قال ابن عباس (١)، والحسن (٢)، والضحّاك (٣)، وابن جريج (٤): هذه
الآية تعزِيَةٌ للنبي ﷺ ، في تكذيب اليهود إيَّاه، وجوابٌ لقائلٍ يقول: لو كان
ما جاء به حقًّا لَصَدّق به مَن أتاه من العقلاء، وبيان أنهم إن كَذَّبوهُ،
فالتكذيب عادة للأمم، وسائر الرُّسُل قد كُذّبوا كما كُذِّب.
وقوله تعالى: ﴿وَالزُّبُرِ﴾.
معناه: الكُتُب. وهو جَمْعُ (زَبُور). والزَّبُور: الكتاب؛ بمعنى: المَزْبُور؛ أي: المكتوب. يقال: (زَبَرْتُ الكِتَابَ)؛ أي: كتبته. وكُلُّ كِتَابٍ زَبُورٌ (٥).
قال امرؤ القيس:
لِمَنْ طَلَلٌ أبْصَرْتُهُ فَشَجانِي ... كَخَطِّ زَبُورٍ في عَسِيبِ يَمَانِ (٦)
стр. 3222
وقال الزّجاج (١): الزَّبُور: كلُّ كِتَابٍ ذي (٢) حِكْمَةٍ. وعلى هذا، يُشْبِهُ أنْ يكونَ معنى الزَّبُورِ، مِنَ: (الزَّبْرِ)، الذي هو: الزَّجْر. يقال: (زَبَرْتُ الرجلَ، أزْبُرُهُ زَبْرًا): إذا زَجَرْتُه مِنَ (٣) الباطل (٤). وسمّي الكتاب: (زَبُورًا)؛ لما فيه من الزَّبْر عن خلاف الحق. وبه سُمِّي زَبُورُ داود؛ لِكثرة ما فيه من المَزَاجِرِ، والمواعظ.
وقرأ (٥) ابنُ عامر (٦):
﴿وَبِاَلزُّبُرِ﴾ (٧)، ووجهه أنه أعاد الباءَ، وإنْ كانَ مُسْتَغْنًى عنه؛ لِضَرْبٍ
стр. 3223
من التأكيد. ومما جاء على قياس هذه القراءة، قولُ رُؤبَة:
يا دارَ عَفْراءَ وَدارَ البَخْدَنِ (١)
فَكَرَّرَ الدارَ، والدار واحدةٌ لهما (٢). يدلك (٣) على ذلك: قوله:
فيكِ المَهَا مِنْ مُطْفِلٍ ومُشْدِنِ (٤)
стр. 3224
ولم يقل: فيكما. فكذلك كرَّرَ ابنُ عامر الباءَ، وكلا (١) الوجهين -مِن تكرير الباءِ وحَذْفِهِ- حَسَنٌ عربيٌّ.
ومعنى (٢) قوله: ﴿جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ إلى آخرها؛ أي: بالمعجزات، وكتب المَزَاجِرِ، و ﴿الْكِتَابِ﴾ الهادي إلى الحق.
و ﴿الْمُنِيرِ﴾؛ مِنْ قولك: (أَنَرْتُ الشيءَ، أُنِيرُه، إنَارَةً)؛ أي: بَيَّنتُه، وأوضحته، وفي الحديث: (فَرَض عمرُ بن الخطاب لِلجَدِّ، ثم أنارهما زيدُ ابن ثابت) (٣)؛ أي: أوضحها. ويقال (٤): (نارَ الشيءُ وأنَارَ، ونَوَّرَ، واستنار) بمعنى واحد. كما (٥) يقال: (أبَانَ الشيءُ (٦)، وبَيَّنَ، وتَبَيَّنَ، واستَبَان) بمعنى واحدٍ. وعلى ما ذكرنا؛ (أنَارَ) يكون واقعًا ومُطاوعًا (٧).
стр. 3225
١٨٥ - قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ الآية.
﴿ذَائِقَةُ﴾: فاعِلَة، مِنَ: (الذَّوْقِ). واسم الفاعِلِ إذا أضيف إلى اسمٍ، وأُريِدَ (١) بِهِ المُضِيّ، لم يَجُزْ إلّا الجَرُّ، نحو:
(زيْدٌ ضارِبُ عمروٍ أمسِ)، فإنْ أردت به الحالَ والاستقبالَ، جازَ الجَرُّ والنَصْبُ؛ تقول: (هو ضاربُ زيدٍ غدًا)، و (ضاربٌ زيدًا (٢) غدًا). قال الله -تعالى-: ﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر: ٣٨]. و ﴿كاشفات ضُرَّه﴾ (٣)، قُرِئ بالوجهين (٤)، لأنه الاستقبال.
