﴿الْغَفُورُ﴾ لذنوبهم ومساوئهم. قاله ابن عباس (٢). ٣ - قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ﴾ قال مقاتل: (قال أبو سفيان لكفار مكة: واللات والعزى لا تأتينا الساعة أبدًا، أي: لا نبعث، فلما حلف على ذلك بالأصنام قال الله لنبيه: قل يا محمد: بلى وربي لتأتينكم الساعة) (٣) ثم عاد إلى تمجيد نفسه فقال: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ قال أبو إسحاق: (الرفع على وجهين: أحدهما: الابتداء، ويكون ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾ الخبر، والثاني: على جهة المدح لله ، المعنى هو عالم الغيب. ومن قرأ بالكسر فهو صفة لله ، على تقدير: الحمد لله عالم) (٤). وقرأ حمزة والكسائي: "علام الغيب" على المبالغة لقوله: علام الغيوب (٥). وباقي الآية مفسر في سورة يونس (٦).

стр. 10523

٤ - قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ قال مقاتل: لكي يجزي في الساعة الذين آمنوا (١). قال أبو إسحاق: (دخلت اللام جوابًا لقوله: ﴿بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾. ﴿لِيَجْزِيَ﴾ أي: للمجازاة، يعني: من أجل المجازاة) (٢). ٥ - ثم بين جزاء الفريقين فقال: ﴿أُولَئِكَ﴾ يعني الذين آمنوا إلى قوله: ﴿رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾. وقرئ: أليم، رفعا وخفضًا. قال أبو إسحاق: (الخفض نعت للرجز، والرفع نعت للعذاب) (٣). قال أبو علي: (الرجز: العذاب؛ بدلالة قوله: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾ [الأعراف: ١٣٤]، وقوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٥٩]. وإذا كان العذاب، جاز أن يوصف بأليم كما أن نفس العذاب قد جاز أن يوصف به، ومن رفع فهو على نعت قوله: ﴿عَذَابٌ﴾، ومثل هذا في أن الصفة تجري في المضاف، وعلى المضاف إليه أُجري قوله: ﴿ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ﴾ و (خُضر) فالرفع على أن يتبع الثياب، والجر على أن يتبع السندس، وإذا كان الثياب سندسًا، والسندس خضر، فالثياب كذلك، وتقدير قوله: ﴿عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ﴾ عذاب رجز، كما أن قوله: ﴿ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾ معناه: ثياب من سندس. والجر في الأليم أبين؛ لأنه إذا كان عذاب من عذاب أليم كان العذاب الأول أليمًا، وإذا أجريت الأليم على العذاب كان المعنى عذاب، فالأول أكثر فائدة) (٤).

стр. 10524

٦ - قوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ قال الفراء: يرى في موضع نصب معناه: ليجزي الذين وليرى الذين (١). ونحو هذا قال أبو إسحاق (٢). وليس المعنى ما ذكر؛ لأن اللام في قوله: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ متعلق بقوله: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ على ما بيناه، ولا يجوز أن يكون المعنى: لتأتينكم الساعة ليرى الذين أوتوا العلم أن القرآن حق، فإنهم (٣) وإن لم تأتهم الساعة يرون القرآن حق (٤). قال الفراء: وإن شئت استأنفت ويرى (٥) فرفعتها (٦). وهذا هو الوجه لا ما قاله أولاً. ومعنى الرؤية هاهنا العلم، قال مقاتل: (يعني: ويعلم الذين أوتوا العلم بالله، يعني: مؤمني أهل الكتاب) (٧). وقال ابن عباس: يريد أصحاب رسول الله ﷺ (٨). وقوله: ﴿هُوَ الْحَقَّ﴾ هو فعل عند البصريين، وشمميه الكوفيون عمادًا، وقد بينا الكلام فيه عند قوله: ﴿هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٠]. قال الفراء:

