← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 11796–11835 · переход к 11801.

стр. 11796

أنهن غير مردودات ولا داخلات في العهد. قوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ قال ابن عباس: لم يحل الله مؤمنة لكافر، ولا نكاح مؤمن لمشركة (١). وقوله: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ يعني أزواجهن الكفار ما أنفقوا عليهن من المهر. قال أصحابنا: إنما أمرنا أن نغرم مهرهن؛ لأنهن كن داخلات في الشرط الذي شرط رسول الله ﷺ برد من جاءه منهن على أحد القولين، فلزم العزم لأنهن دخلن في العقد ثم منعناهن، وإذا قلنا لم يدخلن في العقد فالعزم إنما كان لإيهام رسول الله ﷺ إياهم أنهن داخلات في الشرط ثم لم يلزم غرم المهر إلا إذا طالب الزوج الكافر بذلك وحضر لطلبه، فإذا حضر وهي باقية عندنا منعناها وغرمنا له صداقها، وإن كانت ماتت قبل حضور الزوج ما (٢) نغرم المهر؛ لأن المنع لم يتحقق، وإنما نغرم الصداق المسمى في أصل العقد لا مهر المثل؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ وهذا يتناول المسمى في العقد، فإن كان المسمى خمرًا أو خنزيرًا لم نغرم شيئًا، لأن ذلك ليس بمال، وان كان المسمى مالاً ولكنه لم يسلمه إليها لم نغرم له شيئاً؛ لأنه ما أنفق شيئًا. وكذلك لو كانت أبرأته. وقال مقاتل: يرد المهر الذي يتزوجها من المسلمين، فإن لم يتزوجها من المسلمين أحد فليس لزوجها الكافر شيء (٣). قوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أباح الله نكاحهن بشرط المهر؛ لأن الإسلام فرق بينها وبين زوجها الكافر. وهذا

стр. 11797

مختلف بالمرأة فإن إسلامها إن كان قبل المسيس بانت منه بنفس الإسلام ولا عدة لها, ولها أن تنكح مسلمًا في الحال، وإن كان بعد المسيس كان النكاح موقوفًا على انقضاء العدة، فإن أسلم الزوج قبل انقضاء العدة فهما على النكاح الأول، وإن انقضت عدتها قبل إسلام الزوج علمنا أنها بانت منه يوم أسلمت (١). قوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ قراءة أبي عمرو من التمسيك يقال: مسك يمسك، مثل أمسك يمسك، وحجته قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ [الأعراف: ١٧٠] وقراءة الباقين بالتخفيف من الإمساك (٢). والعصم جمع العصمة وهي كل ما عصمك واعتصمت به. قال أبو عبيدة: أصل العصمة: الحمل والسبب (٣). قال ابن عباس: العصمة النكاح فيما بيننا (٤). قال مقاتل: يعني بعقد الكوافر، يقول: لا تعقد بامرأتك الكافرة فإنها ليست لك بامرأة (٥)، وقال المفسرون: من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعتدن بها فقد انقطعت عصمته منها ولا عصمة بين المشركة والمؤمن فإذا أسلم الزوج وامرأته الوثنية بقيت على الكفر حتى انقطعت عدتها فقد

стр. 11798

انقطعت بينهما بانقضاء العدة وانبت عقدة النكاح (١). قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ﴾ أي إن لحقت امرأة منكم بأهل العهد من الكفار مرتدة فاسئلوهم ما أنفقتم من المهر، هذا إذا منعوها ولم يدفعوها إلينا فعليهم أن يغرموا لنا صداقها كما يغرم لهم (٢) وهو قوله تعالى: ﴿وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ يعني ما ذكر في هذه الآية من الحكم، فإن رضوا بهذا الحكم وردوا المهر على المسلم أخذه وإن لم يردوا طائعين أو كانوا أهل حرب ولم يكونوا أهل عهد، فالحكم ما ذكره في قوله: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ﴾ الآية. قال الزهري: لما نزل قوله: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ الآية. أقر المؤمنون بحكم الله وأدوا ما أمروا به من نفقات المشركين وأبى المشركون أن يقروا بحكم الله فيما أمر من أداء نفقات المسلمين، فأنزل الله ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ (٣) ١١ - قال الفراء: وفي قراءة عبد الله ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ وأحد يصلح في موضع شيء وشيء في موضع أحد في الناس. يقول إن أعجزتك امرأة ذهبت مريدة فلحقت بأهل مكة كافرة (٤). قال الحسن

стр. 11799

ومقاتل: نزلت في أم الحكم بنت أبي سفيان. ارتدت وتركت زوجها عياض ابن غنم القرشي (١) -ولم ترتد امرأة من قريش غيرها- ثم عادت إلى الإسلام (٢). قوله: ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾ أي فغتمتم (٣). قاله ابن عباس، ومسروق، وإبراهيم. قال أبو عبيدة: ﴿عَاقَبْتُمْ﴾ أصبتم منهن عقبة (٤). وقال المبرد: ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾ فعلتم ما فعل بكم -أي ظفرتم وهو من قولك: العقبى لفلان، أي: العاقبة بعد الأولى، وتأويل العاقبة الكرة الآخرة (٥). وقال ابن قتيبة: ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾ أي: أصبتم عقبى، أي: غنيمة من غزوٍ، ومعنى ﴿عَاقَبْتُمْ﴾ غزوتم معاقبين غزوًا بعد غزو (٦). وقال أبو إسحاق: تأويله في اللغة: فكانت العقبى لكم، أي: كانت الغلبة لكم حتى غنمتم. قال: ومعنى ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾ أصبتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم (٧)، ومعنى الآية: فغنمتم من العدو شيئًا فإن صارت العاقبة في