وروي عن الحسن أنه قرأ: (ذائقةٌ الموتَ) (٥) -بالتنوين، ونصب الموت-، واستقصاء الكلام في هذه المسألة يأتي عند قوله: ﴿ظَالِمِي أِنْفُسِهِمْ﴾ في سورة النساء.
стр. 3226
وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ فَازَ﴾. الفَوْزُ؛ معناه: الظَّفَرُ بالخير، والنجاةُ من الشَّرِّ (١). ألا ترى أن الله -تعالى- حَكَمَ بالفوز لِمَن أُبْعِدَ مِنَ النار، فَنَجَا مِنْ شَرِّها، وأدْخِلَ الجَنَّةَ، فَظَفِرَ بنعيمها؟.
قال الزّجاج (٢): يقال لِكُلِّ مَنْ نَجَا من هَلَكَةٍ، ولَقِيَ ما يَغْتَبِطُ به (٣): (فازَ). فتأويل (٤) ﴿فَازَ﴾: تَبَاعَدَ مِنَ المكروه، ولَقِيَ ما يُحِب.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ يريد: العيش في هذه الدار الفانية، تَغُرُّ الإنسان بما تُمَنِّيهِ مِنْ طولِ البقاء، وسينقطع عن قريب. فَوُصِفت بأنها متاعُ الغرُوُر؛ لأنها بمنزلة مَنْ يَغُرّ ببذل المحبوب، والتخييل [إليك] (٥) أنه يَدُوم.
و ﴿المَتَاع﴾ قد ذكرنا أنه كل ما يُنْتَفَع به، وُيسْتَمتَعُ (٦). وأضافَهُ إلى ﴿الْغُرُورِ﴾ لأنه يَغُرّ.
١٨٦ - قوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ الآية.
اللَّام، لام القَسَمِ. والنونُ دخلت مُؤَّكِدَةً. وضُمَّت الواوُ لِسُكُونها وسكون النون. ولم تكسر لالتقاء الساكنين؛ لأنها واو جمع، فحركت بما
стр. 3227
كان يَجِبُ لِمَا قبلها مِنَ الضَمِّ. ومثله: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾ [البقرة: ١٦]. وقد مَرّ مستقصًى فيه.
ومعنى ﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾: لَتُخْتَبَرُنَّ. ولا يجوز في وصف الله تعالى الاختبار؛ لأنه طلب المعرفة، لِيُعْرَفَ الجَيِّدُ مِنَ الرَّديء، ولكنَّ معناه -في وصف الله-: أنه يُعامِلُ العبدَ مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ.
واختلفوا في معنى هذا الابتلاء:
فقال ابن عباس -في رواية عطاء- (١): الخطاب للمهاجرين؛ أَخَذَ المشركون أموالَهم، وباعوا رِبَاعَهم، وعَذَّبوهم.
وقال الحَسَنُ (٢): يعنى: بالفرائض التي أوْجَبَها في الأموال، وعلى الأنفس؛ كالصوم والصلاةِ والزكاةِ والحجِّ والجهاد (٣).
وقال مقاتل (٤):
يعنى: بالحوائِجِ (٥)، والخسران في الأموال، والأمراض في الأنفس.
قال (٦): ونزلت الآية في النبي ﷺ ، وأبي بكر ﵁.
стр. 3228
وقوله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾.
قال عكرمة (١)، ومقاتل (٢)، والكلبي (٣)، وابن جريجِ (٤): بعث رسولُ اللهِ أبا بكرٍ الصدِّيقَ إلى فِنْحاص، يَسْتَمِدُّه. فقالَ فِنْحاصُ: قد احتاجَ رَبُّكُم إلى أن نُمِدَّه؟ فَهَمَّ أبو بكر أنْ يضرِبَهُ بالسيف، وقد كان رسول الله قال له -حين بَعَثَهُ-: لا تَفْتَاتَنَّ (٥) عليّ بشيء حتى ترجع. فتذكر أبو بكرٍ ذلك، فَكَفَّ عن الضرب، ونزلت هذه الآية (٦).
стр. 3229
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3230
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا﴾ أي: على الأذى الذي ينالكم (١) منهم , كترك المفارضة. وكان هذا قبل نزول آية السَّيْفِ (٢).
قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.
قال ابن عباس (٣): مِنْ حقيقة الإيمان. ومعنى العَزم: تَوْطِينُ النفس على الأمر. ومعنى ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾؛ أي: ذلك مِمَّا يُعْزَم عليه مِنَ الأمْرِ (٤)؛
стр. 3231
لظُهُورِ رُشدِهِ، وموضع الحظِّ (١) فيه، فيجب التَّمَسُّكُ به (٢).
ومعنى قول ابن عباس: (مِنْ حقيقة الإيمان)؛ أي: مِمَّا عَزَمْتم عليه مِنَ الأمر، وهو الإيمانُ والتصديق لِوَعْدِ الله بالنُّصْرِةِ.
١٨٧ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ الآية.
