١٠ - ثم ذكر أن ما يفعله اليهود والمنافقون من جهة الشيطان، وأن ذلك لا يضر المؤمنين، فقال: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ قال مقاتل: من تزيين الشيطان (١) ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: إنما يزين لهم ذلك ليحزن الذين آمنوا، وذلك أن المؤمنين إذا رأوهم متناجين قالوا: ما نراهم إلا وقد بلغهم عن أقربائنا وإخواننا الذين خرجوا في السرايا قتل أو موت أو هزيمة، فيقع ذلك في قلوبهم ويحزنون له (٢).
قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا﴾ أي وليس النجوى بضارهم. قال أبو إسحاق: أي ليس يضر التناجي المؤمنين شيئًا، ويجوز أن يكون المعنى: وليس بضارهم الشيطان شيئًا، ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي إلا ما أراد الله (٣).
قال مقاتل: يقول إلا بإذن الله في الضر (٤).
قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي يكلون أمورهم إلى الله، ويستعيذون به من الشيطان.
١٢ - قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ﴾ (٥)
стр. 11727
الآية. قال مقاتل بن حيان: كان النبي ﷺ في الصفة وفي المكان ضيق وذلك يوم الجمعة، وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء أناس من أهل بدر وقد سبقوا إلى المجلس فقاموا حيال النبي ﷺ ينتظرون أن يوسع لهم فعرف ما يحملهم على القيام فلم يفسح لهم، وشق ذلك على النبي ﷺ فقال لمن حوله من غير أهل بدر: قم يا فلان، قم يا فلان، وأنت يا فلان. فلم يزل يقيم بعدة النفر الذين هم قيام بين يديه، وشق ذلك على من أقيم من مجلسه وعرف الكراهية في وجوههم وطعن في ذلك المنافقون، وقالوا: والله ما عدل على هؤلاء، إن قومًا أخذوا مجالسهم وأحبوا القرب من نبيهم فأقامهم وأجلس من أبطأ عنه، فأنزلت هذه الآية يوم الجمعة (١).
قوله: ﴿تَفَسَّحُوا﴾ قال أبو عبيدة: توسعوا (٢).
وقال الليث: الرجل يفسح لأخيه في المجلس فسحًا إذا وسع له، والقوم يتفسحون إذا مَكَّنُوا، والفساحة السعة. يقال: بلد فسيح ومفازة فسيحة، ولك فيه فسحة، أي: سعة، هذا كلامه (٣).
والمستعمل من هذا الحرف أربعة أوجه. فسح يفسح فسحًا إذا وسع في المجلس. يقال: أفسح لي، أي: وسّع، وفسح يفسح فساحة إذا صار واسعًا، ومكان فسيح وتفسح إذا توسع، ومثله تفاسح (٤) وبه قرأ الحسن.
стр. 11728
قال الفراء: وهو مثل تعهدته وتعاهدته (١).
ومعنى ﴿تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ﴾ هو أن القوم إذا جلسوا حول النبي ﷺ متضايقين منضمين إليه لم يجد غيرهم ممن يأتي بعدهم مجلسًا عند النبي ﷺ فإذا تنحوا عنه في الجلوس وتوسعوا وجد غيرهم مكانًا يجلس فيه في فلك الحلقة (٢)، فأمر الله تعالى المؤمنين بالتواضع، وأن يفسحوا في المجلس لمن أراد النبي ﷺ ليتساوى الناس في الأخذ بالحظ منه (٣).
وقرئ ﴿فِي الْمَجَالِسِ﴾ (٤) والوجه التوحيد؛ لأنه يعني به مجلس النبي ﷺ وغيره فهو على إرادة العموم مثل قولهم: كثر الدرهم والدينار. ووجه الجمع أن تجعل لكل جالس مجلسًا. أي موضع جلوس (٥).
قال المبرد: تفسحوا ينبيء عن أن لكل واحد مجلسًا, لأنه لا يجوز أن يكون اثنان يشغلان مكانًا واحداً، وإنما معناه ليفسح كل رجل في
стр. 11729
مجلسه (١).
قوله تعالى: ﴿فَافْسَحُوا﴾ أي: أوسعوا ﴿يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يوسع الله لكم الجنة والمجالس فيها.
وذكر في التفسير أنهم أمروا بأن يتوسعوا ويجلسوا متوسعين، ويوسعوا لغيرهم فلم يفعلوا وضن كل واحد بمجلسه فأمروا بالطاعة في التفسح والفسح، ووعدوا على ذلك أن يفسح لهم في الجنة (٢).
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ قال ابن عباس، ومقاتل: إذا قيل لكم ارتفعوا فارتفعوا (٣)، ومعناه قوموا، وفيه قراءتان: كسر الشين وضمها وهما لغتان (٤) مثل يعكفون، ويعكفون و (ويعرشون) (٥).
стр. 11730
ومعنى القيام هاهنا أنهم أمروا أن يطيعوا النبي ﷺ إذا أمرهم بالقيام من المجلس ولا يكرهوا ذلك، ووعدهم على هذه الطاعة رفع الدرجات فقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ قال ابن عباس: يني المهاجرين والأنصار (١).
وقال مقاتل: الذين أوتوا العلم، يعني الذين قرأوا القرآن يرفع الله لهم درجات في الجنة على سواهم ممن لم يقرأ القرآن، قال: وإذا انتهى المؤمنون إلى باب الجنة، يقال للمؤمن الذي ليس بعالم: ادخل الجنة، ويقال للعالم: أقم على باب الجنة، فيشفع للناس، هذا الذي ذكرنا في هذه الآية معنى قول قتادة، والكلبي، والمقاتلين (٢).
