← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 11131–11170 · переход к 11136.

стр. 11131

وقال مقاتل: منتشركم بالنهار ومأواكم بالليل (١). وقال عكرمة: متقلبكم من الأصلاب إلى الأرحام ومقامكم في الأرض (٢). وقال ابن كيسان: متقلبكم حيث تتقلبون فيه من ظهر إلى بطن ومقامكم في القبور (٣)، والمعنى: أنه عالم بجميع أحوالكم فلا يخفى عليه شيء منها. ٢٠ - قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد أن المؤمنين يسألون ربهم أن ينزل سورة فيها ثواب القتال في سبيل الله يحرض فيها المؤمنين (٤)، وقال في رواية الكلبي: كان المؤمنين إذا أبطأ عليهم الوحي اشتاقوا إلى نزوله فقالوا: هلا أنزلت سورة على محمد ﷺ (٥)، والقول هو الأول: أنهم أحبوا أن ينزل سورة فيها ذكر القتال، ألا ترى أن الله تعالى قال: ﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ﴾ قال قتادة: كل سورة ذكر فيها القتال فهي محكمة (٦)، وهذا معنى ما روى عطاء عن ابن عباس في المحكمة أنها ما

стр. 11132

أمر فيها بنصر نبي الله ﷺ . وروي عن ابن عباس في المحكمة أنها التي لا ينسخ ما نزل فيها (١)، وهو اختيار الزجاج، قال معنى محكمة: غير منسوخة (٢)، ونحو هذا قال الكلبي ومقاتل: إنها البينة بالحلال (٣)، والأمر والنهي لا ينسخ. وقال عبد الله بن مسلم: سورة محكمة أي: محدثة، وسميت المحكمة محدثة؛ لأنها حين تنزل تكون كذلك حتى ينسخ منها شيء، يدل على صحة هذا أن في حرف عبد الله (فإذا أنزلت سورة محدثة وذكر فيها القتال) (٤) قال المفسرون أي: فرض فيها الجهاد (٥)، والمعنى: ذكر فيها فرض القتال، قاله الزجاج (٦). قوله تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ كقوله: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩] وقد مر، قال ابن قتيبة: يريد أنهم يشخصون نحوك بأبصارهم وينظرون نظراً شديداً

стр. 11133

بتحديد وتحديق، كما ينظر الشاخص بصره عند الموت من شدَّة العداوة (١). وقال أبو إسحاق: إنما ذكر ذلك لأنهم منافقون يكرهون القتال؛ لأنهم إذا قعدوا عنه ظهر نفاقهم فخافوا على أنفسهم القتل (٢). قوله: ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ فيه مذاهب ثلاثة: قال قتادة: هذا وعيد لهم وانقطع الكلام (٣)، ونحو هذا قال مقاتل والكلبي (٤)، واختاره الزجاج وابن قتيبة (٥)، وهو قول أكثر أهل اللغة (٦)، واختلفوا لم صارت هذه الكلمة للتهديد؟ فقال الأصمعي: معنى قولهم في التهديد: أولى لك، وليك وقاربك ما تكره وأنشد: فَعَادى بَينَ هَادِيَتَيْنِ مِنْهَا ... وأَوْلَى أَن يَزيدَ عَلَى الثَّلاثِ (٧) أي: قاربك أن يزيد على الثلاث. قال ثعلب: ولم يقل أحد في (أولى لك) أحسن مما قال الأصمعي (٨)، وأبو إسحاق يختار هذا القول، ويقول: المعنى: وليهم المكروه (٩). قال أبو العباس: وقال غير الأصمعي: (أولى) يقولها الرجل لآخر

стр. 11134

يحسِّره على ما فاته، ويقول له: يا محروم أي شيء فاتك (١). وقال صاحب النظم: (أولى) مأخوذ من الويل (٢)، وللويل تصريف قد درج ولم يبق منه إلا الويل فقط وقد قال جرير: يَعْلَمْن بالأكْبارِ ويلاً وائلاً (٣) فقوله: أولى أفعل من الويل، إلا أن فيه قلباً، وهو أن عين الفعل وضع موضع اللام. ٢١ - قوله: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ يرتفع بمحذوف، ورافعه إما قبله وإما بعده، فمذهب سيبويه (٤) والخليل أن المعنى: طاعة وقول معروف أمثل، والمعنى على هذا: أن الله تعالى قال: لو أطاعوا وقالوا معروفاً كان أمثل وأحسن، وهذا اختيار الزجاج (٥). وهو على حذف الخبر، ويجوز أن يقدر الحذف ابتداء على تقدير: أمر بالطاعة وقول معروف، وهذا قول المبرد (٦)، واختيار ابن قتيبة وقال: هذا مختصر يريد قولهم قبل نزول القرض: سمع لك وطاعة (٧).

стр. 11135

المذهب الثاني: أن الكلام تم سط قوله: (فأولى)، وهو تهديد على ما ذكرنا، ثم ابتدأ فقال لهم: (طاعة وقول معروف) (١)، وهو القول الحسن الذي يعرف حسنه وصحته، ويجوز على هذا القول أن يكون المعنى: للمنافقين طاعة وقول معروف باللسان، فإذا جد الأمر تبين كذبهم فيما قالوا بقعودهم عن نصرة النبي ﷺ ، يدل على صحة هذا سياق الآية فيما بعد. المذهب الثالث: أن الآية الثانية التي هي قوله: طاعة متصلة بالآية الأولى في المعنى، والتقدير: فأولى لهم طاعة وقول معروف، وهذا معنى ما روي عن عطاء عن ابن عباس (٢): يريد كانت الطاعة أولى لهم، والمعنى على هذا: طاعة الله ورسوله وقول معروف بالإجابة أولى لهم، وهذا القول اختيار الكسائي (٣). قوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْر﴾ قال ابن عباس ومجاهد (٤) ومقاتل: جد القتال عن حقائق الأمور (٥). وقال أبو إسحاق: جد الأمر ولزم فرض القتال (٦).