стр. 11800

الظفر لكم فأعطوا الأزواج من رأس الغنيمة ما أنفقوا عليهن من المهر. وهو قوله: ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾. ١٢ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ قال الكلبي: لما فتح رسول الله ﷺ مكة غرم من الغنيمة للذين ذهبت أزواجهم إلى الكفار مهور نسائهم، جاءته نساء أهل مكة يبايعنه فأنزل الله هذه الآية (١). وشرط في مبايعة النساء أن يأخذ عليهن هذا الشرط الذي (٢) ذكره في هذه الآية وهو قوله: ﴿عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ وقال المفسرون: يعني بالأولاد الذي كان يفعله الجاهلية، ثم هو عام في كل نوع من قتل الولد (٣). قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ قال ابن عباس: يريد لا تلحق بزوجها ولدًا ليس منه (٤)، وقال الكلبي: هو أن تجيء بالصبي من غير زوجها فتقول لزوجها: هو منك وأنا ولدته، وهذا

стр. 11801

قول جماعة المفسرين (١). قال الفراء: كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها: هذا ولدى منك. فذلك البهتان المفترى (٢). وقال أبو إسحاق: أي لا يأتين بولد ينسبنه إلى الزوج، فإن ذلك بهتان وفرية (٣). ومعنى ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ أي مفترينه. أي أنفسهن بأن يقلن: نحن ولدنا، وإنما قيل ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ لأن الولد إذا وضعته الأم سَقَطَ بين يديها ورِجليها, وليس المعنى على هذا (٤) نهيهن من أن يأتين بولد من الزنا فينسبنه إلى الأزواج؛ لأن النهي عن الزنا (٥) قد تقدم، ولأنها إذا كانت ذات زوج وزنت كان الولد لاحقًا بالزوج بحق الفراش. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قال الكلبي: في معروف مما تأمرهن به وتنهاهن عنه كالنوح، وتمزيق الثياب، وجز الشعر، وشق الجيب، وأن تخلو بغير ذي محرم، وأن تسافر سفرًا مع (٦) غير ذي محرم. ونحو هذا قال المقاتلان (٧).

стр. 11802

وهو معنى قول ابن زيد: لا ينشرن شعرًا ولا يخمشن وجهًا, ولا يدعون ويلاً. وكثير من المفسرين خصوا هذا المعروف بالنهي عن النوح. وهو قول سالم بن أبي الجعد (١)، وعكرمة، وجماعة. قالوا: لا تنحن نوح الجاهلية (٢). قالت أم عطية: كان فيما اشترط علينا في البيعة أن لا ننوح (٣). وقالت أم سلمة (٤): قالت امرأة: يا رسول الله: ما هذا المعروف الذي لا ينبغي لنا أن نعصيك فيه؟ قال: لا تنحن (٥).

стр. 11803

وروى الربيع عن أبي العالية في قوله: ﴿فِي مَعْرُوفٍ﴾ قال: في كل أمر وافق طاعة الله فلم يرضي الله لنبيه أن يطاع في معصية الله (١). وقال عطاء عن ابن عباس ﴿فِي مَعْرُوفٍ﴾ في كل بر وتقوى. ويريد فرائض الله (٢). وقال أبو إسحاق: والجملة أن المعنى لا يعصينك في جميع ما تأمرهن (٣) به بالمعروف (٤). قوله تعالى: ﴿فَبَايِعْهُنَّ﴾ جواب لـ ﴿إِذَا﴾ في أول الآية. أي إذا بايعنك على هذا الشرط فبايعهن. واختلفوا في كيفية بيعة النبي ﷺ مع النساء. فروى سالم بن أبي الجعد، عن أبي فليح قال: كان رسول الله ﷺ يبايع النساء على الصفا، وجلس معه عمر فجعل يشترط على النساء للبيعة، وعمر يصافحهن. وروى الزهري عن عروة، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يبايع النساء بالكلام بهذه الآية وما مست (٥) يد رسول الله ﷺ النساء للبيعة. فقلت: ألا تحسر لنا عن يديك؟ قال: إني لست أصافح النساء ولكن أخذ عليهم (٦).

стр. 11804

وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (أن النبي ﷺ كان إذا بايع النساء دعا بقدح من ماء فغمس يده ثم غمسن أيديهن فيه) (١). ١٣ - قوله تعالي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ قال ابن عباس: يريد حاطب بن أبي بلتعة يقول: لا تتولوا اليهود والمشركين (٢). وقال المقاتلان: يقول للمؤمنين: لا تتولوا اليهود، وذلك أن ناسًا من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود أخبار المسلمين يتواصلون إليهم بذلك فيصيبون من ثمارهم، فنهى الله عن ذلك (٣).