стр. 10525

(ولو رفعت الحق على أن تجعل هو اسما كان صوابًا، أنشد الكسائي: ليت الشباب هو الرجيع (١) على الفتى ... والشيب كان هو البديء الأول (٢) فرفع ونصب في بيت واحد) (٣). قوله: ﴿وَيَهْدِي﴾ معناه: الهادي، ولفظ المستقبل كثيرًا ما يراد به لفظ الحال، يقول: تعلمون الحق القرآن الحق الهادي. ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ قال مقاتل: ويدعو إلى دين العزيز في ملكه، الحميد عند خلقه في سلطانه (٤). وقال الكلبي: يعني المنيع بالنعمة ممن لم يجب الرسل، المحمود في أفعاله (٥). ٧ - قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: منكري البعث. قال أبو إسحاق: (هذا قول المشركين الذين لا يؤمنون بالبعث، قال بعضهم لبعض: هل ندلكم على محمد الذي يزعم أنكم تبعثون بعد أن تكونوا عظامًا ورفاتًا وترابًا) (٦). وهذا الذي ذكره موافق لما قاله المفسرون (٧).

стр. 10526

ومعنى: ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ (١) إذا صار (٢) قطعًا باليًا، قال: فرقتم كل تفريق وقطعتم كل تقطيع، والمزف خرف الأشياء، والتمزيق تفعيل منه، يقال: ثوب مزيق ممزوق متمزق ممزق إذا صار قطعًا باليًا (٣). قال ابن عباس: يريد إذا متم وبليتم (٤). وقال مقاتل: إذا تفرقتم في الأرض وذهبت الجلود والعظام وكنتم ترابًا، وهذا من قول أبي سفيان يقوله لكفار مكة (٥). قال أبو إسحاق: وفي هذه الآية نظير في العربية لطيف، ونحن نشرحه إن شاء الله. ﴿إِذَا﴾ في موضع نصب بمزقتم، ولا يجوز أن يعمل فيها جديد؛ لأن ما بعد أن لا يعمل فيما قبلها، والتأويل: هل ندلكم على رجل يقول لكم إذا مزقتم تبعثون، ويكون إذا بمنزلة إن الجزاء يعمل فيها الذي يليها. قال قيس بن الخطيم: إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب المعنى: يكون وصلها، الدليل على ذلك جزم فنضارب، قال: ويجوز أن يكون العامل في إذا مضمر، يدل عليه أنكم لفي خلق جديد، ويكون المعنى: هل ندلكم على رجل يقول إنكم إذا مزقتم كل ممزق

стр. 10527

بعثتم، كما قال: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٢، الصافات: ١٦] كأنهم قالوا: أئذا متنا وكنا ترابًا نحاسب ونعذب! قال: ويجوز إنكم لفي خلق جديد؛ لأن اللام إذا جاءت لم يجز [كسر] (١) إن، انتهى كلامه (٢). قال أبو علي الفارسي: (يسأل في هذه الآية عن موضع إذا، وبأي الأفعال يحكم على موضعه، وفي الآية مما يمكن أن ينتصب به الظروف ثلاثة أشياء: قوله: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾، وقوله: ﴿مُزِّقْتُمْ﴾، وقوله: ﴿خَلْقٍ جَدِيد﴾، فلا يجوز أن يكون موضع إذا نصبًا بقوله: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾؛ لأن إذا لا يجوز أن تكون ظرفًا لهذا الفعل؛ لأن التنبؤ إنما تقع مثل (٣) الموت وأن يمزقوا بعد الموت، فامتنع أن ينتصب إذا به، وحمل ينبئكم على أنه بمعنى القول؛ لأنه ضرب منه. فأما قوله: ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ﴾ فإن جعل موضع إذا نصبا به لزم أن يحكم على موضعه بالجزم (٤)؛ لأن إذا هذه لا يجوز أن تنتصب به حتى يقدر جزم الفعل الذي هو الشرط [بها] (٥) بما لا يسوغ أن يحمل عليه الكتاب؛ لأنه إنما يجزم بها في ضرورة الشعر، وإذا لم يجر (٦) بها أضيف إلى الفعل،