стр. 11136

قال أبو الهيثم: (عزم الأمر) هو فاعل بمعنى مفعول، وإنما يُعْزَم الأمر ولا يَعْزِم والعزم لإنسان لا للأمر، قال: وهذا كقولهم: هلك الرجل، وإنما أهلك (١). وقال غيره: معنى عزم الأمر: انعقد الأمر بالإرادة أنه يفعله، فإذا عقد الأمر على أنه يفعل قيل: عزم الأمر (٢) على طريق البلاغة. قال الفراء: معنى الآية: فإذا عزم الأمر نكلوا ولم يفعلوا (٣)، ونحو هذا قال ابن قتيبة (فإذا عزم الأمر) أي: جاء الجد كرهوا ذلك، فحذف الجواب (٤). وقال صاحب النظم قوله: (عزم الأمر) يقتضى جواباً ولم يذكر ذلك الجواب، فلما قال: (فلو صدقوا الله) كان هذا دليلاً على المضمر وهو أن يكون كذبوا (٥) ومثله قوله: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ وقد مر [الشعراء: ٦٣].

стр. 11137

قوله: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ﴾ أي: في إيمانهم وجهادهم سمحوا بالطاعة والإجابة ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ من المعصية والكراهية، قاله ابن عباس (١). والمعنى: لكان الصدق خيراً لهم، فأضمر لدلالة صدقوا عليه. ٢٢ - ثم قال: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ وقوله: ﴿إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد عن الإسلام (٢)، وعلى هذا معنى الآية. قال أبو إسحاق: لعلكم إن توليتم عما جاء به النبي ﷺ أن تعودوا إلى أمر الجاهلية فتفسدوا ويقتل بعضكم بعضًا وتقطعوا أرحامكم أي: تئدوا البنات وتدفنوهن أحياء (٣). وقال ابن قتيبة: أي إذا انصرفتم عن النبي ﷺ أن تفسدوا يريد فهل تريدون إذا أنتم تركتم محمداً وما يأمركم به أن تعودوا إلى مثل ما كنتم عليه من الكفر والإفساد في الأرض وقطع الأرحام (٤)، وعلى هذا القول كأن الله تعالى يذكر منته عليهم بالإسلام ومحمد ﷺ حين جمعهم به وأكرمهم بالإلفة بعد ما كانوا عليه في جاهليتهم من القتل والبغي وقطيعة الرحم، فيقول: لعلكم إذا كرهتم الإسلام والقرآن، تريدون أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه، والمراد بقطع الأرحام قتل بعضكم بعضاً، ويحتمل ما ذكره أبو إسحاق من الوأد. وفي الآية قول آخر قال الكلبي: إن توليتم إمرة هذه الأمة (٥)، ويدل

стр. 11138

على صحة هذا التأويل ما روي في قراءة النبي ﷺ : إن وُلِّيتُم (١)، ومن قال بهذا القول قال: المراد بهذا الخطاب بنو أمية (٢) يقول لهم: إن توليتم أمر الناس أفسدتم وقطعتم رحم بني هاشم (٣) بقتلهم، وعلى هذا القول: قتادة والمسيب (٤) بن شريك (٥)، وذكر الفراء والزجاج (٦) القولين جميعاً، وما

стр. 11139

قبل هذه الآية يدل (١) في المنافقين، فلعل منافقي بني أمية خوطبوا بهذا والله أعلم، ثم وصف هؤلاء المنافقين بقوله: ٢٣ - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ الآية. ٢٤ - قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ أي: ليعرفوا ما أعد الله للذين لم يتولوا عن الإسلام ولم يقطعوا أرحام، قال ابن عباس: ومعنى تدبر القرآن ذكرناه في سورة النساء [آية: ٨٢]. (أَم على قلوب أقفالها). قال الليث: القفل معروف، وفعله الإقفال، وقد أقفلته فاقتفل (٢)، وأصله من اليبس والصلابة، ويقال لما يبس من الشجر القفل، وأقفله الصوم، إذا أيبسه (٣). قال ابن عباس: يريد على قلوب هؤلاء أقفال (٤). وقال مقاتل: يعني الطبع على القلب (٥)، وفي هذا تنبيه على القدر والقضاء السابق بالختم على القلب، والأقفال استعارة لارتياح القلب، من الباب الذي ما لم يرفع الختم عن القلب لم يدخله الإيمان والقرآن، وفي تنكير القلوب وإضافة الأقفال إليها مع ما في ظاهر اللفظ، تأكيدٌ للمعنى الذي ذكرنا، ومعنى تنكير القلوب: إرادة لقلوب هؤلاء وقلوب من بهذه الصفة من غيرهم، ولو قال: أم على قلوبهم، لم يدخل قلب غيرهم في

стр. 11140

هذه الجملة، وفي قوله: (أقفالها) دليل على ما ذكرنا من أن المراد بالأقفال الختم وانغلاق القلب، ولو قال: (أقفال) لذهب الوهم إلى ما نعرف بهذا الاسم، فلما أضافها إلى القلوب علم أن المراد بها ما هو للقلب بمنزلة القفل للباب. ومعنى الاستفهام في قوله (أم على قلوب أقفالها) الإخبار أنها كذلك، ويصدق هذه الجملة التي ذكرناها ما روي أن النبي ﷺ كان يقرأ هذه السورة شاباً (١) من أهل اليمن فلما قرأ: أم على قلوب أقفالها. قال: بل عليها أقفالها حتى يفرجها الله، فقال النبي ﷺ : "صدقت" (٢). ثم ذكر اليهود وسوء عاقبتهم حين ارتدوا بعد المعرفة: ٢٥ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾ رجعوا كفاراً ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ يعني: اليهود، ظهر لهم أمر النبي ﷺ بنعته وصفته في كتابه، وكانوا يعرفونه لما دعاهم إلى دينه كفروا به. هذا قول الكلبي (٣) ومقاتل (٤) وقتادة (٥).

