← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.

стр. 4551

الإصباح أيضًا، قال الله تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ يعني: الصبح، وقال: أَفْنَى رِياحًا وذَوِى رِياحِ ... تَناسُخُ الإِمْسَاءِ وَالإِصْبَاحِ (١) يريد: المساء والصباح). الفراء مثله في الإصباح (٢)، وقال الزجاج: (الإصباح والصبح واحد) (٣). وأما التفسير، فقال كثير من أهل التفسير في قوله ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾: (شاقّ عمود الصبح عن ظلمة الليل وسواده) (٤)، ولا أدري كيف قالوا هذا؛ فإن الليل يشق عن عمود الصبح لا الصبح عن الليل (٥).

стр. 4552

[وأما] (١) ابن عباس (٢) والمحققون (٣) قالوا: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ أي: خالق الإصباح كل يوم جديد). وقال الكلبي: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾: خالق الصباح كل يوم) (٤). وقال أبو إسحاق: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾: (جائز أن يكون خالق الإصباح، وجائز أن يكون معناه: سياق الإصباح، وهو راجع إلى معنى خالق) (٥)، وقال في سورة الفلق: (الفلق الخلق، وإذا تأملت الخلق تبين لك أن أكثره عن انفلاق) (٦)، وقد ذكرنا هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام:٩٥]. وقال الليث: (الله تعالى فلق الصبح، أي: أبدأه وأوضحه) (٧)، فعلى

стр. 4553

هذا المعنى ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾: مبديه وموضحه، وذلك أن معنى الفلق راجع إلى الإبداء والإيضاح؛ لأن الفلق يتضمن الإبداء (١). وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ السكن: معناه في اللغة ما سكنت إليه، يريد: أن الناس يسكنون في الليل سكون الراحة، بأن جعل الله تعالى ذلك لهم سكنًا (٢). قال ابن عباس: (يريد: أن كل ذي روح يسكن فيه) (٣)، وقال الكلبي: (يسكن فيه الخلق ويرجعوا إلى أوطانهم) (٤)، وهو مثل قوله تعالى: ﴿هُوَ (٥) اَلَّذِى جَعَلَ لَكُمٌ الّيلَ لِتَسكنُواْ فِيهِ﴾ [يونس: ٦٧]. واختلف القراء (٦) في قوله: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ﴾ فقرأ الأكثرون (جَاعِلُ) بالألف؛ لأن قبله اسم فاعل وهو [قوله] (٧): ﴿فَالِقُ الْحَبِّ﴾ و ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ و (جاعل) هاهنا حسن ليكون المعطوف [مثل المعطوف] (٨) عليه، ألا ترى أن حكم الاسم أن يعطف على اسم مثله؛ لأن الاسم بالاسم أشبه من الفعل بالاسم، وقرأ أهل الكوفة ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ﴾ لأن اسم الفاعل الذي قبله بمعنى الماضي، فلما كان فَاعِلٌ بمنزلة فَعَلَ في المعنى عطف عليه فعل؛ لموافقته له

стр. 4554

في المعنى، ويدلك على أنه بمنزلة فَعَل أنه نزل منزلته فيما عُطِفَ عليه، وهو قوله تعالى ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [الأنعام: ٩٦]، ألا ترى أنه لما كان المعنى فعل في (جاعل) حمل المعطوف على ذلك فنصب (الشَّمْسَ [والْقَمَرَ] (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ قال ابن عباس: (يريد: بحساب) (٣) مثل ما قال في سورة يونس ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: ٥]، وقال الكلبي: (منازلهما بحساب لا يُجاوزانه حتى ينتهيا إلى أقصى منازلهما) (٤). وروى شيبان (٥) عن قتادة قال: ([يدوران] (٦) في حساب) (٧)، وأما

стр. 4555

معنى الحساب فإن العروضي (١) والقرشي (٢) أخبراني عن الأزهري قال: أخبرني المنذري (٣) عن أحمد بن يحيى، أنه حكى عن الأخفش أنه قال: (معناه: بحسابٍ، فحذف الباء) (٤)، والكلام مختصر تقديره: وجعل الشمس والقمر يجريان بحساب كقوله: ﴿لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١] أي: من طين، وقال ثعلب: (﴿حُسْبَانًا﴾ مصدر كما تقول: حَسَبْته أَحْسبُه حُسْبانًا وحِسَابًا) (٥)، وأنشد أبو عبيد عن أبي زيد: على الله حُسْباني إذا النَّفْسُ أَشْرَفَتْ ... على طَمَعٍ أَو خافَ شيئًا ضَمِيرُها (٦) وجعله الأخفش (٧) جمع حِسَابٍ، وهو قول أبي الهيثم (٨) قال: (الحُسبان جمع حساب مثل: رِكَابٍ ورُكْبَانٍ، وشِهَابٍ وشُهْبَانٍ، وكذلك أحسبة مثل: شهاب وأشهبة) (٩).

