← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

والصحيح في تفسير هذه الآية: ما قاله ابن عباس في رواية عطاء: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ يريد: إن قاتلوكم في الشهر الحرام، فقاتلوهم في مثله (١)، واختار الزجاج هذا القول، فقال: معناه: قتال الشهر الحرام بقتال الشهر الحرام (٢). وقوله تعالى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ قال ابن عباس: يريد: إن انتهكوا لكم حرمةً فانتهكوا منهم مثل ذلك. وقال الزجاج: أعلم الله أن أمر هذه الحرمات قصاص (٣)، أي: لا يكون للمسلمين أن ينتهكوها على سبيل الابتداء، ولكن على سبيل القصاص. وهذا القول أولى القولين بالصواب، وأشبهها بالآية وبما (٤) قبلها، وهو قوله: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] والذي يدل عليه من سياق الآية. قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ أي: ظلم، فقاتل، ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾. وسمى الثاني اعتداءً لأنه مجازاة اعتداء فَسُمِّي بمثل اسمه؛ لأن صورةَ الفِعْلين واحدة، وإن كان أحدهما طاعة والآخر معصية،

стр. 1822

والعرب تقول: ظلمني فلان فظلمته، إذا جازيته بظلمه، وجَهِلَ عَلَيَّ فَجَهِلْتُ عليه، أي: جازيته بجهله. قال عمرو (١): ألا لا يَجْهَلَن أحدٌ علينا ... فَنَجْهَل فوق جَهْلِ الجاهلينا (٢) أي: نكافئ على الجهل بأكثر من مقداره، ومثله من التنزيل: قوله : ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] وقوله: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] (٣). ١٩٥ - وقوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ كل ما أمر الله به من الخير فهو في سبيل الله، وأكثر ما استعمل في الجهاد؛ لأنه السبيل الذي يقاتل فيه على عقد الدين (٤). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال أبو عبيدة (٥) والزجاج (٦): التَهْلُكة: الهلاك، يقال: هلك يهلك هَلاكًا وهُلْكًا وهَلَكًا وتَهلُكةً.

стр. 1823

قال الخارزنجي (١): لا أَعْلَمُ في كلام العَرب مصدرًا على تفعُلة بضم العين إلا هذا (٢). قال أبو علي: قد حكى سيبويه التَّضُرَّةُ والتَّسُرَّة وقد جاء هذا المثال اسما غير مصدر، حكى سيبويه: التتفل والتنضُب قال: ولا نعلمه جاء صفةً (٣). وقال الليث: التَّهْلُكَة: كل شيء تصيرُ عَاقبتُه إلى الهلاك. ومعنى الهَلاكِ: الضياعُ، وهو مصير الشيء بحيث لا يُدْرى أين هو (٤). ومعنى قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾، لا تأخذوا في ذلك، يقال لكل من أخذ في عمل: قد ألقى يديه فيه (٥)، ومنه:

стр. 1824

حتى إذا ألقت يدًا في كافر (١) أي: بدأت (٢) في المغيب (٣). وقال المبرد: عبر بالأيدي عن النفس، أراد: لا تلقوا أنفسكم إلى التهلكة، فعبر بالبَعْضِ عن الكُلِّ، كقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج: ١٠] ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] (٤). والباء زائدة، أراد: لا تلقوا أيديكم، يدل عليه قوله ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ [النحل: ١٥]. فعدّى بغير الباء (٥). وقال أبو علي: المعنى لا تقربوا مما يهلككم؛ لأن من ألقى يَدَهُ إلى الشيء فقد قَرُبَ منه، وهذا مبالغة (في الزجر) (٦) وتأكيد، لأن النهي إذا وقع عن (٧) مشارفته ومُقاربته فمباشرته أولى بالانتهاء، وكان المعنى: لا تقربوا من ترك الإنفاق في سبيل الله (٨).