стр. 11141

وقال السدي والضحاك: يعني المنافقين (١). ثم قال: ﴿الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾ قال ابن عباس: زين لهم القبيح (٢)، وتفسير التسويل قد سبق في سورة (٣) يوسف [آية: ١٨: ٨٣]. قوله: ﴿وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ يعني الإملاء في اللغة: الترفيه في العمر، والمد فيه (٤) وذكرنا الكلام فيه عند قوله: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] قال مقاتل: يعني: وأمهل الله لهم (٥). وهذا قول أكثر المفسرين (٦)، وقوله: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٨] وقوله: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ﴾ [الحج: ٤٤]، وقوله: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الرعد: ٣٢]. والمعنى: لم يعجل عليهم العقوبة وأمهلهم موسعاً عليهم ليتمادوا في طغيانهم، جزاء لهم على ما فعلوا، وقرأ أبو عمرو: (وأملِيَ لهم) بضم الهمزة وفتح الياء على ما لم يسم فاعله.

стр. 11142

قال أبو الحسن الأخفش: هي خشنة في المعنى، يريد أن هذه القراءة فصل بين فعل الشيطان وفعل الله تعالى، حيث بني الفعل للمفعول ويعلم يقيناً أنه لا يؤخر أحد مدة أحد، ولا يوسع له فيها إلا الله سبحانه (١) ففصل من حيث الرفع اللفظ، وعلى القراءتين يحسن الوقف على قوله (سول لهم) (٢)، لا على قول الحسن، فإنه قال في قوله: (وأملى لهم) على قراءة العامة: مد لهم الشيطان في الأمل (٣). ٢٦ - قوله: (ذلك) أي: ذلك الإملاء ﴿بِأَنَّهُمْ قَالُوا﴾ يعني: اليهود ﴿لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ﴾ يعني المشركين ﴿سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾ قال مقاتل: في تكذيب محمد ﷺ وهو بعض الأمر (٤). وقال أبو إسحاق: جاء في التفسير أنهم قالوا: سنطيعكم في الظاهر على عداوة النبي ﷺ (٥). قال مقاتل: إنهم قالوا ذلك سرًّا فيما بينهم (٦). فأخبر الله تعالى نبيه بذلك، وأعلم أنه يعلم ذلك فقال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾ قرئ بكسر الألف على المصدر، وبفتحها على جمع سر (٧).

стр. 11143

٢٧ - ثم خوفهم فقال: (فكيف) قال أبو إسحاق: المعنى: فكيف كون حالهم (١) ﴿إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ الآية، وقد مرَّ تفسيرها في سورة الأنفال عند قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى﴾ الآية [آية: ٥٠]. ٢٨ - ثم ذكر سبب ذلك الضرب فقال: (ذلك) يعني: ذلك الضرب ﴿بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾ قال ابن عباس: يريد ما كتموا من التوراة (٢). وقال مقاتل: يعني الكفر بمحمد ﷺ (٣)، وقال الزجاج: اتبعوا من خالف النبي ﷺ (٤). قوله تعالى: ﴿وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ يعني: كرهوا ما فيه رضوان الله تعالى وما هو سبب الرضوان من طاعة الله وطاعة رسوله والإيمان به، وإذا كرهوا سبب الرضوان فقد كرهوا الرضوان، وهذا معنى قول الكلبي ومقاتل وأهل التفسير (٥) ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ التي كانوا يعملونها من صلاة وصدقة وصلة رحم لأنها في غير إيمان. ثم رجع إلى ذكر المنافقين فقال: ٢٩ - ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ قال الليث (٦): الضِّغن الحِقْدُ ويجمع الأضغان، ومثله الضَّغِينةُ، وجمعها

стр. 11144

ضَغَائِن، وضَغِنَ فلان يَضْغُنُ ضِغْنَاً فهو ضَغِن، والمرأة ضَغِنَة، وأضْغَنَ عليَّ ضُغَناء، أي أضْمَرهُ وأصله من الضِّغْنِ، والضِّغْنُ هو الالتواء والاعوجاج في قوائم الدابة والقناة وكل شيء، ومنه قول بشر: كذاتِ الضِّغْنِ تَمْشِي في الرِّفاقِ (١) وأنشد الليث: إنَّ قَناتِي مِن صلِيباتِ القَنَا ... مَا زَادَهَا التَّثْقِيفُ إلاَّ ضَغَنا (٢) والحقد في القلب مشبه به؛ لأنه لا يستقيم الحقود عليه، قال ابن عباس في قوله: ﴿أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾: أن لا يطلع الله على ما في قلوبهم (٣)، وقال مقاتل: أن لا يظهر الله الغشّ الذي في قلوبهم (٤). وقال أبو إسحاق: لا يبدي الله عداوتهم لرسوله ﷺ والمؤمنين ويظهره على نفاقهم (٥). ٣٠ - قوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ﴾ قال مقاتل والمفسرون: لأعلمناكهم (٦). كقوله: ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] أي: بما علمك

стр. 11145

الله، وقد مر, وقال الفراء والزجاج: يريد لعرفناكهم، وأنت تقول للرجل أريتك كذا وكذا، تريد عَرَّفتكه وعَلَّمتكه (١). قوله: ﴿فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ أي: فعرفتهم، ودخلت اللام لتأكيد المعرفة، والكلام في تفسير السيما قد سبق في سورة البقرة [آية: ٢٧٣]. قال أبو إسحاق: المعنى: لو نشاء لجعلنا على المنافقين علامة، وهي السيما فلعرفتهم بتلك العلامة (٢). قوله: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ قال أبو عبيدة والفراء والزجاج: في نحو القول معنى القول (٣): في فحوى القول وقصد القول، وهو الذي يدل على ما عنده وفي قلبه من غير تصريح به، وقريب منه قول النبي ﷺ في سعد (٤) بن معاذ وسعد بن عبادة (٥) حين وجههما لاستعلام خبر قريظة "فإن رأيتماهم على العهد فأعلنا ذلك وإلا فالحنا لي لحناً أعرفه ولا تفتان أعضاد المسلمين" (٦).

