← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ج- أبواب الثلاثي الصحيح. يبدأ بالعين مع الحاء وما يثلّثهما بترتيب الحروف، ثمّ العين مع الهاء، ثم مع الخاء والغين، حتى يأتي على آخر الحروف. د- يقلِّب كلّ مادة ثلاثية بذكر الصور الست الممكنة في مكان واحد؛ نحو: هقم - همق - قهم - قمه - مهق - مقه. ويشير إلى المستعمل منها والمهمل، فيقول في تقاليب هقم: "مستعملات"، ويقول في تقاليب هكد: هكد - كهد - كده - دهك: مستعملة. أهمل الليث هكد. ويقول في هكس: استُعمل من وجوهه: سَهَك. ويقول في: هكز "اهمله الليث". هـ- ثم أبواب الثلاثي المعتلّ، وهو ما فيه حرفان صحيحان وحرف علّة واحد. وهي تجري على النظام السابق، مع إلحاق المهموز بالمعتل بالألف. و- اللفيف، فمن لفيف حرف الهاء: هاه - أوه - هيه - إيه - هيأ - هوأ - هأي - وهوه - يهيأ - وهي - أيه - هوى - هوي. ز- الرباعي، فالخماسي. يشار هنا إلى أن الأزهري رتّب الرباعي على ابوابه، ولم يفعل ذلك في الخماسي. ح- أدرج المعتل في آخر الكتاب (١). ولقد ذكر الواحدي صلته بكتاب تهذيب اللغة، حيث كان الأزهري من شيوخ العروضي أحد شيوخ الواحدي.

стр. 212

يقول الواحدي في مقدمة كتابه "البسيط" عن شيخه العروضي: " ... وأدرك المشايخ الكبار وقرأ عليهم وروى عنهم، كأبي منصور الأزهري روى عنه كتاب "التهذيب" وغيره من الكتب ... " (١). ثم يقول: " ... وقرأت عليه الكثير من الدواوين وكتب اللغة ... " (٢) ولا بد أن يكون كتاب "التهذيب" في طليعة تلك الكتب. لقد أفاد الواحدي من كتاب "تهذيب اللغة" كثيرًا، ويعتبر مصدرًا هامًا له في مجال اللغة واشتقاق الكلمات، حيث إن شرح الكلمات القرآنية وبيان أصولها واشتقاقها وما فيها من غريب يأخذ حيزًا كبيرًا في تفسير الواحدي يبدأ به كل آية، وقد اعتمد في أكثر ذلك على كتاب "تهذيب اللغة" وله ثلاث طرق في إفادته من الكتاب: الطريقة الأولى: أن ينقل بالسند عن طريق أبي الفضل العروضي مثال ذلك أنه قال -أثناء تفسير لفظ الجلالة "الله"-: "أخبرني أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد الله العروضي-﵀ قال: أبنا أبو منصور أحمد بن محمد الأزهري، أبنا أبو الفضل المنذري قال: سألت أبا الهيثم خالد بن يزيد الرازي عن اشتقاق اسم "الله" في اللغة، فقال "الله" أصله "إلاه" قال جل ذكره: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ [المؤمنون: ٩١] ... الخ (٣)). وكلام أبي الهيثم قد ورد في "التهذيب" ضمن كلام طويل مع اختلاف

стр. 213

يسير في العبارة. قال الأزهري: "وأخبرني المنذري عن أبي الهيثم أنه سأله عن اشتقاق اسم الله في اللغة فقال: " ... " (١). وقد أخذ الواحدي عن الأزهري من هذا الطريق في مواضع من كتابه فعند تفسير لفظ "الناس" وبيان أصلها في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٨]، قال: "فقد أقرأني العروضي قال: أقرأني الأزهري، قال أخبرني المنذري عن أبي الهيثم أنه سأل عن "الناس" ما أصله، قال أصله "أناس" .. الخ" (٢). الطريقة الثانية: أن ينقل عن الأزهري بدون سند ويعزو إليه، وهذا أكثر من الطريقة الأولى، قال عند تفسير "المرض" في قوله: ﴿فِى قُلُوبِهِم مرضٌ﴾ الآية [البقرة: ١٠]، قال: "وقال الأزهري: أخبرني المنذري عن بعض أصحابه قال: المرض: إظلام الطبيعة واضطرابها بعد صفائها، قال: والمرض الظلمة وأنشد .. الخ". ومثال آخر عن تفسير قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدنى أَلَأ تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣] قال - ناقلًا كلام الأزهري دفاعا عن الشافعي-: "قال الأزهري وهذا يدل على أن الشافعي لم يخطئ من جهة اللغة، لأن الكسائي ثقة مأمون، قال: والمعروف من كلام العرب عال الرجل يعول إذا جار ومال، وأعال إذا كثر عياله" (٣). وبالطريقة الثالثة: أن يفيد منه بدون عزو، وهذه أكثر الطرق، وقل أن تجد في تفسير "البسيط" كلامًا في اللغة إلى وقد أفاد الواحدي من

стр. 214

"التهذيب" إما بنصه أو بمعناه، ولو تتبعت هذا الجزء المحقق لأدركت ذلك، وأوضح مثال على ذلك مقدمة الكتاب فقد نقل الواحدي فيها كلامًا بنصه عن مقدمة "تهذيب اللغة" بدون عزو قال في المقدمة: "والله تعالى ذكره أنزل كتابه على قوم عرب أولي بيان فاضل وفهم بارع، أنزله جل ذكره بلسانهم، وصيغة كلامهم الذي نشئوا عليه وجبلوا على النطق به، فتدربوا به يعرفون وجوه خطابه ويفهمون فنون نظامه ... إلخ" (١)، وهذا الكلام بنصه في مقدمة "تهذيب اللغة" (٢). ومثال آخر عند تفسيره "مالك" في قوله تعالى: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] قال: "ويقال: ما تمالك فلان أن فعل كذا، أي: لم يستطع أن يضبط نفسه وقال: فلا تَمالُكَ عن أرض لها عَمَدُوا وملاك الأمر ما يضبط به الأمر، يقال: "القلب ملاك الجسد ... " (٣) فهذا الكلام نقله عن "التهذيب" مع التصرف اليسير في العبارة. وربما نقل عن الأزهريِ ذاكرًا شيوخ الأزهري ولم يذكره هو، قال في تفسير قوله تعالى: ﴿هُدًى لّلِمُتقِينَ﴾ [البقرة: ٢] "الحراني عن ابن السكيت يقال: اتقاه بحقه يتقيه، وتقاه يتقيه وأنشد عن الأصمعي .. " (٤)، ونص الكلام في التهذيب: "وأخبرني المنذري عن الحراني عن ابن السكيت قال .. ثم ذكره .. " (٥).

стр. 215

وبهذه الأمثلة يتضح مدى إفادة الواحدي من كتاب "تهذيب اللغة" للأزهري. القسم الثاني من المصادر: المصادر الثانوية . وهي أقل من الأولى في اعتماد المؤلف عليها. ١ - " الكتاب" (١) لسيبويه (٢): لقد ألف سيبويه كتابه في علم النحو ومسائله ومقاييسه وعلله، وهو لا نظير له في بابه، وقد اعتمد المؤلف عليه ونقل منه مسائل في النحو أو الصرف، وتارة ينقل بواسطته مثل "تفسير الثعلبي"، و"معاني القرآن وإعرابه"، أو كتاب "الحجة" لأبي على الفارسي، أو "تهذيب اللغة".