стр. 4556

وهو قول أبي عبيدة (١) والمبرد (٢) ذكرا ذلك في قوله تعالى: ([الشَّمْسُ] (٣) وَالقَمَرُ بِحُسْبَانٍ) [الرحمن:٥]، ومن جعل الحسبان مصدرًا جعله كالرجحان والنقصان (٤). فأما نصب ﴿الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ فقال أبو إسحاق: (النصب على تأويل وجعل الشمس والقمر؛ لأن في ﴿جَاعِلٌ﴾ معنى جعل، وبه نصبت ﴿سَكَنًا﴾، كما تقول: هو معطي زيدٍ درهمًا، فنصب الدرهم محمول على تأويل أعطى) (٥)، ونحو هذا قال أبو علي (٦). وقال الفراء: (الليل في قوله (وَجَاعِلُ الَّليْلِ) في موضع نصب في المعنى فرُد ﴿الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ على معناه لما فرّق بقوله ﴿سَكَنًا﴾، فإذا لم تفرق بينهما بشيء آثروا الخفض، وقد يجوز أن ينصب وإن لم يحل بينهما بشيء) (٧)، وأنشد: بَيْنَا نَحْنُ ننظره أَتَانَا ... مُعَلّقَ شِكوة وزِنَادَ رَاعِ (٨)

стр. 4557

وقد شرح ابن الأنباري هذا فقال: (العرب قد تجرى اسمًا على الخفض ثم تعطف عليه منصوبًا، وكذلك يقدمون المنصوب ثم يعطفون عليه المخفوض في باب فاعل، فيقولون: هو ضارب عبد الله في الدار ومحمدًا، وهو ضارب عبد الله في الدار ومحمدٍ، إذا نصبوا بعد الخفض قدروا أن المعطوف عليه منصوب وأن الفاعل منوّن، وذلك أن قولنا: هو ضارب عبد الله يجري مجرى ضارب عبد الله، وإذا خفضوا بعد النصب قدّروا أن المنصوب مخفوض وأن الاسم المبني على فاعل لا تنوين فيه، وأنشد: فنبَيْنَا نَحْنُ ننظره أَتَانَا ... مُعَلّقَ شِكوة وزِنَادَ رَاعِ فحمل على تأويل النصب أراد: معلقًا شكوةً، وقال امرئ القيس: فَظَلَّ طُهَاةُ اللَّحْمِ [مِنْ بَيْنِ] (١) مُنْضِجٍ ... صَفِيفَ شِوَاءٍ أوْ قدِيرٍ مُعَجَّلِ (٢) فخفض القدير وهو نسق على الصفيف تقديرًا أن الصفيف مخفوض، كأنه قال: من بين منضج صفيف) (٣).

стр. 4558

وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ قال ابن عباس: (يريد: الذي قدر الأقوات في كل زمان وما يصلح فيه) (١)، وقال المفسرون: (يعني: ﴿الْعَزِيزِ﴾: في ملكه يصنع ما أراد، ﴿الْعَلِيمِ﴾: بما قدر من خلقهما) (٢). ٩٨ - قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ قال ابن عباس: (يريد: آدم) (٣)، ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ قال ابن الأنباري: (أي: أراد: فلكم مستقر ومستودع، وبهذا الإضمار يحسن اتصال هذا الكلام بما قبله وحسن الإضمار؛ لأن الفاء يغلب على ما بعدها الاتصال بما يسبقها، فحذف ما يحذف بعد الفاء؛ إنما هو لدلالة الذي قبلها عليه للمواصلة، كقول العرب: إن تزرني فمحسن، وإن قصدتني فبار، وهم يريدون: فأنت بار، فيحذفون لوضوح المعنى) (٤). وأما تفسير: المستقر والمستودع، فقال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد: مستقر في الأرحام ومستودع في الأصلاب) (٥)، وهذا التفسير على القراءتين (٦) في المستقر، وقال في رواية سعيد بن جبير: (المستقر ما في

стр. 4559

الرحم، والمستودع ما في الصلب) (١)، وهذا على قراءة من كسر القاف. وقال كريب (٢): (كتب حبر تيماء (٣) إلى ابن عباس يسأله عن هذه، فكتب إليه المستودع: الصلب، والمستقر: الرحم، ثم قرأ: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ [الحج: ٥]) (٤)، وهذا التفسير على قراءة من فتح القاف، وقال في رواية العوفي: (كل مخلوق قد فرع من خلقه فهو المستقر، والمستودع: ما في أصلاب الرجال الذي الله خالقه) (٥)، ونحو

стр. 4560

هذا روى عكرمة عنه قال: (المستقر: الذي قد خُلق واستقر في الرحم, والمستودع: الذي قد استودع في الصلب مما لم يخلق بعد) (١). وقال الوالبي (٢) والضحاك عنه: (المستقر في الرحم، والمستودع ما استودع في أصلاب الرجال والدواب) (٣). وقال سعيد بن جبير: (﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ في بطون الأمهات ﴿وَمُسْتَوْدَعٌ﴾: في أصلاب الآباء، قال: وقال لي ابن عباس: أتزوجتَ يا ابن جبير؟ قلت: لا، وما أريد ذلك يومي هذا. قال: فضرب ظهري، وقال: أما أنه مع ذاك ما كان من مستودع في ظهرك فسيخرج) (٤). وأكثر أهل التفسير والمعاني: على أن المستقر والمستودع في الأصلاب والأرحام (٥) وقد أحسن أبو علي شرح الحرفين كل الإحسان,