стр. 11146

وقال الليث: ما تلحن إليه بلسانك: تميل إليه (١). وقال أبو زيد: لحنت له ألحن، إذا قلت له قولاً يفقه عنك ويخفي على غيره (٢). وقال ابن دريد (٣) معنى اللحن: أن تريد الشيء فتوري عنه بقول آخر (٤). وقيل لمعاوية: إن عبد الله يلحن، فقال: أوليس بظريف لابن أخي (٥) أن يتكلم بالفارسية، ظن معاوية أنهم عنوا بقولهم عبد الله يلحن أي يتكلم بالفارسية إذ كان المتكلم بها معدولا عن جهة العربية. وقال الفزاري (٦):

стр. 11147

مَنطِقٌ صائِبٌ وَتَلَحَنُ أَحْيَاناً ... وَخَيرُ الحَدِيْثِ مَا كَانَ لَحْنَا (١) يريد أنها تتكلم بالشيء وهي تريد غيره، وتعرض في حديثها فتزيله عن جهته من ذكائها وفطنتها كما قال الله ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ وكما قال القَتَّال الكلابي (٢): وَلَقدْ وَحَيْتُ لَكُم لِكَيْمَا تَفْهَمُوا ... وَلَحنْتَ لَحناً لَيْسَ بِالمرْتَابِ (٣) واللحن في العربية راجع إلى هذا, لأنه العدول عن الصواب، هذا كلامه فيما حكاه حمزة (٤) صاحب الأمثال، وهو سديد، وذكر أبو القاسم الزجاجي ﵀ معنى اللحن في كلام العرب بأبلغ شرح فقال (٥): أصل (ل ح ن) على هذا الترتيب موضوع للميل عن الشيء والعدول عنه، يقال: لحن فلان في منطقه، إذا أخذ في شيء ترك الظاهر له وعدل عنه إلى غيره،

стр. 11148

يعميه على السامع وذلك كالتعريض في الكلام، ويقال لمثل ذلك القول: ملاحن القول، وهذا كقولهم: والله ما رأيت زيداً برائب، أصبت ريبة لا روبة البصر، ويقال: لاحنت فلاناً، أي راطنته، وذلك أن تضع بينك وبينه كلاماً يفهمه عنك وتفهمه عنه، ولا يفهم غيركما, لأنكما قد عدلتما عن المعتاد من الكلام ومنه قول الطرماح: وأَدَّتْ إليَّ القَولَ عَنْهنَّ زَوْلةٌ ... تُلاحِنُ أوْ تَرْنُو لقَوْلِ المُلاحِنِ (١) أي: تتكلم بمعنى كلام لا يفطن له غيري، ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ أي في فحواه ومعناه، يعني: المنافقين، وذلك أنهم كانوا يخاطبون النبي ﷺ بكلام تواضعوه بينهم والنبي ﷺ يسمع ذلك ويأخذ بالظاهر المعتاد، فنبهه الله تعالى على ذلك، فكان بعد نزول هذه الآية يعرف المنافقين إذا سمع [كلام (٢)]، فلحن القول ميلهم عن الظاهر. وحكى سلمة (٣) عن الفراء: يقال للرجل يعرض ولا يصرح: قد جعل كذا وكذا لحنا لحاجته، ويقال من هذا: لَحَنَ يلحن، فأما لَحِنَ يلحن فالمراد به (٤) فَطِن وفهم.

стр. 11149

ومنه قول النبي ﷺ : "ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض" (١)، أي أفطن لها وأقدر على لحن القول وفحواه ومعناه. قال أبو عبيد (٢): اللّحَن بفتح الحاء الفطنة، واللّحِن بالكسر الحاذق بالكلام الفطن، وإنما قالوا: لحِن، إذا فطن وفهم؛ لأنه سمع ما لُحِنَ له من القول فعلم فحوى ما قيل له، فقيل: لَحِنَ كما يقال: فطن، وأما قول الكلابية قال (٣): وقومٌ لهم لَحْنٌ سِوى لَحْنِ قَوْمِنا ... وشَكْلٌ وبيتِ اللهِ لَسْنا نُشاكِلُهْ (٤) أي: لغة ومذهب في الكلام يذهبون إليه سوى كلام الناس المعتاد، لأنهم عدلوا به إلى ما أرادوا وتركوا ما يتعارفه الناس، والألحان:

стр. 11150

الضروب من الأصوات في الأغاني كقولهم: لحن معبد ولحن سريج، سمي بذلك لأن كل صوت له طريق ومذهب غير مذهب الصوت الآخر، فكأن المعنى عدل بالصوت إلى طريق آخر، والملحِّن الذي يسوي طريق الأغاني. وقال النضر: سألت الخليل عن قولهم: لحن القارئ فيما قرأ، فقال: ترك إعراب الصواب وعدل عنه (١). وأما المفسرون؛ فقال ابن عباس: في معنى القول (٢). وقال الحسن: في فحواه (٣)، وقال القرظي: في مقصده ومغزاه (٤)، وقال أبو إسحاق: دل بهذا والله أعلم أن قول القائل قد يدل على نيته (٥) هذا كلامه، ومعنى الآية: ولتعرفنهم في معاريض كلامهم وما يلحنون به، من غير تصريح في تهجين أمرك وأمر المسلمين والاستهزاء بهم، قال الكلبي: كان بعد ذلك لا يتكلم منافق عند رسول الله ﷺ إلا عرفه بكلامه (٦). وقال مقاتل: لم يَخْفَ منافقٌ بعد هذه الآية على النَّبي ﷺ (٧). ونحو هذا روي عن أنس أنه قال: خفي بعد نزول هذه الآية على رسول الله ﷺ شيء من المنافقين (٨)، وهذا يحمل على أنه ﷺ تأمل كلامهم