قال ابن عباس (٣)، والسدّي (٤)، والكلبي (٥)، والمفسِّرون (٦): نَزَلت في يهود المدينة، أخَذَ اللهُ ميثاقهم في التوراة، لَيُبَيِّنُنَّ شأن محمد ﷺ ، ونَعْتِهِ، وَمَبْعَثِهِ، ولا يُخْفُونَه، فَنَبَذوا الميثاقَ، ولم يَعْمَلُوا به (٧).
стр. 3232
قوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ (١) يُقرأ بالياء والتاء (٢). فَمَن قرأ بالياء؛ فلأنهم غَيْبٌ. ومن قرأ بالتاء؛ حَكَى المخاطبةَ التي كانت في وقت أخذ الميثاق.
ومثل (٣) هذه الآية: قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ٨٣]، بالياء والتاء (٤). وقد تقدم القول في ذلك.
стр. 3233
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ (١) ولم (٢) يقل: ولا تكتُمُنَّهُ (٣)؛ كما قال: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ (٤)؛ لأنه في معنى الحال (٥)، لا في معنى الاستقبال المعطوفِ على ما قبله.
كأن المعنى: لَتُبَيِّنُنَّه للناس غيرَ كاتِمِينَ (٦). و (الهاء) في ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾، يعود (٧) على محمد ﷺ ، في قول أكثر المفسرين (٨). فهو عائدٌ على معلوم، ليس بمذكور.
وفي قول الحسن، وقَتَادة (٩): يعود على الكتاب، في قوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، [ويدخُلُ فيه بَيانُ أمرِ النبي ﷺ ؛ لأنه في الكتاب] (١٠).
стр. 3234
قال الحسن (١): هذا ميثاق الله على علماء أهل الكتاب، أن يُبَيِّنوا للناس ما في كتابهم، وفيه ذكر رسول الله ﷺ ، والإسلام، فَنَبَذُوه وَرَاءَ ظُهورهم.
وقال قتادة (٢)، والقُرَظِيُّ (٣): كلّ مَنْ أوتي عِلْمَ شيءٍ مِنْ كُتُبِ (٤) الله -جل وعز- (٥)، فقد أخذَ ميثاقُهُ: أنْ يُبَيِّنَه للناس ولا يكتُمَه.
وقوله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾.
قال (٦) ابن عباس (٧): يريد: ألقوا ذلك الميثاقَ خَلْفَ ظهورهم.
وقال أهل المعاني (٨): تركوا العَمَلَ (٩) به (١٠)، وقد كانوا
стр. 3235
يقرأونَهُ (١)، فصاروا بترك العمل به، كأنهم قد ألقوه وراء ظهورهم.
قال الزجّاج (٢): يقال للذي يطرح الشيء، لا (٣) يَعْبَأ به: قد جعلت هذا الأمر بِظَهْرٍ (٤).
وأنشد للفرزدق (٥): تميم بن قيس:
لا يكونن حاجتي بظهر ... فلا يعبأ على جوابها
أي لا يتركنها تعبأ بها.
وقوله تعالى ﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يعني ما كان يأخذونه من سفلتهم من المآكل التي كانوا يصيبونها منهم برياستهم في العلم.
وقوله تعالى: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ قال ابنُ عبَّاس (٦): يريد: قَبُحَ شراؤُهم وخَسِروا.
١٨٨ - قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ الآية.
قال أبو سعيد الخُدْرِي (٧): نزلت في رجالٍ من المنافقين، كانوا
стр. 3236
يتخلفون عن رسول الله في الغَزْوِ، ويفرحون بقعودهم عنه. فإذا قدم اعتذروا إليه، فيقبل عذْرَهم (١)، وأحَبُّوا أنْ يُحْمَدوا بما ليسوا عليه مِنَ الإيمان.
وقال عكرمة (٢): هم اليهود، فرحوا بإضلال الناس، وبنسبة الناس إيَّاهم إلى العِلْمِ؛ وليسوا كذلك.
وقال بعضُهم: نزلت في الذين ذَمَّهم الله -تعالى-: بِكِتْمان الحَقِّ، كتموه وفَرِحوا بذلك، وأحَبُّوا أنْ يُحْمدوا بالتمسك بالحق، وقالوا: نحن أصحاب التوراة، وأولوا العِلْمِ القديم، وكلُّ ما (٣) قلناه واجبٌ على الناس قَبُولُهُ، واتِّباعنا فيه. وهذا يُروَى عن ابن عباس (٤).
стр. 3237
واختلف القرّاء في هذه الآية:
فقرأ ابن كثير، وأبو عمرو -كلاهما-: بالياء وضمِّ الباء، مِنْ ﴿يَحْسِبُنَّهم﴾ (١).