стр. 4561

مع ذكر اختلاف القراءتين في المستقر فقال: (قال سيبويه: "قالوا: قرَّ في مكانه واستقر" (١)، فمن كسر القاف كان المستقر بمعنى: القارّ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون خبره المضمر منكم، أي: منكم مستقر، كقولك: بعضكم مستقر، أي: مستقر في الأرحام، ومن فتح القاف فليس على أنه مفعول به، ألا ترى أن استقر لا يتعدى، وإذا لم يتعد لم يبن منه اسم مفعولٍ به، وإذا لم يكن مفعولًا به كان اسم مكان، فالمستقر بمنزلة المقرّ، كما كان المستقر بمنزلة القارّ، وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون خبره المضمر منكم، كما جاز ذلك في قول من كسر القاف، فإذا لم يجز ذلك جعلت الخبر المضمر لكم، فيكون التقدير: لكم مَقَرٌّ. فأما المستودع فإن استودع فعلٌ يتعدى إلى مفعولين، [تقول] (٢): استودعت زيدًا ألفًا، وأودعت مثله، فاستودع مثل أَوْدَع، كما أن استجاب بمنزلة أجاب، فالمستودع يجوز أن يكون الإنسان الذي استودع ذلك المكان، ويجوز أن يكون المكان نفسه، فمن قرأ (فَمُستقَر) بفتح القاف جعل المستودع مكانًا ليكون مثل المعطوف عليه، أي: فلكم مكان استقرار، ومكان استيداع، ومن قرأ (فمستقِر) فالمعنى: منكم مستقر في الأرحام، ومنكم مستودع في الأصلاب، فالمستودع اسم المفعول به ليكون مثل المستقر في أنه اسم لغير المكان) (٣).

стр. 4562

٩٩ - قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ قال ابن عباس: (يريد: المطر الذي ينزل، ليس من نقطة إلا ومعها ملك) (١). ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ يعني: بالمطر ﴿نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ذكر الفراء فيه قولين: (أحدهما يقول: رزق كل شيء، يريد: ما ينبت مما يصلح غذاء لكل شيء، قال: وكذا جاء التفسير، وهو وجه الكلام، قال: وقد يجوز في العربية أن [تضيف] (٢) النبات إلى ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ وأنت تريد بكل شيء النبات أيضًا، فيكون مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ [حَقُّ] (٣) الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] واليقين هو الحق) (٤). وقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا﴾ قال أبو إسحاق: (معنى خَضِر كمعنى أَخْضَر، يقال: اخْضَرَّ فهو أخضَرُ وخَضِرٌ، مثل اعْوَرَّ فهو أَعْوَرُ وعَوِرٌ) (٥)، وقال غيره: ومثله نَمِرَ بمعنى: أنمر، تقول العرب: أَرِنيهَا نَمِرَةً أُرِكَهَا مَطِرَةً) (٦).

стр. 4563

وقال الليث: (الخضر في كتاب الله هو الزرع، وفي الكلام كل نبات من الخُضَر) (١)، قال ابن عباس: (يريد: القمح والسلت (٢) والشعير والذرة والأرز) (٣)، ويعني بهذا: ما كان رطبًا أخضر مما ينبت من هذه الحبوب. وقوله تعالى: ﴿نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾ يعني: من الخضر، نخرج ﴿حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾ بعضه على بعض في سنبلة واحدة (٤). وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ قال أبو عبيد: (أَطْلَعَت النخلة إذا أخرجت طَلْعَها، وطَلْعُها كُفُرَّاها (٥) قبل أن ينشق عن الإغَريض (٦)، والإغريض يسمى طَلْعًا أيضًا، قال: والطلع أول ما يرى من

стр. 4564

عذق النخلة، الواحدة طلعة) (١)، قال أبو زيد: (أَطْلَعَ النَّخْلُ الطَّلْعَ إطْلاعًا، وطَلَعَ الطَّلْع يَطْلعُ طُلوعًا) (٢). و ﴿قِنْوَانٌ﴾، قال الزجاج: (جمع قِنْو، مثل صِنْوٍ وصِنْوَانٍ، وإذا ثنيت القِنْو قلت: قِنْوانِ، بكسر النون) (٣). قال أبو عبيدة: (ثم جاء جمعه على لفظ الاثنين مثل صنو وصنوان، والإعراب في النون للجمع، وليس لهما في كلام العرب نظير) (٤)، قال امرؤ القيس (٥): فَأَثتْ أَعَالِيه وآدت أُصُولُهُ ... وَمَالَ بِقِنْوانٍ مِنَ البُسْرِ أَحْمَرَا