стр. 1825

وأكثر أهل التفسير على أن معنى قول ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، أي: لا تمسكوا ولا تبخلوا عن الإنفاق في سبيل الله. والمراد بهذه الآية: النَّهْيُ عن ترك النفقة في الجهاد، إما أن ينفق على نفسه ويخرج، وإما أن ينفق على من يغزو من المسلمين (١)، حتى قال ابن عباس: أنفق في سبيل الله، وإن لم يكن لك إلا سهم أو مشقص، ولا يقولن أحدكم: لا أجد شيئًا (٢). وقال السدي، في هذه الآية: أنفق في سبيل الله ولو عقالًا. ﴿وَلَا تُلْقُوا

стр. 1826

بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ لا تقل: ليس عندي شيء (١). وقال أبو إسحاق معناه: أنكم إن لم تنفقوا في سبيل الله هلكتم، أي: عصيتم الله فهلكتم، وجائز أن يكون هلكتم بتقوّي عدوكم عليكم (٢). فعلى هذا معنى التهلكة: الهلاك بالعصيان بترك النفقة، والهلاك بقوة العدو عند ترك النفقة في الجهاد. وقال أبو أيوب الأنصاري (٣): إنها نزلت فينا معشر الأنصار، لما أعز الله دينَهُ ونَصَر رَسُوله، قلنا: لو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله هذه الآية (٤).

стр. 1827

فعلى هذا، التهلكة: الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد. والمعنى: لا تتركوا الجهاد فتهلكوا، فسمى ترك الجهاد تَهُلكة؛ لأنه يؤدي إلى الهلاك في الدنيا بقوة العدو وفي الآخرة بالعصيان (١). وفي الآية قول ثالث، وهو ما روي عن البراء بن عازب (٢): أنه قيل له في هذه الآية: أهو (٣) الرجل يحمل على الكتيبة وهم ألف بالسيف؟ قال: لا، ولكنه الرجل يصيب الذنب فيلقي بيديه (٤) ويقول: لا توبة لي؟ (٥).

стр. 1828

وهذا القول اختيار يمان (١) بن رِئَاب (٢) (٣) والمفضل (٤)، قالا: يقال للرجل إذا استسلم للهلاك ويئس من النجاة: ألقى بيديه (٥). وقال الفضيل: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ بإساءة الظن بالله (٦)، فعلى هذا القول التهلكة: هو ترك التوبة، والقنوط من رحمة الله، أو إساءة الظن بالله في الإخلاف عند الإنفاق (٧). قال أبو علي الفارسي: الباء في قوله: (بأيديكم) زيادة، المعنى: (ولا تلقوا أيديكم) يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ [النحل: ١٥] ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ [الحجر: ١٩] و ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [آل عمران: ١٥١]، وزيادتها ههنا كزيادتها في قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤] (٨).

стр. 1829

وقوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا﴾ معناه على القول الأول في التهلكة: أنفقوا في سبيل الله، فمن أنفق في سبيل الله فهو محسن. قال ابن عباس: أي (١): أحسنوا الظن بالله، فإنه يُضَاعِفُ الثواب، ويُخْلِفُ لكم النفقة (٢)، فالإحسان على هذا محمول على إحسان الظن بالله في الخُلْف، وعلى القول الثاني: جاهدوا، والمجاهد في سبيل الله محسنٌ، وعلى القول الثالث: تفسير الإحسان إحسان الظن بالله في قبول التوبة وغفران الذنوب (٣). ...

стр. 1830

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة الإِمام محمد بن سعود الإسلامية عماد البحث العلمي سلسلة الرسائل الجامعية التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) سورة البقرة من آية (١٩٦) - آخر السورة تحقيق د. محمد بن عبد العزيز الخضيري أشرف على طباعته وإخراجه د. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي الجزء الرابع

стр. 1831

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة الإِمام محمد بن سعود الإسلامية عماد البحث العلمي سلسلة الرسائل الجامعية التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) سورة البقرة من آية (١٩٦) - آخر السورة تحقيق د. محمد بن عبد العزيز الخضيري أشرف على طباعته وإخراجه د. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي الجزء الرابع