стр. 216

وعند عرضه لأقوال سيبويه تارة يذكر قوله وتارة يحكي مذهبه، ومن أمثلة ذلك عند قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [إبراهيم: ١٠] بَيّن مذهب سيبويه في زيادة (من) فقال: قال أبو عبيدة: (من) زائدة، وأنكر سيبويه زيادتها في الواجب. وعند قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [إبراهيم: ١٨] ذكر مذهب سيبويه في رفع (مثلُ) فقال: اختلفوا في الرفع للمثل، فقال الزجاج: هو مرفوع على معنى: وفيما يتلى عليكم، وهذا مذهب سيبويه. وعند قوله تعالى: ﴿حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦] قال: وقال سيبويه: المسنون المصوَّر على صورة ومثال، من سُنّة الوَجْه، وهي صورته. فهذا القول لم أجده في الكتاب، وورد بنصه في تفسير الثعلبي (٢/ ١٤٨ أ). وعند قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] قال: قال الخليل وسيبويه: أجمعون توكيد بعد توكيد. وقد ورد هذا الكلام بنصه في "معاني القرآن وإعرابه". وعند قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] قال: قال سيبويه: معنا سبحان الله: براءة الله من السوء. وقد ورد كلامه هذا بنصه في "الكتاب" وفي "تهذيب اللغة"، فيحتمل أنه نقله من "التهذيب"؛ لأنه من مصادره الرئيسية. ومن أمثلة نقله بواسطة: ١ - قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩)﴾ [الشعراء: ١٩٨، ١٩٩] قال الواحدي: "قال أبو علي الفارسي: أعجم صفة، كأحمر؛ لأنه قد وُصف به في النكرة .. والذي قلنا

стр. 217

من أن الأعجمين جمع أعجمي هو قول سيبويه؛ وقد نص عليه ... فال سيبويه في الباب المترجم: هذا بابٌ من الجمع بالواو والنون، وتكسير الاسم. سألت الخليل عن قولهم: الأَشْعَروُن؛ فقال: إنما أَلحقوا الواو والنون وحذفوا ياء الإضافة كما كَسَّروا فقالوا: الأشاعر، والأشاعث، والمَسَامِعة، فلما كَسَّروا مِسْمَعًا والأشعث حين أرادوا معنى بني مِسْمَع وبني الأشعث، أَلحقوا الواو والنون، فكذلك الأعجمون ... انتهت الحكاية عن أبي علي. "الإغفال فيما أغفله الزجاج" ٢/ ٢١٣. ٢ - قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥] قال الواحدي: "وقال النحاس: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً﴾ ليس بوقف؛ لأنه لم يأت بجواب (إذا) وجواب (إذا) على قول الخليل وسيبويه: ﴿أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أي: خرجتم. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] تقديره عنده: قنطوا. والقول ما قال النحاس". قول سيبويه ذكره النحاس، "القطع والائتناف" ٢/ ٥٣٢. ٣ - قول الله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (٨٢)﴾ [القصص: ٨٢ - ٨٢] قال الواحدي: "قال سيبويه في هذه الكلمة: سألت عنها الخليل فزعم أنها: وَيْ، مفصولة من كأن، وأن القوم تنبهوا، فقالوا: وَيْ، متندمين على ما سلف منهم، وكل من تندّم أو ندم فإظهار ندامته أن يقول: وَيْ ". "الكتاب" ٢/ ١٥٤، بمعناه. وذكره بنصه الزجاج ٤/ ١٥٦.

стр. 218

٢ - كتب الكسائي (١): نقل الواحدي عن الكسائي جملة من الآراء والاختيارات اللغوية والنحوية، وغالبها نقلت -فيما يبدو- بواسطة بعض ما تقدم من المصادر، كتهذيب اللغة، وتفسير الثعلبي، وبعض النصوص ليست فيها، ولعلها من كثاب "معاني القرآن" للكسائي (٢)، وهو من المفقودات، وهو من روايات شيخه الثعلبي كما صرح به في تفسيره (٣). ٣ - " المصادر" للفراء (٤): " المصادر" للفراء من الكتب المفقودة، وقد صرح الواحدي ﵀ عدة مرات بالنقل عنه، ويلاحظ أن معظم النقولات عن هذا الكتاب هي في أبنية الكلمات وأصولها واشتقاقها، وقد وردت إحالات كثيرة إلى الفراء لم أقف عليها في المعاني، وأغلب الظن أنها من هذا الكتاب لِمَا بين هذه النصوص من التشابه، ومن أمثلة ما نقله: قول الواحدي: والقِصَاص مصدر؛ لأنه فعال من المفاعلة.

стр. 219

قال الفراء في كتاب المصادر: قاصَصته قَصَصًا، وأَقْصَصْتُه: إذا أقدته من أخيه إِقْصَاصًا، ويقال: قَصَصْتُ أثره قُصًّا وقَصًّا، وقَصَصْتُ عليه الحديثَ قُصًّا، عند قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩]. وعند قوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥] قال: وقال الفراء في المصادر: يقال للرجل دَفَيْت فأنت تدفأ دَفْأ ساكنة الفاء مفتوحة الدال، ودِفاءً بالكسر والمد، وزاد غيرُه دَفاءًة ودَفاءً. وعند قوله تعالى: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤] قال: وقال الفراء في المصادر: ما كان طريّا ولقد طري يطرأ طراءً ممدود وطراوةً، كما يقال: شقي يشقى شقاءً وشقاوةً. وعند قوله تعالى: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨] قال: وقال الفراء في المصادر: أغسق الليل إغساقًا وغسق غسوقًا. ٤ - " مجاز القرآن" (١) لأبي عبيدة معمر بن المثنى (٢):

стр. 220

ألف أبو عبيدة هذا الكتاب في تفسير القرآن، ويعد أول كتاب مطبوع من كتب غريب القرآن (١)، وله أسماء متعددة (٢)، ويعد أكثر كتب الغريب استشهادًا بالشعر (٣)، وقد فسر غريبَ القرآن باللغة مقتصرًا عليها في الغالب (٤) ولم يخضع أبو عبيدة في مجازه لأي من المدرستين البصرية والكوفية ولم يتقيد بتلك القيود التي كانت تضعها تلك المدرستان لفهم النصوص العربية. ويجدر الإشارة هنا أن معنى المجاز عند أبي عبيدة يختلف كل الاختلاف عن المعنى الذي حدده علماء البلاغة، فالمجاز عند أبي عبيدة عبارة عن الطريق التي يسلكها القرآن في تعبيراته، وهذا المعنى أعم بطبيعة الحال من المعنى الذي حدده علماء البلاغة (٥). وقد نقل الواحدي ﵀ عن أبي عبيدة من مجازه دون الإشارة إلى الكتاب، واكتفى بقوله: قال أبو عبيدة، أما المجالات التي نقل عنها