стр. 11805

قوله تعالى: ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ يعني أن اليهود كذبت محمداً ﷺ وهم (١) يعرفون أنه رسول صادق، وأنهم قد أفسدوا عليهم آخرتهم بتكذيبهم إياه فهم آيسون من أن يكون لهم في الآخرة خير. قوله تعالى: ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ أي: كما يئس الكفار الذين ماتوا وصاروا في القبور وتبينوا أن لا حظ لهم في الآخرة. وهذا قول الكلبي، والمقاتلان، وعكرمة، وعطاء، عن ابن عباس. قالوا: يعني الكفار الذين ماتوا فيئسوا من الجنة، ومن أن يكون لهم في الآخرة خير (٢). وقال الحسن: يعني الكفار الأحياء يئسوا من الأموات (٣). قال أبو إسحاق: يقول يئس اليهود الذين عاندوا النبي ﷺ من أن يكون لهم في الآخرة حظ، كما يئس الكفار الذين لا يوقنون بالغيب من موتاهم أن يبعثوا (٤).

стр. 11806

سورة الصف

стр. 11807

تفسير سورة الصف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١، ٢ - ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ قال أكثر المفسرين: إن المؤمنين قالوا: وددنا أن الله يخبرنا بأحب الأعمال إليه حتى نعمله ولو ذهبت فيه أموالنا وأنفسنا؛ فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ﴾ الآية. وأنزل قوله: ﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ﴾ الآية. فكرهوا الموت وأحبوا الحياة، وتولوا يوم أحد، فأنزل الله ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ وهذا قول مقاتل ومجاهد، وعطاء، عن ابن عباس (١). وقال قتادة، والضحاك: كان الرجل يقول: قاتلت ولم يقاتل، وطعنت ولم يطعن، وفعلت، ولم يفعل، فنزلت هذه الآية (٢). قال الحسن: نزلت في المنافقين. كانوا يقولون مالا يعتقدون ويعدون المؤمنين النصر فيكذبون (٣). ثم ذم القول إذا لم يسعفه الفعل فقال:

стр. 11808

٣ - ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ قال الزجاج: ﴿أَن﴾ في موضع رفع، و ﴿مَقْتًا﴾ منصوب على التمييز، المعنى: كبر قولكم أن لا تفعلوا مقتًا عند الله (١). وهذا كقوله: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾، وقد مر (٢) ٤ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ أي يصفون صفًا. والمعنى: يصفون أنفسهم عند القتال صفًا ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ قال الفراء: مرصوص بالرصاص (٣). قال المبرد: يقال: رصفت البناء إذا لاءمت (٤) بينه وقاربت حتى يصير كقطعة واحدة (٥). وقال الليث: رصصت البناء رصًا، إذا ضممت بعضه إلى بعض (٦)، من الرصيص انضمام الأسنان بعضها إلى بعض، والتراص: التلاصق (٧). ومنه الحديث: "تراصوا في الصف" (٨). قال ابن عباس: يرفع الحجر على الحجر ثم يرص بحجارة صغار،

стр. 11809

ثم يوضع اللبن علبه، تسميه أهل مكة: المرصوص (١). وقال مقاتل: ملتزق بعضه ببعض (٢). قال أبو إسحاق: أعلم الله أنه يحب من يثبت في الجهاد في سبيله ويلزم مكانه كثبوت البناء المرصوص. قال: ويجوز على أن تستوي نياتهم في حرب عدو حتى يكونوا في اجتماع الكلمة وموالاة بعضهم بعضًا كالبنيان المرصوص (٣)، فالأول على التشبيه به في رأي العين، والثاني على التشبيه من حيث التظافر كالبنيان يشد بعضه بعضًا. ٥ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى﴾ أي: واذكر لقومك هذه القصة، قوله تعالى: ﴿لِمَ تُؤْذُونَنِي﴾ قال الكلبي، ومقاتل: كان إيذاؤهم له أنهم رموه بالأدرة (٤) وقد ذكرنا ذلك في آخر سورة الأحزاب (٥).

стр. 11810

قوله تعالى: ﴿وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ إنكارًا عليهم إيذاؤه بعد ما علموا أنه رسول الله، ورسول الله يحترم ويعظم، ولا يؤذى. قوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا﴾ قال ابن عباس: مالوا إلى غير الحق (١). وقال مقاتل: عدلوا عن الحق، ﴿أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ أمالها عن الحق (٢). والمعنى أنهم لما تركوا الحق بإيذاء نبيهم أمال الله قلوبهم وأظلهم وصرفهم عن الدين جزاء لما ارتكبوا، ويدل عليه قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ قال أبو إسحاق: لا يهدي من سبق في علمه أنه فاسق (٣)، وفي هذا تنبيه على عظم إيذاء الرسول حتى أنه يؤدي إلى الكفر ويزيغ القلب عن الهدى. قوله تعالى: ﴿يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ هاتان جملتان في موقع جر، لأنهما صفتان للنكرة التي هي قوله: ﴿بِرَسُولٍ﴾، وفي قوله: ﴿مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ قراءتان: تحريك الياء بالفتح على الأصل، وهو الاختيار في كل موضع تذهب فيه الياء لالتقاء الساكنين (٤)، فإن كان موضع يظهر فيه التحريك والإسكان حسنًا كقوله: ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] ﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾ (٥) فمن فتح فعلى الأصل، ومن أسكن فجائز، ومن أسكن

