← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

وفي الآية إضمار واختصار، كأنه لما قال لهم: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ قالوا: كيف؟ فقال (١): ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٢). قال أبو العباس: أصل القتل: إماتة الحركة (٣). ومنه يقال: قتلت الخمر إذا (٤) مزجتها بالماء، لأنك كسرت شدتها، كأنك قتلت حركتها، قال حسان: إِنَّ الَّتِي نَاوَلْتَنِي فَرَدَدْتُهَا قُتِلَتْ ... قُتِلَتْ فَهَاتِهَا (٥) لَمْ تُقْتَلِ (٦) وتقول (٧): قتلته علما: إذا أتقنته وتحققته، وذلك أنك أزلت اضطرابه في نفسك. وقلب مُقَتَّل: إذا ذلل بالعشق (٨)، ومنه قوله: ...... أَعْشَارِ (٩) قَلْبٍ مُقَتَّلِ (١٠)

стр. 1087

وكذلك المُقَتَّل من الدواب: المذلل بكثرة العمل (١). قال زهير. كَأَنَّ عيْنَيَّ فِي غَرْبَيْ مُقَتَّلَةٍ ... مَن النَّوَاضِحِ تَسْقِي جَنَّةً (٢) سُحُقَا (٣) [قوله: جنة سُحُقا قال أبو علي (٤): أراد نخيل جنة, لأن السحق يكون من صفة النخيل لا من صفة الجنة, وهي التي بسقت فطالت] (٥). ومعنى قوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: ليقتل البريء المجرم (٦) , وجاز هذا؛ لأن من قتل أخاه أباه (٧) وجاره وحليفه (٨) فكأنه قتل نفسه، ومنه

стр. 1088

قوله: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ (١) [البقرة: ١٩١] أي: قتلوا منكم بعضكم الذين هم كأنفسكم (٢). وقال بعض أهل المعاني: معنى (فاقتلوا أنفسكم) أي: استسلموا للقتل، فجعل استسلامهم للقتل قتلًا منهم لأنفسهم على التوسع (٣)، فعلى هذا لا تحتاج إلى تأويل الأنفس. وقوله تعالي: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ أي: توبتكم خير لكم عند بارئكم من إقامتكم على عبادة العجل (٤)، والإشارة في ذلك تعود إلى القتل (٥)، وهو توبتهم، وقيل (٦): معناه: توبتكم خير لكم، أي فعل خير، لأنه يثيبكم عليه، وليس "خير" على طريق المبالغة والتفضيل (٧)، وذلك أن

стр. 1089

خيرًا يستعمل بمعنيين: أحدهما: التفضيل، وقال: فلان خير من فلان، أي أفضل، وهذا يحتاج معه إلى من. والثاني: بمعنى الفاضل، يقال أردت خيرا، أو فعلت خيرا (١). قال ابن عباس: أبي الله أن يقبل توبة عبدة العجل إلا بالحال التي كره من لم يعبد العجل، وذلك أنهم كرهوا أن يقاتلوا عبدة العجل على عبادة العجل فجعل الله توبتهم أن يقتلهم هؤلاء الذين كرهوا قتالهم (٢)، والقصة فى ذلك معروفه مشهورة. وقوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ في الآية اختصار، تقديره: ففعلتم ما أمرتم به (٣)، فتاب عليكم (٤). ٥٥ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ قال ابن عباس: حتى نراه علانية (٥)، وقال قتادة: عيانا (٦). وقد تكون الرؤية غير جهرة كالرؤية في النوم (٧)، وكرؤية القلب، فإذا قيل (٨): رآه

стр. 1090

جهرة، لم يكن إلا على رؤية العين على التحقيق دون التخييل (١). قال أهل اللغة: معنى قوله: جهرةً أي غير مستتر عنَّا بشيء، وأصل الجهر في اللغة: الكشف والإظهار، يقال: جهرت البئر، إذا كشفت الطين عن الماء ليظهر الماء (٢)، قال: إِذَا وَرَدْنَا آجِنًا جَهَرْنَاه ... أَو خَالِيًا مِنْ أَهْلِهِ عَمَرْنَاهْ (٣) أبو زيد يقال: جهرت بالقول أجهر به، إذا أعلنته، وجاهرني فلان جِهَارًا أي (٤) عَالَنَنِي، والجهر: العلانية (٥). والجَهَارَةُ: ظهور الجَمَال (٦) وأنكشافه ببياض اللون (٧)، قال الأعشى: وَسَبَتْكَ حِيَنَ تَبَسَّمتْ ... بَيْنَ الأَرِيكَةِ والسِّتَارَهْ بِقَوَامِهَا الحَسَنِ الَّذِي .. جَمَعَ المَدَادَةَ (٨) والجَهَارَةْ (٩)