стр. 221

فمتنوعة؛ إذ لم يقتصر على اللغة، بل شملت -كذلك- التفسير والصرف والشواهد الشعرية وغيرها، ومن أمثلة ذلك: عند قوله تعالى: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٩] نقل عنه تفسير الآية، فقال: وقال أبو عبيدة: مجاز هذا مجاز المَثَل، ومعناه: كفوا عما أمروا بقبوله من الحق ولم يؤمنوا به، قال: ويقال ردّ يده في فمه، أي: أمسك ولم يجب. وعند قوله تعالى: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] نقل عنه شاهدًا شعريًّا على أن جَنَّبْتُه وجَنَبْتُه واحد، فقال: وأنشد أبو عبيدة لأُميَة بن الأَسْكَر: وتَنْفُضُ مَهْدَهُ شَفَقًا عليه ... وتَجْنُبُه قلائِصنا الصِّعابا وعند قوله تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ [إبراهيم: ٤٣] نقل عنه معنى الغريب، فقال: وأما تفسير الإهطاع فقال أبو عبيدة: هو الإسراع. وعند قوله تعالى: ﴿فًتزلَّ قَدَم بغَدَ ثبُوتِهَا﴾ [النحل: ٩٤] نقل عنه معنًى بلاغيًّا، فقال: قال أبو عبيدة: وزليل القدم مثل لكل مبتلى بعد عافية أو ساقط في وَرْطَة بعد سلامة. وعند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٧] نقل عنه قضية صرفية، فقال: وقال أبو عبيدة: ضَيْق تخفيف ضَيِّق: مثل مَيِّت، يقال: أمر ضَيْق وضَيّق. وقد ينقل عن أبي عبيدة بواسطة ومثاله . قول الله تعالى: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [القصص: ٣٢] قال الواحدي: "قال أبو علي: قال

стр. 222

أبو عبيدة: جناحا الرجل: يداه". "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٤١٤، بنصه، وفي "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ٢/ ١٠٤: ﴿جَنَاحَكَ﴾ أي: يدك. وقد ينسب الواحدي القول لأبي عبيدة، وهو غير موجود في المجاز، مثاله: قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧]. قال الواحدي: "قال أبو عبيدة: الأوثان: كل ما كان منحوتًا من خشب أو حجر، والصنم ما كان من ذهب أو فضة أو نحاس". ٥ - " معاني القرآن" (١) للأخفش (٢): يعتبر كتاب "معاني القرآن، من أوائل الكتب المؤلفة في بيان معاني

стр. 223

القرآن (١)، لكنه قصره في الغالب على النحو مبرزًا مذهبه البصري، وليس فيه من المعاني إلا النزر اليسير (٢)، ولعل السر في ذلك أنه أفرد المعاني في كاب آخر في "غريب القرآن" (٣)، ويعتبر الأخفش من العلماء الذين اهتموا بالنحو دون اللغة (٤)، ولذلك أخذ عنه الواحدي كثيرًا من مسائل النحو، أحيانًا يكون النقل مباشرة وتارة يكون بواسطة. مثال النقل مباشرة: تفسير قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١] قال: وقال الأخفش: الخِطْء: الإثم وهو ما أصابه متعمدًا والخطأ غير المتعمد. ويقال من هذا: أخطأ يُخْطِئُ. قال الله تعالى: ﴿وَلَيسَ عَلَيكم جُنَاحٌ فِيمَآ أَخطَأتُم بِهِء وَلكن مَّا تَعَمَّدَت قُلوبُكم﴾ [الأحزاب: ٥] واسم الفاعل من هذا: مخطئ، فأمّا خطيئة فاسم الفاعل منه: خاطئٌ، وهو المأخوذ به فاعله، وفي التنزيل ﴿لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة: ٣٧] (٥).

стр. 224

نقل عنه في النحو: عند قوله تعالى ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦] فقال: واختلفوا في وجه انتصاب الكذب؛ فقال الأخفش: جعل (ما تصف) اسمًا للفعل؛ كأنه قال: ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذب. ورد بنصه في معانيه. ونقل عنه في "الغريب": عند قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ٥٩] قال: قال الأخفش: المُبْصرةُ: البَيِّنة؛ كما تقول الموضِحَة والُمبَيِّنَة. ورد بنصه في معانيه. ومن أمثلة النقل بواسطة: قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ [الفرقان: ٧٤] قال الواحدي: "وحكى أبو علي الفارسي، عن الأخفش قال: الإمام هاهنا جمع: آمّ فاعل من: أمَّ يُجمع على: فِعَال، نحو: صَاحب، وصِحَاب". قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٨] قال الواحدي: "قال الأخفش: قرأ الأعمش: ﴿لَنُثوِيَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا﴾ قال: ولا يعجبني ذلك؛ لأنك لا تقول: أثويته الدار" لم أجده عند الأخفش في "المعاني"، لكن ذكر أبو علي أن أبا الحسن قال: قرأ الأعمش. "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٤٤٠. قول الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] قال الواحدي: "وقال أبو إسحاق: المعنى: فاسأل عنه خبيرًا. وهو مذهب الأخفش، وجماعة جعلوا الباء، بمعنى عن، كقوله: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾

стр. 225

[المعارج: ١]. لم أجده في كتابه "المعاني" ٢/ ٦٤٢، عند هذه الآية. ونسبه له النحاس، "القطع والائتناف" ٢/ ٤٨٦. ٦ - كتب أبي عبيد القاسم بن سلام (ت ٢٢٤) (١): لأبي عبيد كتب كثيرة في اللغة والقراءات وفي فنون أخرى من العلم، وقد أفاد الواحدي من كتبه، فمن ذلك: كتاب "الناسخ والمنسوخ في كتاب الله العزيز" (٢)، حيث نقل منه الواحدي في مواضع من تفسيره، يعزو أحيانًا، ويغفل أخرى. وأما في اللغة فالغالب أنه ينقل أقواله عن طريق تهذيب اللغة للأزهري، وأما توجيه القراءة فقد يكون من كتابه الذي ألفه في القراءات، وهو مفقود (٣). ٧ - " تأويل مشكل القرآن " (٤) لعبد الله بن مسلم بن قتيبة (٥):

стр. 226

تكلم ابن قتيبة على السبب الذي دفعه إلى تأليف هذا الكتاب، فقال ص (١٧): وقد اعترض كتاب الله بالطعن ملحدون، ولغوا فيه وهجروا، واتبعوا: ﴿مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧] بأفهام كليلة، وأبصار عليلة، ونظر مدخول؛ فحرفوا الكلام عن مواضعه، وعدلوه عن سبله؛ ثم قضوا عليه بالتناقض، والاستحالة في اللحن، وفساد النظم، والاختلاف. وأدلوا في ذلك بعلل ربما أمالت الضعيف الغمرة والحدَثَ الغِرَّ، واعترضت بالشبه في القلوب، وقدحت بالشكوك في الصدور ... فأحببت أن انضح عن كتاب الله، وأرمي من ورائه بالحجج النيّرة، والبراهين البينة، وأكشف للناس ما يلبسون، فألفتُ هذا الكتاب جامعًا لتأويل مشكل القرآن؛ مستنبطًا ذلك من التفسير بزيادة في الشرح والإيضاح، وحاملًا ما أعلم فيه مقالًا لإمام مطلع على لغات العرب؛ لأري المعاند موضع المجاز، وطريق الإمكان، من غير أن أحكم فيه برأي، أو أقضي عليه بتأويل، ولم يجز لي أن أنص بالإسناد إلى من له أصل التفسير، إذ كنت لم أقتصر على وحي القوم حتى كشفته، وعلى إيمائهم حتى أوضحته، وزدت في الألفاظ ونقصت، وقدمت وأخرت،

