← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

بتوحيدي، وتصديقه ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ برحمتي ومغفرتي والثناء عليكم (١). قال ابن عباس: قوله: ﴿وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ﴾ قال: هذا كله للمهاجرين والأنصار، فأوّل الآية الخطابُ عامٌّ؛ لأن الإرسال عام، وباقي الآية خاص؛ لأن تلاوته وتعليمه وتزكيته مما خص الله به أقوامًا دون (٢). ومعنى قوله: ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾ أي: يعرضكم لما تكونون به أزكياء، من الأمر بطاعة الله، واتباع مرضاته (٣)، ويحتمل أن يكون المعنى: ينسبكم إلى أنكم أزكياء بشهادته لكم؛ ليعرفكم الناس به، وقد ذكرنا معنى التزكية فيما تقدم (٤). ١٥٢ - قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ أصل الذكر في اللغة: التنبيه على الشيء، ومن ذكّرك شيئا فقد نبهك عليه، وإذا ذكرته فقد تنبهت عليه، والذَّكرُ أَنْبَهُ من الأنثى. وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] أي: شرف لك، من النباهة. ومعنى الذكر: حضور المعنى للنفس، ثم يكون تارة بالقلب، وتارة بالقول، وليس موجبه أن يكون بعد النسيان؛ لأنه يستعمل كثيرًا دون أن يتقدمه نسيان (٥).

стр. 1612

قال سعيد بن جُبير: (اذكروني) بطا عتي ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ بمغفرتي (١). وقيل: اذكروني بالدعاء أذكركم بالإجابة (٢). وقوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾ تقول العرب: شكرته وشكرت له، ونصحته ونصحت له، في أحرف تسمع ولا تقاس. فمن قال: شكرتك، أوقع اسم المنعم موقع النعمة، فعدّى الفعل بغير وسيطة، والأجود: شكرت لك؛ لأنه الأصل في الكلام، والأكثر في الاستعمال (٣). والنعمة محذوفة من الآية؛ لأن معنى الكلام: واشكروا لي نعمتي؛ لأن حقيقة الشكر إنما هو إظهار النعمة، لا إظهار المنعم. وكذلك ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ أي: لا تكفروا نعمتي (٤)؛ لأن أصل الكفر إنما هو ستر النعمة (٥) لا ستر

стр. 1613

المنعم. والأصل: لا تكفروني (١) بالياء، إلا أن أكثر ما جاء في القرآن حذف الياءات مع النون (٢) (٣)، وقد حذفت مع غير النون، كقوله: ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ﴾ (٤) [ق: ٤١]. قال الفراء: وليست تتهيّب العرب حذف الياء من آخر الكلام (٥)، إذا كان ما قبلها مكسورًا، من ذلك ﴿أَكْرَمَنِ﴾ ﴿أَهَانَنِ﴾ [الفجر: ١٥ - ١٦] و ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ [النمل: ٣٦]، ومن غير النون ﴿الْمُنَادِ﴾ [ق:٤١] و ﴿الدَّاعِ﴾ [القمر: ٨]، (٦) يكتفي من الياء بكسر ما قبلها، ومن الواو بضمة ما قبلها، مثل: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨)﴾ [العلق: ١٨]، و ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)﴾ [الإسراء: ١١]. وقد تُسقط العرب الواو، وهي واو جِمَاع (٧)، اكتفاءً بالضمة قبلها، فيقال في ﴿ضَرَبُوا﴾: ضَرَبُ، وفي ﴿قالوا﴾: قالُ، وهي في هوازن وعُليا قيس. قال بعضهم: إذا ما شاءُ ضرّوا من أرادوا ... ولا يألوهم أحدٌ ضرارا (٨) (٩)

стр. 1614

وأنشد الكسائي: فلو أنّ الأطِبّا كانُ حولي ... وكان مع الأطبّاءِ الأُسَاةُ (١) (٢) ١٥٣ - وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ قال مقاتل: استعينوا على طلب الآخرة بالصبر على الفرائض، وبالصلوات الخمس في مواقيتها على تمحيص الذنوب (٣). وذكرنا أن معنى الصبر في اللغة: الحبس (٤)، فالاستعانة بالصبر هو أن يستعين على دينه بحبس النفس عن (٥) الشهوات والمحارم، وحبسها على (٦) الطاعات (٧). ومعنى الاستعانة بالصلاة: قال الزجاج: أي: أنكم إذا صليتم تلوتم في صلاتكم ما تعرفون به فضل ما أنتم عليه، وكان ذلك لكم عونًا (٨). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ قال عطاء، عن ابن عباس:

стр. 1615

يقول: إني معكم أنصركم ولا أخذلكم (١). وقال أبو اسحاق: تأويله: أنه يظهر دينهم على سائر الأديان؛ لأن من كان الله معه فهو الغالب، كما قال : ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦] (٢). ١٥٤ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ يرتفع بإضمار المكني، تقريره: لا تقولوا: هم أموات. ولا يجوز إيقاع القول على الأسماء، لا يجوز أن تقول: قلتُ عبد الله قائمًا، وإنما يجوز إيقاع القول على (٣) اسم في معنى قول، من ذلك قولك: قلت خيرًا، وقلت شرًا، نصبتهما؛ لأنهما قول، كأنك قلت كلامًا حسنًا أو قبيحًا (٤). نزلت الآية في قتلى بدر من المسلمين، وذلك أن الناس كانوا يقولون لمن يقتل في سبيل الله: مات فلان، وذهب عنه نعيم الدنيا ولذتها، فأنزل الله هذه الآية (٥).