стр. 4565

قال أبو علي: الكسرة التي في (قنوان) ليست التي كانت في قنو، لأن وتلك قد حذفت في التكسير، وعاقبتها الكسرة التي [يجلبها التكسير، وكذلك التي (١)] في هجان (٢)، وأنت تريد الجمع ليست الكسرة التي كانت في الواحد، ولكنه مثل الكسرة في ظراف (٣) إذا جمعت عليه ظريفًا) (٤)، وقد ذكرنا مثل هذا في الفُلك في سورة البقرة [: ١٦٤]، ونظير هذا مما يوضحه الضمة التي في آخر مَنْصُور على قول من قال: يا جارُ (٥) ليست التي كانت فيه في قول من قال: يا جارِ (٦)، قال ابن عباس: (يريد: العراجين (٧) التي قد تدلت من الطلع، ﴿دَانِيَةٌ﴾ يريد: تدنو ممن يجتنيها) (٨)، وروي عنه أيضاً أنه قال: (يعني: قصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض) (٩).

стр. 4566

قال أبو إسحاق: (﴿دَانِيَةٌ﴾ أي: قريبة المتناول، قال: ولم يقل: ومنها قنوان بعيدة؛ لأن في الكلام دليلًا أن البعيدة السحيقة قد كانت غير سحيقة، فاجتزأ بذكر القريبة عن ذكر البعيدة كما قال: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] ولم يقل: وسرابيل تقيكم البرد؛ لأن في الكلام دليلاً على أنها تقي البرد؛ لأن ما ستر من الحر ستر من البرد) (١). وقوله تعالى: ﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ الوجه: كسر (٢) التاء؛ لأنها في موضع نصب نسقًا على قوله (خَضِرًا) أي: فأخرجنا خَضِرًا ﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ وروى الأعشى (٣) عن أبي بكر (٤) [وجنات) رفعًا (٥) قال أبو بكر (٦)] ابن الأنباري: (وله مذهبان أحدهما: أن يكون الجنات مفعولة في

стр. 4567

المعنى رفعت بمضمر بعدها، تأويله ﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ أخرجناها، فجرى مجرى قول العرب: أكرمت عبد الله وأخوه، يريدون: وأخوه أكرمته أيضاً، ومثله [قول] (١): أكلت طعامك وطعام أخيك، قال الفرزدق: غَداةَ أحلَّتْ لابْنِ أَصْرَمَ طَعْنَةُ ... حُصَيْنٍ عَبيطَاتِ السَّدَائِفِ والخَمْرُ (٢) فرفع الخَمر، وهي مفعولة، على معنى: والخمر أحلتها الطعنة، والمذهب الآخر: رفع الجنات بالنسق على القنوان؛ تغليبًا لمعنى الجوار، كما قال الشاعر: وزَجَّجْنَ الحَوَاجِبَ والعُيُونَا (٣) فنسق العيون على الحواجب تغليبًا للمجاورة، والعيون لا تزجج، كما أن الجنات من الأعناب لا [يكنّ] (٤) من الطلع) (٥).

стр. 4568

وقوله تعالى: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾ قال الفراء: (يريد: شجر الزيتون، وشجر الرمان، كما قال: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] يريد: أهلها) (١) وقوله تعالى: ﴿مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾، قال قتادة: (مشتبهًا ورقها مختلفًا ثمرها) (٢)، وهو قول مقاتل (٣) وأكثر المفسرين (٤)، وقال الزجاج: (أي: شجره، يشبه بعضه بعضًا ﴿وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ في الطعم) (٥). وقوله تعالى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ﴾ قال عبد العزيز بن يحيى: (نظر الاستدلال والعبرة) (٦)، وقال أبو روق: (اعتبروا واتعظوا) (٧)، ﴿إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾، قال الفراء: (يقول: انظروا إليه أول ما يعقد) (٨)، والثمر: جمع ثمرة مثل: بقرة وبقر وشجرة وشجر وجزرة وجزر، وقد كسروها على فِعال، كما قالوا: أكمة وأكام ورقبة ورقاب (٩).

стр. 4569

وقرأ حمزة والكسائي (ثُمُرِه) بضم الثاء (١) والميم، وله وجهان: الأبين أن يكون جمع ثمرة على ثُمُر، كما قالوا: خشبة وخُشُب؛ قال الله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: ٤] وكذلك أكمة وأكم، ثم يخففون [فيقولون] (٢): أكم (٣) قال: ترى الأكم منه (٤) سجدًا للحوافر (٥) ونظيره من المعتل ساحَة وسُوْح (٦) وقارَة وقور، ولابهَ (٧) ولُوب، وناقة ونُوق. والوجه الآخر: أن يكون جمع ثمرة على ثمار، ثم جمع ثمارًا على ثُمرٍ، فيكون ثُمر جمع الجمع (٨).

