← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.

стр. 5111

وقال الزجاج: (إنما (١) أخذوا بالضر لأن أحوال الشدة ترق القلب وترغب فيما عند الله وفي الرجوع، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧]، وقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾) (٢) [فصلت: ٥١]. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾، قال ابن عباس: (يريد: كي تتعظوا) (٣). وقال أهل المعاني: (في العل) من الله تعالى أن معناه: أنه عاملهم معاملة الشاك إظهاراً للعدل بعد معرفته وعلمه أنَّهم يذّكرون أم لا. كما جاء الابتلاء والاختبار من الله تعالى للعبد على هذا التقدير) (٤). ١٣١ - قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾، قال ابن عباس (٥) والمفسرون (٦): (معنى ﴿الْحَسَنَةُ﴾ يريد بها: الغيث والخصب والثمار والمواشي والألبان والسعة في الرزق، والعافية والسلامة). وقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾. أي: أنَّا مستحقوه (٧) على العادة التي

стр. 5112

جرت لنا من نعمنا وسعة أرزاقنا في بلادنا , ولم يعلموا أنه من الله فيشكروا عليه، ويقوموا بحق النعمة فيه. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ يريد: القحط والجدب والمرض والبلاء والضرّ، ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾، أي: يتشاءموا، وقالوا: إنما أصابنا هذا الشر بشؤم موسى وقومه، والتطير: التشاؤم في قول جميع المفسرين (١). وقوله تعالى: ﴿يَطَّيَّرُوا﴾ هو في الأصل يتطيروا، فأدغمت التاء في الطاءة لأنهما من مكان واحد من طرف اللسان وأصول الثنايا (٢). وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾. قال ابن عباس: (يريد شؤمهم عند الله) (٣)، يريد من قبل الله، أي: إنما جاءهم الشؤم بكفرهم بالله وجرأتهم (٤) عليه. وقال الكلبي: (يقول إن الذي أصابهم هو من الله) (٥)، وهذا قول

стр. 5113

أكثر المفسرين (١) في الطائر أن معناه هاهنا: الشؤم، ومثل هذا قوله تعالى في قصة ثمود وتشاؤمهم بنبيهم: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٤٧]. قال الفراء: (كما تشاءمت اليهود بالنبي ﷺ بالمدينة، فقالوا (٢): غلت أسعارنا، وقلت أمطارنا مُذْ أتانا) (٣). قال الأزهري: (وقيل للشؤم: طائر وطَيْر وطِيَرة؛ لأن العرب كان من شأنها عِيَافَةُ الطير وزجرها، والتَّطيُّر ببارحها، وبِنَعيق غربانها، وأخذها ذات اليسار إذا أثاروها، فَسَمَّوا الشؤم طَيْراً وطائِراً وطِيَرَة لتشاؤمهم بها. ثم أعلم الله تعالى على لسان رسوله أن طِيَرَتهم باطلة فقال: "لا طِيَرة ولا هام" (٤)، وكان النبي ﷺ (٥) يتفاءل ولا يَتَطَير (٦)، وأصل الفأل الكلمة

стр. 5114

الحسنة يَسمعُها عليل فيتأول فيها ما يدل على برئه، والطيرة مضادة للفأل، وكانت العرب مذهبها في الفأل والطِّيَرة واحد (١)، فأثبت النبي ﷺ الفأل واستحسنه، وأبطل الطِّيَرة ونهى عنها) (٢). وقال أبو عبيدة في قوله: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾: (أي: حظهم) (٣)، وهذا معنى ما روي عن ابن عباس أنه قال: (طائرهم ما قُضِي عليهم وقُدر لهم) (٤). والعرب تقول: أطرت المال وَطيَّرته بين القوم فَطَار لكل (٥) منهم سَهْمُه، أي: صار له (٦). ومنه الحديث: "أطره خُمراً بين نسائك" (٧) أي:

стр. 5115

فرقة، وطائر كل واحد ما يطير له أي: يخصه، ومنه قول لبيد: تَطِيرُ عَدَائِدُ الأشْرَاكِ شَفْعاً ... وَوِتْراً والزَّعَامَةُ لِلْغُلَامِ (١) الأشراك: الأنصباء واحدها شرك أي: قسم المال للذكر مثل حظ الأنثيين فطارت الأنصاب شفعاً ووتراً لمستحقيها، وخلصت الرئاسة للذكور من الأولاد (٢)، وليس هذا من باب الشؤم والتطير في شي، وكلا القولين قد حكاه الزجاج؛ فقال في قوله: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾: (ألا إنما الشؤم الذي يلحقهم هو الذي وعدوا به في الآخرة لا (٣) ما ينالهم في الدنيا). [قال: (وقال بعضهم (٤): ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ حظهم، والمعنى واحد) (٥)، فجعل تفسير قوله: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ ما وعدوا في الآخرة مما ينالهم في الدنيا] (٦)، يريد: أن جميع ما يصيبهم في الدنيا والآخرة هو من الله تعالى، وجعل معنى القولين في الطائر واحداً وإن اختلف الأصلان؛ لأن المعنى فيهما: ما يصيبهم من شرّ وضرّ.

стр. 5116

وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قال الكلبي (١): (يعني: أهل مصر لا يعلمون أن الذي أصابهم من الله تعالى (٢). ١٣٢ - قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا﴾ يعني: آل فرعون لموسى ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا﴾؛ اختلف النحويون (٣) في أصل ﴿مَهْمَا﴾ على قولين: أحدهما: أن أصلها (ما ما) الأولى هي (ما) الجزاء، والثانية: هي التي (٤) تزاد توكيداً للجزاء، كما تزاد في سائر حروف الجزاء كقولهم: أمَّا ومتى وكيفما (٥)، قال الله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧] وهو كقولك: إن تثقفنهم، ثم أبدلوا من ألف (ما) الأولى هاء (٦) كراهة لتكرار اللفظ فصار (مهما)، هذا قول الخليل (٧) ومذهب البصريين. وقال الكسائي: (الأصل مه (٨) التي بمعنى: الكف، أي: اكفف دخلت على (ما) التي للجزاء كأنهم قالوا: اكفف ما تأتنا به من آية) (٩).

стр. 5117

قال الزجاج: (والتفسير الأول هو الكلام، وعليه استعمال الناس) (١). وقال بعضهم: (هي كلمة على حيالها يجازى بها فيجزم ما بعدها على تقدير إن) (٢). ١٣٣ - قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾. اختلفت الرواية عن ابن عباس في تفسير ﴿الطُّوفَانَ﴾؛ فقال في رواية عطاء: (الموت (٣)) (٤) قال: (وكل طوفان في القرآن هو الغرق سوى هذا) (٥). وهو قول مجاهد (٦). وروي ذلك مرفوعاً، أخبرناه العروضي ﵀ قراءة وسعيد بن العباس القرشي (٧) كتابة قالا: أبنا (٨) الأزهري، أبنا المنذري عن أبي بكر الخطابي (٩) عن محمد بن يزيد (١٠)، عن يحيى بن يمان (١١) عن المنهال بن

стр. 5118

خليفة (١) عن الحجاج (٢) عن الحكم بن ميناء (٣) عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "الطوفان الموت" (٤). وقال في رواية الضحاك (٥): (الطوفان الغرق).

стр. 5119

وقال في رواية أبي ظبيان (١): (الطوفان أمر من أمر الله [طاف] (٢) بهم) ثم قرأ: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٣) [القلم: ١٩]. وروي عنه أيضاً أنه قال: (الطوفان هو الماء؛ أرسل الله عليهم السماء) (٤)، وهذا القول اختيار الفراء فقد قال: (أرسل الله عليهم [السماء] (٥) سبتاً (٦) فلم تقلع ليلاً ولا نهاراً، فضاقت بهم الأرض من تهدم بيوتهم وشغلهم عن ضياعهم فسألوه أن يرفع عنهم فرفع فلم يتوبوا) (٧)، وهذه الأقوال غير خارجة عن مذهب أهل اللغة (٨)؛ فقال الليث (٩): (الطوفان الماء الذي يغشى كل مكان، وشبه العجاج ظلام الليل بذلك فسماه طوفاناً حيث يقول: وَعمَّ طُوفَانُ الظلامِ الأثأبَا (١٠)