стр. 1832

جامعة الإِمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٣٠هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر الواحدي, علي بن أحمد التفسير البسيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت٤٦٨هـ)./ علي بن أحمد الواحدي, محمد بن صالح بن عبد الله الفوزان, الرياض١٤٣٠هـ. ٢٥مج. (سلسلة الرسائل الجامعية) ردمك:٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة) ١ - ٨٥٨ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج١) ١ - القرآن تفسير ... ٢ - الواحدي, علي بن أحمد أ- العنوان ... ب- السلسة ديوي ٢٢٧٣ ... ٨٦٨/ ١٤٣٠ رقم الإيداع: ٨٦٨/ ١٤٣٠ هـ ردمك ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة) ١ - ٨٥٨ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج١)

стр. 1833

التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) [٤]

стр. 1834

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1835

١٩٦ - قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ الآية. قال ابن عباس (١) ومجاهد (٢): أتِمُّوهما بمناسِكِهما وحدودِهما وسننِهِما وتأديةِ كل ما فيهما (٣). وقال ابن مسعود (٤) وعلي (٥) ﵄: إتمامُهُما: أن تُحرم بهما من دُوَيْرة أهلك مؤتنفَيْن. وبهذا قال سعيد بن جبير (٦) وطاوس (٧). وفي إيجاب العمرة قولان:

стр. 1836

أحدهما: أنها (١) واجبة، وهو مذهب علي (٢) وابن عباس (٣)، وقول الشافعي في الجديد (٤). قال ابن عباس: والله إن العمرة لقرينة الحج في كتاب الله ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٥). وقال مسروق: نزلت العمرة من الحج منزلة الزكاة من الصلاة، ثم تلا هذه الآية (٦). فمن أوجَبَ العمرةَ تأول الإتمام على معنى الابتداء، أي: أقيموهما وافعلوهما بما فيهما من الأعمال، كقوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ

стр. 1837

فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]، أي: فعلهن وقام بهن، وقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، أي: ثم ابتدؤوا الصيام وأتموه؛ لأنه ذكر الإتمام عَقِيب الأكل والشرب (١). وفرائض الحَجِّ أربعةٌ: الإحرامُ، والوقوفُ، وطوافُ الإفاضة، والسعيُ (٢). وأعمال العمرة: الإحرامُ، والطوافُ، والسعي، والحلق والتقصير (٣)، وأقله: ثلاث شَعَرات (٤). القول الثاني: أن العمرة سنةٌ وليست بفريضة، وهو مذهب أهل العراق (٥)، وحملوا الآية على معنى: أتموها إذا دخلتم فيها، كالمتطوع

стр. 1838

بالحج يلزمه المضي فيه إذا شرع فيه (١). والقول الأول أولى لأن فيه جمعاً بين وجهي الإتمام، ومعناه: ابتدئوا العمرة فإذا دخلتم فيها فأتموها، وقد تقول لمن لم يشرع في أمر: أَتِمَّ هذا الأمر (٢). وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ اختلف أهلُ اللغةِ في الحَصْر والإحْصَار، ففرَّق بينهما قوم. أقرأني العروضي، قال: أقرأنا الأزهري، عن المنذري، عن ابن فهم، عن محمد بن سلام (٣)، عن يونس، قال: إذا رُدّ الرجل عن وجه يريده فقد أُحْصر، وإذا حُبِسَ فقد حُصر (٤). وبهذا الإسناد عن المنذري، عن الحرَّاني، عن ابن السِّكِّيت (٥):

стр. 1839

أحصره المرض: إذا منعه من السفر أو من حاجة يريدها، وحَصَرَه العَدُوّ: إذا ضَيَّق عليه (١). وأقرأني سعيد بن أبي بكر الزاهد، عن أبي عليٍّ الحسنِ (٢) بن أحمد الفارسي، عن أبي إسحاقَ الزجاج، قال: الروايةُ عن أهل اللغة للذي يمنعه الخوف أو المرض: أُحْصِر، وللمحبوس: حُصِر (٣). وقال ابن قتيبة في قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾: هو أن يَعْرِضَ للرجل ما يحول بينه وبين الحج من مَرَضٍ أو كَسْرٍ أو عَدُو، يقال: قد أُحصر فهو محصَر، فإن حُبِس في سجن أو في دار قيل: حُصِر فهو مَحصُور (٤). وهذا هو قول الفراء في المَصَادر، ونحو (٥) ذلك ذكر أبو عبيد عن أبي عبيدة (٦). وذهب قوم إلى أنهما بمعنى واحد، قال الزجاج، في باب الوفاق من فَعَلْت وأَفْعَلْت، يقال للرجل: من حَصَرك ههنُا، ومن أحصرك؟. وقال أحمدُ بن يحيى: أصل الحَصْرِ والإِحْصَار: الحبس، وحُصِرَ في