стр. 4570

وقوله تعالى: ﴿وَيَنْعِهِ﴾ الينع: النضج (١). قال أبو عبيدة: (يقال: يَنَع يَيْنَع بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل) (٢)، وأنشد: حَوْلَهَا الزَّيْتُونُ قَدْ يَنَعَا (٣)

стр. 4571

وقال الليث: (ينعت الثمرة، بالكسر، وأينعت، فهي [تينع] (١) وتونع إيناعًا، ويَنعًا بفتح الياء، ويُنعًا [بضهما] (٢)، والنعت يانِع ومونِع) (٣). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يريد: يصدّقون أن الذي أخرج هذا النبات قادر على أن يحيى الموتى ويبعثهم. قال أبو إسحاق (٤): (احتج الله بتصريف ما خلق، ونقله من حالٍ إلى حالٍ بما يعلمون أنه لا يقدر عليه [المخلوقون] (٥)، وأعلم أنه كذلك يبعثهم؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث فقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، أعلمهم أن فيما قصّ عليهم دليلًا [لمن صدّق]) (٦). ١٠٠ - قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ قال الحسن: (معناه: أطاعوا الشياطين في عبادة الأوثان) (٧)، وهو اختيار الزجاج قال: (المعنى: أنهم أطاعوا الجن فيما سوّلت من شركهم فجعلوهم شركاء لله) (٨).

стр. 4572

وذكر الفراء (١) وأبو إسحاق (٢) في نصب (الجن) وجهين: (أحدهما: أن يكون الجن مفعولاً فيكون المعنى: وجعلوا لله الجن شركاء، ويكون الشركاء مفعولاً ثانياً. والثاني (٣): أن يكون الجن بدلاً من الشركاء ومفسراً للشركاء) (٤). وقوله تعالى: (وَخَلَقَهُمْ) يجوز أن تعود الكناية على هؤلاء الذين جعلوا لله شركاء، والمعنى: وجعلوا لله الذي خلقهم شركاء لا يخلقون، ويجوز أن تعود الكناية على الجن، فيكون المعنى: والله خلق الجن، فكيف يكون الشريك لله ، المحدث الذي لم يكن ثم كان (٥). وقوله تعالى ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾، قال المفسرون (٦): (يعني: كفار العرب الذين قالوا: الملائكة بنات الله). قال ابن عباس: يريد: افتعلوا له بنين وبنات) (٧).

стр. 4573

وقال قتادة (١) وابن زيد (٢) ومجاهد (٣) وابن جريج (٤): (كذبوا). وقال الفراء: (معنى ﴿وَخَرَقُوا﴾: افتعلوا ذلك كذباً وكفراً، قال: [وخَرَقوا] (٥) واخترقوا وخلقوا واختلقوا وافتروا واحد (٦)، يقال (٧): خلق فلان الكلمة واختلقها واخترقها وخرّقها إذا افتعلها وابتدعها كذباً)، الليث: (تخرّق الكذب وتخلقه) (٨).

стр. 4574

وقال الزجاج: (معنى خرقوا واختلقوا: كذبوا) (١)، وقرأ (٢) نافع: (وَخَرَّقُوا) (٣) مشددة، والاختيار التخفيف؛ لأنها أكثر، والتشديد للمبالغة والتكثير (٤). وزعمت النصارى أن المسيح ابن الله، واليهود أن عزيزاً ابن الله، فأعلم الله أنهم اختلقوا ذلك ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: لم يذكروه عن علم، إنما ذكروه تكذباً، قاله (٥) الزجاج، وقال غيره: معناه ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ منهم أن هذا لا يجوز على القديم جل وعز، فهو داخل في الذم لهم (٦). ١٠١ - قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ أي: من أين يكون له ولد ولا يكون الولد إلا من صاحبه

стр. 4575

﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ احتج جل وعز في نفي الولد بأنه خالق كل شيء، وليس كمثله شيء, فكيف يكون الولد لمن لا مثل له، وإذا نسب إليه الولد فقد جعل له مثل (١)، فالآية متضمنة للحجة على استحالة أن يكون لله ولد؛ لأن ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ لا مثل له، والولد لا يصح إلا مع المماثلة. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ قال ابن عباس: (لأنه هو الخالق لخلقه) (٢). ١٠٢ - قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ارتفع ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ على أنه خبر ابتداء محذوف، كأنه قيل: هو خالق كل شيء؛ لأنه لما تقدم ذكره استغنى عن هو (٣). وقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ قال ابن عباس: (فأطيعوه) (٤)، وقيل: وحدوه (٥). وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ قد ذكرنا معنى الوكيل (٦) في صفة الله تعالى، وقال بعض أصحاب المعاني: (إنما جاز وصف القديم