стр. 11151

وتفكر في أنحاء مخاطباتهم لما نبهه الله على ذلك بقوله: (ولتعرفنهم في من القول). فاستدل بفحوى كلامهم على فساد دخيلتهم وسوء اعتقادهم. قال مقاتل: ثم رجع إلى المؤمنين أهل التوحيد فقال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ من الخير والشر (١)، فلا يخفى عليه منها شيء. ٣١ - قوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ أي: لنعاملنكم المختبر نأمركم بالقتال والجهاد حتى يتبين المجاهد والصابر على دينه من غيره، وهو قوله: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾. قال ابن عباس: حتى نميز (٢). وقال مقاتل: حتى نرى (٣) وذكرنا الكلام في مثل هذا في مواضع، والمعنى حتى نعلم علم شهادة ووجود، وهو العلم الذي يقع به الجزاء والذي علمه غيباً لا يقع به الجزاء والقراء قرؤوا: (ولنبلونكم) وما بعده بالنون لما تقدمه من قوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ﴾ جعلوا قوله: (والله يعلم أعمالكم) كالاعتراض، ويجوز أن يكون ذلك عوداً إلى لفظ الجمع بعد لفظ الإفراد فيكون كقوله: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الإسراء: ٢] بعد قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] وروي عن عاصم الياء فيها حملاً على قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٠]. وقوله: ﴿وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ عطف على قوله: (حتى نعلم) (٤)، قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد لنظهر ما تسرون.

стр. 11152

وقال في رواية الكلبي يقول: تظهر نفاقكم للمؤمنين (١). ومعنى الآية: حتى نعلم المجاهدين وحتى نكشف أخباركم ونظهرها يعني يأبى من يأبى القتال ولا يصبر على الجهاد فيفضح ويظهر سر نفاقه، فمعنى (نبلوا) هاهنا ليس من الاختبار في شيء, لأنه لا يقال: ولنبلونكم حتى نبلوا أخباركم، ولأن بلو الأخبار بمعنى التجربة لا يصح، فمعناه ما ذكره ابن عباس من الكشف والإظهار، ويجوز أن يوضع البلو موضع الكشف؛ لأن القصد بالبلو الكشف والإظهار، فجاز أن يفسر بما يؤول إليه، ومن هذا قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٩] أي تظهر، ونذكر الكلام فيه إذا انتهينا إليه إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: ٣٢ - قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا﴾ الآية قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد قريظة والنضير (٢). وقال مقاتل: يعني اليهود (٣). وقال الكلبي: نزلت في المطعمين يوم بدر (٤)، والقول أنها نزلت في اليهود لقوله: (بعد ما تبين لهم الهدى). بعد ما بين لهم في التوراة، وهذا

стр. 11153

لا يصح في وصف المشركين من أهل مكة. ٣٣ - ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: أي: بالشك والنفاق (١) وقال الكلبي عنه: بالرياء والسمعة (٢). والمعنى: أخلصوها لله، وقال مقاتل: أي بالمن (٣)، نزلت في قوم كانوا يمنون بإسلامهم على رسول الله ﷺ ، وقال الحسن: أي بالمعاصي والكبائر (٤). وروى الربيع بن أنس عن أبي العالية، قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يرون أنه لا يضر مع الإخلاص لله ذنبٌ، كما لا ينفع مع الشرك عمل صالح (٥). فأنزل الله هذه الآية، فخافوا الكبائر بعد أن تحبط الأعمال. وقال مقاتل بن حيان: يقول: إذا عصيتم النبي ﷺ فقد أبطلتم أعمالكم (٦).

стр. 11154

٣٥ - ثم قال للمسلمين: ﴿فَلَا تَهِنُوا﴾ فلا تضعفوا، قاله الجميع (١)، وقوله: ﴿وَتَدْعُوا﴾ في محل الجزم بالعطف على ما قبله (٢). قوله: ﴿إِلَى السَّلْمِ﴾ وقرئ بفتح السين (٣) وقد تقدَّم الكلامُ فيه في سورة البقرة [آية: ٢٠٨] قال قتادة: لا يكونوا أولى الطائفتين ترغب إلى صاحبها (٤). قال ابن حيان: ولا تبدؤا فتدعوا إلى الصلح (٥). قال أبو إسحاق: منع الله المسلمين أن يدعوا الكافرين إلى الصلح وأمرهم بحربهم حتى يسلموا (٦). وقال أبو علي: المعنى: لا توادعوهم ولا تتركوا قتالهم؛ لأنكم الأعلون فلا ضعف بكم فتدعوا إلى الموادعة (٧)، فقال ابن عباس في قوله: (وأنتم الأعلون): وأنتم الغالبون، وهو قول مجاهد والمقاتلَيْن وقتادة (٨): وأنتم أولى بالله منهم. وقال الكلبي: آخر الأمر لكم وإن غلبوكم في بعض الأوقات (٩).