стр. 10528

والمضاف إليه لا يعمل في الضاف ولا فيما قبله، وموضع الفعل الواقع بعد إذا خفض، وكما لا يعمل (١) المضاف إليه فيما قبله كذلك لا يجوز أن يكون موضع إذا نصبا بمزقتم إذا كانت قبلها وحتى مضافة إليها. ولو قلت: زيدًا غلام ضارب عندك لم يجز، وكذلك سائر ما يتعلق بالمضاف إليه لا يجوز أن يتقدمه. ومما يدل على أن موضع الفعل بعد إذا خفض الإضافة ارتفاع الفعل المضارع بعدها، نحو: إذا يجيء زيد أكرمه، والفعل المضارع ليس يرتفع حتى يقع موقع اسم مرفوع أو مجرور أو منصوب، وهذا علة ارتفاعه، وإنما ارتفع بعد إذا لوقوعه موقع اسم مجرور، ولا يجوز أن يكون موضع إذا نصب بقوله جديد على تقدير: إنكم لفي خلق جديد إذا مزقتم؛ لأن إذا قبل إن، وما قبل أن لا يجوز أن يعمل فيه ما بعدها، لا يجوز: طعامك إن زيدًا أكل؛ لأن إن للابتداء فهو منقطع عما قبله، وإذا امتنع هذه الوجوه فالناصب لـ (إذا) مضمر يدل عليه قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ كأنه في التقدير: ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق بعثتم أو نشرتم أو ما أشبه هذا من الأفعال التي يكون قوله: إنكم لفي خلق جديد دالًا عليه ومفسرًا له. وإن قدر هذا الفعل قبل إذا كان سابقًا، فيكون ينبئكم يقول لكم تبعثون إذا مزقتم كل ممزق. قال: وقد أجاز شيخ لنا -يعني: السراج- (٢) أن يكون

стр. 10529

موضح إذا نصبًا بمزقتم) (١) وهو عندي ممتنع لما ذكرت لك. ومثل هذا عندي قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ (٢) الآية، وقد تقدم الكلام فيها. ٨ - قوله تعالى: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ هذا أيضًا من قول الكفار بعضهم لبعض، قالوا: افترى محمد على الله كذبًا حين زعم أنا نبعث بعد الموت، والألف في ﴿أَفْتَرَى﴾ ألف الاستفهاء، وهو استفهام تعجب وإنكار ﴿أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ يقولون: أزعم كذبًا أم به جنون، فرد الله عليهم فقال: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: ليس الأمر على ما قالوا من الافتراء والجنون، هم لأجل ما قالوا ﴿فِي الْعَذَابِ﴾ في الآخرة، ﴿وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ من الحق في الدنيا. وهذا الذي ذكرنا قول ابن عباس ومقاتل والكلبي (٣). ٩ - وفي هذه الآية وعظهم وخوفهم ليعتبروا فقال: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ قال مقاتل: وذلك أن الإنسان حيث ما نظر رأى السماء والأرض، إن نظر قدامه وإن نظر خلفه (٤).