وقال عطاء: هذه الآية نزلت في مجالس الحرب ومقاعد القتال، وذلك أن الناس كانوا يقعدون صفوفًا في القتال فربما قعد الرجل في موضع ليس هو بأهل، ويكون من هو أشجع منه وأنجد خلفه ويستحي رسول الله
стр. 11731
- ﷺ أن يقيم ذلك ويقعد هذا، فنزلت الآية (١).
وقال الحسن: إنهم تشاحوا على الصف الأول رغبة منهم في الجهاد والشهادة، وكان الرجل منهم يجيء إلى الصف الأول، ويقول: توسعوا لي فلا يوسعون له (٢). وهذا قول أبي العالية، والقرظي، ورواية العوفي عن ابن عباس (٣).
وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ قال الحسن: في القتال في الصف (٤).
وقال مجاهد: إلى كل خير، قتال عدو، أو أمر معروف أو حق ما كان (٥).
وقال قتادة: يقول: إذا دعيتم إلى خير فأجيبوا (٦).
وقال عكرمة، والضحاك: إن رجالاً تثاقلوا عن الصلاة فأمروا بالقيام لها إذا نودي (٧).
وقال ابن زيد: كانوا إذا دخلوا بيت النبي ﷺ لا يقومون، وكان كل واحد يحب أن يكون آخر القوم عهدًا برسول الله ﷺ فقال الله: ﴿وَإِذَا قِيلَ
стр. 11732
انْشُزُوا﴾ عن النبي ﷺ أي انهضوا فانهضوا (١). واختاره الزجاج فقال: أي إذا قيل انهضوا -قوموا-: فانهضوا وهذا كما قال: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] ﷺ (٢)
قوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، أي: إذا عملوا بما أمروا.
١٢ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ قال ابن عباس في رواية الوالبي: إن المسلمين أكثروا المسائل على رسول الله ﷺ حتى شقوا عليه، وأراد أن يخفف عن نبيه، فلما نزلت هذه الآية ضن كثير من الناس فكفوا عن المسألة (٣).
وقال مقاتل بن حيان: إن الأغنياء غلبوا الفقراء على مجلس النبي ﷺ وأكثروا مناجاته حتى كره النبي ﷺ طول جلوسهم ومناجاتهم، فأمر الله بالصدقة عند المناجاة، فأما أهل الميسرة فمنع بعضهم ماله وحبس نفسه، وأما أهل العسرة فلم يجدوا شيئًا، واشتاقوا إلى مجلس النبي ﷺ وحديثه فلم يقدروا على ذلك حتى نسخ هذا (٤).
وقال مقاتل بن سليمان: لما نزلت هذه الآية انتهى الأغنياء وقدرت
стр. 11733
الفقراء على كلام النبي ﷺ ومجالسته فلم يقدم أحد من أهل الميسرة بصدقة غير علي بن أبي طالب قدم ديناراً، وكلم النبي ﷺ في عشر كلمات فلم يلبث إلا يسيرًا حتى أنزل الله.
١٣ - ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ الآية (١).
وروى ليث عن مجاهد قال: قال علي بن أبي طالب ﵁: إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي (٢) ولا يعمل بها أحد بعدي: آية النجوى، كان عندي دينار فبعته بعشرة دراهم، فناجيت النبي ﷺ فكنت كلما ناجيت النبي ﷺ قدمت بين يدي نجواي درهمًا، ثم نسخت فلم يعمل بها أحد (٣).
ونحو هذا قال ابن جريج، والكلبي، وعطاء عن ابن عباس أنهم نهوا عن المناجاة حتى يتصدقوا فلم يناجه أحد إلا علي تصدق بدينار، ثم نزلت الرخصة (٤)، قالوا: وما كانت إلا ساعة من النهار حتى نسخت. وهو قول الكلبي (٥).
وقال مقاتل بن حيان: إنما كان ذلك عشر ليال ثم نسخ (٦)، ولم تقدر
стр. 11734
هذه الصدقة بشيء. وشاور النبي ﷺ في تقديرها عليًّا؟ قال: قال لي: كم ترى؟ ديناراً. قلت: لا يطيقونه. قال: كم؟ قلت: حبة أو شعيرة، قال: إنك لزهيد، فنزلت آية النسخ (١).
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يعني للفقراء، وهذا يدل علي أن من لم يجد ما يتصدق به كان معفوًّا عنه.
وأجمعوا على أن هذه الآية منسوخة الحكم بقوله: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ قال ابن عباس: أبخلتم (٢)، وقال مقاتل: أشق عليكم (٣)، والمعنى: أخفتم العيلة أن قدمتم بين يدي نجواكم صدقات، وهذا خطاب للأغنياء, لأن من لم يجد لا يقال له هذا.
ونسخت الزكاة الصدقة التي كانت عند المناجاة، وهو قوله تعالى: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٤).
стр. 11735
واحتج قوم من الأصوليين بهذه الآية على جواز النسخ قبل الفعل (١)، ولأصحابنا فيه قولان، والصحيح أنه يجوز، ومن احتج بهذه الآية ضعف ما روي أن عليًا عمل بهذا الحكم قبل النسخ، واحتج بقوله: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ قال: وهذا دليل أن أحدًا منهم لم يتصدق بشيء (٢).