стр. 1091

فالجهرة في هذه الآية: فعلة من الجهر، وهو مصدر يراد به المفعول (١). وقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ يعني ما تصعقون منه، أي: تموتون، لأنه قال: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦]. وقال مقاتل: الصاعقة: الموت (٢)، ومضى الكلام في الصاعقة (٣). قال المفسرون: إن الله تعالى أمر موسى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه (٤) من عبادة العجل، فاختار موسى سبعين رجلًا من خيارهم، وخرج بهم إلى طور سيناء، وسمعوا كلام الله، وكان موسى إذا

стр. 1092

كلمه ربه وقع على وجهه نور ساطع، لا يستطيع أحد من بني آدم (١) أن ينظر إليه، ويغشاه عمود من غمام. فلما فرغ موسى وانكشف الغمام (٢)، قالوا له: لن نؤمن لك، أي: لن نصدقك، حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة، وهي نار جاءت (٣) من السماء فأحرقتهم (٤) جميعًا. ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ يريد نظر بعضهم إلى بعض عند نزول الصاعقة (٥)، قاله (٦) ابن زيد. وإنما أخذتهم الصاعقة؛ لأنهم امتنعوا من الإيمان بموسى بعد ظهور معجزته حتى يريهم ربهم جهرة، والإيمان بالأنبياء واجب بعد ظهور معجزتهم، ولا يجوز لهم اقتراح المعجزات عليهم، فلهذا (٧) عاقبهم

стр. 1093

الله (١)، ولما كان سؤال موسى إيمانًا منه وتصديقًا واشتياقًا لم يعاقب عليه، وهؤلاء سألوه (٢) شاكّين منكرين متعنتين فعوقبوا عليه. وقال بعضهم: إن أصحاب موسى اعتقدوا إحالة الرؤية (٣) على الله فعلقوا إيمانهم على الرؤية (٤): ومرادهم: لن نؤمن لك قط، كقوله: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]، فلهذا عاقبهم الله عليه. وهذه الآية تتضمن التوبيخ لهم على مخالفة الرسول ﵇ مع قيام معجزته، كما خالف أسلافهم [موسى مع ما أتى به من الآيات الباهرة، والتحذير لهم أن ينزل بهم كما نزل بأسلافهم] (٥). ٥٦ - قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ الآية. البعث في كلام العرب على وجهين: أحدهما: الإرسال كقوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى﴾ (٦) [الأعراف: ١٠٣, يونس:٧٥].

стр. 1094

والثاني: إثارة بارك أو قاعد، يقال: بعثت البعير عن مبركه، وبعثت النائم، ونشر الميت: بعث، لأنه كبعث النائم، وذلك إثارته عن مكانه (١). قال قتادة: بعثهم الله ليستوفوا بقية آجالهم وأرزاقهم (٢)، ولو ماتوا بآجالهم لم يبعثوا، ولكنه كان ذلك الموت عقوبة لهم على ما قالوا. وقال ابن الأنباري: كل موت حصل البعث بعده في الدنيا كهذا، وكقوله: ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ (٣) مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] يكون حكمه حكم النوم، ويجري مجرى موت النائم؛ لأن الله تعالى أثبت للخلق الإماتة في دار الدنيا مرة واحدة (٤)، وهوقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (٥) [الجاثية: ٢٦]. قال الزجاج: والآية احتجاج على مشركي العرب الذين كفروا بالبعث، واحتج النبي ﷺ بإحياء من بعث بعد موته في الدنيا فيما يوافقه اليهود والنصارى (٦).

стр. 1095

وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي نعمة البعث (١)، وقيل: تأويله: لعلكم تؤمنون؛ لأن الشكر من فعل المؤمنين وصفاتهم، وأظهر الآيات الموجبة للإيمان بعثهم بعد موتهم. ٥٧ - قوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ الآية. معناه: سترناكم عن الشمس بالغمام (٢). والظل (٣) في اللغة، معناه الستر، يقال: لا أزال الله عنا ظل (٤) فلان، أي: ستره، وظل الشجرة: سترها، ويقال لظلمة (٥) الليل: ظل (٦)، لأنها تستر الأشياء (٧). ومنه قوله (٨): ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥]. قال ذوالرمة: قَدْ أَعْسِفُ النَّازِحَ الْمَجْهُولَ (٩) مَعْسِفُهُ ... فِي ظِلِّ أَخْضَرَ يَدْعُو هَامَهُ الْبُومُ (١٠)