стр. 11811

في قوله: ﴿مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ حذف الياء من اللفظ لالتقاء الساكنين (١): الياء من ﴿بَعْدِي﴾ والسين من ﴿اسْمُهُ﴾ وهمزة الوصل تسقط في الإدراج، وهذا قول المبرد، وأبي علي (٢). قال المبرد: لا معنى لاختيار أبي عبيد الفتح، إذا كان بعد الياء ألف وصل مفتوحًا نحو ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٣] و ﴿أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ﴾ [الملك: ٢٨]، وترك الفتح إذا كان ألف الوصل مكسورًا نحو ﴿بَعْدِي اسْمُهُ﴾ والأصل والاختيار ما ذكرنا، وهذا لا معنى له. قال أبو عبيد: إنك إذا ابتدأت بقولك: (الله)، (الضر). كان بالفتح وإذا ابتدأت بقولك اسمه كان بالكسر، فلهذا آثرنا الإرسال هاهنا. وهذا لا يوجب ما ذكر من الاختيار. قوله تعالى: ﴿أَحْمَدُ﴾ يحتمل معنيين: أحدهما: أن يجعله مبالغة من الفاعل، فيكون معناه: إنه أكثر حمدًا لله من غيره. وثانيهما: أنه يحمد بما فيه (٣) من الأخلاق والمحاسن أكثر مما يحمده غيره (٤). وعلى هذا دل كلام الكلبي فإنه قال: أحمد الذي لا يذم (٥)، وهو رسول الله ﷺ خاتم النبيين، وأحمد معروف في أسماء نبينا

стр. 11812

صلوات الله عليه (١). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ قال ابن عباس: يظهر دينه (٢). والأصل التنوين, لأنه لما لم يقع، ومن أضاف نوى التنوين والانفصال أيضًا (٣) كما ذكرنا في قوله: ﴿عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ (٤) و ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٥)، و ﴿كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر: ٣٨] وهذه الآية والتي بعدها مفسرات في سورة براءة (٦) ١٢ - قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ قال أبو إسحاق: هذا جواب ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ﴾ لأن معناه معنى الأمر، المعنى: آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم يغفر (٧) لكم، والدليل على ذلك أن في قراءة ابن مسعود. ﴿آمَنُوا بِاللَّهِ﴾ (٨).

стр. 11813

وقال الفراء: جزم ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ بهل، وتأويل ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ﴾ أمر كقولك: هل أنت ساكت، معناه: اسكت (١). قال أبو إسحاق: وهذا غلط بين، ليس إذا دلهم النبي ﷺ على ما ينفعهم غفر الله لهم، إنما يغفر الله لهم إذا آمنوا وجاهدوا، وهو جواب ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ و ﴿وَتُجَاهِدُونَ﴾ (٢) على ما ذكرنا في سورة براءة. وإدغام الراء في اللام في ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ وغيره غير جائز عند النحويين لقوة الراء (٣)، والأضعف يدغم في الأقوى لا الأقوى في الأضعف، والدليل على قراءة الراء أنه حرف متكرر، ولذلك غلب المطبق والمستعلي، وهو أنه لا يقال ما في أوله الصاد والضاد والطاء والظاء، نحو صالح، وضابط، وطالب، وظالم، ويُقال نحو ضارب وصارم وطارد مكان الراء. وجاز ذلك لأن الكسر كأنه تكرر في الكلمة، وكذلك لا يمال نحو خالد. ويُقال نحو خارج وحارب لما ذكرنا (٤).

стр. 11814

١٣ - قوله تعالى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ يجوز عند الزجاج أن يكون المعنى: وتجارة أخرى عطفًا على قوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ﴾ (١) ثم قال: وتجارة أخرى، ويجوز أن يكون المعنى: ولكم تجارة أخرى وهي نصر من الله (٢). وعند الفراء معنى الآية وخصلة أخرى تحبونها في العاجل مع ثواب الآخرة، ثم ذكرها فقال: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ﴾، وهو مفسر للأخرى (٣). وهذا هو القول (٤) , لأنه لا يحسن أن يكون نصر من الله تفسيرًا للتجارة إذ ليس نصر الله تجارة لنا كما يكون الإيمان والجهاد، بل هو ربح للتجارة (٥)، والله تعالى ذكر ثواب الآخرة جزاء لما دل عليه من التجارة وهو قوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ إلى آخر الآية. ثم ذكر ما يعطينا أيضًا في العاجل مما نحبه جزاء أيضًا لتلك التجارة، وهو النصر والفتح.