стр. 11155

وقال الزجاج: وأنتم الأعلون في الحجة (١). ومضى الكلام في نظير هذه الآية في سورة آل عمران [آية: ١٣٩]. قوله: ﴿وَاللهُ مَعَكُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد على عدوكم، وقال مقاتل وغيره: والله معكم بالنصر (٢) ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ قال الكسائي: لن ينقصكم، يقال: وتره يتره وِتْرًا ووَتْرًا ووترة، ونحو هذا قال أبو عبيدة والمبرد والزجاج (٣) وجميع أهل اللغة، واحتجوا بما روي في الحديث: "من فاته العصر فكأنما وتر أهله وماله" (٤)، أي نقص أهله وماله فبقي فرداً. قال الزجاج: أي لن ينقصكم شيئاً من ثوابكم (٥). وقال الفراء: هو من وترت الرجل، إذا قتلت له قتيلاً، وأخذت ماله فقد وترته (٦)، وحمل الحديث على هذا المعنى وهو من الوتر، وهو أن يجني الرجل على الرجل جناية ويقتل له قتيلاً أو يذهب بماله وأهله فيقال: وتر فلان أهله وماله، قال أبو عبيد والمبرد: وأحد القولين قريب من

стр. 11156

الآخر (١)؛ لأن الموتر إنما هو مطالبة بما نقص من عدده، والمفسرون قالوا: لن ينقصكم ولن يظلمكم (٢)، قال ابن حيان: لن يظلمكم أعمالكم الصالحة، أي: يؤتيكم أجورها في الآخرة (٣). ٣٦ - ثم حض على طلب الآخرة قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ قال ابن عباس: باطل وغرور (٤) ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا﴾ تصدقوا بمحمد ﷺ (وتتقوا) قال الكلبي ومقاتل: الفواحش والكبائر ومعاصي الله (٥). ﴿يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ﴾ يعني جزاء أعمالكم في الآخرة. ﴿وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ قال الكلبي: لا يسألكم أموالكم كلها في الصدقة (٦)، ويدل على هذا. ٣٧ - قوله: ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ﴾ أي: يجهدكم بمسألة جميع أموالكم، يقال أحفى فلان فلانًا إذا برح به في الإلحاح عليه وسأله فأكثر عليه الطلب وهو مثل الإلحاف سواء. قال الكلبي: إن يسألكموها كلها في الصدقة فيجهدكم، تبخلوا بها

стр. 11157

فلا تعطوها (١) "وقال أبو إسحاق: أي إن يجهدكم بالمسألة (٢). ﴿تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾ قال الكلبي: يظهر بغضكم وعداوتكم لله ورسوله، ولكنه فرض عليكم يسيراً ربع العشر، وهذا قول مقاتل والجميع (٣). وقال السدي: إن سألكم جميع ما في أيديكم تبخلوا (٤)، ولكن يسألكم أن تنفقوا في سبيل الله وهو يسير فيما أعطاكم. وقال قتادة: علم الله أن في مسألة المال خروج الأضغان (٥). وقال الفراء، يخرج ذلك البخل عداوتكم (٦)، يعني أن قوله (تبخلوا) يدل على البخل. قوله تعالى: ﴿يُخْرِجْ﴾ مسند إليه، أي ذلك البخل يظهر عداوتكم لله ورسوله لو سألكم أموالكم كلها، قال: ويجوز أن يكون يخرج الله أضغانكم. ٣٨ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ قال ابن عباس: يريد أن لا ينفق أحد في سبيل الله إلا أعطاه الله في الدنيا أضعافه، وفي الآخرة ما لا يقدر الواصفون يصفونه (٧). وقال مقاتل بن سليمان: فإنما يبخل بالخير والفضل في الآخرة عن

стр. 11158

نفسه (١)، وقال ابن حيان: فإنما يبخل بالكرامة والفضل من الله على نفسه (٢). ﴿وَاللهُ الْغَنِيُّ﴾ عما عندكم من الأموال وقال عطاء: عن خلقه (٣) ﴿وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ إليه وإلى ما عنده من الخير والرحمة. ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾ قال ابن عباس: عن الإسلام (٤)، وقال مقاتل: وإن تعرضوا عما افترضت عليكم من حقي ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ قال مقاتل: يعني قوماً أمثل وأطوع لله منكم (٥). قوله: ﴿ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ قال: يكونوا خيراً منكم، وقال عطاء عن ابن عباس: لا يكونوا أمثالكم في النفاق والبخل (٦)، وعلى هذا يجب أن يكون الخطاب للمنافقين. وقال الكلبي: لم يتولوا ولم يستبدل بهم (٧). وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ سئل عن الذين يستبدل بهم إن تولوا، فضرب على منكب سلمان، وقال: "هذا وقومه" (٨).

стр. 11159

وهذا كما قال الحسن: هم العجم (١)، ونحو هذا قال عكرمة: فارس (٢) وأحسن مجاهد في قوله: من شاء (٣)، يعني يستبدل الله بهم من شاء من عباده، فيجعلهم خيراً من هؤلاء.

стр. 11160

سورة الفتح

стр. 11161

تفسير سورة الفتح بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ اختلفوا في سبب نزول هذه الآية، ومعنى هذا الفتح، فذهب الأكثرون إلى أن الآية نزلت في صلح الحديبية، والمراد بالفتح ذلك الصلح، وهو قول جابر والبراء وأنس (١) في رواية قتادة. وروي ذلك مرفوعًا وهو أن النبي ﷺ لما انصرف من الحديبية وأنزلت عليه هذه السورة قرأها على أصحابه فقال عمر: أوَفتحٌ هو يا رسول الله؟ فقال: "نعم، والذي نفسي بيده إنه لفتح" (٢). وروي عن مسور بن مخرمة أنه قال: نزلت بين مكة والمدينة في شأن الحديبية من أولها إلى آخرها (٣)، وهو قول الشعبي، ومجاهد، وابن عباس (٤) في رواية الكلبي: قال كان فتحاً بغير قتال،