стр. 1096

يريد بالأخضر (١): الليل. قال الفراء: والظلة: ما سترك من فوق، ويقال: أظل يومنا، إذا كان ذا سحاب، لأنه يستر الشمس (٢). الغمام جمع غمامة، وهي السحاب سمي غمامًا لأنه يغمّ السماء أي: يسترها، وكل ما ستر شيئًا فقد غمّه (٣)، قال الحطيئة: إذَا غِبْتَ عَنَّا (٤) غَابَ عنَّا ربيِعُنَا ... ونُسْقَى (٥) الْغَمَامَ الْغُرَّ حِينَ تَؤُوبُ (٦) قال شمر: يجوز أن يسمى غمامًا لتغمغمه (٧)، وهو صوته (٨). وقيل:

стр. 1097

سمي غمامًا، لأنه يغمّ الماء في جوفه، أي: يستره. قال المفسرون: هذا كان حين أبوا على موسى دخول بلقاء (١) مدينة الجبارين فتاهوا في الأرض ثم ندموا على ذلك (٢). وكانت العزيمة (٣) من الله أن يحبسهم في التيه، فلما ندموا لطف الله لهم (٤) بالغمام والمن والسلوى كرامة لهم ومعجزة لنبيهم. والمن: الصحيح أنه التَّرَنْجَبِين (٥)، وكان كالعسل الجامس (٦) حلاوة، كان يقع على

стр. 1098

أشجارهم (١) بالأسحار عفوًا بلا علاج منهم، ولا مقاساة مشقة (٢)، ومنه قوله ﷺ : "الكمأة من المن" (٣). قال أبو عبيدة (٤): إنما شبهها بالمن الذي كان يسقط على بني إسرائيل؛ لأنه كان ينزل عليهم عفوا بلا علاج، إنما يصبحون وهو بأفنيتهم فيتناولونه، وكذلك الكمأة لا مؤنة فيه ببذر ولا سقى. قال أبو إسحاق: جملة المن ما يمن الله به مما لا تعب فيه ولا نصب (٥)،

стр. 1099

وأما السلوى فقال المفسرون: إنه طائر كالسمانى (١). قال الليث: الواحدة سلواة (٢) وأنشد: كَمَا انْتَفَضَ السَّلْواَةُ مِنْ بَلَلِ (٣) الْقَطْرِ (٤) وهذا قول أكثرهم. وقال بعضهم: السلوى: العسل بلغة كنانة (٥)، ومثله قال أبو عبيدة (٦) وأنشد لخالد بن زهير الهذلي: وَقَاسَمَها (٧) بالله جَهْدًا لَأَنْتُمُ ... أَلَذُّ مِنَ السَّلْوَى إِذَا مَا نَشُورُهَا (٨)

стр. 1100

قال أبو علي الفارسي: قرئ على أبي إسحاق في مصنف القاسم (١): السلوى: العسل، مع بيت خالد بن زهير. فقال لنا أبو إسحاق: السلوى طائر، وغلط خالد بن زهير، وظن أنه العسل (٢)، قال أبو علي: والذي عندي في ذلك: أن السلوى كأنه ما يسلي عن غيره لفضيلة [فيه، من فرط طيبه، أو قلة علاج ومعاناة، العسل (٣) لا يمتنع أن يسمى سلوى لجمعه الأمرين كما يسمى الطائر] (٤) الذي كان يسقط مع المن به. قلت: والسلوى بمعنى العسل صحيح في اللغة (٥)، وإن أنكره أبو إسحاق، ولكن الذي في

стр. 1101

الآية المراد به الطائر، لإجماع أهل التفسير عليه. قال أبو العالية ومقاتل: بعث الله سحابة فمطرت (١) السمانى في عرض ميل، وقدر طول رمح في السماء، بعضه على بعض (٢). وقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ﴾ أي: وقلنا لهم (٣): كلوا من طيبات، أي: حلالات (٤)، فالطيب: الحلال، لأنه طاب، والحرام يكون خبيثًا، وأصل الطيب: الطاهر، فسمى الحلال طيبًا، لأنه طاهر لم يتدنس بكونه حرامًا (٥). ﴿وَمَا ظَلَمُوَنا﴾: بإبائهم على موسى دخول هذه القرية، ولكنهم ظلموا أنفسهم حين تركوا أمرنا فحبسناهم في التيه، فكانوا إذا أصبحوا وجدوا أنفسهم حيث ارتحلوا منذ أربعين سنة (٦).