стр. 11815

قال ابن عباس: يريد فتح فارس والروم (١). وقال الكلبي: يعني النصر على كفار قريش وفتح مكة (٢). قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال مقاتل: وبشر يا محمد المؤمنين بالنصر في الدنيا، والجنة في الآخرة (٣). وقد ذكرهما في قوله: ﴿وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي﴾ وقوله: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ﴾. ثم خص المؤمنين على نصرة دينه، فقال: ١٤ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ بهذا أمر إدامة النصرة والثبات عليه. أي: دوموا على ما أنتم عليه من النصرة، يدل على هذا أن في حرف عبد الله (يا أيها الذين آمنوا أنتم أنصار الله) (٤) بغير تنوين (٥) كقوله: ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ ولم يقل أنصار لله، والمعني في ﴿أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ أنصار دين

стр. 11816

الله (١). فترك ذكر الدين لتشريف النصر لدين الله. ﴿كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ﴾ أي: انصروا دين الله مثل نصرة الحواريين لما قال لهم عيسى ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ قال مقاتل: يعني من يمنعنى مع الله (٢). وقال عطاء: يريد من ينصرني وينصر دين الله (٣). وقال مقاتل: أمر الله المؤمنين أن ينصروا محمدًا كما نصر الحواريون عيسى (٤). وكان الله قد أوحى إلى عيسى: إذا أنت دخلت القرية فأت النهر الذي عليه القصارون فسلهم النصر، فأتاهم عيسى فقال لهم ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ يقول: من ينصرني مع الله، فقالوا: نحن ننصرك. فاتبعوه وصدقوه ونصروه. قال مقاتل: مرَ بهم ببيت المقدس وهم يقصرون الثيات فقال لهم هذا (٥). ومضى الكلام في ﴿إِلَى﴾ بمعنى مع عند قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ (٦). قوله تعالى: ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾ قال سعيد بن

стр. 11817

جبير عن ابن عباس: يعني الطائفة التي كفرت في زمن عيسى، والتي آمنت في زمان عيسي، وذلك أن عيسى ﵇ لما رفع إلى السماء تفرقوا ثلاث فرق: فرقة قالوا: كان الله فارتفع. وفرقة قالوا: كان ابن الله فرفعه الله إليه. وفرقة قالوا: كان عبد الله ورسوله فرفعه إليه، وهو المسلمون. واتبع كل فرقة منهم طائفة من الناس، واجتمعت الطائفتان الكافرتان على الطائفة المسلمة فقتلوهم وطردوهم وظهر أمرهم فلم يزالوا كذلك حتى بعث الله محمدا ﷺ فاقتتلوا، فظهرت المؤمنة على الكافرة، فذلك قوله تعالى: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ (١). قال مجاهد: ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ يعني من أَتبع عيسى (٢). ونحو هذا قال المقاتلان (٣). وعلى هذا القول معنى الآية أن من آمن بعيسى ظهروا على من كفر به، وأصبحوا عالين على أهل الأديان. وقال إبراهيم: أصبحت حجة من آمن بعيسى ظاهرة بتصديق محمد ﷺ عيسى كلمة الله وروحه (٤).

стр. 11818

وهذا قول الكلبي: ظاهرين بالحجة (١).

стр. 11819

سورة الجمعة

стр. 11820

تفسير سورة الجمعة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ قال أهل المعاني: إنما أعيد ذكر التسبيح في هذه السورة لاستفتاح السورة بتعظيم الله من جهة ما سبح له كما يستفتح ببسم الله الرحمن الرحيم، وإذا جل المعنى في تعظيم الله حسن الاستفتاح به. والفائدة فيه تعظيم ما ينبغي أن يستفتح به على جهة التعظيم لله والتيمن بذكره. ومضى تفسير القدوس في آخر سورة الحشر. ٢ - قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ يعني العرب، قال المفسرون: كانت العرب أمة لا كتاب لهم، ولا يقرأون كتابًا ولا يكتبون (١). قال ابن عباس: يريد الذين ليس لهم كتاب ولا بعث فيهم نبي (٢). قال أبو إسحاق: الأميون الذين هم على ما خلقت عليه الأمة قبل تعلم الكتاب (٣)، وهذا مما سبق تفسيره (٤).

стр. 11821

وقوله: ﴿رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد محمد ﷺ نسبه نسبهم وهو من جنسهم (١) كما قال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]. قال أهل المعاني: وكان هو ﷺ أميًا مثل أولئك الأمة الذين بعث فيهم، وكانت البشارة به قد تقدمت بأنه النبي الأمي، وكونه بهذه الصفة أبعد من توهم الاستعانة على ما أتى به من الحكمة بالكتابة، وكانت حاله مشاكلة لحال الذين بعث فيهم، وذلك أقرب إلى صدقه (٢). قوله تعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ مفسر في سورة البقرة (٣) . قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: ما كانوا من قبل بعثه فيهم إلا في ضلال بيِّن، وهو الشرك، كانوا يعبدون الأوثان من الحجارة. ٣ - قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ نسق على قوله: ﴿فِي الْأُمِّيِّينَ﴾ المعنى: وبعث في آخرين منهم ﴿لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ قال المفسرون: يعني الأعاجم، وكل من دخل في الإسلام وصدق النبي من العجم. هذا قول ابن عباس، ومجاهد (٤).