стр. 1616

وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ أي: بل هم أحياء، والأحسن في حياة الشهداء، وكيفية وصفهم بها (١) ما قال رسول الله ﷺ : "إن أرواح الشهداء في أجوافِ طيرٍ خُضْرِ، تسرَحُ في ثمار الجنة، وتشرب من أنهارها، وتأوي بالليل إلى قناديلَ من نورِ معلّقةِ بالعرش (٢) ". وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أي: ما هم فيه من النعيم والكرامة، وقيل ﴿وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أنهم أحياء (٣). فإن قيل: كيف لا يشعرون وقد أخبر الله بذلك؟ قلنا: أراد: لا يحسّون ذلك؛ لأنهم لا يشاهدون (٤)، وهذا النوع من العلم مقتضى (٥) الشِعْرِ، وذكرنا هذا في أول السورة (٦)، وبيّنّا أنه لهذا المعنى لا يقال: الله يشعر. ١٥٥ - قوله تعالى ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ النون فيه للتأكيد، واللام جواب قسم

стр. 1617

محذوف، وفتحت الواو لالتقاء الساكنين في قول سيبويه، وقال غيره: إنّها مبنية على الفتح (١). ومعنى ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ أي: نعاملكم معاملة المبتلي؛ لأن الله تعالى يعلم عواقب الأمور، فلا يحتاج إلى الابتلاء ليعرف العاقبة، ولكنه يعاملهم معاملة من يبتلي، فمن صبر أثابه على صبره، ومن لم يصبر لم يستحقّ الثواب، فيكون في ذلك إلزام الحجة (٢). وقوله تعالى: ﴿بِشَيْءٍ﴾ ولم يقل: بأشياء، وقد ذكر بعده ما هو أشياء لمكان (من)، والمعنى: بشيء من الخوف وشيء (٣) من الجوع، وهو كقول القائل: أعطني شيئًا من الدراهم، ومن الطعام، فيصير شيء كالمكرر في المعنى، ولو كان (بأشياء) كان صوابًا (٤). قال ابن عباس: ﴿مِنَ الْخَوْفِ﴾ يعني خوف العدو (٥)، ﴿وَالْجُوعِ﴾ يعني: المجاعة والقحط، ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ﴾ يعني: الخسران والنقصان

стр. 1618

في المال وهلاك المواشي، ﴿وَالْأَنْفُسِ﴾ يعني: الموت والقتل. وقيل: المرض. وقيل: الشيب، ﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾ يعني: الجوائح، وأن لا تخرج الثمرة كما كانت تخرج (١). قال أبو إسحاق وابن الأنباري: تأويل الآية: ولَنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع لتصبروا عليه، فيكون صبركم داعيًا من يخالفكم من الكفار إلى أتباعكم والدخول فيما أنتم عليه، وذلك أنهم يقولون: لم يصبر هؤلاء القوم على هذا الدين الذي امتُحِنوا فيه بما امتُحِنوا ونالتهم فيه الشدائد إلا بعد ما قامت براهينُ صحته عندهم، ولم يداخلهم ريب في أنه هو الحق، فيكون ذلك أدعى إلى الإسلام (٢). قال أبو بكر: وقيل في الآية: ولنختبرنّكم (٣) بشيء من الخوف والجوع، لتنالوا به درجةً، وتصلوا معه إلى منزلة لولا هو ما وصلتم إليها، ولكي (٤) تتضرعوا في كشفه عنكم، فتكتسبوا بذلك حظًا من الثواب جزيلًا. وقال الشافعي ﵁: يعني بالخوف: خوف الله ، وبالجوع: صيام شهر رمضان، وبنقص من الأموال: أداء الزكوات والصدقات، والأنفس: الأمراض، والثمرات: موت الأولاد؛ لأن ولد الرجل ثمرة قلبه (٥). وقد

стр. 1619

سمى رسول الله ﷺ الولد ثمرة القلب (١) في بعض الأحاديث. وفي قوله: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ دليل على أن من صبر على هذه المصائب أعطاه الله تعالى في العاجل والآجل ما هو أعمّ نفعًا له. ١٥٦ - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ الآية، من الناس من يجعل ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، وخبره قوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ﴾ ومنهم: من يجعله صفة للصابرين (٢). وقوله تعالى: ﴿أَصَابَتْهُمْ﴾ يقال في المصدر: الإصابة، والمُصَابة، والمُصَاب. أنشد الفراء: فلو أنّا بكينا من مُصَابِ ... على حَدَثٍ بكينا سَيِّدَيْنَا

стр. 1620

وأنشد أيضًا: أظُلَيْمُ إن مُصَابَكمْ رَجُلًا ... أهدى السلامَ تحيةً ظُلْمُ (١) ومعنى المصيبة: هي التي تصيب بالنكبة، ولا يقال فيما يصيب بخير: مصيبة (٢)، وياؤها منقلبة عن واو، هي عين الفعل. فأما جمعها: فحكى سيبويه: أن بعضهم قال في جمع مصيبة: مصائب فهمز، وهو غلط، وإنما هو مُفْعِلَة فتوهموها فَعِيلَة. قال: ومنهم من يقول: مصاوب، فجيء به عن الأصل والقياس. هذا كلامه (٣)، ومثل هذا الغلط في جمع مصيبة على مصائب بالهمزة: قراءة من قرأ (معائش) بالهمز، وقد شرحنا ذلك مستقصى. قال أبو علي الفارسي: قول سيبويه: وتوهموها فعيلة، أي: توهموا