стр. 1102

وقال جماعة من المفسرين: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أي: كلوا من الوجه الذي أمرتم وأحل لكم، وذلك أنهم نهوا أن يدخروا لغد، لأن الله تعالى كان يجدد لهم كل يوم من المن والسلوى إلا يوم السبت، فكانوا يأخذون يوم الجمعة ما يكفيهم، فتعدّوا وادخروا وقدّدوا وملّحوا، فعصوا فقال الله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُوَنا﴾ أي: ما نقصونا بالمعصية، ولكن نقصوا حظ أنفسهم باستيجابهم عذابي (١). وقيل: معناه: وما ضرّونا ولم يَعُد ضرر ظلمهم (٢) إلينا وإنما عاد إليهم. وابن عباس في رواية عطاء جعل قوله تعالى: [﴿وَمَا ظَلَمُوَنا﴾ إخبارا عن الموجودين في زمن النبي ﷺ ، لأنه قال:] (٣) ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ يريد حيث كذبوا نبيي وكفروا نعمتي، وخالفوا ما أنزلت في التوراة والإنجيل، ونقضوا عهدي (٤). ٥٨ - وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ الآية. قال الليث: هي القَرْيَةُ، والقِرْيَة لغتان (٥)، المكسورة يمانية، ومن ثم اجتمعوا في جمعها على القُرَى، فحملوها على لغة من يقول: كسْوه وكُسَى (٦). وقال غيره (٧): القَرْية بالفتح لا غير، وكسرها خطأ، وجمعها قُرَى

стр. 1103

جاءت نادرة (١). ابن السكيت: ما كان من جمع فَعْلَة من الياء والواو على فِعَال كان ممدودًا مثل رَكوةَ ورِكَاء وشَكْوَة وشِكَاء، ولم يسمع في شيء من هذا القصر إلا كَوَّة وكُوًى وقَرْيَة وقُرى جاءتا على غير قياس (٢). وقال أصحاب الاشتقاق: اشتقاق القرية من قريت، أي جمعت، والمقراة: الحوض يجمع فيه الماء، والقَرِيّ: مسيل يجتمع الماء إليه (٣)، ويقال لبيت النمل: قرية، لأنه يجمع النمل (٤). قال: كَأَنَّ قُرَى نَمْلٍ عَلَى سَرَوَاتِهَا ... يُلَبِّدُهَا (٥) فِي لَيْلِ سَارِيَةٍ قَطْرُ (٦) فالقرية تجمع أهلها، ومنه يقال للظهر: القرى، لأنه مجتمع (٧) القوى. قال المفسرون: إن بني إسرائيل لما خرجوا من التيه، قال الله (٨) لهم ادخلوا هذه القرية (٩).

стр. 1104

قال ابن عباس: هي أريحا (١). وقال ابن كيسان: هي الشام (٢). وقال قتادة والسدي والربيع: هي بيت المقدس (٣). وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ هي فِعْلَةٌ من الحَطّ، وضع الشيء من أعلى إلى أسفل، يقال: حط الحمل عن الدابة، والسيل يحط الحجر عن الجبل (٤)، قال (٥): كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ (٦) السَّيْلُ مِنْ عَلِ (٧)

стр. 1105

ويقال في الدعاء: حط الله عنك وزرك، أي وضعه عنك، فالحِطّة من الحَطّ مثل الرِّدّة من الرَّدّ، يجوز أن يكون اسمًا، ويجوز أن يكون مصدرًا (١). قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ أي مغفرة، فقالوا: حنطة (٢). وقال مقاتل: إنهم أصابوا خطيئة بإبائهم على موسى دخول الأرض التي فيها الجبارون، فأراد الله أن يغفرها لهم، فقيل لهم. قولوا حطة. قال أبو إسحاقا معناه: قولوا: مسألتنا حطة، أي: حط ذنوبنا عنا،

стр. 1106

والقراءة بالرفع على هذا التأويل. قال: ولو قرئت حطة (١) كان وجهًا في العربية، كأنه قيل لهم: قولوا (٢): احطط عنا ذنوبنا حطة (٣). وقال الليث: بلغنا أن بني إسرائيل حيث قيل لهم: وقولوا حطة، إنما قيل لهم ذلك حتى يستحِطّوا بها أوزارهم فَتُحَطَّ عنهم (٤). وقال عكرمة: وقولوا حطة، أي: كلمة يحط (٥) بها عنكم خطاياكم، وهي: لا إله إلا الله، لأنها تحط الذنوب (٦). قال الفراء: فإن يك كذلك فينبغي أن يكون حطة منصوبة (٧) في القراءة، لأنك (٨) تقول: قلت: لا إله إلا الله، فيقول السامع: قلت كلمة صالحة، وإنما يكون الرفع والحكاية إذا صلح قبلها إضمار، فإذا لم يصلح