стр. 227

وضربت لذلك الأمثال والأشكال حتى يستوي في فهمه السامعون. ثم فسر معنى المتشابه والمشكل. وأصل التشابه أن يشبه اللفظ اللفظ في الظاهر والمعنيان مختلفان ... ومنه يقال: اشتبه عليّ الأمر؛ إذا أشبه غيره فلم تكد تفرق بينهما. وشبهت علي إذ لبَّست الحق بالباطل. ثم يقال لكل ما غمض ودق: متشابه، وإن لم تقع الحيرة فيه من جهة الشبه بغيره (١). وكتاب "تأويل مشكل القرآن" كتاب فريد تحدث فيه عن موقف علماء الكلام من أهل الحديث وما تحدثوا عنهم به من شتى التهم والمثالب؛ وعرض بالنقد لما ذهب إليه النظام من اعتراضه على أبي بكر وعمر وعلي، وطعنه على ابن مسعود وحذيفة وأبي هريرة. ونقد كذلك ثمامة بن الأشرس، ومحمد بن الجهم البرمكي، والجاحظ، وأبا الهذيل العلاف، وغيرهم؛ وعرض لأهل الرأي، وأبان عن منابذتهم للكتاب والسنة، وأدار الجزء الأكبر من كتابه على الأحاديث التي ادعي عليها التناقض والاختلاف ومخالفة القرآن؛ والأحاديث التي زعموا أن النظر يدفعها، وحجة العقل تدمغها؛ فكشف عن معانيها التي صرفهم عن فقهها الهوى الجموح، ولفتهم عن وجه الحق فيها إلحاد الضمائر والقلوب والعقول (٢). ٨ - " تفسير غريب القرآن" (٣). وهو أيضًا لابن قتيبة: قال ابن قتيبة في مقدمة "الغريب": نفتتح كتابنا هذا بذكر أسمائه

стр. 228

الحسنى وصفاته العلى؛ فنخبر بتأويلهما واشتقاقهما، ونتبع ذلك ألفاظًا كثر تردادها في الكتاب لم نر بعض السور أولى بها من بعض، ثم نبتدئ في تفسير غريب القرآن دون تأويل مشكله؛ إذ كنا قد أفردنا للمشكل كتابًا جامعًا كافيًا بحمد الله. وغرضنا الذي امتثلناه في كتابنا هذا أن نختصر ونكمل، وأن نوضح ونجمل؛ وألا نستشهد على اللفظ المبتذل، ولا نكثر الدلالة على الحرف المستعمل، وألا نحشو كتابنا بالنحو وبالحديث والأسانيد. فإنا لو فعلنا ذلك في نقل الحديث لاحتجنا أن نأتي بتفسير السلف، رحمة الله عليهم، ولو أتينا بتلك الألفاظ لكان كتابنا كسائر الكتب التي ألفها نقلة الحديث .. (١). ولقد اعتمد الواحدي في كتابه على ابن قتيبة دون أن يصرح بكتبه التي نقل عنها. وقد ظهر أن أغلب النقولات كانت من كتابيه: "تفسير غريب القرآن"، و"تأويل مشكل القرآن"، وكان النقل من الأول أكثر، ويتميز النقل من المشكل بالإطالة مع التصرف والاختصار وأحيانًا بنصه، في حين ينقل عن الغريب كلمات يسيرة معظمها في "الغريب" - على اسمه- وقد ينقل عنه بعض الردود والتعليلات. ومن أمثلة ذلك: عند قوله تعالى: ﴿مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦] قال: وقال ابن قتيبة: المسنون المتغير الرائحة. نقله عن الغريب بنصه. وعند قوله تعالى: ﴿وَقَضَينَآ إِليهِ﴾ [الحجر: ٦٦] قال: وقال ابن

стр. 229

قتيبة: أي أخبرناه. نقله عن الغريب بلفظه. وعند قوله تعالى: ﴿لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩] نقل عنه تعليل تسمية الطريق إمامًا، فقال: وقال ابن قتيبة: لأن المسافر يأتم به حتى يصير إلى الموضع الذي يريد. نقله عن الغريب بنصه. وعند قوله تعالى: ﴿إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ٤٧] نقل عنه رده على أبي عبيدة في قوله: "يريد بشرًا ذا رِئَةٍ" فقال: قال ابن قتيبة: "ولست أدري ما الذي اضطره إلى هذا التفسير المُسْتَكْرَه، وقد سبق التفسير من السلف بما لا استكراه فيه، قال مجاهد في قوله: ﴿إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ أي: مخدوعًا؛ لأن السحر حيلة وخديعة". نقله عن الغريب. وعند قوله تعالى: ﴿سُجَّدًا للهِ﴾ [النحل: ٤٨] نقل في معنى السجود نقلًا طويلًا عن "المشكل" مع التصرف والاختصار، فقال: وشرح ابن قتيبة هذا شرحًا شافيًا فقال: أصل السجود التّطَأْطُؤ والميل، يقال: سجد البعير واسجد إذا طأطأ رأسَه لِيُرْكَب، وسجد النخلة إذا مالت لكثرة الحمل، ثم قد يُستعارُ السجودُ فيوضع موضع الاستسلام والطاعة والذل، ومن الأمثال المبتذلة: اسْجُدْ للقرد في زمانه، يراد اخضع للئيم في دولته، ولا يُراد معنى سجود الصلاة، والشمس والظل خَلقان مُسخَّران لأَنْ يعَاقِبَ كلُّ واحدٍ منهما صاحِبَه بغير فصْلٍ، فالظلُّ في أول النهار قبل طلوع الشمس يَعُمُّ الأرضَ، كما تَعُمُّها ظلمةُ الليل، ثم تطلُع الشمسُ فتَعُمُّ الأرضَ إلى بما سترته الشُّخُوصُ، فإذا سَتَرَ الشخصُ شيئًا عاد الظلُ، فرجوعُ الظلِّ بعد أن كان شمسًا ودورانُه من جانب إلى جانب هو سُجُودُه؛ لأنه مستسلم منقاد مطيع بالتَّسخير، وهو في ذلك يميل، والميل سجود، وكذلك قوله: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦] أي: يستسلِمَان لله بالتسخير.

стр. 230

وعند قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠] قال: وقال ابن قتيبة: "أي إمامًا يَقْتَدِي به الناس؛ لأنه ومن اتبعه أُمَّة، فَسُمِّي أُمَّة؛ لأنه سبب الاجتماع"، هذا وجه قول من قال: أُمَّةً: معلمًا للخير، ومن قال: أُمَّة: أي مؤمنًا وحده؛ "فلأنه اجتمع عنده من خلال الخير ما يكون مِثْلُه في أُمَّة، ومن هذا يقال: فلان أُمَّةٌ وحْدَه، أي: هو يقوم مقام أمة". فهذان نقلان اقتبسهما عن المشكل بنصه. ٩ - كتب المبرد (ت ٢٨٥ ه ـ) (١): للمبرد مؤلفات كثيرة تربو على الخمسين (٢)، معظمها في الأدب واللغة والنحو والقرآن، وقد نسب الواحدي إلى المبرد أقوالًا في اللغة خاصة لم أقف عليها في كتبه المطبوعة (٣). وتعتبر أقوال المبرد وآراؤه أحد المصادر الهامة لتفسير الواحدي وهي في اغلب المواضع يتم نقلها عن طريق مصادره السابقة كـ"الحجة" و "سر صناعة الإعراب"، وفي القليل ينقل عن كتب المبرد مباشرة خصوصًا "المقتضب" ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوَأ اوَّلَ كاَفِر به﴾ [البقرة: ٤١]