١٤ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ قال المفسرون: يعني المنافقين، تولوا اليهود ونقلوا إليهم أسرار المسلمين. واليهود هم المذكورون بالغضب عليهم في مواضع من القرآن.
قوله: ﴿مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾ أي: ليسوا مؤمنين فليسوا منكم في الدين والولاية، ولا من اليهود، كما قال تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٤٣] الآية.
قوله تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ وذلك أن النبي ﷺ قال لعبد الله بن نبتل المنافق: "على ماذا تشتمني أنت وأصحابك؟ " فجاء بهم فحلفوا أنهم لم يفعلوا -ولم يوالوا اليهود- وأنهم له ناصحون، فذلك قوله: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٣) أنهم كذبة.
١٦ - قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ يعني أيمانهم الكاذبة جنة يستخفون بها من القتل ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: فصدوا المؤمنين بأيمانهم عن
стр. 11736
إمضاء حكم الله فيهم من القتل للكافر وأخذ الجزية من أهل الكتاب (١).
وقال مقاتل: فصدوا الناس عن دين الله الإسلام (٢).
١٧ - قوله: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ﴾ الآية. قال مقاتل: إن المنافقين قالوا إن محمدًا يزعم أنه ينصر يوم القيامة فقد شقينا إذًا، فوالله لننصرن يوم القيامة بأنفسنا (٣) وأموالنا وأولادنا إن كانت قيامة فأنزل الله هذه الآية (٤).
١٨ - قوله تعالى: ﴿فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ قال مقاتل: إذا سئلوا يوم القيامة عن أعمالهم الخبيثة استعانوا بالكذب كعادتهم في الدنيا، ويحلفون لله في الآخرة أنهم كانوا مؤمنين كما يحلفون لكم في الدنيا (٥).
وقال قتادة: إن المنافق يحلف لله (٦) يوم القيامة كما حلف لأوليائه في الدنيا (٧).
قال ابن عباس: أما الأول فكقوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، وأما الثاني فهو قوله: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ (٨).
стр. 11737
وقال ابن زيد: كان الحلف جنة لهم في الدنيا فظنوا أنها تنفع في الآخرة (١).
قوله تعالى: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ قال مقاتل: على شيء من الدين (٢).
وقال غيره: ويحسبون أنهم على شيء من أيمانهم الكاذبة (٣).
﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ في قولهم وأيمانهم.
١٩ - قوله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ قال المفسرون: غلب واستولى.
قال أبو إسحاق: معنى استحوذ في اللغة استولى، يقال: حذت الإبل وحزتها إذا استوليت عليها وجمعتها (٤).
وقال المبرد: استحوذ على الشيء: حواه وأحاط به (٥)، ومعناه استدار عليهم الشيطان.
٢٠ - قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾ قال ابن عباس: يريد الذل في الدنيا والخزي في الآخرة (٦).
وقال مقاتل: في الهالكين (٧)، وقال الزجاج: أي في المغلوبين (٨).
стр. 11738
قوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ أي قضى الله ذلك قضاءً ثابتًا.
قال أبو إسحاق: ومعنى غلبة الرسل على نوعين: من بعث منهم بالحرب غالب في الحرب، ومن بعث منهم بغير حرب فهو غالب بالحجة (١).
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أي مانع حزبه من أن يذل.
وقال مقاتل: إن المسلمين قالوا: إنا لنرجو أن يظهرنا الله على فارس والروم، فقال عبد الله بن أُبي: أتظنون أن فارس والروم كبعض القرى التي غلبتموهم؟ كلا والله لهم أكثر جمعًا وعدة، فأنزل الله هذه الآية (٢).
٢٢ - قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الأكثرون على أن هذه الآية نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وإخباره أهل مكة بمسير النبي ﷺ إليهم لما أراد فتح مكة، وتلك القصة معروفة (٣)، وهذا قول مقاتل واختيار الفراء (٤)، والزجاج. قال: أعلم الله أن إيمان المؤمنين يفسد بمودة الكفار، وأن من كان مؤمنًا لا يوالي من كفر، وإن كان أباه أو ابنه أو أحدًا من عشيرته (٥).
وروى عطاء عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في أبي عبيدة (٦)، قتل
стр. 11739
أباه يوم أحد عبد الله بن الجراح، وعمر بن الخطاب قتل خاله العاص بن هشام بن المغيرة يوم بدر، وأبي بكر ﵁ دعا ابنه يوم بدر إلى البراز، فقال رسول الله ﷺ : "متعنا بنفسك يا أبا بكر"، ومصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير، وعلي بن أبي طالب، وحمزة، وعبيدة قتلوا عتبة، وشيبة، والوليد بن عتبه يوم بدر، أخبر الله تعالى أن هؤلاء لم يوادوا أقاربهم وعشائرهم غضبًا لله ولدينه (١).
قوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ قال الزجاج: يعني الذين لا يوادون من حاد الله (٢).
قوله: ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ قال السدي ومقاتل: جعل في قلوبهم التصديق (٣).
وقال الربيع: أثبت (٤).
وقال أبو علي الفارسي: معناه جمع، والكتيبة: الجمع من الجيش. والتقدير: أولئك الذين جمع الله في قلوبهم الإيمان, أي استكملوه واستوعبوه فلم يكونوا ممن يقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض (٥).
стр. 11740
﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ قال ابن عباس: قواهم بنصر منه في الدنيا علي عدوهم (١)، وهو قول الحسن، وسمى نصره إياهم روحًا لأن به يحيا أمرهم (٢).