стр. 1621

الياء التي في مصيبة، وهي منقلبة عن العين، التي هي واو الياء التي للمد، التي في نحو سفينة وصحيفة، فهمزوا الياء المنقلبة عن الواو التي هي عين الفعل، كما همزوا الياء التي للمد، في نحو: سفائن وصحائف، ولا تشبه هذه الياء تلك، ألا ترى أن هذه منقلبة عن واو، هي عين أصلها الحركة، وتلك زائدة للمد، لاحظَّ لها في الحركة. ومثل هذا مما حمله أبو الحسن على الغلط: قول بعضهم في جمع مَسيل: مُسْلان، فمسيل مَفعِل، والياء فيه عين الفعل، فتوهم من قال: مُسْلان أنها زائدة للمد، فجمعه على فُعلان، كما يجمع قضيب على قُضبان (١)، وعند أبي إسحاق: الهمزة في مصائب بدل من الواو المكسورة على حد إبدالها في إسادة (٢). قال أبو علي: وليس القول عندي كذلك؛ لأن المكسورة غير أول لا تبدل كالمفتوحة، ألا ترى أنهم قالوا: أَناةٌ؟ فأبدلوا الواو أولًا، ولم يلزموا البدل غير أول، مع تكررهما في أَحْوويّ ونحوه، فكذلك المكسورة لا يجوز إبدالها غير أول (٣) إذ لم تجئ في شيء مكسورة مبدلة غير أول، وإذا كان كذلك، كان قوله في مصائب عاريًا من دلالة تبينه، وخاليًا من نظير يردّ إليه، ويستشهد به (٤) عليه، وقول النحويين: إنه على جهة الغلط أشبه

стр. 1622

بالصواب من حيث كان أكثر نظيرًا. وقوله إنما يحصل (١) فيه على دعوى مجردة من البرهان. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ أي: نحن وأموالنا لله، ونحن عبيد يصنع بنا ما يشاء، وفي ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ إقرار له بالعبودية ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ﴾ إقرار بالبعث والنشور (٢). ومعنى الرجوع إلى الله: الرجوع إلى انفراده بالحكم، كما كان أول مرة، إذ قد مَلَّك قومًا في الدنيا شيئًا من الضر والنفع لم يكونوا يملكونه، ثم يرجع الأمر إلى ما كان، إذا زال تمليك العباد (٣). وقال أبو بكر الوراق: ﴿إِنَّا للِّهِ﴾: إقرار منّا له بالملك ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾: إقرار على أنفسنا بالهلك (٤)، وظاهر الخطاب في هذه الآية يقتضي أن يكون قول القائل: ﴿إِنَّا للِّهِ﴾ على إثر المصيبة من غير أن يتخللها جزع؛ ليستحق الثواب الموعود. يؤيد هذا: ما روي أن النبي ﷺ قال لامرأة جزعت ثم راجعت: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى" (٥). الصبر الموعود عليه الأجر والثواب (٦).

стр. 1623

١٥٧ - قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ﴾ قد ذكرنا معنى الصلاة واشتقاقها فيما تقدم (١)، وهي في اللغة: الدعاء، ومنه قوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يسكنهم (٢). وقال أبو عبيدة: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ﴾ يقول: ترحّم من ربهم (٣)، واحتجّ بقول الأعشى: تقولُ بنتي وقد قَرّبْتُ مُرْتَحِلًا ... يا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الأوصابَ والوجعا عليكِ مِثْلُ الذي صلَّيتِ فاغتمضي ... نومًا فإنّ لجنب المرء مضطجَعا (٤) يروى (مثل) رفعًا ونصبًا، فمن نصب فهو إغراء، ومن رفع فهو ردّ عليها، كأنه قال: عليك مثل دعائك، أي: ينالك من الخير مثل الذي أردت لي. فأبو عبيدة يجعل صليت بمعنى: ترحمت، وغيره من أهل اللغة يجعله بمعنى: دعوت، وأحدهما يقرب من الآخر؛ لأن المترحم على الإنسان داعٍ له، والداعي للإنسان مترحّم عليه (٥)، ولهذا المعنى كان الصلاة منّا دعاء،

стр. 1624

ومن الله تعالى رحمة (١). وأنشد الأزهري في تفسير هذه الآية قول الشاعر: صلّى على يحيى وأشياعه ... ربٌّ كريمٌ وشفيعٌ مُطاعْ (٢) قال: معناه (٣): ترحم الله عليه، على الدعاء، لا على الخبر. ثعلب عن ابن الأعرابي قال: الصلاة (٤) من الله رحمة، ومن المخلوقين: الملائكة والإنس والجن القيام والركوع والسجود والدعاء والتسبيح، ومن الطير والهوام: التسبيح، ومنه قوله: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١]. فالصلاة لها معانٍ بالتدريج، أصلها: الدعاء، ثم صارت الرحمة، لما ذكرنا من أن الداعي مترحّم، ثم صارت للمغفرة؛ لأن الترحم يوجب المغفرة، ومن ترحم الله عليه غفر له، وفسر ابن عباس الصلوات في هذه الآية بالمغفرة، فقال: ﴿صَلَوَاتٌ﴾ أي: مغفرة من ربهم (٥).