стр. 231

عن "أول" قال: " .. وقال المبرد في كتاب "المقتضب" أول: يكون على ضربين: يكون اسما، ويكون نعتا موصولا به "من كذا" .. الخ". وكتاب "معاني القرآن" (١)، وهو كتاب لم يصل إلينا، وقد وقفنا على نص واحد طويل نقله بواسطة التهذيب، ومن أمثلة ذلك: عند قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] قال: وقال المبرد: دلوك الشمس من لدن زوالها إلى غروبها عند العرب. وعند قوله تعالى: ﴿خَشيَةَ الإنفَاقِ﴾ [الإسراء: ١٠٠] قال: قال المبرد: المعروف في الإنفاق أنه إخراج المال عن اليد، فإن كان قد روي في اللغة معنى الإعدام فهو كما قال أبو عبيدة، والا فمعنى الكلام في الآية: خشية أن يستفرغكم الإنفاق ويجحف بكم، فيكون الكلام من باب حذف المضاف على تقدير: خشية ضرر الإنفاق وما أشبهه. وعند قوله تعالى: ﴿جِئنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء: ١٠٤] قال: وقال المبرد: الأكثر عند العرب أن اللفيف إنما يقال للمختلطين من كل شكل، وكل شيء خلطته بشيء فقد لففته، ومنه قيل لففتَ الجيوشَ إذا ضربت بعضها ببعض، والتفت الزحوف. وقد يكون النقل من كتابي "المقتضب" و"الكامل"، مثاله: قوله الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧، ٢٨] قال الواحدي: "قال المبرد: قولهم: يا فل أقبل، ليس بترخيم فلان؛ ولو كان

стр. 232

كذلك قيل: يا فلا أقبل. ومما يزيده وضوحًا قولهم للأنثى: يا فلة أقبلي. قال: ولكنها كلمة على حدة. قال: وقد تستعمل في غير النداء، كقوله: في لَجَّةٍ أمْسكْ فلانًا عن فُلِ "المقتضب" ٤/ ٢٣٧، ولم أجد قول المبرد عند الأزهري. ٢ - قول الله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤] قال الواحدي: "قال المبرد: وهذا قول أبي زيد في هذه الآية قال: أعناقهم: جماعاتهم". "المقتضب" ٤/ ١٩٩، ونسبه لأبي زيد الأنصاري. ولم أجده في "تهذيب اللغة". ٣ - قول الله تعالى: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ١١] قال الواحدي: "قال المبرد: فلان يقص أثر الجيش أي: يتبعه متعرفًا". "الكامل" للمبرد ٢/ ١٠١٨. ١٠ - " نظم القرآن" (١) لأبي علي الجرجاني (٢): أفاد الواحدي من كتاب "نظم القرآن" ونقل عنه كثيرًا، خصوصًا عند

стр. 233

الحديث عن نظم الآيات ونقل عنه مسائل في اللغة والنحو، ومن أمثلة ذلك: عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا

стр. 234

بِسُورَةٍ﴾ [البقرة: ٢٣] قال: " .. وقال أبو علي الجرجاني: نظم الآية: "فأتوا بسورة من مثله" من دون الله "وادعوا شهداءكم" أي من مثل القرآن من غير الله ... قال: ومثل هذا قوله: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. ونظمه: فأتوا بعشر سور مثله مفتريات من دون الله وادعوا من استطعتم من الناس". وقال في سورة "يونس" في تفسير قوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] "قال صاحب النظم: وأن هاهنا زائدة". وفي تفسير سورة الدخان: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الدخان: ١، ٢] "وقال صاحب النظم: لولا أن قوله: ﴿إِنَّا أَنزَلنَهُ﴾ هو صفة للقرآن الذي أقسم به وأخبر عنه، لاحتمل أن يكون جوابا للقسم، ولكن ليس من عادتهم أن يقسموا بنفس الشيء إذا أخبروا عنه". التوفيق بين الآيات المتشابهات وإزالة الإشكال: عند قوله تعالى ﴿إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] وفق بين هذه الآية وآية الشعراء: ﴿إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨]، قال: قال صاحب النظم: والفرق بينهما أن دخول الواو يقلب حال ما بعدها إلى الابتداء، وخروجها منه يدل على أن ما بعدها في موضع حال، اعتبارًا بقولك: ما أهلكنا من قرية إلا ظالمًا أهلها، فيكون نصبًا على الحال، فإذا دخلت الواو قلت: إلا وأهلها ظالمون، فقلبت الواو الحالَ إلى أن جعلتها مبتدأة، فانقلبت رفعًا عن النصب، وهذا فرق من حيث اللفظ، والمعنى واحد أثبتَّ الواو أو حذفتَها. إيراد المسائل النحوية: عند قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ١٢] قال: واختلفوا في المُكنّى في قوله: ﴿نسْلُكُهُ﴾،

стр. 235

فذكر أقوالًا مأثورة ثم قال: قال صاحب النظم: الهاء كناية عن الاستهزاء ودلَّ عليه الفعل؛ كقولهم: من كذب كان شرًّا له، والفعل يدل على المصدر؛ كقوله: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧] أي: الشكر، فأضمره لدلالة الفعل عليه. نقل معنى "الغريب": عند قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ﴾ [الحجر: ٦٦] قال: وقال صاحب النظم: أي: فرغنا منه؛ كقوله: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾ [يونس: ٧١] وقد مرّ. إزالة الإشكال النحوي عن الآية وبيان معناها: عند قوله تعالى: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ [الحجر: ٩٠] قال: قال صاحب "النظم" المعنى: إني أنذرتكم ما أنزلناه على المقتسمين، وتكون الكاف زائدة. اختيار الوقف وتوجيهه: عند قوله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥] بين أن الوقف إما على ﴿خَلَقَهَا﴾، وإما على ﴿خَلَقَهَا لَكُمْ﴾، ثم ذكر اختيار صاحب "النظم"، فقال: قال صاحب النظم: أحسن الوجهين أن يكون الوقف عند قوله: ﴿خَلَقَهَا﴾؛ لقوله في النسق على ما قبلها: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾ [النحل: ٦]. نقل اللطائف البلاغية: عند قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [النحل: ٣٣] قال: قال صاحب النظم: إنهم لا ينتظرون ذلك على الحقيقة؛ لأنهم كانوا لا يؤمنون بالله، كيف ينتظرون أمره؟! ولن لمّا كان امتناعهم من الدخول في الإيمان موجبًا عليهم إتيان أمر الله والملائكة بما قدّر عليهم من العذاب، وكان عاقبة أمرهم إلى ذلك، أضيف ذلك إليهم على المجاز والسعة، وجعل مجيء ذلك انتظارًا منهم له؛ فكأنه قال: هل يكون مدة إقامتهم على كفرهم إلى مقدار إيقاعي بهم وإنزالي العذاب

стр. 236

عليهم؟ وهذا كما قلنا في لام العاقبة في مواضع، لمّا كانت العاقبة تؤدي إلى ذلك جُعل سببًا له وإن لم يكن في الحقيقة كذلك؛ كقوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّ﴾ [القصص: ٨] وقد مرّ. ثم عقب الواحدي بقوله: وهذا الذي ذكره صاحب النظم وجه جيد في هذه الآية لم يذكره في نظيرها في سورة البقرة والأنعام. توجيه حروف المعاني: عند قوله تعالى: ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [النحل: ٧١] قال: وقال صاحب النظم: معنى الفاء في قوله: ﴿فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ حتى؛ لأن التأويل: ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا﴾ بجاعلي رزقهم لعبيدهم حتى يكون عبيدهم فيه معهم سواء في الملك، فقوله: ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا﴾ صفة لما تَقَدَّمه من الخبر لا جوابٌ له؛ ولو كان جوابًا له لكان قد أوجب أن يكون المولى والعبيد في ذلك سواء، وهو إنما أراد أنهم لا يستوون في الملك. وهذا قول جيد انفرد به صاحب النظم، وانظر الأقوال الأخرى التي ذكرتها في التعليق على الآية في التحقيق. ذكر المناسبات وتوجيه المعنى: عند قوله تعالى: ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ﴾ [النحل: ٥٩] قال: وقال صاحب النظم: قوله: ﴿أَيُمْسِكُهُ﴾ متصل في النظم بقوله: ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: ٥٨] والكظيم بمعنى الكاظم، ومعنى الكظم: ستر الشيء في القلب وترك إظهاره، ومنه: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران ١٣٤] والتأويل: وهو كاظم ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ أي: أن هذا المعنى في قلبه من شدة الغَمّ وهو يكظمه ولا يظهره.