وقال المقاتلان: برحمة منه (٣)، وهذا يعود إلى الأول, لأن رحمته إنعامه عليهم بالنصر في الدنيا.
وقال الربيع، والسدي: يعني بالإيمان والقرآن (٤). يدل عليه قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] الآية.
ثم أعلم الله أن ذلك يوصلهم إلى الجنة فقال: ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ﴾ إلى آخر الآية. والله أعلم بالصواب.
стр. 11741
سورة الحشر
стр. 11742
تفسير سورة الحشر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾ الآية تفسيرها قد تقدم في مواضع.
٢ - ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ أجمعوا على أن هذا في بني النضير، وهم قوم من اليهود كانوا بالمدينة، غدروا بالنبي ﷺ بعد أن عاهدوا وصاروا عليه مع المشركين يدًا واحدة، فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى رضوا بالجلاء وذلك بعد وقعة بدر بستة أشهر، قاله الزهري (١).
وقال محمد بن إسحاق: كان إجلاء بني النضير مرجع النبي ﷺ من أحد (٢)، وقد ذكر الله ذلك القصة في هذه السورة وهي تأتي على التوالي في تفسير الآيات.
قوله: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ ذكر المفسرون فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن جلاءهم ذلك كان أول حشر في الدنيا إلى الشام، قاله
стр. 11743
الزهري (١)، وعروة، وقال عكرمة: من شك أن المحشر بالشام فليقرأ هذه الآية، وذلك أن النبي ﷺ قال لهم يومئذ: "اخرجوا". فقالوا: إلى أين؟ قال: "إلى أرض المحشر" (٢).
والمعنى على هذا القول: أنهم أجلوا إلى الشام فكان ذلك أول حشر حشروا إلى الشام يوم يحشر الخلق يوم القيامة إلى الشام.
القول الثاني: أنهم أول من أجلي من أهل الذمة من جزيرة العرب، ثم أجلى آخرهم عمر بن الخطاب، وكان ذلك أول حشر من المدينة والحشر الثاني كان من خيبر وجزيرة العرب، وهذا قول المقاتلين، ومرة الهمداني، عن ابن عباس (٣).
القول الثالث: ما قال قتادة: كان ذلك أول الحشر، والحشر الثاني نارُ تحشر الناس من المشرق إلى المغرب تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، وهو قول عبد الله بن عمرو (٤)، وذكر أن تلك النار تُرى
стр. 11744
بالليل ولا ترى بالنهار (١).
قوله: ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾ قال ابن عباس: كان أمرهم في صدور المسلمين عظيمًا (٢)، والمعنى أن المسلمين ظنوا أنهم لعزتهم ومنعتهم لا يحتاجون إلى أن يخرجوا من ديارهم، وظن بنو النضير أن حصونهم تمنعهم من الله، وهو قوله: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾.
стр. 11745
قال ابن عباس: ظنوا أن حصونهم مانعة من سلطان الله، وكانوا أهل حلقة (١) وحصون منيعة، فلم يمنعهم شيء منها (٢)، وهو قوله تعالى: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ أي: أمر الله وعذابه، وهو أنه أمر النبي ﷺ بقتالهم ومحاصرتهم، فكانوا لا يظنون أن ذلك يكون ولا يحتسبون ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ قالوا يعني بقتل سيدهم كعب بن الأشرف.
قوله تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ ذكر المفسرون في تخريبهم منازلهم ثلاثة أسباب:
أحدها: لما أيقنوا بالجلاء وحسدوا المسلمين أن يسكنوا منازلهم فجعلوا يخربونها من داخل والمسلمون من خارج، وهذا قول عكرمة، وقتادة (٣).
وقال مقاتل (٤): إن المنافقين دسوا إليهم أن لا يخرجوا ودربُوا (٥) على الأزقة وحصنُوها، فنقضوا بيوتهم يبنون بها على أفواه الأزقة ليحصنوها، وكان المسلمون إذا ظهروا على درب من دروبهم تأخر اليهود إلى وراء بيوتهم فنقبوها من أدبارها وخرب المسلمون ما ظهر عليهم من ديارهم ليتسع مجالهم للحرب، فذلك قوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ أنهم عَرضوا لذلك.
стр. 11746
وهذا قول مقاتل عن ابن عباس. قال: كلما ظهر المسلمون على دار من دورهم هدموها ليتسع لهم للقتال، وجعل أعداء الله ينقبون دورهم من أدبارها فيخرجون إلى التي بعدها فيتحصنون فيها ويرمون بالتي خرجوا منها أصحاب رسول الله ﷺ (١).
وقال محمد بن إسحاق: ذلك هدمهم عن نحف (٢) أبوابهم، وهو أنهم لما صالحوا على أن يحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل كان منهم من يهدم بيته عن نجاف بابه فيضعه على ظهر بعيره (٣). وهذا قول الزهري. قال: كانوا ينظرون إلى الخشبة في منازلهم مما يستحسنونه، أو الباب فيهدمون بيوتهم وينتزعونها ويحملونها على الإبل (٤).