стр. 5120

وقال أبو إسحاق: (الطوفان من كل شيء ما كان كثيراً محيطاً مطيفاً بالجماعة كلها كالغرق الذي يشمل المدن الكثيرة، يقال له: طوفان، وكذلك القتل الذريع طوفان، والموت الجارف طوفان) (١) انتهى كلامه. وهو فعلان (٢) من الطواف (٣)؛ لأنه يطوف حتى يعم، قاله الأخفش، قال: (وواحدته في القياس طوفانة) (٤). وأنشد: غيَّرَ الْجِدَّةَ من آياتها ... خُرُقُ الرِيحِ وطُوفَانُ المَطَرْ (٥) وقال أبو العباس: (الطوفان مصدر مثل الرجحان والنقصان، ولا حاجة به إلى أن نطلب له واحداً) (٦). وأكثر المفسرين على أن معناه هاهنا: المطر الكثير (٧)، فقد قال ابن

стр. 5121

عباس وسعيد بن جبير وقتادة ومحمد بن إسحاق (١): (لما أبى (٢) فرعون وقومه الإيمان دعا عليهم موسى، فقال: يا رب إن عبدك فرعون بغى وعتا، وإن قومه قد نقضوا عهدك، رب فخذهم بعقوبة، فأرسل الله عليهم السماء بالماء فامتلأت بيوت القبط ماء حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم من جلس منهم غرق، ولم يدخل بيوت بني إسرائيل من الماء قطرة، ودام ذلك عليهم سبعة أيام، فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا فنؤمن لك، فدعا ربه فرفع عنهم الطوفان، فلم يؤمنوا، فأنبت الله لهم في تلك السنة ما لم ينبته قبل ذلك من الكلأ والزرع، فقالوا: هذا ما كنا (٣) نتمنى وما كان ذلك الماء إلا نعمة علينا، فبعث الله عليهم الجراد) وهو معروف، والواحدة: جرادة (٤) ونبت مجرود قد أكل الجراد زورقه (٥). [وقال اللحياني: (أرض جَرِدَة ومَجرُودَة قد لحسها الجراد) (٦) وإذا

стр. 5122

أصاب الجراد الزرع] (١) قيل: جُرِد الزرع، وأصل هذا كله من الجَرْد وهو: أخذك الشيء من الشيء جرفاً وسحقاً، ومن هذا يقال للثوب الذي قد ذهب زِئْبِرُه (٢): جَرْد، وأرض جَرْداء: لا نبات فيها، ومكان أجْرَد (٣). قالوا: (فأكلت الجراد عامة زروعهم (٤) وثمارهم حتى إن كانت لتأكل الأبواب والسقوف حتى تقع دورهم ولا تدخل بيوت بني إسرائيل فعجّوا وأعطوا موسى عهد الله لئن كشف الله ذلك أن يؤمنوا، فدعا موسى فكشف الله الجراد بعد ما أقام عليهم سبعة أيام، وكان قد بقيت من غلاتهم بقية. فقالوا: قد بقي لنا ما هو كافينا فما نحن بتاركي ديننا، فبعث الله عليهم القُمّل). واختلفوا فيه. فقال ابن عباس في رواية عطاء: (هو الدبى) (٥) [ومثل ذلك روى الوالبي عنه (٦).

стр. 5123

وهو قول مجاهد (١) والسدي وقتادة (٢) والكلبي (٣) قالوا: (القمل الدبى (٤): الصغار التي لا أجنحة لها] (٥)). وقال عكرمة: (هي بنات الجراد) (٦). وهذا القول هو اختيار الفراء قال: (القُمّل الدبا التي لا أجنحة لها) (٧). وقال (٨) في رواية سعيد بن جبير: (القُمّل: هو السوس الذي يخرج من الحنطة). وهو قول الحسن وسعيد بن جبير قالا (٩): (القُمّل: دواب سود صغار) (١٠). وهو قول الليث في القُمَّل. قال: (هو الذّر الصغار) (١١).

стр. 5124

وقال ابن السكيت: (القُمَّل شيء يقع في الزرع ليس بجراد فيأكل السنبلة وهي غضة قبل أن تخرج، فيطول الزرع ولا سنبل له) (١)، [قال] (٢) الأزهري: (وهذا هو الصحيح) (٣). وذكره عطاء (٤). قالوا: (فتتبع القُمّل ما بقي من حروثهم وأشجارهم فأكله ولحس الأرض كلها) هذا على قول من قال: إنه الدبى، ومن قال: إنه السوس، فقال سعيد بن جبير: (كان الرجل يخرج عشرة أقفزة (٥) إلى الرحى فلا يرد منها إلا ثلاثة أقفزة). وقال أبو عبيدة (٦) والأخفش (٧): (القُمل عند العرب: الحمنان وهي ضرب من القردان). وروى أبو عبيد عن أبي الحسن العدوي (٨): (القمل