стр. 237

١١ - كتب أبي بكر ابن الأنباري: تعدّ كتب أبي بكر محمد بن القاسم الأنباري (١) من المصادر الرئيسة، وقد أفاد الواحدي منه كثيرا فكانت أقوال ابن الأنباري في "معاني القرآن" واللغة والنحو مصدرًا رئيسا من أهم مصادره في تفسيره، وكلامه ينال إعجاب الواحدي فيشيد به، أخذ عنه في المسائل النحوية واللغوية والقضايا التفسيرية وخصوصا فيما يتعلق بمشكل القرآن أو النكات والفوائد. نقل عنه كثيرا ولم أجد مما نسبه إليه في كتب ابن الأنباري التي وصلت إلينا سوى نتف يسيرة في كتاب "الزاهر" (٢). ولابن الأنباري كتاب في "المشكل في معاني القرآن" وصل فيه إلى ﴿طه﴾ أملاه في سنين كثيرة، و"رسالة المشكل" رفى فيها على ابن قتيبة وأبي حاتم السجستاني، ولم يصلا إلينا (٣)، ولعل السبب في عدم وصول مثل هذه الكتب ما ذكره الخطيب البغدادي: من أنه كان يملي، ولم يكن يكتب (٤). ويترجح عندي أن الواحدي اعتمد على هذين الكتابين فيما أفاده عن ابن الأنباري، لأن أغلب ما نقل عنه يتعلق بمشكل القرآن، ولتصريحه بالرد

стр. 238

على ابن قتيبة أحيانًا نقلًا عن ابن الأنباري. والكلام الذي نستطيع أن نرجعه إلى ابن الأنباري، هو ما صرح الواحدي فيه بنقله عنه. ويغلب على ظني أن هناك مواضع كثيرة نقل فيها عنه بدون عزو، لشبه العبارة بكلام ابن الأنباري، ولأنه اتضح لي أن الواحدي ينقل عن مصادره بعزو، وأحيانا بدون عزو. وأذكر بعض الأمثلة لأخذ الواحدي عن ابن الأنباري ففي تفسير "البسملة" قال: "قال أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار سألت أبا العباس، لِمَ جمع بين الرحمن الرحيم (١)؟. فقال: لأن الرحمن عبراني، فأتى معه الرحيم العربي واحتج بقول جرير .... الخ". وفي تفسير قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ اَلَّذِى اَستَوقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧] قال: "وقال ابن الأنباري: "الذي" في هذه الآية واحد في معنى الجمع، وليس على ما ذكره ابن قتيبة، لأن "الذي" في البيت الذي احتج به جمع واحده "اللذ"، و"الذي" في الآية واحد في اللفظ لا واحد له، ولكن المراد منه الجمع". ومثال آخر يوضح مدى إفادة الواحدي من ابن الأنباري ما ذكر في تفسير قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية [يونس: ٤] قال: "فإن قيل: لم أفرد المؤمنين بالقسط دون غيرهم وهو يجزي الكافر -أيضا- بالقسط؟ قال ابن الأنباري: "لو جمع الله الصنفين بالقسط لم يتبين ما يقع بالكافرين من العذاب الأليم، ففصلهم عن المؤمنين، ليبين ما يجزيهم به

стр. 239

مما هو عدل غير جور؛ فلهذا خص المؤمنين بالقسط وأفرد الكافرين بخبر يرجع إلى تأويله بزيادة الإبانة .. " (١). ١٢ - أبو القاسم الزجاجي (٢): أخذ الواحدي عن أبي القاسم الزجاجي خصوصًا في المسائل اللغوية والنحوية ونقل عنه مقاطع طويلة، ولم أستطع أن أهتدي إلى الكتاب الذي نقل عنه بعد أن اطلعت على جميع كتبه المطبوعة، فلعل الواحدي أخذ عن مصدر مفقود أو عن كتاب غير كتب الزجاجي يعتني بذكر أقواله، أو عن طريق أحد شيوخه مشافهة. ومن أمثلة ذلك ما ذكره عن معنى الإيمان في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] قال: " ... على أن أبا القاسم الزجاجي شرح معنى الإيمان بما هو أظهر مما ذكره الأزهري، وهو انه قال: معنى التصديق في الإيمان لا يعرف من طريق اللغة إلا بالاعتبار والنظر، لأن حقيقته ليست للتصديق، ألا ترى أنك إذا صدقت إنسانًا فيما يخبرك به، لا تقول آمنت به؟ لكنك إذا نظرت في موضوع هذه الكلمة وصرفته حق التصريف ظهر لك من باطنها معنًى يرجع إلى التصديق ... إلخ ".

стр. 240

ومثال آخر في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ الآية [البقرة: ٤٦] قال: "وذكر أبو القاسم الزجاجي حقيقة الظن في اللغة، فقال: هو اعتقاد الشيء على طريقة التقدير والحدس فإن أصاب فيما ظن صار يقينا، وإن لم يصب كان مخطئا في تقديره، ولهذا ذكر أهل اللغة هذه اللفظة في باب الأضداد .. الخ" (١). ١٣ - كتب أبي جعفر النحاس (٢): أفاد الواحدي في "البسيط" من كتب أبي جعفر النحاس في مواضع متعددة خصوصًا من كتاب "القطع والائتناف" (٣)، وهو "الوقف والابتداء"، ومن أمثلة ذلك. ١ - قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥] قال الواحدي: "وقال النحاس: ﴿إِذَا دَعَاكُم دَعوَةً﴾ ليس بوقف؛ لأنه لم يأت بجواب "إذا" وجواب "إذا" على قول الخليل وسيبويه: ﴿أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أي: خرجتم.

стр. 241

وكذا قال سيبويه: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] تقديره عنده: قنطوا. والقول ما قال النحاس. "القطع والائتناف" ٢/ ٥٣٢. ٢ - قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] قال الواحدي: "وكان علي بن سليمان يذهب إلى أن الكناية في ﴿بِهِ﴾ تعود إلى السؤال. وقوله: ﴿فَاسْأَلْ﴾ يدل على السؤال. والمعنى: فاسأل عالمًا بسؤالك. "القطع والائتناف" ٢/ ٤٨٦. ٣ - في سورة الدخان ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الدخان: ١ - ٢] قال: "قال النحاس: يجوز أن يجعل جواب القسم: "إنا أنزلناه حم" فيكون تمام الكلام عند قوله "المبين" وان جعلمت جواب القسم "إنا أنزلناه" أتصل بالكلام الأول" (١). ١٤ - " الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني " (٢) لأبي علي الفارسي، وفي هذا الكتاب تعقب أبو علي الفارسي (٣) كتاب أبي إسحاق الزجاج "معاني القرآن وإعرابه" في مسائل ذكرها الزجاج. وقد أطال أبو علي في كثير منها وتوسع طويلًا وسلك منهجًا قريبًا من منهجه في "الحجة" في إيراد المسائل اللغوية والنحوية والصرفية، وقد أفاد الواحدي من "الإغفال" في مسائل كثيرة، بعضها بالعزو، وبعضها بدون عزو.