стр. 4576

بأنه وكيل فيما هو مالك, لأنه لما كانت منافع مملوكاته لغيره وجلّ عن أن تلحقه المنافع والمضار صحت هذه الصفة في هذه الجهة من حيث إن له أن يصرف ما هو مالك له، ثم التصريف فيما يدبره بمنزلة ما يدبره الوكيل فيما تعود منافعه على غيره، فهو على كل شيء وكيل بالحفظ له والتدبير) (١). ١٠٣ - قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ الآية. احتج نفاة الرؤية (٢) بهذه الآية على أهل السنة (٣) فقالوا: أخبر الله تعالى أن الأبصار لا تدركه، وإنما قال هذا على سبيل التمدح، وما نفى عن نفسه على سبيل التمدح به وجب أن يكون ذلك على التأييد كقوله: ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: ١٦٣]، و ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] (٤). والجواب [عن] (٥) هذا من وجوه: أحدها: أن الإدراك غير الرؤية لأنه يصح أن يقال: رآه وما أدركه،

стр. 4577

ويدل على هذا قوله تعالى إخباراً عن قوم موسى ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا﴾ [الشعراء:٦١ - ٦٢] وكان قوم فرعون قد رأوا قوم موسى ولم يدركوهم، [و] (١) الدليل على ذلك قوله تعالى ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ [الشعراء: ٦١] أي: رأى أحدهما الآخر، وكان الله تعالى قد (٢) وعد موسى أنهم لا يدركونه بقوله تعالى: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧]. وقولهم: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١] يريدون أنهم قد قربوا من إدراكهم إياهم، ألا ترى أن موسى نفى ذلك بقوله: (كلّا)، وهذا مذهب جماعة من المفسرين (٣) قالوا: [معنى] (٤) الإدراك: الإحاطة بكنه الشيء وحقيقته، فالأبصار ترى الباري ولا تحيط به، كما أن القلوب تعرفه ولا تحيط به، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] قال سعيد بن المسيب في تفسير قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾: (لا تحيط به الأبصار) (٥). وقال ابن عباس في رواية عطاء: (كلت (٦) أبصار المخلوقين عن

стр. 4578

الإحاطة به) (١)، وقال الزجاج: (معنى إدراك الشيء: الإحاطة بحقيقته، وقد ينظر الرجل إلى الشيء ولا يدركه)، ثم احتج على أن معنى الإدراك هاهنا الإحاطة بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فقال: (أعلم الله تعالى أنه يدرك الأبصار، وفي هذا الإعلام دليل أن خلقه لا يدركون الأبصار، أي ة لا [يعرفون] (٢) [كيف] (٣) حقيقة البصر، وما الشيء الذي صار به الإنسان يبصر من عينيه دون أن يبصر من غيرهما من سائر أعضائه، فأعلم جل وعز أن خلقاً من خلقه لا يدرك المخلوقون كنهه ولا يحيطون بعلمه، فكيف به جل وعز والأبصار لا تحيط به) (٤)، قال أصحابنا فعلى هذا نقول: الباري يُرى ولا يُدرك؛ لأن معنى الإدراك هو: الإحاطة بالرؤية بالمرئي، وإنما يجوز ذلك على من كان محدوداً وله جهات، والقديم (٥) الذي لا نهاية لوجوده يُرى ولكن لا يُدرك، وعلى هذا القول فاقد قلنا بظاهر الآية.

стр. 4579

الوجه الثاني: تخصيص الآية، وهو قول جماعة من المفسرين أيضاً، قال ابن عباس: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ (ينقطع عنه في الدنيا) (١)، وقال مقاتل: (لا تراه الأبصار في الدنيا، وهو يُرى في الآخرة) (٢)، وعلى هذا القول لا فرق بين الرؤية والإدراك، وهو مذهب شيخنا أبي الحسن (٣)؛ لأنه لا يفرق بينهما، ويقول: (معنى الآية ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ في الدنيا، قال: والدليل على أن هذه الآية مخصوصة بالدنيا قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] وهذه الآية مطلقة، وقوله ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ [القيامة: ٢٢] مقيد، والمطلق يحمل على المقيد، فلما كان قوله ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ يوجب نفي الرؤية، وقوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] يوجب الرؤية، ولا يجوز التضاد، قلنا: الذي نفاه أراد به في الدنيا، والذي أثبته أراد به في الآخرة) (٤).

стр. 4580

الوجه الثالث: ما قاله السدي وهو أنه قال: (البصر بصران، بصر معاينة، وبصر علم) (١)، وكذا هو في اللغة، قال الليث: (البَصَر: العين، والبَصَر: نفاذ في القلب. قال: فمعنى قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ لا يدركه علم العلماء، ونظيره ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] (٢)، وهذا وجه حسن، وأما قولهم: إن هذا على سبيل التمدح، قلنا: ليس كذلك؛ لأنه ليس في أن يستحيل أن يرى استحقاق مدح، ألا ترى أن كثيراً من الأشياء الناقصة يستحيل أن يرى كالكفر والجهل، ثم لا يجب (٣) لها بذلك صفة مدح، فليس بأن يستحيل أن يرى تمدح؟، وإنما معنى الآية: أنه منع الرائين من رؤيته في الدنيا ولا يقدر أحد على أن يمنعه من رؤيته له، فهذا وجه التمدح، وهو معنى الآية، وعلى هذا الوجه، قال ابن عباس في قوله ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ قال: (يرى ولا يُرى، ولا يخفى عليه شيء ولا يفوته) (٤). وإنما خص الأبصار بإدراكه إياها مع أنه يدرك كل شيء تحقيقاً