стр. 1840

الحبس أقوى من أُحْصِر (١). وقال الأزهري: الرواية عن ابن عباس صحيحة أنه قال: لا حصر (٢) إلا حصر العدو (٣)، فَجَعْلُه بغير ألف جائزٌ، بمعنى قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ (٤). وقال الفراء: يقال للذي يمنعه خوف أو مرض: أُحْصِر، ولمن حُبِسَ قَهْرًا: حُصر، فإن نويت بقهر السلطان أنها عِلَّةٌ مانعةٌ ولم يذهب إلى فعل الفاعل جاز فيه أحصر، وإن نويت في العلة (٥) أنها حبسته جاز حُصِر (٦). هذا كلام أهل اللغة في الحصر والإحصار، وأصل الباب: الحَبْس، ومنه يقال للذي لا يبوح بسرِّه: حَصِرَة لأنه حبس نفسه عن البَوْح (٧) قال

стр. 1841

جرير: ولقد تَكَنَّفَنِي الوُشَاةُ فَصَادفوا ... حَصِراً بسرِّكِ يا أُمَيْمُ ضَنِيْنَا (١) والحَصْر: احتباس الغائط، والحصير: المَلِك؛ لأنه كالمحبوس في الحجاب، وهو في شعر لبيد: جِنٌّ لَدَى بابِ الحَصِيرِ قِيامُ (٢) والحصير: المعروف، وسَقِيْفُ من بَرْديٍّ (٣)؛ لانضمام بعضه إلى بعض، كحبس (٤) الشيء مع غيره، ومنه يقال للجَنْب: حصير، تشبيهًا به (٥). فأما حُكْمُ الإِحْصار فمذهب أهل العراق: أن كل مانع منع المُحْرم عن الوصول إلى البيت من: مَرَضٍ أو جُرْح أو كسر أو خوف عدو أو أي مانع كان، فإنه يقيم مكانه على إحرامه، ولبعث بهديه، أو بثمن الهدي، فإذا نحر الهدي حَلَّ من إحرامه. واحتجوا بأن الإحصار من طريق اللفظ عام

стр. 1842

في كل مانع (١). وأما مذهب أهل الحجاز (٢)، وهو مذهب الشافعي (٣)، ﵀، أن الحكم المتعلق بالإحصار إنما يتعلق بحبس العدو عن الوصول إلى البيت، فأما سائر الأعذار فغير داخل في الآية، والدليل على (٤) هذا سببُ النزول، وهو إحصار العدوِّ للنبي ﷺ وأصحابه بالحُدَيْبِيَةِ (٥)، يَدُلُّ على أن المراد به حبس العدو فقط، قوله في سياق الآية: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ ولم يقل: فإذا أندملتم (٦)، والأمن المطلق يقتضى الخوف المطلق من العدو، لأنه قال:

стр. 1843

﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ فعُلم أن الإحصار في الآية ليس بالمرض، وأيضًا ذكرنا عن ابن عباس أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو (١). وقولهم: الإحصار عام، قلنا: هو عام من حيث اللفظ، خاص ههنا في حبس العدو، بما (٢) ذكرنا من الدليل (٣). فإذا (٤) بان أن الإحصار هو قهر العدو بالحبس عن البيت، فالرجل إذا أحرم بحجٍّ أو عُمْرةٍ انحتم عليه الإتمام، حتى لو أفسد الإحرام بالجماع وجب عليه المضي في فَاسِدِ الإحرام، وإنما يباح التحلل (٥) من الإحرام بإحصار العدو، كما أُحْصِر رسول الله (٦). ثم إن كان الحج فَرْضاً أو العمرة فأحصره العدو فقال الشافعي: إذا أُحْصِرَ بعدوٍّ كافرٍ أو مسلم، أو سُلْطَان يحبسه في سجن، نحر هديًا بالإحصار حيث أُحْصِر في حِلٍّ أو حَرَم، وحَلَّ من إحرامه، وعليه القَضَاءُ إذا انْجَلَى الحَصْر، فإن انجلى الحَصْرُ عاجلاً أمكنه القضاء في ذلك العام، وإن كان النُّسُكُ في الأصل نفلاً فأُحْصِر فَتَحَلَّلَ فلا قضاء عليه من طريق الوجوب، ولكن يُسْتَحَبُّ له ذَلكَ، وإذا لم يجد هديًا يشتريه، أو كان فقيرًا، ففيه قَوْلان: أحدهما: لا يحل إلا بهدي.

стр. 1844

والآخر: إذا لم يَقْدِر عليه حَلَّ، وأتى به إذا قَدَرَ عَليه (١). وأما المحصر بالمرض، فإنه يصير على إحرامه ولا يتحلل، وله أن يتداوى بما لابد منه ويفتدي، ويأتي في هذه الآية ذكره (٢). وفي الآية إضمار، تقديره: فإن أحصرتم دون تمام الحج والعمرة، وجاز الحذف لأن ما تقدم يدل عليه (٣). قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ محل "ما" رفع. المعنى: فواجبٌ عليكم ما استيسر (٤). قال الفراء: ولو نصبتَ على معنى: اهْدُوا ما استيسر، كان صوابًا، وأكثر ما جاء في القرآن من أشباهه مرفوع (٥).

стр. 1845

واستَيْسر بمعنى: تيسر، ومثله استعظم، أي: تَعَظَّم، واسْتَكْبَر، أي: تَكَبَّر (١). والهَدْيُ: جَمْعُ هَدْيَة، مثل: شَرْية وشَرْي، وجَدْيَة وجَدْي (٢). قال أحمد بن يحيى: أهلُ الحجاز يُخَفِّفُون الهَدْي، وتميمٌ تُثَقِّلُهُ، فيقولون: هديّة وهديّ، مثل مطيّة ومَطِيّ (٣). قال الشاعر: حَلَفْتُ بربِّ مَكَّةَ والمُصَلَّى ... وأعْنَاقِ الهَديِّ مُقَلَّداتِ (٤) ومعنى الهَدْي: ما يُهْدَى إلى بيت الله تَقَرُّبًا إليه، بمنزلة الهَدِيَّةِ يُهْدِيها الإنسان إلى غيره متقربًا بها إليه (٥). قال علي (٦) وابن

стр. 1846

عباس (١) والحسن (٢) وقتادة (٣) في هذه الآية: أعلاه بدنة، وأوسطه بقرة، وأخسُّه شاة، فعليه ما تيسر له من هذه الأجناس. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ أي: لا تَتَحَلَّلُوا من إحرامكم حتى يُنْحَرَ الهَدْيُ (٤). ومعنى ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ أي: حيث يَحِلُّ ذبحُه ونَحْرُه، يُقال: حلَّ الشيء يَحِلُّ حَلاَلاً وحِلاًّ، وهذا أوان محله، أي: حينَ حَلَّ (٥)، كقوله ﷺ في اللحم الذي تصدّق على بريرة: "قربوه فقد بَلَغ محله" (٦) أي: حل لنا

стр. 1847

بالهدية إلينا (١)، بعد أن كان صدقة على بريرة (٢) (٣). وهكذا فعل النبي ﷺ وأصحابه، حين صُدُّوا عن البيت، نَحَروا هَدْيَهُم بالحديبية ليست من الحرم (٤). قال الشافعي ﵀: وكل ما وجب على المحرم في ماله من بَدَنةٍ وجَزَاء وَهَدْي فلا يُجْزِي إلا في الحرم، لمساكين أهله، إلا في موضعين: أحدهما: دم المحصر بالعدو، فإنه ينحر حيث حبس ولحل. والآخر: من ساق هديًا فعَطب في طريقه ذبحه وخلى بينه وبين المساكين (٥). هذا على مذهب أهل الحجاز (٦)، وعلى مذهب أهل العراق محلُّ