стр. 1625

وقيل في قوله ﷺ : "اللهم صلّ على آل (١) أبي أوفى (٢) " أي: ارحمهم، واغفر لهم. قال ابن كيسان: وجَمَع الصلوات؛ لأنه عنى بها رحمةً بعد رحمة (٣). وقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ قال ابن عباس: ونعمة (٤). وقال أهل المعاني: إنما ذكر الرحمة، ومعنى الصلوات هاهنا: الرحمة؛ لإشباع المعنى، والاتساع في اللفظ (٥). ومثله قوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٨٠]. وقال ذو الرمة: لمياءُ في شفتيها حوَّة لَعَسٌ (٦)

стр. 1626

وتفعل العرب ذلك كثيرًا إذا اختلف اللفظ، ألا ترى أنّ اللعَس حُوَّة، فكرر لما اختلف اللفظان. وقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد: الذين اهتدوا للترجيع (١). وقيل: إلى الجنة والثواب، وقيل: إلى الحق والصواب (٢)، وكان عمر ﵁ إذا قرأ هذه الآية قال: نعم (٣) العِدلان، ونعمت العلاوة (٤) (٥). ١٥٨ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية، الصفا: جمع صفاة، وهي: الحجارة. قال أبو العباس: الصفا: كلُّ حجر لا يخلطه غيره، من طين أو تراب يتصل به، واشتقاقه من صفا يصفو إذا خَلَص (٦)، والمروة: واحدة المرو،

стр. 1627

وهي حجارة بِيض برّاقة، يكون فيها النار (١). قال الأعشى: وتُوَلّي الأرضَ خُفًّا ذابلًا ... فإذا ما صادف المَروَ رَضَحْ (٢) وهما اسمان لجبلين معروفين بمكة (٣). وشعائر الله: واحدتها شعيرة. قال المفسرون وأهل اللغة جميعًا: شعائر الله: متعبداته التي أشعرها الله، أي: جعلها أعلامًا لنا، وهي كلّ ما كان من مَشعر، أو موقف، أو مسعًى، أو منحر (٤)، وهي من قولهم: شعرتُ، أي: علمتُ، وهي كلّها معلومات، وهذا قول الزجاج، واختياره (٥).

стр. 1628

ويحتمل أن تكون الشعائر مشتقة من الإشعار الذي هو (١): الإعلام على الشيء، ومنه: الشعائر بمعنى العلامة؛ ولهذا تسمى الهدايا: شعائر؛ لأنها تُشْعَر بحديدة في سنامها (٢) من جانبها الأيمن حتى يخرج الدم. قال الكميت: شَعَائرَ قُربانٍ بهم يُتَقَرَّبُ (٣) ويحتمل أن يكون من الإعلام بالشيء (٤)، وبه قال مجاهد في قوله: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾. قال: يعني: منْ الخبر الذي أخبركم عنه (٥)، كأنه إعلام من الله عبادَه أمرَ الصفا والمروة (٦). وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ﴾ قال الليث: أصل الحج في اللغة: زيارة شيء تعظّمه.

стр. 1629

وقال يعقوب والزجاج: أصل الحجّ: القصد، وكلّ من قصد شيئًا فقد حجّه. (١) وقال كثير من أهل اللغة: أصل الحجّ: إطالة الاختلاف إلى الشيء. واختار ابن جرير هذا القول، قال: لأن الحاجّ يأتي البيت قبل التعريف، ثم يعود إليه للطواف يوم النحر، ثم ينصرف عنه إلى منى، ثم يعود إليه لطواف الصَّدَر؛ فلتكرارِهِ (٢) العودَ إليه مرةً بعد أخرى قيل له: حاج (٣). وكلهم احتجوا بقول المخبّل القُريعي (٤): يحجُّون سِبَّ (٥) الزِّبرِقانِ المُزَعْفَرا (٦)

стр. 1630

وقال سيبويه: ويقال: حَجَّ حِجًّا، كقولهم: ذكر ذِكرًا. وقال الفراء: الحَجّ والحِجّ لغتان (١)، يقال: حَجَجْتُ حِجّة للمرة الواحدة، لم يأت عن العرب غيره. ولو قيل: حَجَّة بالفتح كما قالوا: مَرَرتُ به مَرّة، كان صوابًا، مثل: مددته مدّةً، وقددته قدّةً، هذا كلامه. فأما قولهم: حُجٌّ، وهم يريدون: جمع الحاجّ، فقد يمكن أن يكونوا سموا بالمصدر، وتقديره: ذوو (٢) حج، قاله أبو علي، قال: وأنشد أبو زيد: وكأنّ عافيةَ النسور عليهمُ ... حُجٌّ بأسفلِ ذي المَجَاز نُزُولُ (٣) (٤). وقوله تعالى: ﴿أَوِ اعْتَمَرَ﴾ قال الزجاج: قَصد (٥)، وقال غيره: زار (٦)، قال أعشى باهلة: وراكبٌ جاء من تثليثَ معتمرُ قال الأزهري: وقد يقال: الاعتمار (٧) القصد، وأنشد للعجاج: لقد سما ابنُ مَعْمَرٍ (٨) حينَ اعْتَمَرْ ... مَغْزًى بعيدًا من بعيدٍ وضَبَر (٩)