ووجه (٢) هذه القراءة: أنهما لم يُعَدِّيا (حَسِبْتُ) إلى مفعوليه اللذين (٣) يقتضيهما؛ لأنهما جعلا قولَهُ -تعالى- (٤): ﴿فَلا يَحْسِبُنَّهُم﴾ (٥) بدلًا مِنَ
стр. 3238
الأوَّلِ. ولَمَّا جعلاه بَدَلًا، وعُدِّي إلى مفعوليه، استُغنِيَ عن تَعْدِيَة الأولى إليهما، كما استغنى في قوله:
بِأيِّ كتابٍ أم بِأيِّة سُنَّةٍ ... تَرىَ حُبَّهُمْ عارًا عليَّ وتَحْسَبُ (١)
بتعدية أحد الفعلين إلى مفعوليه، عن تعدية الآخر إليهما.
فإن قيل: لا (٢) يستقيم تقدير البَدَلِ في قوله: ﴿لا يَحْسِبَن (٣) الذيِن يَفْرَحُون بِمَا أتَوْا فَلا يَحْسِبُنَّهم (٤) بِمَفَازَةٍ﴾، وقد دخلت الفاءُ بينهما، ولا يدخل بين البدل والمُبْدَلِ منه، الفاءُ (٥).
قيل: إن الفاء زائدة (٦)؛ يَدُلُّك (٧) على ذلك: أنها لا يجوز أن تكون
стр. 3239
عاطفة؛ لأن المعنى: لا يَحْسِبَنَّ الذين يفرحون بما أتوا، أَنْفُسَهم بمفازةٍ مِنَ العَذَابِ.
وإذا كان كذلك، لَمْ يَجُزْ تقديرُ العطف؛ لأن الكلام لم يستقل بعدُ، فيستقيم فيه تقديرُ العَطْفِ. ولا يجوز (١) -أيضًا- أن تكون للجزاء، كالتي في قوله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (٢)، ونحوها؛ لأن هذا ليس من مواضع الجزاء. وإذا لم يجز أن تكون للعطف [و] (٣) لا لِلْجَزَاء، ثَبَتَ أنها زائدة؛ كقوله:
وإذا هَلَكْتُ (٤) فَعِنْدَ ذلك فاجْزَعِي (٥)
стр. 3240
وكما أنشد (١) قُطْرُب (٢):
وحِينَ تَركتُ العائداتِ يَعدْنَهُ ... يَقُلْن فلا تَبْعَدْ وقلتُ لَه ابْعَدِ (٣)
وذكرنا وجْهَ زيادة الفاء في الكلام، فيما تقدم.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ قد (٤) تَعَدّى فيه فعلُ الفاعل إلى ضميرِهِ. وفِعْلُ الفاعل في هذا الباب، يَتَعدَّى إلى ضمير نفسه؛ نحوَ (ظَنَنْتُنىِ أخاه)، و (حَسِبْتُني ذاهبًا).
стр. 3241
يدل على ذلك: قُبْحُ دخولِ النَفْسِ عليها. ولو قلت: (حَسِبتُ نفسي تفعل كذا). لم يَحْسُنْ، كما يَحْسنُ: (حَسِبْتُنِي)، و (أَحْسِبُنِي) (١).
وحُذِفَتْ واوُ الضميرِ في ﴿يَحْسِبُنَّهم﴾ (٢)؛ لِدُخول النون الثقيلة، واجتماع الساكنين (٣). و-كذلك- يُحذف عند دخول النونِ الخفيفة؛ كما تقول: (لا يَحْسِبُنْ زيدًا ذاهبًا).
وقوله تعالى: ﴿بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾.
في موضع المفعول الثاني. وقرأ حمزة، وعاصم والكسائي -كلاهما- (٤): بالتَّاء، وفتحوا الباءَ من ﴿تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ (٥).
ووجه هذه القراءة: أنه حذف (٦) المفعولَ الثاني الذي يقتضيه ﴿تَحْسَبَنَّ﴾ الأول؛ لأن ما يجيء بَعدُ من قوله: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ , يدل عليه.
стр. 3242
ويجوز أن تجعل (١) ﴿تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ بدلًا من ﴿تَحْسَبَنَّ﴾، كما جاز أن تجعل (يَحسِبُنَّهم (٢)) بدلًا من (يَحْسِبَنَّ (٣)) في قراءة ابن كثير وأبي عمرو، لاتِّفاق (٤) الفعلين.
قال أبو إسحاق (٥): ووقعت (فَلا (٦) تَحسَبَنَّهم) مُكَرَّرةً؛ لِطُول القصَّة.
والعربُ تُعيد إذا طالت القصّة (حَسبت) وما أشبهها؛ إعلامًا أن الذي جرى متصل بالأوَّل، وتوكيد (٧) له، فتقول: (لا تظنَنَّ زيدًا إذا جاءك وَكلَّمَكَ في كذا وكذا، فَلاَ تظُننَّه صادقًا)، فتكرره إيضاحًا للقصة.