стр. 10530

وقال قتادة: إنك إذا نظرت عن يمينك وعن (١) شمالك أو من بين يديك أو من خلفك كانت السماء والأرض (٢). ثم هددهم فقال: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ فتبتلعهم. ﴿أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا﴾ يعني: جانبًا. ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ فيهلكهم. والمعنى أنهم حيث كانوا فإن أرضي وسمائي محيطة بهم، أنا القادر عليهم لا يعجزونني، إن شئت خسفت بهم أرضي، وإن شئت أسقطت عليهم قطعة من السماء، أفلا يعتبرون ولا يخافون. وأدغم الكسائي (٣) وحده الفاء من قوله: ﴿نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾. قال أبو علي: (إدغام الفاء في الباء لا يجوز، فإن جاز إدغام الباء في الفاء نحو: أذهب في ذلك، وذلك أن الفاء من باطن الشفة السفلى وأطراف الشفايا العليا، فانحدرت الصوت إلى الفم حتى اتصلت بمخرج الباء صارت بمنزلة حرف من موضع التاء، فلم يجز إدغامها في الباء كما لا يجوز إدغام التاء فيه؛ لزيادة صوت الفاء على صوت التاء. وكذلك الباء (٤) أدغمت في الميم نحو: اصحب مطرًا، وإن لم تدغم هي في الباء نحو: اضمم بكرا، لما فيها من زيادة الغنة التي ليست في التاء. وكذلك الراء لم تدغم في اللام نحو: احتر ليلة، وإن كانت اللام أدغمت في الراء نحو: اغسل راحتك، فما كان من الحروف فيه زيادة وصوت لم يجز إدغامه في مقاربه العادي من تلك، كذلك الفاء مع الباء.

стр. 10531

اختلفوا في النون من قوله: (نشأ نخسف) أو (نسقط)؛ فقرأ حمزة والكسائي: بالياء، في الأحرف الثلاثة؛ لقوله: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾، والباقون؛ بالنون لقوله فيما بعد: ﴿آتَيْنَا دَاوُودَ﴾، والنون أشبه بآتينا) (١). قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: فيما يرون من السماء والأرض، لآية تدل على قدرة الله على البعث، وعلى ما يشاء من الخسف بهم وإهلاكهم. ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ قال ابن عباس: راجع إلى مرضات الله (٢). وقال قتادة: تائب (٣). وقال السدي: مقبل إلى طاعة الله (٤). وقال أبو إسحاق: (إن في ذلك علامة تدل على من أناب إلى الله وتأمل ما خلق على أنه قادر على أن يحي الموتى) (٥). ١٠ - وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ أي: أعطيناه من عندنا فضلاً. قال ابن عباس: يريد تفضلت عليه وأعطيته ما لم أعط أحدًا قبله ولا بعده (٦). وقال مقاتل: يعني بالفضل: النبوة والكتاب (٧). قال الكلبي: يعني: النبوة وما أعطي من الدنيا (٨). قوله: ﴿يَا جِبَالُ﴾،

стр. 10532

قال أبو عبيدة والزجاج: هو مختصر، المعنى: وقلنا يا جبال ﴿أَوِّبِي مَعَهُ﴾ ورجعي التسبيح (١). قال المفسرون كلهم: سبحي معه. قال أبو إسحاق: أوبي معه معناه: رجعى، يقال: آب يؤوب إذا رجع ومعنى رجعي معه أي: سبحي معه ورجعي التسبيح (٢). وقال غيره: التأويب في كلام العرب. سير النهار كله إلى الليل، يقال: أوب تأويبًا، والمعنى: يا جبال أوبي النهار كله إلى الليل بالتسبيح (٣). قال سلامة بن جندل: يومان يوم مقامات وأندية ... ويوم سير إلى الأعداء تأويب وروى أبو عبيد عن أبي عمرو: التأويب أن يسير النهار وينزل الليل (٤). وهذا اختيار ابن قتيبة، (وأنشد للراعي فقال: لحقنا بحي أوبوا السير بعد ما ... دفعنا شعاع الشمس والطرف يجنح (٥)

стр. 10533

قال: كأنه أراد أوبي النهار كله بالتسبيح إلى الليل) (١). قال المفسرون: وكانت إذا سبح داود سبحت الجبال معه (٢). وقال وهب (٣): كان داود إذا نادى أجابته الجبال بصداها، فصدى الجبل الذي يستمعه الناس من ذاك (٤). قوله : ﴿وَالطَّيْرَ﴾ قال أبو إسحاق: (في نصب والطير ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون عطفًا على قوله فضلا (٥)، كأنه آتينا داود فضلا والطير، أي: وسخرنا له الطير) (٦). وروى هذا يونس عن أبي عمرو (٧). وقال الفراء في هذا الوجه هو كقولك: أطعمته طعامًا وسقيته ماء (٨). الوجه الثاني: أن يكون نصبًا على النداء، كأنه قيل: ادعوا الجبال والطير، فالطير معطوف على موضع [الجبال] (٩) في الأصل، وكل منادى في موضع نصب (١٠).