стр. 1631

يعنى: حين قصد مغزًى بعيدًا (١). وقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ الجناح: الإثم، وأصله: من الجنوح، الذي هو الميل، يقال: جَنَحَ: مال، ومنه قوله: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ﴾ [الأنفال: ٦١] وقيل للأضلاع: جوانح؛ لاعوجاجها. قال ابن دريد: معنى ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: لا ميل إلى مأثم. وجناح الطائر من هذا؛ لأنه يميل في أحد شقّيه، ليس على مستوى خلقته، فمعنى الجناح: الميل عن الحق. وقال أبو علي الجرجاني: معنى ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ أينما ذكر في القرآن: لا ميل لأحد عليه بمطالبة شيء من الأشياء، هذا هو الأصل، ثم صار معناه: لا حرج عليه، ولا ذنب عليه (٢). قال ابن عباس: كان على الصفا صنم، وعلى المروة صنم، وكان أهل الجاهلية يطوفون بينهما، ويمسحونهما، فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام كره المسلمون الطواف بينهما؛ لأجل الصنمين؛ فأنزل الله هذه الآية، منبهًا لهم (٣) على أن الطواف بالصفا والمروة لا تبعة فيه عليهم، وأنه

стр. 1632

طاعة لله تعالى، وغير تعظيم للصنمين (١). فالآية تدلّ بظاهرها على إباحة ما كرهوه، ولكن السنّة أوجبت الطواف بينهما والسعي، وهو قوله ﷺ : "يا أيها الناس كُتِبَ عليكم السعيُ فاسعَوا" (٢). وهو مذهب الشافعي، ﵁ (٣)، والواجب أن يبدأ بالصفا،

стр. 1633

ويختم بالمروة، ويسعى بينهما سعيًا، فيكون مسيره من الصفا إلى المروة شوطًا من السبع، وعوده من المروة إلى الصفا شوطًا ثانيًا، فإن بدأ بالمروة إلى الصفا لم يحسب هذا الشوط (١)؛ لأن النبي ﷺ لما دنا من الصفا في حجته قرأ: " ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ابدأوا (٢) بما بدأ الله به" فبدأ بالصفا فرقي عليه، حتى رأى البيت، ثم مشى حتى إذا تصوبت قدماه في الوادي سعى (٣). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ فيه وجهان من القراءة (٤): أحدهما: ﴿تَطَوَّعَ﴾ على تَفَعَّل ماضيًا وهذه القراءة تحتمل أمرين (٥): أحدهما: أن يكون موضع تطوَّع جزمًا، وتجعل (مَن) للجزاء، وتكون الفاء مع ما بعدها من قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ في موضع جزم؛ لوقوعها موقع الفعل المجزوم، والفعل الذي هو ﴿تَطَوَّعَ﴾ على لفظ المثال

стр. 1634

الماضي، والمراد به المستقبل، كقولك: إن أتيتني أتيتك. الثاني: أن لا تجعل (مَن) للجزاء، ولكن تكون بمنزلة الذي، وتكون (١) مبتدأ به، ولا موضع حينئذ للفعل الذي هو ﴿تَطَوَّعَ﴾، والفاء مع ما بعدها في موضع رفع، من حيث كان خبر المبتدأ الموصول، والمعنى فيه معنى الجزاء؛ لأن هذه الفاء إذا دخلت في خبر الموصول أو النكرة الموصوفة؛ آذنت أنّ الثاني إنما وجب لوجوب الأول، كقوله: ﴿وَمَا بِكُم مِن نِّعمَةٍ فَمِنَ اَللهِ﴾ [النحل: ٥٣] وما: مبتدأ موصول، والفاء مع ما بعدها جواب له، وفيه معنى للجزاء؛ لأن تقديره: ما ثبت بكم من نعمة، أو ما دام بكم من نعمة فمن ابتداء الله إياكم بها، فسبب ثبات (٢) النعمة ابتداؤه [ذلك] (٣)، كما أن استحقاق الأجر إنما هو من أجل الإنفاق في قوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٤]. وعلى هذا كل ما في القرآن من هذا الضرب، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ إلى قوله: ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ [البروج: ١٠]، وقوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥]، ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ﴾ [البقرة: ١٢٦]، ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]. ونذكر هذه المسألة مشروحة عند قوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ [البقرة: ٢٧٤].

стр. 1635

الوجه الثاني من القراءة: (يَطَّوَّعْ) بالياء وجزم العين، وتقديره: يتطوع إلا أنّ التاء أُدغم في الطاء لتقاربهما، وهذا حسن؛ لأن المعنى على الاستقبال، والشرط والجزاء الأحسن فيهما (١) الاستقبال، وإن كان يجوز أن تقول: من أتاك أعطيته، فتُوقع الماضي موقعَ المستقبل في الجزاء، إلا أنّ اللفظ إذا كان وافق المعنى كان أحسن (٢). وأما التفسير: فقال مجاهد: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ بالطواف بهما (٣)، وهذا على قول من لا يرى الطواف بهما فرضًا. وقال مقاتل والكلبي: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ فزاد في الطواف بعد الواجب (٤). ومنهم من حمل هذا النوع على العمرة، وهو قول ابن زيد (٥)، وكان يرى العمرة غير واجبة. وقال الحسن: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ يعنى به: الدين كلّه، أي: فعل غير المفترض عليه، من طواف وصلاة وزكاة ونوع من أنواع الطاعات (٦).