وقراءة العامة ﴿يُخْرِبُونَ﴾ من الإخراب، وقرأ أبو عمرو مشددًا من التخريب (٥)، وكان يقول: الإخراب أن تترك الشيء خرابًا، والتخريب الهدم، وبنو النضير خربوا وما أخربوا (٦)، وقال المبرد: ولا أعلم لهذا
стр. 11747
وجهًا، يخربون من التخريب، فإنما هوالأصل على خرب المنزل، وأخربه صاحبه كقولك: علم وأعلمه، وقام وأقامه، وإذا قلت يخربون من التخريب فإنما هو تكثير, لأنه ذكر بيوتًا تصلح للقليل والكثير (١)، وزعم سيبويه أنها تتعاقبان في بعض الكلام فيجري كل واحد مجرى الآخر نحو فرحته وأفرحته، وأحسنه الله وحسنه، وقال الأعشى:
وأخربت من أرض قومي ديارًا (٢)
وقال الفراء: (يخرِّبون) بالتشديد، يهدمون، وبالتخفيف يخرجون منها ويتركونها، ألا ترى أنهم كانوا ينقبون الدار فيعطلونها، فهذا معنى يخربون (٣).
قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ قال ابن عباس: يريد يا أهل اللب والعقل والبصائر (٤)، وقال مقاتل: يعني يا أهل البصيرة في أمر الله (٥).
قال الفراء: ويقال يا أولي الأبصار: يا من عاين ذلك بعينه (٦).
ومعنى الاعتبار: النظر في أوائل الأمور وأواخرها وتدبرها ليعرف بالنظر فيها شيئًا آخر من جنسها (٧)، والمعنى: تدبروا وانظروا فيما نزل بهم
стр. 11748
فاتعظوا بذلك. وقد سبق الكلام في أصل معنى الاعتبار فيما تقدم (١).
٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ﴾ معنى الجلاء في اللغة: الخروج من الوطن والتحول منه، يقال منه: جلا القوم عن منازلهم. وتقول: أجليناهم عن بلادهم فجلوا (٢) كما قال الشاعر:
وأجلوا عن مساكن فارقوها ... كما جلت الفراخ من العشاش (٣)
يقول: لولا أن الله قضى عليهم أنهم يخرجون عن أوطانهم بالمدينة إلى الشام وخيبر.
قوله تعالى: ﴿لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ بالقتل والسبي، ولسلطكم عليهم كما فعل بقريظة (٤)، والمعنى: أنه رفع العذاب عنهم في الدنيا بالقتل وجعل عذابهم في الدنيا الجلاء ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ مع ما أحل بهم في الدنيا، وهذا معنى قول عامة المفسرين (٥) .
٥ - قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ قال أبو عبيدة: اللينة: النخلة، ما لم تكن عجوة أو برنية، وأنشد لذي الرمة:
كأن قُتودي فوقَها عُشُّ طائر ... علي لينةٍ فرواء تهفو جنوبها (٦)
стр. 11749
قال: وأصل لينة لِوْنَةَ، فذهب الواو لكسر اللام، وجمعها الألوان وهي النخل كل ما خلا البرني والعجوة (١).
قال المبرد: أصل الياء في لينة الواو، بمنزلة ريح، فإذا قلت ألوان رجعت الواو لذهاب الكسرة كما تقول ريح وأرواح (٢)، قال ذو الرمة:
طراق الخوافي واقع فوق لينة ... ندى ليله في ريشة يترفرف (٣)
ويجمع اللينة أيضًا ليان، قال امرؤ القيس يصف عنق فرس:
وسالفه كسحون الليان ... أضرم فيه الغوىَّ السعر (٤)
ونحو هذا قال المفسرون في تفسير اللينة، الزهري، وقتادة، وجماعة قالوا: هي النخل ليس بالعجوة (٥)، والباقون قالوا: هي النخلة من غير استثناء، وهو قول مجاهد، وعطية، وابن زيد (٦).
стр. 11750
وقال المقاتلان: هي ضرب من النخل ثمره أجود الثمر يرى نواه من ظاهره، النخلة منها أحب إليهم من وصيف (١).
قال المفسرون: لما حصر رسول الله ﷺ بني النضير وتحصنوا بحصونهم، أمر بقطع نخيلهم وإحراقها، فشق ذلك على اليهود، وجزعوا، وأكثروا القول، وقالوا: أين وجدت فيما أنزل عليك الفساد في الأرض وأخذ المسلمون من ذلك دمامة (٢)، فأنزل الله هذه الآية (٣).
وروي عن ابن عباس قال: أمروا بقطع النخل فحك في صدورهم، فقال المسلمون: قطعنا بعضًا وتركنا بعضًا ولنسألن رسول الله ﷺ هل لنا فيما قطعناه من أجر؟ وهل علينا فيما تركنا من وزر، فأنزل الله هذه الآية (٤).
قال أبو إسحاق: فأعلم الله أن ذلك بإذنه، وإليه القطع والترك جميعًا (٥).
وقال قتادة: نزلت الآية لاختلاف كان بين المسلمين في قطعها وتركها.
قال مجاهد: نهى بعض المسلمين بعضًا عن قطع النخل، وقالوا:
стр. 11751
إنما هي مغانم المسلمين فنزل القرآن بتصديق من نهى، وتحليل من قطع (١).
قوله: ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ يعني اليهود، قال مقاتل: كان قطع النخل ذلاً لهم وهوانًا (٢).
وقال ابن حيان: كان ذلك خزيًا لبني النضير (٣).
وقال الزجاج ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ أن يريهم بأموالهم يتحكم فيها المؤمنون كيف أحبوا (٤)، والتقدير: وليخزي الفاسقين أذن في ذلك، ودل على المحذوف قوله: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٥).