стр. 1107

كان منصوبًا، كما تقول (١): قلت كلاما حسنا (٢). وقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ﴾ [الكهف:٢٢] هو رفع، لأن قبله ضمير أسمائهم، المعنى: هم ثلاثة، وقوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾ [النساء: ١٧١] أي: ولا تقولوا الآلهة ثلاثة (٣). وقال ابن الأنباري: إذا جاء بعد القول حرف مفرد يجوز أن يكون نعتا للقول نصبت كقولك: قلت حقا؛ لأنه يحسن أن يقال: قلت قولا حقا، وكذلك: قلت صوابًا وقلت خطأ، وإذا جاء حرف مفرد لا يجوز أن يكون نعتًا للقول رفعت، كقوله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ﴾ معناه: سيقولون هم ثلاثة، ولا وجه للنصب (٤). وقوله: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ (٥) فحوى الكلام، وإجماع القراء على رفعها، دليل على أنهم أمروا بهذه اللفظة بعينها (٦). فإن كانوا لم يؤمروا بهذه اللفظة

стр. 1108

بعينها فنصبها جائز على معنى: قولوا قولًا حاطًّا لذنوبكم. ويجوز نصبها أيضًا وإن كانوا قد أمروا بها على معنى: وقولوا: احطط عنا يا ربنا ذنوبنا حطة (١)، كقراءة من قرأ ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً﴾ (٢) [الأعراف: ١٦٤] بالنصب. وإذا جاء بعد القول جملة من الكلام، لم يكن للقول فيها عمل، كقولك: قلت: عبد الله عالم، فهو عامل (٣) في موضع الجملة؛ لأنها مجعولة في موضع الكلام، ولو قلت: قلت (٤) كلاما، نصبت. وسنذكر بيانا لهذا زائدا عند قوله: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] إن شاء الله. والأصح والذي عليه الجمهور: أنهم أمروا بهذه اللفظة بعينها، وقد روي لنا عن الأزهري (٥)، عن المنذري عن ابن فهم (٦)، عن محمد بن سلام (٧)، عن يونس قال:

стр. 1109

قوله: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ (١) هذه حكاية، هكذا أمروا (٢). وقوله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ﴾ (٣) يعني بابًا من أبوابها (٤). ﴿سُجَّدًا﴾: قال ابن عباس: ركعا (٥)، وهو شدة الانحناء، والمعنى: منحنين متواضعين (٦). قال مجاهد: هو باب حطة من بيت المقدس، طوطئ لهم الباب؛ ليخفضوا رؤوسهم، فلم يخفضوا ولم يركعوا، ودخلوا متزحفين على استاههم (٧). قال الحسين بن الفضل: لو لم يسجدوا لذكر الله ذلك منهم وذمهم به

стр. 1110

كما ذمهم بتبديل الكلمة لما قالوا خلاف ما أمروا به (١). والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿نَغْفِرْ (٢) لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ أصل الغفر: الستر والتغطية، وغفر الله ذنوبه، أي: سترها، كل شيء سترته قد غفرته. والمغفر يكون تحت بيضة الحديد يغفر الرأس (٣). قال ابن شميل: هي حلق تجعل أسفل البيضة تسبغ على العنق فتقيه، وربما جعل من ديباج وخز أسفل البيضة. الأصمعي: غفر الرجل متاعه يغفر غفرًا: إذا أوعاه. ويقال: اصبغ ثوبك فإنه أغفر للوسخ أي: أغطى له (٤). والغفارة: خرقة تستر رأس المرأة تقي بها الخمار من الدهن (٥)، وكل ثوب يغطى به شيء فهو غفارة، ومنه غفارة البزيون (٦) يغشى بها الرحال (٧).

стр. 1111

وأجمع القراء على إظهار الراء عند اللام، إلا ما روى عن أبي عمرو من إدغامه الراء عند اللام (١). قال الزجاج: وهوخطأ فاحش، وأحسب الذين رووا (٢) عن أبي عمرو غالطين (٣)، ولا يدغم الراء في اللام إذا قلت: مر لي بشيء؛ لأن الراء حرف مكرر، ولا يدغم الزائد في الناقص (٤) للإخلال به، فأما اللام فيجوز إدغامه في الراء، ولو أدغمت الراء في اللام لذهب التكرير من الراء وهذا إجماع النحويين (٥). وقال أبو الفتح الموصلي: الراء لما فيها من التكرير لا يجوز إدغامها فيما يليها من الحروف؛ لأن إدغامها في غيرها يسلبها ما فيها من التكرير.