стр. 1636

وهذا أحسن هذه الأقاويل؛ لأن قوله ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ صيغته تدلّ على العموم (١). وقوله تعالى ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ أي: مُجازٍ بعمله ﴿عَلِيمٌ﴾ بنيته (٢). قال أهل المعاني: وحقيقة الشاكر في اللغة: هو المظهر للإنعام عليه، والله تعالى لا تلحقه المنافع والمضارّ، فالشاكر في وصفه مجازٍ، ومعناه: المجازي على الطاعة بالثواب، إلا أن اللفظ خرج مخرج التلطف للعباد، مظاهرة في الإحسان إليهم، كما قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٤٥]، وهو تعالى لا يستقرض من عوزة ولكنه تلطّف (٣) في الاستدعاء. كأنه قيل: من الذي يعمل عمل المُقرِض، بأن يقدّمَ، فيأخذ أضعاف ما قدَّمَ في وقت فقره وحاجته (٤)!؟

стр. 1637

١٥٩ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ قال المفسرون: نزلت في علماء اليهود (١). وأراد بالبينات: الرجم والحدود والأحكام (٢)، وبالهدى: أمر محمد ﷺ ونعته (٣) (٤). ﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ﴾: لبني إسرائيل (٥). ﴿فِي الْكِتَابِ﴾: في التوراة (٦).

стр. 1638

وقوله تعالى: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ اختلفوا في اللاعنين ههنا: فقال ابن عباس: كلّ شيء إلا الجنّ والإنس (١). وعلى هذا إنما قال: (اللاعنون)، ولم يقل اللاعنات؛ لأنه وصفها صفة من يعقل، فجمعها جمع من يعقل، كقوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]، و ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨]، ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ [فصلت: ٢١] ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] (٢). وقال قتادة: هم الملائكة (٣). وقال عطاء: الجنّ والإنسان (٤).

стр. 1639

وقال ابن مسعود: ما تلاعن اثنان من المسلمين إلا (١) رجعت تلك اللعنة على اليهود والنصارى، الذين كتموا أمر محمد ﷺ ، وصفته (٢). ١٦٠ - قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ معنى (٣) (إلّا) التخصيص (٤)، نحو قولك: جاءني القوم إلا زيدًا، خصصتَ زيدًا بأنه لم يجئ (٥). ومعنى قوله تعالى: ﴿وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ بعد قوله: ﴿تَابُوا﴾ إزالة الإبهام: أن التوبة مما سلف من الكتمان تكفي، ومعنى ﴿وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ أي: أصلحوا السريرة بإظهار أمر محمد ﷺ (٦). ١٦١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ إن قيل: كيف يلعنه الناس أجمعون، وأهل دينه لا يلعنونه؟ قيل: يلعنونه في الآخرة؛ لقوله: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ

стр. 1640

بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت:٢٥] (١). وقال قتادة (٢) والربيع (٣): أراد بـ ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: المؤمنين، وعلى هذا كأنه لم يعتدّ بغيرهم، كما تقول: المؤمنون هم الناس (٤). وقال السدي: لا يتلاعن اثنان مؤمنان ولا كافران، فيقول أحدهما: لعن الله الظالم، إلا وجبت تلك اللعنة على الكافر؛ لأنه ظالم، وكل أحل من الخلق يلعنه (٥). ١٦٢ - قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ معنى الخلود: اللزوم أبدًا، ومنه يقال: أخلد إلى كذا، أي: لزمه، وركن إليه (٦). والعامل في الخالدين: الظرف من قوله (عليهم)؛ لأن فيه معنى الاستقرار، وهو حال من الهاء والميم في ﴿عَلَيْهِمْ﴾، كقولك: عليهم المال صاغرين (٧)، ومثل هذه الآيات الثلاث: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾، ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ﴾، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ في سورة آل عمران [الآيات: ٨٧ - ٨٩]، وذكرنا الكلام هناك بأبلغ من هذا. وقوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد:

стр. 1641

للرجعة ولا للتوبة ولا للمعذرة (١). ١٦٣ - قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ الآية، معنى الوحدة في اللغة: هي الانفراد، يقال: وحَدَ الشيءُ، وهو يَحِدُ حِدَةً، فهو واحد، وجمعه: وُحدان بالضم. والوَحدان بالفتح؛ بمعنى: الواحد، مثل قولهم: فَردان بمعنى: الفَرد. وحقيقة الواحد: شيء لا يتبعض، ويقال أيضًا: وَحَدَ يَوْحَدُ وَحَادةً وَوَحْدةً فهو وحيد (٢). ويستعمل الواحد على وجهين: أحدهما: على جهة الحكم والحقيقة. والثاني: على الوصف والمجاز. فالحكم كقولك: ذاتٌ واحدةٌ، وجزء واحد، والوصف قولك: إنسان واحد، ودار واحدة، فهذا لا ينقسم عن (٣) الجهة التي جرت عليه الصفة، إذ ليس ينقسم من جهة أنه إنسان، وإن انقسم من جهة أنه جسم، وإذا أجريته حكمًا لم ينقسم من وجه من الوجوه. فأما الواحد في صفة الله تعالى، فقال الأزهري: له معنيان: أحدهما: أنه واحد لا نظير له، وليس كمثله شيء، والعرب تقول: فلان واحد قومه، وواحد الناس، إذا لم يكن له نظير. وقال بعضهم: المعنى في الواحد: أنه إله واحد، وربّ واحد، ليس له في إلاهيته وربوبيته شريك؛ لأنّ المشركين أشركوا معه آلهةً فكذّبهم