٦ - قوله: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ قال المبرد: يقال فاء يفيء إذا رجع، وأفاءه الله إذا رده (٦).
وقال الأزهري: الفيء ما رد الله على أهل دينه من أموال من خالف أهل دينه بلا قتال، إما بأن يجلوا عن أوطانهم ويخلوها للمسلمين، وإما أن يصالحوا على جزية يؤدونها عن رؤوسهم، أو مال غير الجزية يفتدون به من سفك دمائهم (٧) كما فعله بنو النضير حين صالحوا رسول الله ﷺ على أن لكل ثلاثة منهم ما وسق (٨) بعير مما شاءوا سوى السلاح ويتركوا الباقي.
стр. 11752
فهذا المال هو الفيء، وهذا مما أفاء الله على المسلمين، أي: رده ورجعه من الكفار على المسلمين.
وقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ أي من يهود بني النضير.
قوله: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ﴾ يقال وجف الفرس والبعير يجف وجفًا ووجيفًا ووجفانًا (١). قال العجاج:
ناج طواه الأين مما وجفا (٢)
وهو سرعة السير، وأوجفه صاحبه إذا حمله على السير السريع، وهما مثال الإيضاع (٣).
وقوله: ﴿عَلَيْهِ﴾ أي على ما أفاء الله.
قوله: ﴿وَلَا رِكَابٍ﴾ الركاب الإبل، واحدتها راحلة، ولا واحد لها في لفظها (٤).
قال الفراء: الركاب الإبل التي تحمل القوم، وهي ركاب القوم إذا حملت وأريد العمل عليها، وهو اسم جماعة لا يفرد (٥).
قال المفسرون: إن بني النضير لما جلوا عن أوطانهم وتركوا رباعهم وأموالهم طلب المسلمون من رسول الله أن يخمسها كما فعل بغنائم بدر،
стр. 11753
فأنزل الله هذه الآية والتي بعدها (١) بيّن أن بني النضير فيء لم يوجف المسلمون عليه خيلاً ولا ركابًا, ولم يقطعوا إليها مسافة، وإنما كانوا علي ميلين من المدينة فمشوا إليهم مشيًا, ولم يركب إلا رسول الله ﷺ كان راكب جمل (٢)، وكل (٣) مال حصل للمسلمين بهذه الصفة كان فيئًا ولم يكن غنيمة، والفرق بينهما أن الغنيمة ما أخذ بإيجاف خيل وركاب وقتال، والفيء ما أخذ بغيرها (٤).
فإن قيل: أموال النضير أخذت بعد القتال, لأنهم حوصروا أيامًا وقاتلوا وقتلوا ثم صالحوا على الجلاء، قيل: إن الله تعالى خص نبيه بفيء بني النضير وجعل أموالهم له فيئًا فهو مخصوص بهذا (٥)، وأما سائر الأئمة فليس لهم أن يحكموا في مال بحكم الفيئ إلا إذا حصل بلا إيجاف خيل ولا ركاب وبلا قتال.
стр. 11754
قال صاحب النظم: قوله: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ ليس بعلة لصرف الفيئ عنهم، وإنما هو تعزية لهم عما صرف عنهم لئلا يأسفوا عليه بما أعلمهم أنهم لم ينفقوا فيه شيئًا, ولا لزمهم نصب ولا تعب كما يكون في الوقائع.
ثم وكد ذلك بقول ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ فكان في ذلك زيادة شرح لإحراز جميع الفيئ لرسوله دون أصحابه (١).
قال المفسرون: فجعل الله أموال بني النضير لرسوله ﷺ خاصة يفعل فيها ما يشاء، فقسمها رسول الله ﷺ بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئًا إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة وهم أبو دجانة (٢)، وسهل بن حنيف (٣)، والحرث (٤) بن الصمة (٥).
стр. 11755
٧ - ثم ذكر حكم الفيء فقال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ أي من أموال كفار أهل القرى كما رد عليه وأفاء من أموال بني النضير وقريظة (١)، وأهل القرى قرى خيبر (٢)، وعرينة، وينبع، وهذه كلها كانت قرى أفاء الله أموال أهلها على رسول الله، ثم بين لمن هي فقال ﴿لِلَّهِ﴾. أي: أن الحكم فيها لله، له أن يأمركم فيه بما أحب ﴿وَلِرَسُولِهِ﴾ بتمليك الله إياه.
﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ يعني بني هاشم، وبني المطلب لأنهم قد منعوا الصدقة فجعل لهم حق في الفي.
﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ قال العلماء من أصحابنا في بيان حكم هذه الآية: كان الفيء في زمان رسول الله مقسومًا على خمسة أسهم،
стр. 11756
أربعة منها لرسول الله ﷺ خاصة، وكان الخمس الباقي يقسم على خمسة أسهم: سهم منها لرسول الله أيضًا (١)، والأسهم الأربعة لذي القربى واليتامى، كما ذكر الله في هذه الآية، وأما بعد وفاته فللشافعي فيما كان من الفيء لرسول الله ﷺ قولان:
أحدهما: أنه للمجاهدين المرصدين (٢) للقتال في الثغور, لأنهم قاموا مقام رسول الله في رباط الثغور.
القول الثاني: أنه يصرف إلى مصالح المسلمين من سد الثغور، وحفر الأنهار، وبناء القناطر يبدأ بالأهم فالأهم، هذا في الأربعة الأخماس التي كانت لرسول الله ﷺ ، وأما السهم الذي كان له في خمس الفيء فإنه لمصالح المسلمين بلا خلاف (٣).
قوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ أي ما أفاء الله لهؤلاء الذين ذكرهم كي لا يكون دولة، وهي اسم الشيء يتداوله القوم بينهم يكون لذا مرة ولذا مرة.
والدَّوْلة بالفتح: انتقال حال سارة إلى قوم عن قوم، والدُّولى بالضم:
стр. 11757
اسم لما يتداول، وبالفتح مصدر من هذا، وسشعمل في الحالة السارة التي تنوب الإنسان فيقول: هذه دولة فلان، أي: قد أديل بالدولة، فالدَّولةَ اسم لما يتداول من المال، فالدُّولة: اسم لما ينتقل من الحال، هذا كلام المبرد، وهو معنى جميع أهل اللغة (١).
قال الفراء: المعنى: كيلا يكون الفيء دولة بين الرؤساء منكم يعمل فيه كما كان يعمل في الجاهلية (٢)، قال مقاتل: يعني يغلب الأغنياء الفقراء فيقسمونه بينهم (٣)، وقال الفراء: ونزل في الرؤساء ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٤).
قال ابن عباس: يقول ما أعطاكم الرسول من الفيء فخذوه فهو لكم حلال، وما نهاكم عنه فانتهوا (٥)، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في أمر الفيء ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ على ما نهاكم عنه الرسول، وهذا نازل في أمر الفيء فهو عام في كل ما أمر به، ونهى عنه رسول الله ﷺ . وكثر من الصحابة احتجوا على أن أوامر النبي ﷺ وزواجره كلها من القرآن (٦)، أن الله تعالى قال: ما أعطاكم وأباح لكم فخذوه، وما منعكم عنه فاتركوه، وكل ما يفعله بأمر رسول الله ﷺ فإنما يفعله بأمر الله، وهو أمرنا بذلك أمرًا مطلقًا، وكذلك
стр. 11758
فيما ينهى عنه بأمره (١).
قال مقاتل: ثم ذكر أن الفيء للفقراء المهاجرين (٢).
٨ - قال أبو إسحاق: بين المساكين الذين لهم الحق بقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ (٣) يعني أن قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ بدل من قوله للمساكين في الآية الأولى، وأنه عني بالمساكين هؤلاء ﴿الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾، يعني أن كفار مكة أحوجوهم (٤) إلى الخروج، فهم الذين أخرجوهم.
قوله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾ قال مقاتل: يعني رزقًا في الجنة ﴿وَرِضْوَانًا﴾ رضا ربهم (٥).
قال ابن عباس: ابتغوا فضل الله واختاروا رضوان الله على الدور والأموال فقبل الله ذلك منهم، وشكر سعيهم وسماهم الصادقين في قوله:
стр. 11759
﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (١).
٩ - قال مقاتل: ثم ذكر الأنصار وأثنى عليهم حين طابت أنفسهم عن الفيء إذ جعله للمهاجرين دونهم فقال: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني المدينة، وهي دار الهجرة تبوأها الأنصار قبل المهاجرين، وتقدير الآية: والذين تبوؤا الدار من قبلهم والإيمان, لأن الأنصار لم يؤمنوا قبل المهاجرين، وهذا قول مقاتل (٢). وعطف الإيمان على الدار، ولا يحسن إعمال الفعل الذي نصب الدار في الإيمان، ولكن المعنى، وآثروا الإيمان, هو من باب علفتها تبنًا وماء بارداً، وأكلت الخبز واللبن، وقد مر في مواضع.
وقال أبو علي الفارسي: ومعنى الآية: تبوأوا الدار واعتقدوا الإيمان, لأن الإيمان ليس بمكان فيتبوأ فيكون كقوله: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١] على معنى: وأعدوا شركاءكم، ويجوز أن يكون تبوأوا الإيمان على طريق المثل كما تقول: تبوأ من بني فلان الصميم، وعلى ذلك قول الشاعر:
وبُؤّئت في صميم معشرها ... فتم في قومها مبوؤها (٣)
قال: كل هذه الوجوه ممكن (٤).
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ قال
стр. 11760
المفسرون: حسدًا وحزازة وغيظًا مما أوتي المهاجرون دونهم (١)، وكل ما يجده الإنسان في صدره مما يحتاج إلى إزالته وشق عليه وجوده فهو حاجة.
قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ يقال: آثرتك إيثارًا، أي: فضلتك، وآثره بكذا إذا خصه به وفضله من بين الناس (٢)، ومفعول الإيثار محذوف والتقدير: ويؤثرونهم على أنفسهم، قال المفسرون: أي بأموالهم ومنازلهم، وذلك أنهم أشركوا المهاجرين في رباعهم وأموالهم وواسوهم بها (٣).
وقال الكلبي، عن ابن عباس: هو أن النبي ﷺ قال للأنصار: "إن شئتم قسمتم لهم من دوركم وأموالكم، وقسمت لكم من الفيء كما قسمت لهم، وإن شئتم كان لهم القسم ولكم دياركم وأموالكم". فقالوا: لا. بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا ولا نشاركهم في القسم، فأنزل الله ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (٤)، فبين أن هذا الإيثار ليس عن غنى من المال، ولكنه عن حاجة وخصاصة، وهي الفقر، وذو الخصاصة ذو الخلة، وأصلها من الخصاص، وهي الفرج، وكل خلل أو خرق يكون في
стр. 11761
منخل أو باب أو سحاب أو برقع فهي خصاصة، الواحد خصاصة، ومنه قول الراجز:
ينظرن من خصاص ... بأعين شواصى (١)
وذكر المفسرون أنواعًا من إيثار الأنصار للضيف بالطعام وتعللهم عه حتى شبع الضيف، ثم ذكروا أن الآية نزلت في ذلك الإيثار (٢). والصحيح أن الآية نزلت بسبب إيثارهم المهاجرين بالفيء ثم يجوز أن يتضمن قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ ما رووه من أنواع الإيثار (٣).