стр. 11162

والصلح من الفتح، واختاره الفراء، وقال: الفتح قد يكون صلحاً (١) فعلى قول هؤلاء معنى هذا الفتح هو صلح الحديبية، ومعنى الفتح في اللغة: فتح المنغلق (٢). والصلح الذي حصل بينه وبين المشركين في ذلك اليوم كان مسدوداً عليه متعذراً حتى فتحه الله ذلك اليوم ويسره، ودخل بعد ذلك ناس كثير في الإسلام حتى قال جابر: ما كنا نعد فتح مكة إلا يوم الحديبية (٣)، وقال الشعبي: أصاب النبي ﷺ في ذلك الوجه ما لم يصب في وجه، بويع بيعة الرضوان، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وظهرت الروم على فارس، وفرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس (٤). وقال الزهري: ما كان في الإسلام فتح أعظم من صلح الحديبية، وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم فتمكن الإسلام في قلوبهم، وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير وكثر بهم سواد الإسلام (٥). وقال الضحاك: فتحنا لك فتحاً بغير قتال، وكان الصلح من الفتح (٦). وقال ابن عباس في رواية عطاء: اليهود شمتوا بالنبي ﷺ والمسلمين

стр. 11163

لما نزل قوله: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] وقالوا: كيف نتبع من لا يدري ما يفعل به ولا بمن آمن به وصدَّقه، واشتد ذلك على النبي ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ قال: يريد: قضينا لك قضاء واجباً (١)، ونحو هذا قال مقاتل في سبب النزول سواء (٢) . وقال أهل التفسير: قضينا لك قضاء مبيناً، يعني: الإسلام، وهو قول قتادة، واختاره الزجاج، وقال معناه: حكمنا لك بإظهار دين الإسلام والنصرة على عدوك (٣)، فهذا الفتح في الدين وهو الهداية إلى الإسلام ودليل ذلك قوله تعالى: ٢ - ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾، واختلفوا في الجالب لهذه اللام في (ليغفر) فالذين قالوا: هذا الفتح في الدين ومعناه الحكم له بالإسلام والهداية، تتعلق اللام بالفتح, لأن سبب مغفرة الذنب هو الدين والإسلام، فكأنه قال: هديناك للدين ليغفر لك، وهذا معنى قول الحسن (٤): فتح الله عليك الإسلام ليغفر لك الله، وأبي إسحاق. ومن ذهب إلى أن المراد بالفتح صلح الحديبية، ذكر في اللام وجوهاً أحدها: ما قال أبو حاتم: وهو أنه قال هذه اللام لام اليمين، كأنه قال ليغفرن الله لك،

стр. 11164

فحذفت النون وكسرت اللام، فأشبهت في اللفظ لام كي (١) فنصبوا كما نصبوا بلام كي، واحتج بأن العرب تقول في التعجب: أطرف بزيد, فيجزمونه لشبهه بلفظ الأمر، قال ابن الأنباري: هذا الذي قاله أبو حاتم غلط, لأن لام القسم لا تكسر ولا ينصب بها, ولو جاز أن يكون معنى (ليغفر): ليغفرن، لقلنا: ليقوم زيد بتأويل: والله ليقومن، وهذا معدوم في كلام العرب، وليس هذا بمنزلة: أطرف بزيد؛ لأن التعجب عدل به إلى لفظ الأمر، ولام القسم لم توجد مكسورة قط (٢). ثم قال: سألت أبا العباس عن اللام في قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ فقال هي لام كي معناها: إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً لكي يجتمع لك مع المغفرة [كا] (٣) تمام النعمة في الفتح، فلما انضم إلى المغفرة شيء حادث واقع حسن معنى كي (٤)، وقال ابن جرير وصاحب النظم: هذا مقتص من قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣] أعلمه أنه إذا جاءه الفتح واستغفر غفر له (٥)، والقول ما قال أبو العباس. وقوله: ﴿مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر﴾ قال مقاتل: يعني ما كان في الجاهلية وما تأخر بعد النبوة (٦).

стр. 11165

وروي عن ابن عباس: أي ط كان عليك من إثم الجاهلية وما تأخر مما يكون، وهذا على طريقة من جوز الصغائر على الأنبياء (١). وقال عطاء الخراساني: (ما تقدم من ذنبك) يعني: ذنب أبويك آدم وحواء ببركتك، (وما تأخر) يعني: من ذنوب أمتك بدعوتك (٢)، وهذا القول يمكن توجيهه على بُعْد، وهو أن يحمل قوله (من ذنبك) على حذف المضاف بتقدير: من ذنب أبويك، ويحمل قوله (ما تأخر) على ذنوب أمته، ويبين هذا القول أنه لا ذنب له بعد النبوة، فإذا حكمنا ببراءته من الذنب، حمل الذنب المضاف إليه على الوجه الذي يصح وجوده وهو ما ذكرنا (٣). وقال سفيان الثوري: ﴿مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾ ما عملت في الجاهلية وما تأخر، يعني: ما لم تعمله (٤)، هذا كلامه، يقال على هذا ما لم يعمله كيف يوصف بأنه يغفره ولم يعمله بعد؟ والجواب: أن هذا يذكر على طريق التأكيد والإمكان، كما تقول: أعطى من رآه ومن لم يره، وضرب من لقيه ومن لم يلقه (٥)، وليس يمكن أن يضرب من لم يلقه ولا أن يعطيه، ولكنه يذكر تأكيداً للكلام على معنى: أنه كان يضربه إن أمكنه، كذلك في الآية غفر المتقدم والمتأخر لو وجد. قوله تعالى: ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ قال ابن عباس: في الجنة وروي