стр. 4581

للمعنى الذي ذكرنا؛ لأن غير الباري لا يجوز أن يرى البصر، ولا يراه البصر، وقد يرى غير البصر، ولا يراه البصر، فلا يبعد ذلك (١) وذكرنا قول الزجاج في معنى ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ قال الأزهري: (اللطيف من أسماء الله [ومعناه] (٢) الرفيق بعباده) (٣)، وقال عمرو بن أبي (٤) عمرو، عن أبيه (٥): (اللطيف الذي يوصل إليك أَرَبَك في رفق) (٦)، وقال أبو العباس (٧) عن ابن الأعرابي: ([يقال] (٨): لطف فلان لفلان يلطف: إذا رفق، لطفاً، ويقال: لطف الله لك، أي: أوصل إليك ما تحب برفق) (٩)، وقال الليث: (اللَّطف: البِرُّ والكرامة، وأمٌّ لطيفةٌ بولدها، وفلان لَطيفٌ

стр. 4582

بهذا الأمر أي: رفيق) (١)، قال ابن عباس: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ﴾ بأوليائه ﴿الْخَبِيرُ﴾ بهم) (٢). ١٠٤ - قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية. البصائر: جمع البصيرة، وهي الدلالة التي توجب إبصار النفوس للشيء، ومنه يقال للدم الذي يستدل به (٣) على القتيل: بصيرة (٤)؛ قال ابن عباس: (يريد: رشداً أو بياناً، وهدىً من ربكم) (٥)، وقال الكلبي: (يعني: بينات القرآن) (٦)، وقال الزجاج: (أي قد جاءكم القرآن الذي فيه البيان والبصائر) (٧). وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾ قال ابن عباس: (يريد: فمن اهتدى فلنفسه ﴿وَمَنْ عَمِيَ﴾ يريد: عن سبيل الهدى، فعليها) (٨)، وقال الكلبي: (﴿فَمَنْ أَبْصَرَ﴾ صدّق بالقرآن، وآمن بمحمد ﷺ ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ عمل

стр. 4583

﴿وَمَنْ عَمِيَ﴾ عن الحق فلم يصدّق، فعلى نفسه جنى العذاب) (١)، وقال الزجاج: (المعنى: فلنفسه نفع ذلك ﴿وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾، أي: فعلى نفسه ضرر ذلك، لأن الله جل وعز غني عن خلقه) (٢). وقوله: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: ما أدفع عنكم ما يريد الله بكم) (٣)، وقال الكلبي: (﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ [أي: برقيب أحصي عليكم أعمالكم (٤)] أي: إنما أنا رسول أبلغكم عن ربي، وهو الحفيظ عليكم الذي لا يخفى عليه شيء من أفعالكم) (٥)، ونحو هذا قال الحسن: (أي: برقيب على آعمالكم حتى أجازيكم بها) (٦)، قال أبو إسحاق (٧): (أي: لست آخذكم بالإيمان أخذ الحفيظ عليكم، والوكيل، وهذا قبل الأمر بالقتال، فلما أُمر (٨) بالقتال صار حفيظاً عليهم، ومسيطراً على كل من تولى).

стр. 4584

١٠٥ - قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾، قال الزجاج: (موضع الكاف التي في أول (كذلك) نصب، المعنى: ونصرف الآيات مثل ما صرفناها فيما تلي عليكم) (١)، وقال غيره من النحويين (٢): (المعنى: نصرف الآيات في غير هذه السورة مثل التصريف في هذه السورة، فهو في موضع صفة المصدر، كأنه قيل: تصريفاً مثل هذا التصريف) (٣)، وذكرنا معنى تصريف الآيات في هذه السورة قبل. وقال ابن عباس في هذه الآية: ((﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ﴾ (٤) نبيّن الآيات في القرآن في كل وجه ندعوهم بها ونخوّفهم) (٥). وقوله تعالى: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ قال أبو بكر (٦): (دخلت الواو في ﴿وَلِيَقُولُوا﴾ عطفاً على مضمر، التقدير: وكذلك نصرف الآيات لنلزمهم الحجة ﴿وَلِيَقُولُوا﴾ فحذف المعطوف عليه لوضوح معناه) (٧).