стр. 11822

وقال مقاتل: يعني التابعين من هذه الأمة الذين لم يلحقوا بأوائلهم (١)، وجميع الأقوال في هذا معناها أن المراد بالآخرين كل من دخل في الإسلام بعد النبي ﷺ إلى يوم القيامة. وقول المفسرين: هم الأعاجم، يعنون بالأعاجم من ليس من العرب، والعرب تسمي من لا يتكلم بلغتهم عجميًا، من أي جنس كان، ومنه قول الشاعر: سَلُّومُ لو أصبحتِ وسط الأعجمِ ... بالروم أو بالترك أو بالديلم (٢) فعبر عن الأعجم بهؤلاء الأجناس فالأميين هم العرب، ﴿وَآخَرِينَ﴾ سواهم من الأمم غير العرب، فالنبي ﷺ مبعوث إلى من شاهده وإلى كل من كان بعدهم من العجم والعرب. وقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ أي من الأميين، وجعلهم منهم؛ لأنهم إذا أسلموا ودانوا بدينهم صاروا منهم، فالمسلمون كلهم يد واحدة وأمة واحدة وإن اختلفت أجناسهم، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾

стр. 11823

[التوبة: ٧١]، وقال أيضًا في صفة المؤمنين ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥] فأما من لم يؤمن بالنبي ﷺ ولم يدخل في دينه فإنهم ليسوا ممن عناهم الله بقوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ وإن كان ﷺ مبعوثا إليهم بالدعوة, لأن الله تعالى قال في الآية الأولى: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ومن لم يؤمن فليس ممن زكاه النبي ﷺ من الكفر وعلمه القرآن والسنة. وذكر أبو إسحاق وجهًا آخر في إعراب ﴿وَآخَرِينَ﴾ وهو النصب بالعطف على الضمير في ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ﴾ على معنى: ويعلم (١) آخرين منهم (٢). وهذا كالسعيد (٣)؛ لأن الذين لم يلحقوا من شاهد النبي ﷺ كيف يعلمهم النبي ﷺ ولم يدركوه، إلا أن يحمل على أنهم إذا تعلموا ما أتى به فهو علمهم وإن لم يشاهدوه، وكل ما نعلمه من الدين فهو مما علمنا نبينا ﷺ . (٤) ٤ - قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ قال ابن عباس: يريد حيث ألحق العجم وأبناءهم بقريش والعرب (٥). يعني أنهم إذا آمنوا ألحقوا

стр. 11824

في درجة الفضل بمن (١) شاهد رسول الله ﷺ وشاركوهم في ذلك الفضل. وقال مقاتل: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ﴾ يعني الإسلام (٢) ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. وقال مقاتل بن حيان (٣): يعني النبوة فضل الله يؤتيه من يشاء. فاختص بها محمدًا ﷺ (٤). ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ ذو المن العظيم على جميع خلقه. ثم ضرب لليهود الذين تركوا العمل بالتوراة والإيمان بالنبي ﷺ مثلًا. ٥ - فقال قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾ قال المفسرون: حملوا العمل بما فيها وكلفوا القيام بها (٥). وقال صاحب النظم: ليس هو من العمل على الظهور، وإنما من الحمالة بمعنى الكفالة والضمان، ومنه قيل للكفيل الحميل. والمعنى: ضمنوا أحكام التوراة ثم لم يضمنوها ولم يعملوا بما فيها (٦). قال الأصمعي: الحميل الكفيل، وقال الكسائي: حملت به حمالة: كلفت به (٧). قوله: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ جمع سفر، وهو الكتاب

стр. 11825

الكبير، لأنه سفر عن المعنى إذا قرئ، ومثله شبر وأشبار (١). شبه اليهود إذا لم ينتفعوا بما في التوراة وهي دالة على الإيمان بمحمد ﷺ بالحمار يحمل كتب العلم ولا يدري ما فيها. قال ميمون بن مهران: الحمار لا يدري أسفر على ظهره أم زبل. وقال أهل المعاني: وهذا المثل يلحق من لم يفهم معاني القرآن ولم يعمل به وأعرض عنه إعراض من لا يحتاج إليه، ولهذا قال ميمون بن مهران: يا أهل القرآن: اتبعوا القرآن قبل أن يتبعكم. ثم تلا هذه الآية (٢). ﴿لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ﴾ لم يؤدوا حقها ولم يحملوها حق حملها على ما فسرنا فشبههم والتوراة في أيديهم وهم لا يعملون (٣) بها بالحمار يحمل كتبًا وليس له من ذلك إلا نقل الحمل من غير انتفاع بمعاني ما حمل، كذلك اليهود ليس لهم من كتابهم إلا وبال الحجة عليهم. ثم ذم هذا المثل والمراد به ذمهم فقال قوله تعالي: ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ أي: بئس مثل القوم مثل الذين كذبوا كما قال: ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٧٧] أي: مثل القوم الذين، فيكون المضاف محذوفًا، ويكون موضع ﴿الَّذِينَ﴾ رفعًا، ويجوز أن يكون موضع ﴿الَّذِينَ﴾ جرًا والمقصود بالذم محذوف (٤) كما كان محذوفًا من قوله تعالى: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤] ولم يذكر أيوب لتقدم ذكره،