стр. 1642

الله ، فقال: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (١). وقال أبو علي: قولهم: واحد، اسم جرى على وجهين في كلامهم: أحدهما: أن يكون اسمًا. والآخر: أن يكون وصفًا. فالاسم الذي ليس بصفة قولهم: واحد المستعمل في العدد، نحو: واحد، اثنان، ثلاثة، فهذا اسم ليس بوصف، كما أنّ سائر أسماء العدد كذلك، وأما (٢) كونه صفة فنحو قولك: مررت برجل واحد، وهذا شيء واحد، فإذا أجري هذا الاسم على القديم تعالى جاز أن يكون الذي هو وصف، كالعالم والقادر، وجاز أن يكون الذي هو اسم، كقولنا: شيء. يقوي الأول قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (٣). ويجمع (٤) الواحد واحدِين، كقوله: فقد (٥) رجعوا كحيٍّ واحدينا (٦)

стр. 1643

ويكسِّرونه على فُعلان، كقولهم: وُحدان، ويقلبون الواو همزةً، كقولهم: أُحدان، ومنه قوله: طاروا (١) إليه زَرَافاتٍ ووُحْدانا (٢) وذلك أنه وإن كان صفة قد يستعمل استعمال الأسماء، فكسروه على فُعلان، كقولهم: راع ورُعْيَان. وأما التفسير: فقال ابن عباس في رواية الكلبي: قالت كفار قريش: يا محمد صِفْ وانسُبْ لنا ربّك. فأنزل الله تعالى سورة الإخلاص، وهذه الآية (٣). وقال جويبر (٤)، عن الضحاك، عن ابن عباس: كان للمشركين ثلاثمائة وستون صنمًا، يعبدونها من دون الله، فبيّن الله سبحانه لهم أنه واحد، فأنزل هذه (٥).

стр. 1644

قال أصحابنا: حقيقة الواحد في وصف الباري سبحانه: أنه واحد لا قسيم له في ذاته، ولا بعض له في وجوده، بخلاف الجملة الحاملة التي يطلق عليها لفظ الواحد مجازًا، كقولهم: دار واحدة، وشخص واحد؛ ولهذا قال أصحابنا: التوحيد: هو نفي الشريك والقسيم، والشريك والشبيه، فالله واحد في أفعاله، لا شريك له يشاركه في إثبات المصنوعات؟ وواحد في ذاته، لا قسيم له؟ وواحد في صفاته، لا يشبه الخلق فيها (١). وقال أهل المعاني: في الآية تقديم وتأخير، تقديرها: وإلهكم الرحمن الرحيم إله واحد، لا إله إلا هو. ١٦٤ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية، قال المفسرون: لما نزل قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ عجب المشركون، وقالوا: إن محمدًا يقول: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾؛ فليأتنا بآية إن كان من الصادقين، فأنزل الله هذه الآية (٢)، وعلّمهم كيفيةَ الاستدلالِ على الصانع، وعلى

стр. 1645

توحيدِه، وردَّهم إلى التفكر في آياته، والنظرِ في مصنوعاته، على ما عدّها في الآية. وبيَّن أنّ فيما ذكره في هذه الآية من عجيب صنعه، وإتقانِ أفعاله، واتساق صنائعه دليلًا على توحيده، فإن هذه الأفعال لا تحصل في الوجود لو كان لها صانعان؛ لوجوب التمانع بينهما (١)، واستحالة تساويهما في صفة الكمال. قال أهل المعاني: وجمع السماوات؛ لأنها أجناس مختلفة، كل سماء من جنس غير الأخرى، ووحّد الأرض؛ لأنها كلها تراب (٢). وقوله تعالى: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَار﴾ فسّر الاختلاف هاهنا تفسيرين يرجعان إلى أصل واحد: أحدهما: أنه افتعال، من قولهم: خلَفه يخلُفه، إذا ذهب الأول وجاء الثاني خلافه، أي: بعده، فاختلاف الليل والنهار: تعاقبهما في الذهاب والمجيء، ومنه يقال: فلان يختلف إلى فلان، إذا كان يذهب إليه، ويجيء

стр. 1646

من عنده، فذهابه يخلف مجيئه، ومجيئه يخلف ذهابه. أحدهما خلاف الآخر، أي: بعده، وكل شيء يجيء بعده شيء، فهو خِلفه. وبهذا فُسِّر قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ [الفرقان: ٦٢] (١)، قال الفراء: يذهب هذا، ويجيء هذا (٢). الثاني: قال ابن كيسان (٣) وعطاء (٤) في هذه الآية: أراد: اختلافهما في الطول والقصر، والنور والظلمة، والزيادة والنقصان. قال الكسائي: يقال لكل شيئين اختلفا: هما خِلْفان وخِلْفتان، وقول زهير: بها العِينُ والآرامُ يمشين خِلْفةً (٥) فسّر بالوجهين: تكون مختلفة في ألوانها وتكون يذهب هذا، ويجيء هذا. وهذا القول يرجع إلى معنى الأول؛ لأن معنى الاختلاف في اللغة:

стр. 1647

التفرق في الجهات، جهة اليمين والشمال والخلف والقُدّام، ثم شبّه الاختلاف في المذاهب وفي كل شيء بالاختلاف في الطريق (١)، من جهة أن كل واحد من المختلفين على نقيض ما ذهب إليه الآخر، كالمختلفين في الطريق، ولما تفاوت الليل والنهار في النور والظلمة وغيرهما جعل ذلك اختلافا، فهذا أيضًا يعود في الاشتقاق إلى الخلف. وقوله تعالى: ﴿وَالْفُلْكِ﴾ الفُلْك: واحد وجمع، ويذكر ويؤنث، وأصله من الدوران، وكل مستدير فُلك، وفَلَك السماء: اسم لأطواق (٢) سبعة، تجري فيها النجوم، وفَلَكَتِ الجارية: إذا استدارَ ثَدْيُها، وفَلَكَة (٣) المِغْزلَ من هذا، والسفينة سميت فُلكًا؛ لأنها تدور بالماء أسهل دور (٤). وإنما كانت للواحد والجمع؛ لأنه على بناء يصلح لها (٥)، فإذا أريد به الواحد ذُكِّر، وإذا أريد به الجمع أُنِّث. ومثلُ الفلك من الجموع التي كسرت الآحاد عليها واللفظ فيهما (٦) واحد: قولهم: ناقة هِجَان، ونوق هِجَان (٧)، ودرع دِلاصٍ، وأدرُع دِلاص (٨)، وشِمال: للخليقة والطبع،

стр. 1648

وجمعه شِمالٌ. ومجيء الجمع على لفظ الواحد مما يدل على قلة حفلهم بالفرق بينهما من طريق اللفظ، وأنهم اعتمدوا في الفرق على دلالة الحال، ومتقدم الكلام ومتأخره (١). وقال سيبويه (٢): الفلك إذا أريد به الواحد فضمة الفاء فيه بمنزلة ضمة (٣) باء بُرْد، وخاء خُرْج، وإذا أريد به الجمع، فضمة الفاء بمنزلة ضمة الحاء في حُمْر، والصاد من صُفْر، فالضمتان وإن اتفقتا في اللفظ فإنَّهما مختلفتان (٤) في المعنى، وغير منكر أن يتفق اللفظان من أصلين مختلفين، ألا ترى أن من رخّم منصورًا في قول من قال: يا جار، قال: يامنصُ، فبقى الصاد مضمومة، كما بَقَّى الراء مكسورة، ومن قال: يا جارُ، فاجتلب للنداء ضمةً قال أيضًا: يا منصُ، فحذف ضمّةَ الصاد، كما حذف كسرة الراء، واجتلب للصاد ضمةَ النداء، كما اجتلب للراء ضمة النداء، إلا أن لفظ: يا منصُ في الوجهين واحد، والمعنيان متباينان. وقوله تعالى: ﴿تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ قد مضى الكلام في البحر. والآية في الفلك: تسخيرُ الله تعالى إياها، حتى يجريَها على وجه الماء، كما قال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ [إبراهيم: ٣٢]، ووقُوفُها فوق الماء مع ثقلها وكثرة وزنها. وقوله تعالى: ﴿يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ أي: بالذي ينفعهم، من ركوبها،

стр. 1649

والحمل عليها في التجارات، وينفع الحامل؛ لأنه يريح، والمحمول إليه؛ لأنه ينتفع بما حمل إليه (١) (٢). وقوله تعالى: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أراد بموت الأرض: جدوبتَها ويُبُوستَها، فسمّاها موتًا مجازًا، وذلك أن الأرضَ إذا لم يصبها مطر لم تُنبت، ولم تُنْمِ نباتًا، وكانت (٣) من هذا الوجه كالميت، وإذا أصابها المطر أنبتت، ونحو هذا قوله: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥]، فلما وصفت بالاهتزاز وهو (٤) الحركة عند نزول الماء، توصف عند إمساك الماء بالسكون، والعربُ تسمي السكون موتًا (٥)، قال الشاعر: إني لأرجو أن تموتَ الريحُ ... فأسكنَ اليوم وأستريحُ (٦) فيجوز أن يراد بالموت في هذه الآية: ضد الاهتزاز الذي وُصِفَت به عند نزول الماء، ولما سَمّى ذلك موتًا سمّى (٧) إِزالتَها إحياءً ليتجانس اللفظ (٨).

стр. 1650

وقوله تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ البثُّ: النشر والتفريق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١]، ومنه: ﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤]، ويقال: بثثته سِرِّي (١) أبثثته، إذا أطلعته عليه؛ لأنك فرقت بين سرّك وبينك، ويقال للحزن: بَثٌ؛ لأن صاحبَه لا يصبر عليه حتى يظهره (٢). وقوله تعالى: ﴿مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ قال ابن عباس: يريد: كلّ ما دبّ على الأرض من جميع الخلق، من الناس وغيرهم (٣). وقوله تعالى: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ أراد: وتصريفه الرياح، فأضاف المصدر إلى المفعول، وهو كثير (٤). والرياح: جمع الريح. قال أبو علي: الريح: اسم على فعل، والعين منه واو، انقلبت في الواحد (٥) للكسرة، فأما في الجمع القليل: أرواح، فصحّت؛ لأنه لا شيء فيه يوجب الإعلال، ألا ترى أن سكون الراء لا يوجب إعلال هذه الواو في نحو: قوم، وعون، وقول. وفي الجمع الكثير: رياح، انقلبت الواو ياء؛ للكسرة التي قبلها، نحو: ديمة ودِيَم، وحِيلَة وحِيَل (٦).
следующие страницы →