стр. 1112

وأما قراءة أبي عمرو ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ﴾ (١) بإدغام الراء في اللام فمدفوع عندنا [وغير معروف عند أصحابنا، وإنما هو شيء رواه القراء، ولا قوة له في القياس (٢). والخطايا: جمع خطيئة (٣)] (٤) وهي (٥) الذنب على عمد قال أبو الهيثم: يقال: خطئ: ما صنعه عمدا، وهو الذنب، وأخطأ: ما صنعه خطأ غير عمد (٦). ويأتي بيان هذا مشروحًا عند قوله: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ (٧). قال الزجاج: الأصل في خطايا كان خطايؤ (٨) مثل خطائع، لأنها جمع خطيئة، فأبدل من هذه الياء همزة؛ فصارت

стр. 1113

[خطائئ] (١) مثل خطاعع. قلت: وإنما أبدلت هذه (٢) الياء همزة، لأن هذه الياء إذا وقعت في الجمع صارت همزة، مثل: ترائب وسحائب، وعلة ذلك نذكرها في قراءة من قرأ: معائش (٣) بالهمزة (٤). رجعنا إلى كلام الزجاج: فاجتمعت همزتان، فقلبت الثانية ياء فصار خَطَائِي مثل خَطَاعِي ثم قلبت الياء والكسرة إلى الفتحة والألف، فصار خَطاءَا، مثل خَطاعا (٥) فأبدلت الهمزة ياء، لوقوعها بين ألفين، وإنما أبدلت الهمزة حين وقعت بين ألفين؛ لأن الهمزة مجانسة للألفات، فاجتمعت ثلاثة أحرف من جنس واحد، فأبدلت الهمزة ياء فصارت خَطايَا (٦).

стр. 1114

وقوله تعالى: ﴿سَنَزِيدُ اَلمُحسِنِينَ﴾ أي: الذين لم يكونوا من أهل تلك الخطيئة إحسانا وثوابا (١). ٥٩ - قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ الآية. (التبديل) معناه: التغيير إلى بدل، وذكرناه مستقصى عند قوله: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦]، والمعنى: أنهم غيروا تلك الكلمة التي أمروا بها، وقالوا بدل حطة: حنطة، وهذا (٢) قول ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والمفسرين (٣). وقال أبو إسحاق: حرفوا وقالوا كلمة غير هذه التي أمروا بها، وجملة ما قالوا إنه أمر عظيم سماهم الله به فاسقين (٤). وقوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. أظهر الكناية هاهنا تأكيدا (٥)، وكنىَّ في سورة الأعراف فقال: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ﴾ [الأعراف: ١٦٢]. والعرب تظهر الكنايات توكيدًا، قال:

стр. 1115

لَا (١) أَرَى الْمَوْتَ يَسْبِقُ الموتَ شَيْءٌ ... نَغَّص الْمَوْتُ ذَا الْغِنَى وَالْفَقِيَرا (٢) أراد لا أرى الموت يسبقه شيء، فأظهر الكناية. وأنشد ابن الأنباري: فَيَارَبَّ لَيْلَى أَنْتَ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ ... وَأَنْتَ الَّذِي فِي رَحْمَةِ اللهِ أَطْمَعُ (٣) أراد في رحمته أطمع، فأظهر الهاء. والرجز: العذاب (٤)، [قال رؤبة] (٥): كَمْ رَامَنَا مِنْ ذِي عَدِيدٍ مُبْرِ (٦) حَتَّى وَقَمْنَا كَيْدَهُ بِالرِّجْزِ (٧)

стр. 1116

وقال الله تعالى: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾ [الأعراف: ١٣٤]، أي العذاب، ثم يسمى كيد الشيطان رجزًا لأنه سبب العذاب، قال الله تعالى: ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ (١) [الأنفال: ١١]. وقوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥]، قيل: إنه عبادة الأوثان؛ لأنه سبب العذاب (٢). قال أهل اللغة: وأصل الرجز في اللغة: تتابع الحركات، ومن ذلك قولهم: ناقة رجزاء إذا كانت قوائمها ترتعد عند قيامها، ومن هذا رجز الشعر؛ لأنه أقصر أبيات الشعر، فالانتقال من بيت إلى بيت سريع (٣). أو؛ لأن الرجز في الشعر متحرك وساكن ثم متحرك وسكن في كل أجزائه، فهو كالرعدة في رجل الناقة تتحرك ثم تسكن وتستمر (٤) على ذلك (٥). فحقيقة معنى الرجز: أنه العذاب المقلقل لشدته (٦) قلقلة شديدة متتابعة (٧).