стр. 4585

وأما (درست) (١). فقال أبو زيد: (درسْت أدرس دِراسة وهي القراءة، وقال: وإنما يقال ذلك إذا قرأت على غيرك) (٢)، وقال ابن الأعرابي: (درست الكتاب أدرسُه دَرْساً ودراسةً، أي: ذللته بكثرة القراءة) (٣). قال الأصمعي: (أصل درس الكتاب من قولهم: درس الطعام إذا داسه يدرسه دِراساً، والدِّراس الدِّياس بلغة أهل الشام. قال وأنشدني ابن ميادة (٤): يكفيك من بعض ازدياد الآفاق ... سَمْرَاءَ مما دَرَسَ ابن مِخْرَاقْ (٥) أي: داس: يعني حنطةً سمراء، قال: ودرس السورة من هذا، أي: يدرسها، فيخف على لسانه) (٦)، وقال أبو الهيثم: (درست الكتاب، أي: ذللته بكثرة القراءة حتى خَفّ حِفظه عليّ، من قولهم: دَرَسْتُ الثوبَ أدرُسه دَرْساً فهو مَدْرُوس وَدَرِيس، أي: أَخْلَقْتُه، ومنه قيل للثوب الخَلَق: دِريس، لأنه قد لان. وقال كعب بن زهير (٧):

стр. 4586

وفي الحِلْم إدْهان وفي العَفو دُرْسة ... وفي الصِّدق مَنْجاةُ من الشر فاصدْق (١) قال: الدُّرْسةُ: الرياضة، ومنه درست السورة حتى حفظتها) (٢)، وهذا القول قريب مما قاله الأصمعي بل هو نفسه، لأن المعنى فيهما يعود إلى التذليل والتليين (٣). قال ابن عباس: ﴿وَلِيَقُولُوا﴾ (يعني: أهل مكة حين تقرأ عليهم القرآن ﴿دَرَسْتَ﴾ يقولون: تعلمت من يسار (٤) [أبي فكيهة] (٥) وجبر (٦) مولى قريش، وقرأت علينا تزعم أنه من عند الله) (٧)، وفي قول ابن عباس تعلّمت

стр. 4587

دليل على أن معنى ﴿دَرَسْتَ﴾ قرأت على غيرك. وأخبرنا سعيد بن (١) محمد ﵀ أنبا ابن مقسم (٢) العطار ببغداد عن أبي إسحاق (٣) النحوي قال: (معناه: وليقولوا قرأت كتب أهل الكتاب) (٤)، وقال الفراء: (يقولون: تعلمت من يهود) (٥)، وأخبرني العروضي (٦) عن الأزهري، قال: أخبرني المنذري (٧) عن أبي العباس (٨) في قول الله تعالى: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ قال: (معناه وكذلك نبين لهم الآيات من هنا وهنا لكي يقولوا إنك دَرَسْت، أي: تعلمت، أي: هذا الذي جئت به [عُلِّمتَ] (٩) (١٠). وقرأ ابن كثير (١١) وأبو عمرو (دَارسْت) وهو قراءة ابن عباس (١٢)

стр. 4588

ومجاهد (١)، وفسرها (قرأت على اليهود وقرؤوا عليك). وقال الزجاج (٢) وأبو علي: (أي: دارست أهل الكتاب وذاكرتهم ويقوّي هذه القراءة قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤]، (٣)، وقرأ ابن عامر: (دَرَسَتْ) أي: هذه الأخبار التي تلوتها علينا قديمة، قد درست وانمحت ومضت، من الدرس الذي هو تعفي الأثر وامحاء الرسم (٤). قال الأزهري: (من قرأ (دَرسَتْ) (٥) فمعناه: تقادمت، أي: هذا الذي تتلوه علينا شيء قد تطاول ومرّ، من قولهم: درس الأثر يدرس درساً) (٦).

стр. 4589

فأما معنى اللام في قوله: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ فقال أبو بكر: (وأما تصريف الآيات فليسعد بها قوم بفهمها والعمل بما فيها، ويشقى آخرون بالإعراض عنها، فمن يقول للنبي: ((دارست) أو (درست) فهو شقي، ومن يتبين الحق فيها ويعمل [بها] (١) سعيد) (٢)، ويقوي هذا الذي قاله أبو بكر قوله تعالى: ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٥] قال ابن عباس: (يريد: أولياءه الذين هداهم إلى سبيل الرشاد) (٣)، وقال أبو إسحاق: (إن السبب الذي أداهم إلى أن قالوا: (درست) هو تلاوة الآيات عليهم، وهذه اللام يسميها أهل اللغة: لام الصيرورة (٤)، وهو كقوله : ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] وهم لم يلتقطوه يطلبون بأخذه أن يعاديهم، ولكن كانت عاقبة الأمران صار ﴿لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ كما [يقول] (٥): كتب فلان هذا الكتاب لحتفه، وهو لم يقصد بالكتاب أن يهلك نفسه، ولكن العاقبة كانت الهلاك) (٦)، ومعنى هذا

стр. 4590

الكلام يعود إلى معنى قول أبي بكر، لأن المعنى: أن تصريف الآيات صار سبباً لمقالتهم هذه، وذلك للشقاوة التي لحقتهم وقضيت عليهم، وهذا يدل على أن الله تعالى جعل تصريف الآيات سبباً لضلالة قوم وشقوتهم بما قضى عليهم في الأزل من الضلالة، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] (١). ١٠٧ - قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾، قال الزجاج: (أي: لو شاء لجعلهم مؤمنين) (٢)، وهذا نص صريح في أن شركهم كان بمشيئة الله تعالى (٣).
следующие страницы →