стр. 11166

عنه أي: بالنبوة والمغفرة، والمعنى: ليجتمع لك مع الفتح تمام النعمة بالمغفرة والهداية إلى صراط مستقيم وهو الإسلام (١). ٣ - قوله تعالى: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ قال ابن عباس ومقاتل: وينصرك الله على عدوك نصراً منيعاً فلا تستذل (٢)، وقال أبو إسحاق: معنى ﴿نَصْرًا عَزِيزًا﴾: نصراً ذا عز لا يقع معه ذل (٣) وحقيقة معناه: الغالب الممتنع فلا يغلب. ٤ - قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: هي الرحمة والطمأنينة والوقار (٤). وقال أهل المعاني: هي البصيرة التي تسكن إليها النفس وتجد الثقة بها وهي للمؤمنين خاصة، وأما غيرهم فتنزعج نفوسهم لأول عارض يرد عليهم؛ لأنهم لا يجدون برد اليقين في قلوبهم (٥)، وهذا مما تقدَّم تفسيرُه [التوبة: ٢٦، ٤٠]. قوله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: تصديقًا مع تصديقهم ويقيناً مع يقينهم، يعني: بالشرائع وبما يأمرهم من

стр. 11167

الفرائض كالصلاة والصيام والزكاة والحج، كلما صدقوا بشيء من ذلك ازدادوا تصديقاً، وذلك بالسكينه التي أنزلها الله في قلوبهم (١). وقال الكلبي: كلما نزلت آية من السماء فصدقوا بها ازدادوا تصديقاً إلى تصديقهم (٢). قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: يعني: الملائكة والجن والإنس والشياطين (٣)، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بما في قلوب عباده ﴿حَكِيمًا﴾ في حكمه وتدبيره. ٥ - قوله تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية ذكر المفسرون أن رسول الله ﷺ لما قرأ على أصحابه قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ الآية، قالوا: هنيئاً لك يا رسول الله، فماذا لنا، فأنزل الله: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤)، واللام في (ليدخل)

стр. 11168

متعلق بما يتعلق به اللام في قوله: (ليغفر) على البدل منه، وتكرر إنا فتحنا (١). قوله: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾ أي: ذلك الوعد بإدخالهم الجنة ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: في حكمه ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ لهم أي: الوعد من الله بإدخال المؤمنين الجنة فوز عظيم لهم في حكم الله، كأن الله تعالى حكم لهم بالفوز العظيم, فلذلك وعدهم إدخالها. ٦ - قوله تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: أي: من أهل المدينة والمشركين والمشركات من أهل مكة (٢)، وظاهر الكلام يدل على أن المراد بهذا العذاب: عذاب الدنيا بأيدي المؤمنين؛ لأن نصرة الرسول والفتح عليه يقتضي ذلك (٣) وإن حملنا الفتح على الهداية والبيان له في الدين، فذلك سبب عذاب المنافقين والمشركين, لأنه كما سعد بتصديقه المؤمنون فاستوجبوا المغفرة والجنة، شقي بتكذيبه المنافقون والمشركون فاستوجبوا العذاب والنار. قوله: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ هو أنهم ظنوا أن محمداً لا ينصر، هذا قول أكثر المفسرين (٤)، وقال مقاتل: كان ظنهم: أنهم قالوا: واللات والعزى ما نحن وهو عند الله إلا بمنزلة واحدة (٥) حين نزل قوله: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ١٩].

стр. 11169

وقال أبو إسحاق: زعم الخليل وسيبويه أن معنى (السوء) هاهنا: الفساد، فالمعنى: الظانين باللهِ ظن الفساد، وهو ما ظنوا أن الرسول ومن معه لا يرجعون (١)، وذلك في قوله: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ الآية [آية: ١٢]. قوله: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ قال ابن عباس: عليهم يدور العذاب (٢). وقال أبو إسحاق: أي: الفساد والهلاك يقع بهم (٣). وقال أبو علي: عليهم دائرة السوء، أي: الذي أرادوه بالمسلمين وتمنوه لهم يقع بهم لا بالمسلمين (٤)، والكلام في تفسير (دائرة السوء) والقراءة فيه قد تقدم في سورة (٥) براءة [آية: ٩٨]. قال مقاتل: فلما نزلت هذه الآية، قال عبد الله بن أُبي والمنافقون: يزعم محمد أن الله ينصره على عدوه هيهات هيهات، لقد بقي له من العدو أكثر وأكثر، فإن أهل فارس والروم وهم أكثر عدداً وأشد بأساً، ولن يظهر

стр. 11170

محمد عليهم (١)، فأنزل الله في ذلك قوله: ٧ - ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ﴾ يعني: الملائكة (والأرض) يعني: المؤمنون وهم أكثر من أهل فارس والروم، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ في ملكه ﴿حَكِيمًا﴾ في أمره. ٨ - قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ قال ابن عباس: يريد على جميع الخلق (٢)، وقال المقاتلان: شاهداً على أمتك بالرسالة (٣)، وقال الكلبي: شاهداً بالبلاغ إلى أمتك (٤) وهذه الشهادة تكون في الآخرة يشهد يوم القيامة على الأمم بتبليغ الرسل إليهم، على قول ابن عباس (٥)، وعلى قول الآخرين فانتصاب قوله: (شاهداً) يكون على تقديم الحال، كأنه قيل: مقدر الشهادة كما تقول: معه صقر صائداً به غداً (٦) وقد مرت نظائره فقوله (شاهداً) حال مقدرة، أي: يكون يوم القيامة، وقوله (مبشرًا ونذيراً) حال يكون النبي ﷺ ملابساً لها في الدنيا (٧). قال عطاء: ومبشراً لأوليائي وأهل طاعتي، ونذيراً لأعدائي وأهل معصيتي. وقال الكلبي: مبشراً بالقرآن للمؤمنين بالجنة، ونذيراً للكافرين
следующие страницы →