стр. 1117

قال الضحاك: أرسل الله عليهم ظلمةً وطاعونًا فهلك منهم في ساعة واحدة سبعون ألفًا، عقوبة لهم بتبديلهم ما أمروا (١) به. ٦٠ - قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى﴾ الآية قال المفسرون: عطش بنو إسرائيل في التيه، فقالوا: يا موسى، من أين لنا الشراب؟ فاستسقى لهم موسى فأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك الحجر (٢). قال ابن عباس: كان حجرًا خفيفًا مربعًا مثل رأس الرجل، أمر أن يحمله، فكان يضعه في مِخْلاَته (٣)، فإذا احتاجوا إلى الماء وضعه وضربه بعصاه (٤)، فعلى هذا الألف واللام فيه للتعريف (٥).

стр. 1118

وقال وهب: كان موسى ﵇ يقرع لهم أقرب (١) حجر من عرض الحجارة بعصاه، فينفجر عيونا لكل سبط عين (٢)، والألف واللام على هذا للجنس (٣). وقوله تعالى: ﴿فَانْفَجَرَتْ﴾ معناه: فضرب فانفجرت، وعرف بقوله: ﴿فَانْفَجَرَتْ﴾ أنه قد ضرب، ومثله: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] قال الفراء: ومثله في الكلام: أمرتك بالتجارة فاكتسبت الأموال، والمعنى: فاتجرت فاكتسبت (٤). ومعنى انفجرت: انشقت (٥)، والانفجار: الانشقاق، وأصل الفجر في اللغة: الشق، وفَجْرُ السِّكْر: بَثْقُه (٦). وسمي فجر النهار لانصداعه، أو (٧) لشقه ظلمة الليل، ويقال انفجر الصبح، إذا سال ضوؤه في سواد

стр. 1119

الليل، كانفجار الماء في النهر، ويقال: فَجَرَ وأَفْجَرَ ينبوعا من ماء، أي: شقه وأخرجه. قال الليث: والْمَفْجَر الموضع الذي يُفْجَر منه (١). ابن الأعرابي: تَفَجَّر الرجل بعطائه، ورجل ذو فَجَر، وأتيناه فأفجرناه، أي: وجدناه فاجرًا، أي: معطيا (٢). قال ابن مقبل: إذَا الرِّفاقُ أَنَاخُوا حَوْلَ مَنْزِلِهِ ... حَلُّوا بِذِي فَجَرَاتٍ زَنْدُهُ وَارِي (٣) أي برجل كثير العطايا، كأنه يتشقق بما عنده فيجود ولا يمسك كتفجر الماء. والفجور الذي هو المعصية من هذا، لأن الفاجر شقّ أمر الله أو شقّ العصا بخروجه إلى الفسق (٤). وقوله تعالى: ﴿مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ قال الليث: اثنان (٥) اسمان قرينان، لا يُفْرَدان لا يقال لأحدهما: اثن، كما أن الثلاثة (٦) أسماء مقترنة لا تفرق (٧).

стр. 1120

يقال في التأنيث: اثنتان ولا يفردان (١). والألف في اثنى واثنتى (٢) ألف وصل، لا تظهر في اللفظ. والأصل فيها (٣): ثَنَيٌ (٤)، وربما قالوا للاثنتين: الثنتان (٥)، كما قالوا: هي ابنة فلان، وهي بنته، والألف في الابنة ألف وصل أيضا فإن جاءت هذه الألف مقطوعة في الشعر (٦) فهو شاذ كما قال: إِذَا جَاوَزَ الإثْنَيْنِ سِرٌّ فإنَّهُ ... بِنَثٍّ وَتَكْثِير الْوُشَاةِ قَمِينُ (٧)

стр. 1121

انتهى كلامه (١). والعلة في إدخال ألف الوصل في اثنين واثنتين كالعلة في إدخالها في (الاسم)، وقد ذكرنا (٢). وأصل هذا الحرف في اللغة من الثني وهو ضم واحد إلى واحد، والثني الاسم. ويقال: ثِنْيُ الثوب لما كف من أطرافه، وأصل الثَّني في جميع (٣) أبنيته: الكف (٤) والرج والعطف والطي والحنو، وكلها متقارب. وكل شيء عطفته فقد ثنيته، ومنه قوله تعالى: ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ [هود:٥] أي يحنونها ويطوون (٥) ما فيها، ليسروا عداوة محمد ﷺ (٦). وَثِنْيَا الحبل: طرفاه، واحده ثِنْى (٧)، وقال طرفة: ........... وَثِنْيَاه بِالْيَدِ (٨)