стр. 242

ومن أمثلة ذلك في لفظ الجلالة "الله" نقل عن الإغفال طويلا بدون عزو حيث قال: "وقوله "الله" أما أصل هذه الكلمة فقد حكى أصحاب سيبويه عنه فيه قولين: أحدهما قال: كان أصل هذا الاسم "إلاها" ففاؤها "همزة"، وعينها " لام" و"الألف" ألف فِعَال الزائدة، واللام "هاء" ... إلخ (١)، وأخذ عنه في ذلك صفحات عديدة، أكثره بنصه وقد يتصرف بالعبارة أحيانا ويقدم بعض الكلام على بعض. ونص كلام أبي علي في "الإغفال": "فأما قولنا: "الله" فقد حمله سيبويه على ضربين: أحدهما: أن يكون أصل الاسم "إلاه" ففاء الكلمة على هذا "همزة" وعينها "لام" والألف "ألف" فِعَال الزائدة و"اللام" هاء .. الخ (٢). وفي آخر الموضوع نقل عنه كلامًا طويلًا حول الإمالة في لفظ الجلالة "الله" ولم أجده عند أحد غير أبي علي (٣) سوا ما نقله عنه ابن سيده في المخصص والواحدي في "البسيط". ومثال آخر في قوله تعال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] نقل عنه كلامًا طويلًا مع عزوه له. فقال: "أبو علي: والظرف نوع من أنواع المفعولات المنتصبة عن تمام الكلام، وهو زمان أو مكان .. " (٤).

стр. 243

واستمر ينقل عنه في الظروف كلامًا لا علاقة له بالتفسير، وبمثل هذا النهج نقل عنه كلامًا طويلا حول "الآن" (١). ومثال آخر في قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ...﴾ الآية [النساء: ٣] ذكر كلام أبي إسحاق الزجاج ثم قال: "هذا كلام أبي إسحاق وقد أخطأ في موضعين من هذا الفصل أصلحهما (٢) أبو علي وذكر معنى العدل فقال: اعلم أن العدل ضرب من الاشتقاق فكل معدول مشتق، وليس كل مشتق معدولًا .... الخ" (٣). ١٥ - المسائل الحلبيات (٤) لأبي علي الفارسي: وقد أفاد منه الواحدي ونقل عنه قليلا وذكرته هنا لمناسبة ذكر كتب أبي علي الفارسي، أخذ عنه في تفسير "الناس" في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨] قال: "وذكر أبو علي في المسائل الحلبيات أن الكسائي قال: إن "الأناس" لغة و"الناس" لغة أخرى، وكأنه يذهب إلى أن "الفاء" محذوف من الناس كما يذهب إليه سيبويه والدلالة على أنهما من لفظ واحد، وليسا من كلمتين مختلفتين أنهم قالوا: "الأناس" في المعنى الذي قالوا فيه "الناس" .. إلخ (٥). وبالرجوع

стр. 244

للمسائل الحلبيات، نجد الواحدي نقل كلام أبي علي بالمعنى (١). ١٦ - الإيضاح العضدي: ذكر أبو علي في هذا الكتاب مباحث في النحو والصرف، والعضدي: نسبة للسلطان عضد الدولة، أبي شجاع، فَنَّاخُسْرُو، صاحب العراق وفارس، قال الذهبي في ترجمة عضد الدولة: وله صنف أبو علي كتابي: "الإيضاح"، "والتكملة" (٢). ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧] قال الواحدي: "قال أبو علي: إذا اجتمع في باب: كان، معرفة ونكرة فالذي يُجعل اسم كان منهما: المعرفة، كما كان المبتدأ: المعرفة، والنكرة: الخبر ... ذكر هذا في كتاب "الإيضاح" ونحو هذا ذكر في كتاب "الحجة". ١٧ - كتاب "سر صناعة الإعراب" (٣) لأبي الفتح عثمان بن جني (٤): تكلم ابن جني في هذا الكتاب عن أحكام "حروف المعجم" وأحوالها ومواقعها في كلام العرب.

стр. 245

منهج ابن جني في كتابه: " كان بين أيدي الناس ترتيبان للحروف: أحدهما ترتيبها بحسب المخارج، وهو الترتيب الذي بنى عليه أصحاب المعجمات مصنفاتهم في اللغة، كالخليل في كتاب العين، والأزهري في "تهذيب اللغة"، والثاني ترتيبها على النحو التالي: (أ. ب. ت. ث. ج. ح. خ. د. ذ. ر. ز. س. ش. ص. ض. ط. ظ. ع. غ. ف. ق. ك. ل. م. ن. هـ. و. لا. ي) وهو الذي كان مشهورًا بأيدي الناس في حياة ابن جني، وهو الترتيب الذي آثره، فبوّب كتابه بحسبه. وقد عقد أبو الفتح لكل حرف من هذه الحروف بابًا تناول فيه الحرف على النحو التالي: فهو يبدأ أولًا بذكر صفة الحرف من حيث الجهر أو الهمس، ويبين استعماله في الكلام من حيث الأصالة، والبدل، والزيادة، ويتلوه بالتمثيل لأصالته من حيث وقوعه فاء الكلمة، وعينها، ولامها، فيذكر لكل وقع مثالين أحدهما اسم والآخر فعل. ما عدا باب الهمزة فقد زاد فيه عن المثالين، ويعقبه بذكر الحروف التي أبدل هذا الحرف منها، ويفصل القول في كل منها، وبعد ذلك يعرض مواضع زيادته. وفي مطلع باب الهمزة شرح معنى الأصالة والبدل والزيادة، فقال: "اعلم أن الهمزة حرف مجهور، وهو في الكلام على ثلاثة أضرب: أصل، وبدل، وزائد. ومعنى قولنا أصل: أن يكون الحرف فاء الفعل أو عينه أو لامه. والبدل: أن يقام حرف مقام حرف، إما ضرورة، وإما استحسانًا وصنعة. فإذا كانت أصلًا وقعت فاء وعينًا ولامًا. فالفاء نحو أَنْف وأُذُن وإبرة وأَخَذ وأَمرَ. والعين نحو فأس ورأس وجُؤْنة وذئب وسأل وجأَرَ. واللام نحو قُرْء وخَطَأ

стр. 246

ونَبَأ وهدأَ واستبرأَ واستدفأَ" (١). وقال في باب التاء: "التاء حرف مهموس، يستعمل في الكلام على ثلاثة أضرب: أصلًا وبدلًا وزائدًا. فإذا كانت أصلًا وقعت فاء وعينًا ولامًا، فالفاء نحو تَمْر وتَنَأَ، والعين نحو فِتْر وقتلَ، واللام نحو فَخْت ونَحَتَ. وأما إبدالها فقد أبدلت من ستة أحرف هن: الواو، والياء، والسين والصاد والطاء، والدال. إبدالها من الواو: قد أبدلت التاء من الواو فاء إبدالًا صالحًا ... " (٢). وأما زيادة الحرف فتارة يكتفي بذكر الأماكن التي يكون فيها زائدًا مع التمثيل، كقوله في زيادة التاء: "وأما الزيادة فقد زيدت التاء أولًا في نحو تَأْلَب وتِجْفاف .. وزيدت ثانية في نحو افتقار وافتقر ... وزيدت أيضًا رابعة في سَنْبَتة .. وزيدت أيضًا خامسة في نحو ملكوت وجبروت ... وسادسة في نحو عنكبوت وتَرْنَموت ... وقد زيدت في أوائل الأفعال الماضية للمطاوعة، كقولك كسّرته فتكسّر .. وتزاد في أوائل المضارعة لخطاب المذكر نحو أنت تقوم وتقعد .. " (٣). وتارة يبدأ بوضع المقاييس التي يستدل بها على زيادة الحرف، كقوله في زيادة الهمزة: "اعلم أن موضع زيادة الهمزة أن تقع في أول بنات الثلاثة، فمتى رأيت ثلاثة أحرف أصولًا وفي أولها همزة، فاقض بزيادة الهمزة عرفت الاشتقاق في تلك اللفظة أو جهلته، حتى تقوم الدلالة على