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ ذكرنا تفسير الشح في قوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ (٤) قال سعيد بن جبير: هو أخذ الحرام ومنع الزكاة (٥).
стр. 11762
وقال مقاتل: حرص نفسه (١)، وقال ابن زيد: من لم يأخذ شيئًا نهاه الله عنه ولم يمنع شيئًا أمره الله بأدائه فقد وُقي شح نفسه (٢).
قال المفسرون: يعني أن الأنصار ممن وقي شح نفسه حين طابت أنفسهم عن الفيء (٣).
١٠ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ يعني التابعين وهم الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة.
ثم ذكر أنهم يدعون لأنفسهم بالمغفرة ولمن سبقهم بالإيمان بقوله: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي غشًا وحسداً وبغضًا (٤)، فكل من لم يترحم على جميع أصحاب محمد ﷺ وكان في قلبه غل على أحد منهم فإنه ليس ممن عناه بهذه الآية، ولهذا قال المتقدمون من العلماء: رتب الله تعالى المؤمنين على ثلاثة منازل: المهاجرين والأنصار والتابعين الموصوفين بما ذكر فمن لم يكن من التابعين بهذه الصفة كان خارجًا من أقسام المؤمنين.
هذا الذي ذكرناه في هذه الآية من أنها نزلت في التابعين قول جماعة المفسرين (٥).
стр. 11763
وقال الكلبي: نزلت في المهاجرين.
١٠ - قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي أتوا المدينة بعد الأنصار، فإنهم نزلوها بعدهم يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبل وألف بين قلوبنا ولا تجعل فيها غمرًا (١) للذين آمنوا، أي: حسدًا للأنصار، وذكره الفراء (٢)، والصحيح ما عليه الناس لقوله: ﴿سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ والأنصار لم يسبقوا المهاجرين بالإيمان (٣). والأكثرون أيضًا على أن قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا﴾ عطف على قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ (٤) ويؤكد هذا ما روى مالك بن أوس بن الحدثان (٥) أن عمر بن الخطاب ذكر الفيء ثم قرأ ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ حتى بلغ ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾
стр. 11764
فقرأها ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ثم قال: استوعبت هذه الآية المسلمين عامة، فليس أحد إلا له فيها حق (١).
وروى عن مالك بن أنس أنه قال: من تنقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ ، أو كان في قلبه عليه غل فليس له حق في فيء المسلمين، ثم تلا هذه الآيات. قال: وهذا نص في الكتاب بين (٢).
وقال المقاتلان: قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ ابتدأ كلام في الثناء على الأنصار ثم حين طالت أنفسهم عن الفيء جعل للمهاجرين دونهم, وعلى قولهما: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُو﴾ ابتداء، وخبره ﴿يُحِبُّونَ﴾ وكذلك ما بعده (٣). والأكثرون على القول الأول، وهو أن الله تعالى جعل الفيء لجميع أقسام المسلمين الثلاثة، وهو مما ذكرنا أن الفيء بعد زمان رسول الله يصرف إلى مصالح المسلمين عامة.
ثم أنزل فيما دس المنافقون إلى اليهود أنا معكم في النصر والخروج.
١١ - قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ (٤) قال المقاتلان: يعني عبد الله بن أبي، وعبد الله بن نبتل، ورفاعة بن زيد، كانوا من الأنصار
стр. 11765
ولكنهم نافقوا وباطنوا اليهود (١) فقالوا لإخوانهم أي في الدين، إنهم كفار مثلهم يعني اليهود ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ﴾ أي من المدينة ﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ﴾ أي في خذلانكم وإسلامكم ﴿أَحَدًا أَبَدًا﴾ ووعدوهم (٢) النصر أرضًا بقولهم (٣): ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ ثم كذبهم الله تعالى في ذلك فقال ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
ثم ذكر أنهم يخلفونهم ما وعدوهم من الخروج والنصر.
١٢ - قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا﴾ الآية، علم الله تعالى ما هو كائن، وما كان، وما ليس بكائن، إذا كان كيف يكون عز ربنا وجل - وقال أبو إسحاق: وقد بَانَ صدق ما قاله الله في أمر بني النضير الذين عاقدهم المنافقون وقوتلوا فلم ينصروهم. فأظهر الله كذبهم (٤).
قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ﴾ بعد قوله: ﴿لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ معناه: وإن قدر وجود نصرهم, لأن ما نفاه الله تعالى لا يجوز وجوده، ولكن يجوز أن يقال لو قدر وجوده.
قال الزجاج: معناه أنهم لو تعاطوا نصرهم، يعني أن المنافقين إن قصدوا نصر اليهود لولوا الأدبار منهزمين (٥) عن محمد ﷺ وأصحابه، ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ يعني بني النضير لا يصيرون منصورين على محمد وأصحابه إذا انهزم ناصرهم الذين راموا نصرهم.