وهذا -الذي ذكره أبو إسحاق- سائغٌ في القراءتين: قراءةِ أبي عمرو، وقراءةِ حمزة.
وقرأ نافعٌ وابنُ عامر: الأوَّل بالياء، والثاني بالتاء وفتح الباء (٨).
ووجه هذه القراءة: أن المفعولَيْن (٩) اللَّذَيْن يقتضيهما الحِسْبانُ في
стр. 3243
قوله: ﴿لَا يَحْسَبَنَّ الذين يفرحون﴾ محذوفان (١)؛ لِدَلالَةِ ما ذكِرَ من بَعْدُ عليهما (٢). فَلمَّا كان قوله: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ متَّصلًا بمفعولَيْن ظاهِرَيْنِ، جُعِلا مفعولَي قولِهِ (٣): ﴿لا يَحْسَبَنَّ (٤) الذين يَفْرَحُون﴾ , بتقدير: لا يَحْسَبَنَّ (٥) الذين يفرحون أنْفُسَهُمْ، بمفازةٍ من العذاب، ولا تَحْسَبَنَّهم أنت -أيضًا- كذلك.
وقوله تعالى: ﴿بِمَا أَتَوْا﴾ قال الفرّاء (٦): يريد: [ما] (٧) فعلوه؛ كما قال ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧] أي: فَعَلْتِ. وكقوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٦].
وقوله تعالى: ﴿بِمَفَازَةٍ﴾ أي (٨): بِمَنْجَاةٍ؛ مِنْ قولهم: (فَازَ فلانٌ): إذا (٩) نَجَا. وقال الفرّاء (١٠): أي: بِبُعْدٍ (١١) من العذاب؛ لأن الفَوْزَ معناه:
стр. 3244
التباعد من المكروه (١).
وذكرنا ذلك في قوله: (﴿فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥].
١٨٩ - قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: بِمُلْكِ تدْبيرِهما (٢)، وتصريفهما (٣) على ما يشاء. وهذا تكذيبٌ لِلَّذِين قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ (٤).
١٩١ - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ الآية.
رُوي عن علي، وابن عباس، وقتادة (٥): أنهم قالوا: يعني (٦) [أنهم] (٧) يُصَلُّون على هذه الأحوال: قِيَامًا، فإن لم يستطيعوا فقُعُودا، فإن لم يستطيعوا فَعَلَى جُنُوبِهم.
وهذا اختيار الزجاج، قال (٨): يصلون في (٩) جميع هذه الأحوال،
стр. 3245
على قَدْرِ إمْكانِهِم، في صحتهم وسَقَمِهم.
وقال آخرون (١): يريد: أنهم يذكرون الله على كل حال.
وجاز (٢) أن يعطف بـ (على) على ﴿قِيَامًا﴾ و ﴿وَقُعُودًا﴾ , لأن معناه يُنْبِئ عن حالٍ مِنْ أحوال تَصَرُّفِ الإنسان؛ كما تقول: (أنا أصِيرُ إلى زيدٍ ماشِيًا، وعلى الخيل). المعنى: ماشِيًا ورَاكِبًا (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
ليَكُون (٤) ذلك أزيد في بَصِيرتهم؛ لأن فكرهم يُرِيهم عِظَمَ شأنهما، فيكون تعظيمُهم للهِ على حسب ما يقفون عليه من آثار حكمته.
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾.
أي: و (٥) يقولون: رَبَّنا ما خلقت هذا (٦). الإشارة بـ ﴿هَذَا﴾ راجعةٌ إلى
стр. 3246
الخَلْقِ. و ﴿خَلَقْتَ﴾ يدل على الخَلْقِ (١).
وقوله تعالى: ﴿بَاطِلًا﴾.
أي: خلقته دليلًا على حكمتك، وكَمَالِ قُدرتِك.
ومعنى الباطل: الزائِل الذاهب، الذي لا يَثْبُتُ (٢). ولَمَّا كان خَلْقُ السَّموات والأرض خَلْقًا مُتْقَنًا، وصُنْعًا مُحْكمًا دالًا على قدرة الصانع، لم يكن باطلًا.
وكثير من المفسرين يذهبون إلى أن المعنى: (ما خلقتهما لغَيرِ شيءٍ) (٣)؛ لأنه خلقهما لِيَبْلُوَ العِبَادَ بينهما بالأمر والنهي، فيثيب المطيع، ويعاقب العاصي (٤)، وانتصب قولُه ﴿بَاطِلًا﴾ على أنه نَعْتُ مصدرٍ محذوفٍ؛ أي: خَلْقًا باطلًا (٥).
стр. 3247
وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ﴾.
أي: تنزيهًا لك، ببراءتك عما لا يجوز في وصفك (١).
﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
أي: قد اعترفنا بوحدانيَّتِك، وصدَّقنا أنَّ لك جَنّةً ونارًا، فقِنا عذابَ النار.
١٩٢ - قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾.
الإخزاء -في اللغة- يَرِدُ على معانٍ، يَقْرُبُ بعضُها مِنْ بَعْضٍ.
قال الزجاج (٢): (أخزى اللهُ العَدُوَّ)؛ أي: أبْعَدَهُ. وقال غيرُه (٣): الخِزْي: الهَوَانُ، و (أخزاهُ الله)؛ أي: أهانه.
وقال شَمِر (٤): أخزيته: فضحته. وفي القرآن: ﴿وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ [هود: ٧٨].
стр. 3248
وقال (١) المُفَضَّلُ (٢) -في قوله: ﴿أَخْزَيْتَهُ﴾ -: أي: أهْلَكته.
وقال ابن الأنباري (٣): معنى الخِزْي -في اللغة-: الهلاك بتَلفٍ أو انقطاع حُجّةٍ، أو بوقوعٍ في بلاء (٤). قال جرير:
تَمَّتْ تَمِيمٌ يا أُخَيْطِلُ فانْجَحِرْ ... خَزِيَ الأُخَيْطِلُ حين قُلتُ وقالا (٥)
أي: هَلَكَ بانقطاع حُجّتِهِ. ويحتمل: استحيا بانقطاعه. يقال (٦): (خَزِيَ، يَخْزَى، خِزْيًا): إذا هلك. و (خَزِي، يَخْزى (٧)، خَزَايةً): إذا استحيا (٨).
وتعلقت الوَعِيدِيَّةُ بهذه الآية، وقالوا: قد أخبر الله -تعالى-: أنه لا يُخزي النبيَّ والذين آمنوا معه، فوجب أن كلّ مَنْ يدخل النارَ لا يكون مؤمنًا؛ لِقَولِه: ﴿أَخْزَيْتَهُ﴾. والجواب عن هذا، من وجوه:
стр. 3249
أحدها: ما رَوَى قتادة، عن أنسٍ (١) -في قوله: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ -، قال: إنك مَنْ تُخَلِّدْ في النار.
وقال الثَوْريُّ: بَلَغَنِي عن سعيد بن المسيب (٢)، أنه قال في هذه الآية: هي خاصَّةٌ في قومٍ لا يخرُجونَ مِنَ النَّارِ بعد دُخُولِهم إيَّاها.
ورُوي هذا المعنى -أيضًا- عن قتادة (٣) نفسِهِ. فمذهب هؤلاء الثلاثة: أنَّ الآية خاصَّةٌ فيمن يدخلها للخلود فيها. يدل عليه آخرُ الآية، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ يريد: الكفار.
والثاني: أن المُدخَل في النار مَخْزِيٌّ في حال دُخُولِهِ، وإن كانت عاقبتُهُ أن يخرج منها، فإن الدخول لا يقع إلّا بخزيٍ في ذلك الوقت. وهذا مذهب جابر بن عبد الله، واختيار ابن الأنباري.
يَدُلُّ عليه ما روي عن عَمْرُو بن دينار، أنه قال: قَدِم علينا جابر -في عُمْرةٍ -، فسألته عن هذه الآية، فقال: وما أخزاهُ (٤) حين أحرقه بالنار! إنّ دون ذا (٥) لَخِزْيًا (٦).
стр. 3250
قال ابن الأنباري (١): وحَمْل الآية على العموم أولى من نقلها إلى خصوصٍ لا دليل عليه.
والجواب الثالث: ما قال أهلُ المعاني، وهو: أنّ الإخزاءَ يحتمل معنيين: أحدهما: الإهانة والإهلاك والإبعاد، كما ذكرنا. وهذا للكفّار والثاني: الإخجال؛ يقال: (خَزِيَ خَزَايَةً): إذا استحيا، و (أخزاه غَيْرُهْ): إذا عَمِلَ بِهِ عَمَلًا يُخْجِلُه، ويستحيي منه.
ومنه حديث يزيد بن شَجَرَة (٢): (ولا تُخزُوا الحورَ العِين) (٣)؛ كأنهن
стр. 3251
يَتَطلَّعنَ مَن يَصيرُ إليهن بالشهادة؛ يقول: فلا تُخْجِلُوهُنَّ بِفِرَارِكُم.
فعلى هذا، خِزْيُ المؤمنين: الحياءُ مِنْ سائِرِ أهلِ الإيمان، بدخول النار إلى أن يخرجوا منها، وخِزْيُ الكافرين: الهلاكُ بالخلود (١) فيها.
١٩٣ قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾ الآية.
المنادي: محمد ﷺ ، في قول ابن عباس (٢)، وابن مسعود (٣)، وابن جريج (٤)، وابن زيد (٥)، والأكثرين (٦).