стр. 10534

وقال أبو عبيدة: زعم النحويون أن سبيل نصبها كقولك: يا زيد والصلت أقبلا (١). قال الفراء: نصبت الصلة؛ لأنه إنما يدعى بياء أها (٢)، فإذا فقدها (٣) كان كالمعدول عن جهته فنصب (٤). هذا كلامه. وقول أبي إسحاق: [أوجه] (٥). الوجه الثالث: أن يكون الطير منصوبًا على موضع مع، كما تقول: قمت وزيدًا، المعنى: مع زيد. والمعنى في الآية: أوبي معه ومع الطير (٦). قال ابن عباس: كانت الطير تسبح معه إذا سبح (٧). وقوله: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ قال ابن عباس: حتى صار عنده مثل السمع (٨). وقال الحسن: كان يأخذ الحديد بيده، فيصير كأنه عجين (٩). وقال قتادة: ألان (١٠) الله له الحديد، فكان يعمله بغير نار (١١).

стр. 10535

وقال الأعمش: ألين له حتى كان مثل الخيوط (١). وقال مقاتل: كان داود يسرد الدرع لا يفرغها بحديد ولا يدخلها النار، ويفرغ من الدرع في بعض اليوم أو بعض الليلة ثمنها ألف درهم (٢). ١١ - قوله تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ قال أبو إسحاق: (أن اعمل هاهنا في تأويل التفسير، كأنه قيل: وألنا له الحديد؛ لأن يعمل سابغات، ويكون بمعنى: وألنا له الحديد؛ لأن يعمل سابغات، وتصل إن بلفظ الأمر، ومثل هذا من الكلام قولك: أرسل إليه أن قم إلى فلان) (٣). فأما معنى سابغات، فقال الليث: سبغت الدرع، وكل شيء طال إلى الأرض فهو سابغ، يقال: مطر سابغ، ونعمة سابغة، وقد أسبغها الله، والدرع السابغة التي تجرها في الأرض أو على كعبيك طولًا وسعة، ويقال: دروع سابغات وسوابغ (٤)، ومنه قول الهذلي (٥):

стр. 10536

أو صنع السوابغ تبع (١) وقال عبد الله بن الزبير: وسابغة تغشى البنان كأنها ... أضاة بضحضاح من الماء ظاهر. قال أبو إسحاق: (ومعنى سابغات: أي: دروع سابغات، فذكر الصفة؛ لأنها تدل على الموصوف، ومعنى السابغ الذي يغطي بما تحته حتى يفضل) (٢). قال ابن عباس: في قوله: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ يريد: دروع الحديد (٣). وقال مقاتل: يعني: الدروع الطوال، وكانت الدروع قبل داود إنما هي صفائح الحديد مضروبة (٤). ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ قال أبو عبيدة: (في سردها، يقال: درع مسرودة. وقال أبو ذؤيب: وعليهما مسرودتان قضاهما) (٥) وقال الليث: (السرد: اسم جامع للدروع وما أشبهها من عمل الخلق، ويسمى سردًا؛ لأنه يسرد فيثقب طرفا كل حلقة بالمسمار) (٦).