стр. 1848

هدي المحصر الحرمُ، ولا محل له غيره، فإن كان حاجًا فمحله يوم النحر، وإن كان معتمرًا فمحله (١) يوم يبلغ هديه الحرم (٢). وحقيقة الخلاف تعود إلى أن عند أهل الحجاز المحل في هذه الآية اسمًا للأوان الذي يحل فيه ذبح الهدي عن المحصر، وعند غيرهم المحل اسم للمكان (٣). وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ نزلت في كعب ابن عُجْرة (٤) قال: مر بي رسول الله ﷺ زمن الحديبية ولي وفرة من شعر فيها القَمْل والصِّيبَان، وهي تَتَناثر على وجْهي وأنا أطبخ قِدرًا لي، فقال رسول الله ﷺ : "أيؤذيك هوام رأسك؟ " قلت: نعم يا رسول الله قال: "احلق رأسك"، فأنزل الله : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ (٥) أي:

стр. 1849

فحلق أو فداوى فعليه فدية يفدي بها إحرامه؛ لأنه يجبر بها ما وقع من خلل في إحرامه (١). والحكم في هذا: أن المحرم إذا تأذّى بهوامِّ رأسِه أو بالمرض أُبيح له الحلق والمداواة بشرط الفدية، وهذه الفدية على التخيير أيها شاء فعل، كما دل عليه ظاهر الآية (٢)، فالصيام ثلاثة أيام، يصوم حيث شاء من البلاد (٣)، والصدقة إطعام ستة مساكين، لكل مسكين مدان، فيكون الجملة فَرَقًا، وهو اثنا عشر مدًّا (٤)، وفي سائر الكفارات لكلِّ مسكين (٥) مدٌّ واحد. وأصل معنى الصدقة نذكرها في قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧١] إن شاء الله تعالى.

стр. 1850

وقوله تعالى: ﴿أَوْ نُسُكٍ﴾ جمعُ نسيكة، وهي الذبيحة يَنْسُكُها لله ، أي: يذبحها (١)، ويجمع أيضا: نسائك، وأصل النسك: العبادة. والناسك: العابد. قال ابن الأعرابي: النسك سبائك الفضة. كل سبيكة منها نسيكة، وقيل للمتعبد: ناسك؛ لأنه خَلَّص نفسه من دنس الآثام وصفّاها، كالسبيكة المخلَّصَة من الخَبَث (٢). هذا أصل معنى النسك. ثم قيل للذبيحة نسك؛ لأنها من أشرف العبادات التي يُتَقرَّب بها إلى الله (٣). قال العلماء أعلاها: بدنة، وأوسطها: بقرة، وأدناها: شاة. وهو مخير بينهما؛ لأن النسك وقع على هذه الأجناس (٤). والصحيح: أنه يأتي بالإطعام والنسك أي موضع شاء، لأن الله تعالى أطلق في الآية، ولم يخص مكانًا دون مكانٍ (٥).

стр. 1851

قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾، قال ابن عباس: أي من العدو، أو كان حج ليس فيه عدو (١)، قد جمع ابن عباس الحالتين في تفسير قوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ لأن الأمن يكون بعد خوف فيزول، ويكون من غير خوف قد زال، وكلا الحالتين سواء في حكم المتمتع، وهو قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾. والمتاع: كل شيء يُتَمَتَّعُ به، ويُنْتَفَع به. وأصله: من قولهم: جَبَلٌ ماتعٌ، أي: طَويل، وكل من طالت صُحْبته مع الشيء فهو متمتع به (٢). والتمتع بالعمرة إلى الحجِّ هو: أن يَقْدُمَ مَكَّةَ مُحْرِمُا، فيعتمرَ في أَشْهُرِ الحَجِّ، ثم يقيم حلالاً بمكةَ، حتى ينشئَ منها الحجَّ فيحج من عامه ذلك، ويكون متمتعًا بمحظورات الإحرام؛ لأنه حل بالعمرة إلى إحرامه بالحج (٣).