стр. 247

كون الهمزة أصلًا، وذلك نحو أحمر وأصفر ... " (١). فإذا جُهل الاشتقاق لجأَ أبو الفتح إلى القياس للحكم على أصالة الحرف أو زيادته، من ذلك قوله في التاء والنون: "واعلم أن للتاء ميزانًا وقانونًا يعرف به من طريق القياس كونها أصلًا أو زائدة، فإذا عدمت الاشتقاق في كلمة فيها تاء أو نون، فإن حالهما فيما أذكره لك سواء: فانظر إلى التاء أو النون، فإن كان المثال الذي هما فيه أو إحداهما على زنة الأصول بهما فاقض بأنهما أصلان، وإن لم يكن المثال الذي هما فيه بهما أو بإحداهما على زنة الأصول فاقض بأنهما زائدتان .. " (٢). وبعد أن يفرغ من الحديث عن زيادة الحرف يشير إلى حذفه إن كان الحذف قد وقع فيه، كقوله في الهمزة: "وقد حذفت الهمزة فاء نحو ويلِمِّه، وناس، والله في أحد قولي سيبويه. ولامًا في جا يجي، وسا يسو. وحذفت عينًا في أريت وتصرفه" (٣). هذا إذا كان الحرف يستعمل في الكلام أصلًا وبدلًا وزائدًا، فإذا كان لا يقع إلا أصلًا كالخاء، اكتفى بذكر ذلك فيه، وعرض ما اختلف فيه مما قد يظن أنه يدخل في باب الإبدال (٤). وكذا إذا كان الحرف لا يستعمل إلا أصلًا وبدلًا كالجيم (٥)، ومثله الحرف الذي يستعمل أصلًا وزائدًا ليس غير كالسين (٦).

стр. 248

هذه هي القضايا الأساسية التي كررها المؤلف في كل حرف، فهي العمود الفقري لكل باب من أبواب الكتاب، وأمّا ما عداها من المسائل فإنما استطرد إليها استطرادًا، أو ذكرها إيضاحًا لمشكل، أو لأن لها علاقة وإن كانت بعيدة ببعض المباحث الأساسية. نخلص من هذا إلى القول: إن مادة الكتاب الأصلية هي الإعلال والإبدال والزيادة والحذف، وهذه أهم مباحث علم التصريف (١). ولقد استفاد الواحدي من كتاب "سر صناعة الإعراب" كتيرًا في المسائل النحوية خصوصًا عن الحروف ومعانيها، والغالب أنه ينقل عنه بدون عزو، وقد يعزو له أحيانًا قائلًا: قال أبو الفتح الموصلي، بدون ذكر اسم كتابه الذي أخذ عنه. ومن أمثلة نقله عنه بدون عزو ما افتتح به كتابه عند الكلام عن "الباء" في تفسير: "بسم الله الرحمن الرحيم" قال: "اختلفت عبارة النحويين في تسمية هذه "الباء" الجارة، فسموها مرة: حرف إلصاق، ومرة حرف استعانة، ومرة حرف إضافة، وكل هذا صحيح من قولهم. أما الإلصاق: فنحو قولك تمسكت بزيد، وذلك أنك ألصقت محل قدوتك به، وبما اتصل به، فقد صح إذن معنى الإلصاق ... " (٢) نقل عنه مع التصرف في كلام ابن جني بالتقديم والتأخير والحذف، وأذكر بعض كلام ابن جني لمقارنته مع نقل الواحدي قال ابن جني:

стр. 249

"واعلم أنهم قد سموا هذه "الباء" في نحو قولهم: "مررت بزيد" و "ظفرت ببكر" مما تتصل فيه الأسماء بالأفعال، مرة حرف إلصاق، ومرة حرف استعانة، ومرة حرف إضافة، وكل ذلك صحيح من قولهم .. الخ (١). وقال الواحدي: وأما قول النحويين "الباء والكاف واللام" الزوائد، فإنما قالوا فيهن إنهن زوائد، لأنهن لما كن على حرف واحد، وقللن غاية القلة واختلطن بما بعدهن، خشي عليهن لقلتهن وامتزاجهن بما يدخلن عليه أن يظن بهن أنهن بعضه وأحد أجزائه، فوسموهن بالزيادة، ليعلموا من حالهن أنهن لسن من أنفس ما وصلن به .. (٢). وقال ابن جني: "فأما قول النحويين: الباء والكاف واللام الزوائل يعنون نحو بزيد ولزيد، فإنما قالوا فيهن إنهن زوائد لما أذكره لك، وذلك أنهن لما كن على حرف واحد، وقللن غاية القلة، واختلطن بما بعدهن خشي عليهن لقلتهن وامتزاجهن بما يدخلن عليه أن يظن بهن أنهن بعضه أو أحد أجزائه فوسموهن بالزيادة لذلك، ليعلموا من حالهن أنهن لسن من أنفس ما وصلن به .. " (٣). وبمثل ذلك تعامل الواحدي مع كتاب أبي الفتح بن جني في مواضع كثيرة من كتابه ينقل عنه بتصرف ولا يعزو له. انظر الكلام على "ال" في تفسير ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ١] نقل عنه صفحات كثيرة

стр. 250

بتصرف. (١) وفي تفسير ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] عند الكلام على "إيا" قال: "اختلفت مذاهب النحويين في هذا الحرف، وأنا ذاكر لك منها ما يحتمله هذا الكتاب، ذهب الخليل إلى أن "إيا" اسم مضمر مضاف إلى "الكاف"، وهذا مذهب أبي عثمان. وحكى أبو بكر عن أبي العباس عن أبي الحسن: أنه أسم مفرد مضمر يتغير آخره كما تتغير أواخر المضمرات لاختلاف أعداد المضمرين، وأن "الكاف" في "إياك" كالكاف في "ذلك" في أنه دلالة على الخطاب فقط مجردة من كونها علامة للضمير، ولا يجيز أبو الحسن فيما يحكى عنه: "إياك وإيا زيد" و"إياي وإيا الباطل". وقال سيبويه: حدثني من لا أتهم .. إلخ (٢). ونص كلام أبي الفتح: "فهذِه مسألة لطيفة عنت لنا في أثناء هذا الفصل، نحن نشرحها ونذكر خلاف العلماء فيها، ونخبر بالصواب عندنا من أمرها إن شاء الله وهي قوله عز اسمه ﴿إِيَّاكَ نَعبُد﴾ وما كان مثله. أخبرني أبو علي عن أبي بكر محمد بن السري عن أبي العباس محمد بن يزيد: أن الخليل يذهب إلى أن "إيا" اسم مضمر مضاف إلى الكاف، وحكى عن المازني مثل هذا القول المحكي عن الخليل في أنه مضمر مضاف. قال: وحكى أبو بكر عن أبي العباس عن أبي الحسن الأخفش، وأبو إسحاق عن أبي العباس غير منسوب إلى الأخفش: أنه اسم مفرد مضمر
следующие страницы →