стр. 10537

وقال ابن، قتيبة: [والسرد: سجع المدرع] (١). (ومنه قيل، لصانع الدروع: سَرَّاد وزَرَّاد، تبدل من السين زايًا) (٢). وقال المبرد: السرد نقب المسامير، يقال: درع مسرودة (٣) إذا أحكمت مساميرها (٤). قال الأعشى: ومن نسج داود [مصردة] (٥) مسرودة ... تساق مع الحي عيرا فعيرا (٦) قال الزجاج: (السرد في اللغة: مقدمة شيء إلى شيء حتى ينسق أثره في أثر بعض سابغًا، يقال: سرد فلان الحديث سردا) (٧) إذا تابعه، وسرد فلان الصوم إذا والاه، والمتتابع (٨) يسمى سردًا. وقيل لأعرابي: ما أشهر الحرم؟ فقال: ثلاثة سرد وواحد فرد. ويسمى الحرز سردا؛ لأنه متتابعة من المحرز (٩)، والمحرز يقال له: السراد والمسرد، فجاء من هذا أن اعمل

стр. 10538

الدرع وكل شيء منه يسمى سردًا (١). وقال ابن عباس في رواية مجاهد: لا تدق المسامير وتوسع الحلق فيسلس، ولا يغلظ المسامير ويضيق الحلق فينقصم (٢)، اجعله قدرًا (٣). وقال ابن قتيبة: السرد: المسامير التي في حلق الدرع (٤). وهذا هو الأشبه بالمعنى؛ لأن الكل من أهل التأويل قالوا في معنى الآية: لا تجعل المسامير دقاقًا فتقلق، ولا غلاظًا فتكسر الحلق (٥). وقال مقاتل: يقول قدر المسامير في الحلق، ولا تعظمه فينفصم، ولا تصغره فيسلس (٦). وقال أبو إسحاق: (وهو أن لا يجعل المسمار غليظًا والثقب دقيقًا، ولا يجعل المسمار دقيقًا والثقب واسعًا فيتقلقل، قدر في ذلك أي: اجعله على القصد وقدر الحاجة) (٧). وقال مقاتل (٨): ثم قال الله لآل داود: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ قال ابن عباس: يريدوا اشكروا الله بما هو أهله مثل قوله:

стр. 10539

﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ (١). ١٢ - ثم ذكر ابنه سليمان وما أعطاه من الخير والكرامة، فقال: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾ قال الفراء: (نصب الريح على: وسخرنا لسليمان الريح، وهي منصوبة في الأنبياء ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ [الأنبياء: ٨١] أضمر وسخرنا، ورفع عاصم: ولسليمان الريح، لما لم يظهر التسخير، وأنشد: ورأيتما لمجاشع نعما .... وبني أبية جاملا (٢) رغب (٣) يريد رأيتم لبني أبية، فلما لم يظهر (٤) الفعل رفع باللام) (٥). فقال أبو إسحاق: (النصب في الريح على الوجه، على معنى: وسخرنا لسليمان الريح، ويجوز الرفع على معنى: [ثبتت] (٦) له الريح، وهو يؤول إلى معنى: سخرنا كما أنك إذا قلت: لله الحمد، فتأويله: استقر لله الحمد (٧)، وهو يرجع إلى معنى: أحمد الله الحمد) (٨).

стр. 10540

وقال أبو علي: (وجه النصب أن الريح حملت على التسخير في قوله ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ [ص: ٣٦] كذلك ينبغي أن تحمل هنا عليه، ووجه الرفع أن الريح إذا سخرت لسليمان، جاز أن يقال: له الريح على معنى: له تسخير (١) الريح، فالرفع على هذا يؤول إلى معنى النصب؛ لأنه المصدر المقدر في تقدير الإضافة إلى المفعول به) (٢). قوله تعالى: ﴿غُدُوُّهَا﴾ أي: سير غدو تلك الريح المسخرة له شهر، أي: مسيرة شهر، وعلى هذا التقدير قوله: ﴿وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ أي: سير رواحها سير شهر. قال الحسن: (كان يغدو من دمشق فيقيل باصطخر (٣)، وبينهما مسيرة شهر للمسرع، ثم يروح من اصطخر فمِبيت بكابل (٤)، وما بينهما مسيرة شهر للمسرع) (٥). وقال السدي: كانت تسير في اليوم مسيرة شهرين للراكب.
следующие страницы →