стр. 1852

ومعنى قوله: ﴿بِالْعُمْرَةِ﴾ هو أي: بسبب العمرة، لأنه لا يتمتع بالعمرة، ولكنه يتمتع بمحظورات الإحرام بسبب العمرة حيث أتى بها (١). هذا معنى التمتع بالعمرة إلى الحج. وقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قال أصحابنا: المتمتع الذي يجب عليه الدّم: هو الذي يُحِم في أشهر الحج، ويحل بعمرة في أشهر الحج، ويُحْرم بالحج من عامه ذلك من مكةَ، ولا يرجع إلى الميقات، ويكون من غير أهل الحرم، فإذا انخرم شيء من هذه الشرائط سقط عنه الدم، ولا يكون متمتعاً (٢).

стр. 1853

وإذا وجدت هذه الشرائط كان متمتعًا، وعليه إراقة دم إن شاء قبل يوم النحر، وإن شاء في يوم النحر (١)، ولا يجزيه غيره إن كان موسرًا، وإن كان معسرًا فعليه صوم عشرة أيام، وذلك قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ أي: في أشهر الحج. قال المفسرون: يصومُ يومًا قبل التروية، ويومَ التروية، ويومَ عرفة. قال أصحابنا: يصوم ثلاثة أيام قبل يوم النحر في أشهر الحج، إن شاء متتابعة، وإن شاء متفرقة، وإن صام قبل يوم عرفة حتى يكون يوم عرفة (٢) مفطرًا كان أولى؛ لأن رسول الله ﷺ ما صامَ بعرفةَ يومَ عَرَفة، وذلك

стр. 1854

أقوى للدعاء (١). وقوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ أما السَّبْعَةُ فله أن يصومها بعد الفراغ من الحج، أين شاء ومتى شاء، والأولى: أن لا يُوقِعَها في أيام التشريق (٢)، وإن فاته صوم الأيام الثلاثة في الحج قضاها من بعد. وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ يقال: كمُل الشيءُ يَكمُل، وكمَل يكمُل، فهو كامِلٌ وكميل، وذُكِر أيضًا: كَمِل يكمَلُ (٣). وإنما قال: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ مع العلم بأن الثلاثة والسبعة عشرة،

стр. 1855

للتأكيد (١)، كقول الفرزدق (٢): ثَلاثٌ واثْنَتَانِ فهُنَّ خَمْسُ (٣) ... ....................... البيت. وكقوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢]. وقيل: إن العرب أمّةٌ أميةٌ، لا تَعْرِف الحساب (٤)، ولذلك قال جابر حين ذكر عددَ أهلِ الحُدَيْبِيَة: كنا أربعَ عَشرَ مائة (٥). ويروى أن رجلًا من الصحابة سَبَى جاريةً في بعض المغازي، فطلبوا منه أن يأخذ الفداء، فقال: لا أفديها إلا بألف درهم، فبذلوها له، فقيل له: لو طلبت أكثر من ذلك لأعطوك، فقال: والله ما عرفت أن فوق الألف حسابا (٦). وقال الزجاج: العرب قد تذكر الواو والمراد منها أو، كقوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، فجاز أن يَتَوَهَّم المتوهم أن الفرضَ ثلاثة أيام في الحج أو سبعة في الرجوع، فأعلم الله

стр. 1856

أن العشرَ مفترضةٌ كلها (١). وذكر الكمال على التأكيد. وقيل: أراد: كاملة في البدل عن الدم، وإن كانت مُفَرَّقة، ثلاثة في الحج وسبعة في الوطن (٢). وقيل: لفظه خبر ومعناه أمر، أي: فأكملوها ولا تنقصوها (٣). وقوله: ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: ذلك الفرض والذي أمرنا به لمن كان من الغرباء من غير أهل مكة (٤). قال الفراء: واللام في قوله: ﴿لِمَنْ﴾ معناها: على (٥)، أي: ذلك الفرض الذي هو الدمُ أو الصومُ على من لم يكن من أهل مكة، كقوله ﷺ : "اشترطي لهم الولاء" (٦). أي: عليهم. والله تعالى ذكر الأهل والمراد بالحضور المحرم لا الأهل، وذلك أن