وقيل: عين (٧) المُنادِي: القرآنُ؛ حِكايَةً عن مؤمني الإنس، كما حكى عن مؤمني الجنَّ: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: ١] الآية.
وهذا قول القُرَظِيِّ (٨)، قال: لأنه ليس كلُّ أحدٍ لَقِيَ النبي ﷺ . والذين
стр. 3252
قالوا: إنه النبي؛ قالوا: إن من سَمِع القرآنَ، فكأنه رأى النبي وأدركه وسمع منه؛ لأن القرآن معجزته، لم يأت به غيره، فهو دليل عليه، وكل مَن بَلَغه القرآنُ، فقد أنذره رسول (١) الله ﷺ .
وقال تعالى: ﴿يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ قال أبو عبيدة (٢): هذا على التقديم والتأخير، أي: سمعنا مناديًا للإيمان ينادي. وقيل (٣): اللام؛ بمعنى: (إلى)؛ كقوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [المجادلة: ٨]، ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥]، و ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]، ومثله كثير. وهذا قول أكثر النحويين (٤).
وقيل: هي (٥) لام (أَجْل) (٦).
وقوله تعالى: ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ معنى (التكفير) في اللغة: التغطية. و (رجلٌ مُكَفَّرٌ بالسلاح)؛ أي: مُغَطَّى (٧).
стр. 3253
والكُفْر، منه (١) -أيضًا-، وقد (٢) ذكرناه.
ومعنى ﴿كَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾، أي: غَطِّها عَنّا (٣)، حتَّى لا نراها (٤)؛ كما تقول: (اغفر لي خطيئتي).
و (الغَفْرُ) -في اللغة-: السَّتْر (٥). وجَمَعَ بين غُفْران الذنوب، وتكفير السَّيئات؛ لأن غفرانَ الذنوبِ، تَفَضُّلُه ورحمتُه؛ وتكفيرَ السيئات بالطاعات؛ كما تقول في الأشياء الموجبة للكفَّارة، فإنها إذا كُفِّرت، صارت مُكفَّرةً بتلك الطاعةِ التي هي كفَّارةٌ لها، كالصوم في الظِّهار، وإعتاق الرَّقبة في القتل الخطأ، والإطعام في الحِنْث (٦). فالمغفرة بفضله من غير سبب، والتكفير، بسبب (٧) طاعة.
والسَّيَئات جَمْعُ: سَيِّئَة. قال الليث (٨): يقال: (ساءَ الشَيءُ، يَسُوءُ)، فهو (سَيِّئٌ): إذا قَبُحَ.
стр. 3254
وقال أبو زيد: (السَّيِّىُء)، و (السَّيِّئة)، عملان قبيحان. يصير (السيِّىءُ) (١) نعتًا للذَّكَرِ مِنَ الأفعال (٢)، و (السَّيِّئَةُ) للأنثى؛ ومِنْ هذا يقال: (سَوَّأتُ على فلان فعلَه) , أي: قَبَّحْتُهُ عليه، وعِبْتُهُ بما صَنَع.
وقوله تعالى: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾.
قال ابن عباس (٣): يريد: مع (٤) الأنبياء؛ والمعنى: تَوَفَّنا في جُمْلَتِهم. وكلُّ مَنْ أُخِذَ في جُمْلَةِ قومٍ صار معهم؛ فلذلك قال: ﴿مَعَ الْأَبْرَارِ﴾.
١٩٤ - قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ الآية.
قالوا: معناه: على ألسُنِ رُسُلِك. فهو من باب حذف المضاف (٥).
وقال الكَلْبيُّ -عن ابن عباس- (٦): يقولون: على لِسان رُسُلِك.
ومعنى الدعاء -ههنا- مع العِلْم أنه مُنْجِزٌ وَعْدَهُ لا محالة-: التَّعَبُدُ؛ لمَا في ذلك من الخُضُوع لله، وإظهار الحاجة إليه؛ وذلك أن (الدعاء مُخُّ العِبَادةِ) (٧).
وعدتنا مِنَ النصْرِ لنا، والخِذْلان لِعَدُونَّا، عاجِلًا. فهم سألوا تعجيل ما وُعِدوا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُخْزِنَا﴾ قد ذكرنا معاني (الإخزاء)، عند قوله: ﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢].
١٩٥ - قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي﴾ أي: بِأنِّي.
وقوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أي: في الدِّينِ والنُصْرَةِ، والمُوَالاة. معناه: بعضكم يوالي بعضًا؛ كما ذكرنا في قوله: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣٤]. هذا قولُ الكَلبِيِّ (١) وغيرِه (٢).
وقيل (٣): معناه: حُكْمُ جَمِيعِكم حُكْمُ واحِدٍ منكم؛ فيما أفْعَلُ بكم؛ مِنْ مُجازاتِكم على أعمالكم، وتَرْكِ تضييعها لكم. يستوي في ذلك ذُكْرانُكم وإناثكم.