стр. 11826

وذكر الوجهين أبو علي في كتاب "الإيضاح" (١). والمراد بآيات الله هاهنا قال ابن عباس، ومقاتل: بمحمد وما أتى به من القرآن (٢)، ويحتمل أن يكون المراد بالآيات التوراة؛ لأنهم كذبوا بها حين تركوا الإيمان بمحمد ﷺ (٣) وهذا القول أشبه هنا (٤). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ قال عطاء: يريد الذين ظلموا أنفسهم بتكذيب الأنبياء (٥). قال أبو إسحاق: معناه لا يهدي من سبق في علمه أنه يكون ظالمًا (٦) . ٦ - قوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا﴾ الآية. والتي بعدها سبق تفسيرهما في سورة البقرة عند قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ الآيتان (٧). ٨ - قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ قال أبو إسحاق: دخلت الفاء في خبر إن، ولا يجوز إن زيدًا فمنطلق، لأن ﴿الَّذِي﴾ فيه معنى الشرط والجزاء (٨). وقال الفراء: العرب تدخل الفاء في كل خبر كان اسمه مما يوصل، مثل من والذي وإلقاؤها جائز وهي في قراءة عبد الله (تفرون منه ملاقيكم)

стр. 11827

بغير فاء (١). وهذه المسألة شرحناها في مواضع من هذا الكتاب عند قوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ ثم قال: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ (٢) وفي آي سواها، قال عثمان بن جني: ليست الفاء في (فإنه) زائدة، ولكنها لما دخلت لما في الكلام، معنى الشرط كأنه والله أعلم، قال: إن فررتم منه لاقاكم- فإن قال قائل: الموت ملاقيكم على كل حال فروا منه أو لم يفروا فما معنى الشرط والجواب هنا؟ وهل يصح الجواب بما هو واقع لا محالة؟ قيل: إن هذا على وجه الرد عليهم إذ ظنوا أن الفرار ينجيهم. وقد صرح هذا وأفصح عنه بالشرط الحقيقي زهير (٣) في قوله: ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ... ولو رام أسباب السماء بسلم (٤) ٩ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ قال مقاتل: يعني النداء إذا جلس الإمام على المنبر يوم الجمعة، وهو كما قال، لأنه لم يكن على عهد رسول الله ﷺ نداء سواه كان إذا جلس على المنبر أذن بلال على باب المسجد، وكذا كان على عهد أبي بكر، وعمر ﵄ (٥).

стр. 11828

وقوله: ﴿الْجُمُعَةِ﴾ يعني لوقت الصلاة (١). يدل عليه قوله: ﴿مِنْ يَوْمِ﴾ والصلاة لا تكون من اليوم وإما يكون وقتها من اليوم، وأما الجمعة فقال الليث: الجمعة يوم خُصَّ به لاجتماع الناس في ذلك اليوم ويجمع على الجُمعان والجُمَع، والفعل جمَّع الناسُ: أي شهدوا الجمعة (٢). وروي عن سلمان قال: قال رسول الله ﷺ : "سميت الجمعة لأن آدم ﵇ جمع خلقه" (٣). وقال بعضهم: سميت بهذا الاسم؛ لأن الله تعالى فرغ فيه من خلق الأشياء فاجتمعت فيه المخلوقات (٤). قال الفراء: وفيها ثلاث لغات (٥)، التخفيف، وهي قراءة الأعمش،

стр. 11829

والتثقيل قراءة العامة (١)، ولغة لبني عقيل (٢) يقولون: الجمعة (٣) كأنهم ذهبوا بها إلى صفة اليوم أنه يجمع الناس كما يقال ضحكة للذي يكثر الضحك (٤) قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: فامضوا (٥). وقال مقاتل: فامشوا (٦). وعلى هذا معنى السعي والذهاب في معنى واحد، لأنك تقول: فلان يسعى في الأرض يبتغي الرزق وليس هذا باشتداد، ويدل على هذا قراءة عمر، وابن مسعود (فامضوا إلى ذكر الله) (٧). وقال ابن جريج: قلت لعطاء ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قال: الذهاب والمشي (٨)، يقال: سعى إلى بني فلان وإنما هي مشي.

стр. 11830

وقال الزجاج: معناه: فاقصدوا، وليس معناه العدو (١)، وهذا معنى قول الحسن. قال: والله ما هو سعي على الأقدام، ولكنه سعي بالقلوب، وسي بالنية، وسعي بالرغبة (٢)، ونحو هذا، قال قتادة: السعي أن تسعى بقلبك وعملك، وهو المشي إليها (٣). وحمل قوم السعي هاهنا على العمل، قال محمد بن كعب: السعي العمل (٤) وهو مذهب مالك والشافعي، قال مالك: السعي في كتاب الله العمل والفعل، واحتج بقوله: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، وقوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: ٤] قال: فليس السعي الذي ذكر الله في كتابه بالسعي على الأقدام ولا بالاشتداد وإنما ذلك الفعل والعمل. أخبرنا أحمد بن الحسن الحرشي (٥)، حدثنا محمد بن يعقوب (٦) أخبرنا الربيع قال: قال الشافعي: السعي في هذا الموضع هو العمل، وتلا قوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]. ويكون