стр. 1857

الغالب على الرجل أن يسكن حيث كان أهله ساكنون (١). والحاضرون: من كانت دارُه على مسافةٍ لا يَقْصُر إليها الصِّلاة، سموا حاضرين: لأنهم يقربون من مكة، والحَضْرة عند العرب: قرب الشيء (٢). وقوله تعالى: ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أصلُ الحرام: المَنْع، والمحروم: المَمْنُوع من المكاسب، والشيء المنهي عنه حَرَام؛ لأنه منع من إتيانه؛ ومنه قول زُهيْر: لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ (٣). أي: لا ممنوع. فالمسجد الحرام: الممنوع من أن يفعل فيه ما حَرُم ولم يؤذن في إتيانه (٤). قال الفراء: ويقال حَرَام وحَرَمُ، مثل: زَمَان وزَمَن (٥).

стр. 1858

وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ قال ابن عباس: يريد فيما افترضه عليكم ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لمن تهاون بحدوده (١). ١٩٧ - قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ تقدير الآية عند النحويين على وجهين: أحدهما: أن التقدير: أشهُر الحج أشهر معلومات، ليكون (٢) الثاني الأول في المعنى، فحذف المضاف (٣). والثاني: أنّ التقدير: الحجُّ حجُّ أشهر مَعْلومات، أي: لا حج إلا في هذه الأشهر، ولا يجوز في غيرها، كما كان يفعله أهل الجاهلية، يستجيزونها في غيرها من الأشهر، فحذف المصدر المضاف إلى الأشهر. ويمكن تصحيحُ الآيةِ من غير إضمار، وهو أنه جعل الأشهر الحج لمَّا كان الحج فيها، كقولهم: ليل نائم، لما (٤) كان النوم فيه جعل نائمًا، كذلك ها هنا، اتسع في الأشهر وأخرجت عن الظرف، كقوله تعالى: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ [طه: ٥٩]، ألا تَرَى أن الحجَّ في الأشهر، كما أن الموعدَ في اليوم، إلا أنه اتسع فيه، فجعل الأول لما كان فيه، كذلك جعل الحج الأشهر على الاتساع، لكونه فيها وكثرته من الفاعلين له (٥)، كما جَعَلتِ الخَنْساءُ الوحشيةَ إقبالًا وإدبارًا لكثرتهما منها في قولها:

стр. 1859

تَرْتَعُ ما رَتَعَتْ حتّى إذا ادَّكَرَتْ ... فإنَّما هي (١) إقْبَالٌ وإدْبَارُ (٢) وكما قال مُتَمِّم (٣): لَعَمْري وما دَهْرِي بَتَأبِيْنِ هَالكٍ ... ولا جَزعٍ مما أَصَاب فَأَوجَعَا (٤) ألا ترى أنه قد جعل دَهره الجزع في قوله: ولا جزعٍ، أي: وما دهري بجزع. والأشهرُ بمنزلة الدهر (٥). والمراد بالأشهر، هاهنا، عند جميع المفسرين: شَوَّالٌ وذو القَعْدة وتسع من ذي الحِجَّة، ويقال: عشر من ذي الحجة، فمن قال: وتِسْع، أراد الأيام؛ لأن يوم عرفة وهو اليوم التاسع من ذي الحجة آخر هذه الأشهر (٦)، ومن قال: عَشْرٌ، عَبَّر به عن الليالي؛ لأن من أدركَ عرفةَ في الليل العاشر

стр. 1860

من ذي الحجة فقد أدركَ الحج (١)، وقد ورد في الخبر اللفظان جميعًا في تفسير الأشهر (٢). وإنما قال: أشهر، لشهرين وبعض الثالث؛ لأن الاثنين قد يوقع عليها (٣) لفظ الجمع، وذلك أن التثنية أولُ الجَمْع (٤)، الدليل عليه قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور: ٢٦]. وإنما يريد عائشةَ وصَفْوان، وكذلك قوله: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨]، يريد: داودَ وسليمانَ، وقال: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]. وقال الشاعر:
следующие страницы →