وقوله تعالى: ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾. أحسنُ (٤) وجوهِ القِراءَةِ: تقديمُ ﴿قَاتَلُوا﴾ على ﴿قُتِلُوا﴾ (٥)، لأن القتال قبل القتل. وقرأ ابنُ عامر، وابنُ
стр. 3257
كَثير: ﴿وَقُتِّلُواْ﴾ -مُشَدَّدَة- (١)؛ لِتَكَرُّرِ القتلِ فيهم، فهو مثل: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ [ص: ٥٠]، ومَنْ خَفَّفَ؛ فإن التخفيف يقع على القليل والكثير.
وقرأ حمزة، والكسائيُّ (٢): ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾، ولها وجهان:
أحدهما: أن المعطوف بالواو، هو الأوَّلُ في المعنى، وإنْ كان مُؤَخَّرًا في اللفظ؛ لأن (٣) الواوَ لا يُوجِبُ (٤) ترتيبًا.
والثاني: أن المُرادَ بقوله: ﴿وَقتُلُواْ﴾ , أي: قُتِلَ بعضُهم، ثم قاتل مَنْ بَقِيَ منهم، ولم يَهِنُوا، ولم يَضْعُفوا, لِلْقَتْلِ الذي وَقَعَ بهم (٥).
وقوله تعالى: ﴿ثَوَابًا مِّن عِندِ اَللَّهِ﴾ قال الزجاجُ (٦): هو مصدرٌ مؤكِّدٌ لِمَا قبله (٧) , لأن معنى ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ﴾: لأُثِيبَنَّهُمْ.
قال: ومثله: ﴿كِتَابَ اللهِ﴾ (٨)، و ﴿صُنْعَ اللهِ﴾ (٩)؛ لأن ما قبله
стр. 3258
بمنزلة: (كَتَبَ اللهُ)، و (صَنَعَ اللهُ) (١).
١٩٦ - قوله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾
قال المفسرون: نزلت (٢) في مشركي مَكَّة، وذلك أنهم كانوا يَتَجَبَّرُون (٣) وَيتَنَعَّمُون. فقال بعض المؤمنين: إن (٤) أعداء الله فيما نرى من الخير، وقد هَلَكْنَا من الجُوعِ والجَهْدِ, فنزلت هذه الآية.
وقال الفراء (٥): كانت اليهود تضرب في الأرض فَتُصِيبُ الأموالَ، فأنزل (٦) الله: ﴿لَا يَغُرَّنَكَ﴾ (٧).
стр. 3259
قال الزجاج (١): خطاب النبي ﷺ ، خطاب الخَلْقِ في هذا الموضع؛ المعنى: لا يَغُرَّنَّكم أيها المؤمنون. وهذا قول قتادة (٢). قال: والله ما غَرُّوا نَبِيَّ اللهِ، حتى قبضه الله. والخطاب له، والمراد غيره (٣).
وقال بعض النَحْوِيِّين (٤): هذا خطابٌ لكل من سمعه من المكلفين؛ كأنه قيل: لا يَغُرَّنك أيُّها السامِعُ.
وُيبْنى المضارعُ مع النون الشديدة؛ لأن النون لحقت حرفَ الإعراب، على جهة التأكيد، فصار بمنزلة ضمِّ الاسم إلى الاسم في (خَمْسَةَ عَشَرَ)، ونحوه.
وقوله تعالى: ﴿تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾.
يعني: تَصَرُّفهم للتجارات (٥).
أعلَمَ (٦) اللهُ أن ذلك مما لا ينبغي أن يُغْبَطوا به؛ لأن مصيرهم -بكفرهم- إلى النار، ولا خير (٧) في نَعِيمٍ (٨) بعده النار.
стр. 3260
١٩٧ - فقال: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ أي: تَقَلُّبُهُم مَتَاعٌ قَلِيلٌ. وقال الفراء (١): ذلك متاعٌ قليل.
وقال الزجاج (٢): ذلك الكَسْبُ والرِّبْحُ الذي يربحونه، مَتَاعٌ قليل. وإنما وصفه (٣) بالقِلَّةِ؛ لأنه فانٍ مُنْقَطِعٌ؛ ولأنَّهُ (٤) -بالإضافة إلى نعيم الآخرة- قليلٌ.
١٩٨ - قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ الآية. قد ذكرنا التخفيفَ والتشديد في ﴿لَكِنِ﴾ (٥) عند قوله: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ (٦)، ومعناه (٧) -ههنا-: الاستدراك بها، خلاف المعنى المتقدم؛ وذلك أن (٨) قوله: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ تَضَمَّنَ: ما لَهُم كثيرُ انتفاع؛ فجاء على ذلك: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ لَهُمْ (٩) الخلود في النعيم المقيم.