стр. 11831

المعنى على هذا: فاعملوا على المضي إلى ذكر الله من التفرغ له، والاشتغال بأسبابه من الطهارة والغسل والتوجه إليه بالقصد والنية. وذهب قوم إلى السعي الذي هو سرعة المشي، وروي ذلك عن عبد الله بن الصامت (١) أنه بينما هو يمشي إلى الجمعة سمع المؤذن يؤذن فرفع في مشيه لقول الله ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٢). وروى عمران بن الخياط (٣) أن إبراهيم كان يسعى يوم الجمعة، وهذا كأنه ليس بالوجه لما روي أن النبي ﷺ قال: "إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، ولكن آتوها وعليكم السكينة" (٤) فنهى عن السعي في الإتيان إلى الصلاة، فدل أن السعي المأمور به في الآية غير هذا الذي نهى عنه النبي ﷺ . غير أنه يحتمل أن يقال: صلاة الجمعة مخصوصة بجواز السعي إليها للآية، وغيرها من الصلاة تؤتى بالسكينة (٥)، والوجه الأقوال

стр. 11832

المتقدمة (١). وروى أبو العباس عن ابن الأعرابي: سعى إذا مشى، وسعى إذا غدا، وسعى إذا عمل، وسعى إذا قصد. قال: وقول الله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي اقصدوا (٢). ومعنى ﴿ذِكْرِ اللَّهِ﴾ هاهنا الصلاة المفروضة في قول أكثر المفسرين (٣). قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ قال الحسن: إذا أذن المؤذن يوم الجمعة لم يحل البيع والشراء (٤). قال أصحابنا: إذا جلس الإمام على المنبر يترك البيع لقوله: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ فمن باع في تلك الساعة فقد خالف الأمر وبيعه منعقد، لأن النهي عن البيع تنزيه لقوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فدل ذلك على الترغيب في ترك البيع في ذلك الوقت (٥)، ولا يحتاج إلى ذكر الشراء، لأنه بيع أيضًا، ولأنه

стр. 11833

لا يوجد شراء من غير بيع، فإذا منع البيع فقد منع الشراء، قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي ما هو خير لكم وأصلح. ١٠ - قوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: إذا صليتم الفريضة (١). وقال مقاتل: فرغتم من الصلاة يوم الجمعة فانتشروا في الأرض هذا أمر إباحته للانتشار بعد الأمر بالاجتماع للصلاة بالسعي إليها (٢). قال ابن عباس: فإن شئت فأخرج وان شئت فصل العصر، وإن شئت فاقعد (٣) يعني إن هذا ليس بأمر حتم، كذلك قوله: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ﴾ إباحة لطلب الرزق بالتجارة بعد المنع بقوله: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾. قال مقاتل: أحل لهم ابتغاء الرزق بعد الصلاة فمن شاء خرج إلى تجارته ومن شاء لم يفعل (٤). وقال مجاهد: إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل (٥). وقال الضحاك: هو إذن من الله إذا فرع إن شاء خرج وإن شاء قعد في المسجد (٦). والأحسن في الابتغاء من فضل الله أنه طلب الرزق وذكر أوجه من طلب الولد، وطلب العلم، وعيادة المريض وحضور الجنازة، والظاهر هو

стр. 11834

الأول، لأن إباحة ما منع هو البيع (١). وروى أن عراك بن مالك (٢) كان إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد وقال: "اللهم إني (٣) أجبت دعوتك، وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين" (٤). وأجمع المفسرون على أن الأمر بالانتشار والابتغاء أمر إباحة كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] وليس على كل من حل من إحرامه أن يصطاد، قال أبو إسحاق: هذا مثل قولك في الكلام: إذا حضرتني فلا تنطق (٥)، وإذا غبت عني فتكلم بما شئت، إنما معناه الإباحة (٦). قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ قال مقاتل: باللسان (٧)، وقال سعيد: واذكروا الله كثيرًا بالطاعة (٨). وقال مجاهد: لا يكون من الذاكرين كثيرًا حتى يذكره قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا (٩).

стр. 11835

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً﴾ الآية. قال مقاتل: إن دحية الكلبي أقبل بتجارة من الشام قبل أن يسلم وكان يحمل معه من أنواع التجارة، وكان يتلقاه أهل المدينة بالطبل والصفق، ووافق قدومه يوم الجمعة، والنبي ﷺ قائم على المنبر يخطب فخرج إليه الناس وتركوا النبي ﷺ ولم يبق إلا اثنا عشر رجلاً. فقال النبي ﷺ : "لولا هؤلاء لقد سومت لهم الحجارة". وأنزل الله هذه الآية (١)، وهذا قول جماعة في سبب نزول هذه الآية. قال جابر بن عبد الله: وكان في الاثنى عشر رجلاً الذين بقوا معه أبو بكر وعمر (٢). وقال الحسن: أصاب أهل المدينة جوع، وغلا سعرهم، فقدمت عير ورسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة، فسمعوا بها وخرجوا إليها، والنبي ﷺ قائم كما هو فقال: "لو اتبع آخرهم أولهم لالتهب عليهم الوادي نارًا" (٣).
следующие страницы →