стр. 1122

أراد الطرف المثني في الرسغ، فلما انثنى جعله ثنيين، أي لأنه عقد بعقدين، ويقال: حلف (١) فلان يمينا ليس فيها ثُنْيَا ولا (٢) ثَنوْىَ ولا ثَنِيَّة ولا مَثْنَوِيَّة ولا استثناء، كله واحد، لأن الحالف إذا قال: والله لأفعلن كذا إلا أن يشاء الله غيره، فقد رد ما قاله بمشيئة الله غيره، وصرفه (٣)، والحبل إذا عطفته وصرفته فقد جعلته ثنيين (٤). وأثناء الحية: مطاويها، جمع ثِنْي، وما كان من نَضْد هذه الحروف فهو من هذا المعنى، ولا يمكن ذكر الجميع (٥). وقوله تعالى: ﴿عَشْرَةَ﴾ العَشْر عدد المؤنث، والعَشَرَةُ عدد المذكر، تقول: عَشْرُ نسوة وعَشَرَةُ رجال، فإذا جاوزت ذلك قلت في المؤنث: إحدى عَشَرَة، ومن العرب من يكسر الشين فيقول: عَشِرة، ومنهم من يُسَكن الشين فيقول: إحدى عَشْرة. وكذلك اثنتي (٦) عَشَرة واثنتي عَشِرَة واثنتي عشْرة، ثلاث لغات (٧)،

стр. 1123

والقراءة (١) بسكون الشين (٢). فمن فتح الشين فهو أصل البناء، ومن سكن تحرى التخفيف، ثم دخلت الكسرة على مذهب من يكسر ذهابًا إلى أن الساكن يحرك بالكسر (٣). قال ابن الأنباري: تقول في المؤنث: إحدى عَشْرَة جارية، واثنتا عَشْرَة، قال: وبنو تميم يكسرون الشين (٤)، فهما لغتان وقرأ بهما القراء. قال: وأهل اللغة والنحو لا يعرفون عَشَرة بفتح مع النيف، قال: وروي عن الأعمش (٥) أنه قرأ: اثنتا (٦) عَشَرة بفتح الشين (٧)، وأهل اللغة لا يعرفونه (٨).

стр. 1124

والعشرة اسم موضوع (١) لهذا العدد المخصوص، وانتصابها في هذه الآية يجعلها مع اثنتي اسما واحدا، فلما جعلا اسما واحدا، منعا الإعراب والتنوين (٢). قال أبو إسحاق: وذلك أن معنى قولك: اثنتا عشرة: اثنتان وعشرة، فلما حذفت الواو، وهي مرادة، تضمن الاسمان معنى الواو، وكل اسم تضمن معنى حرف بني كما تبنى (٣) الحروف، ولم يك أحدهما بالبناء أولى من الآخر، إذ كانت الواو تدخل ما بعدها في حكم ما قبلها، فصار تعلق الاسمين بالواو تعلقا واحدا، فاستحقا البناء، ووجب أن يبنيا على حركة،

стр. 1125

لأن لهما (١) قبل حال البناء حال إعراب، والاسم إذا كان معربا ثم دخلت عليه علة أوجبت له البناء، وجب أن يبنى على حركة، وجعلُ الاسمين اسمًا واحدًا مستثقل (٢)، فاختير له أخف الحركات (٣). وأدخلت الهاء في (عشرة) مع النيف لما جعلا اسما واحدا في عدد المؤنث، وإن لم يدخل دون النيف، لأنهما لما صارا اسما واحدا ثبتت الهاء في (عشرة) علامة للتأنيث فإنك تقول: ثلاث عشرة، وأربع عشرة (٤) إلى عشرين، فتدخل علامة التأنيث في عشرة (٥). فإن قيل: قد قلتم: إن اثنتي عشرة، وإحدى عشرة اسمان جعلا اسما واحدا، والاسم الواحد لا يكون فيه علامتان للتأنيث. قلنا: اثنتا (٦) عشرة اسمان من وجه، واسم واحد من وجه، فكونهما اسمًا واحدًا هو (٧) أن الواقع تحتهما عدد مخصص متميز عن (٨) غيره،
следующие страницы →