стр. 5125

دواب صغار من جنس القردان إلا أنها أصغر منها، واحدتها قُمَّلة) (١) ويؤكد هذا القول ما روي عن أبي العالية (٢) في تفسير هذا الحرف قال: (أرسل الله الحمنان على دوابهم فأكلها حتى لم يقدروا على الميرة) (٣). قالوا: (وكان القمل يدخل (٤) بين ثوب أحدهم وبين جلده (٥) فيعضه، وأخذت أشعارهم وأبشارهم ولزم جلودهم كأنه الجُدري عليهم، ومنعهم النوم والقرار، وكل هذا من فعل القُراد، فصرخوا وصاحوا إلى موسى: إنا نتوب ولا نعود فادعُ لنا ربَّك، فدعا (٦) موسى، فرفعَ الله القملَ عنهم، فنكثوا وعادوا لأخبثِ أعمالِهم، فدعا موسى عليهم فأرسل الله عليهم الضفادع يدخل في طعامهم وشرابهم وأوانيهم وفرشهم، فكان أحدهم يُصبح وهو (٧) على فراشه متراكب، ويجلس الرجل إلى ذَقَنه في الضفادع ويهمّ أن يتكلم فيثب الضفدع في فيه، فبكوا وشكوا إلى موسى وقالوا: هذه المرة نتوب ولا نعود، فأخذ عهودهم ومواثيقهم ثم دعا ربه فكشف عنهم الضفادع فعادوا لكفرهم وتكذيبهم، فدعا عليهم موسى فأرسل الله (٨) عليهم

стр. 5126

الدم، فسأل النيل عليهم دمًا، وصارت مياههم كلها دمًا، فكان الإسرائيلي إذا اغترف صار ماء، والقبطي يغترف دمًا) (١). وقوله تعالى: ﴿آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾. قال المفسرون: (كان العذاب يمكث (٢) عليهم من السبت إلى السبت، وبين العذاب إلى العذاب شهر، فذلك معنى قوله: ﴿آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾ (٣). وقال مجاهد: ﴿مُفَصَّلَاتٍ﴾: مبينات ظاهرات) (٤). قال الزجاج: (و ﴿آيَاتٍ﴾ منصوبة على الحال (٥)، [وقوله: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾. قال ابن عباس (٦): (يريد: عن عبادة الله)] (٧). ١٣٤ - قوله (٨) تعالى: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾، ذكرنا معنى ﴿وَقَعَ﴾

стр. 5127

عند قوله: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأعراف: ٧١]. وذكر (١) الكلام في ﴿الرِّجْزُ﴾ عند قوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا﴾ [البقرة: ٥٩] في البقرة، وهو اسم للعذاب الذي كانوا فيه من الجراد وما ذكر بعده، في قول ابن عباس (٢) والحسن (٣) ومجاهد وقتادة (٤). وقال سعيد بن جبير: ﴿الرِّجْزُ﴾ معناه هاهنا: الطاعون، وهو العذاب السادس؛ أصابهم فمات به من القبط سبعون ألف إنسان في يوم واحد) (٥).

стр. 5128

وقوله تعالى: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾. معنى العهد (١) في اللغة: المتقدم في الأمر، ومن هذا يقال للوصية: عهد؛ لأنه يتقدم فيه بالوثيقة، فمعنى قوله: ﴿بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾، (أي: بما أوصاك وتقدم إليك أن تدعوه به)، وهو قول أبي العالية (٢). وقال عطاء عن ابن عباس (٣): (بما نبأك واستخصك). وقال المؤرج: (بما أعلمك) (٤). وكل هذا يعود معناه إلى [معنى] (٥) الوصية والتقدم (٦). وقوله تعالى: ﴿وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، كانوا قد اخذوا بني إسرائيل بالكد الشديد (٧)، فوعدوا موسى -على دعائه بكشف العذاب عنهم- الإيمان به، والتخلية عن بني إسرائيل وإرسالهم معه يذهب بهم أين يشاء. وذكرنا هذا عند قوله: ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: ١٠٥]

стр. 5129

١٣٥ - قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ﴾. قال ابن عباس (١): (يريد: إلى الأجل الذي غرقهم (٢) الله فيه). وقوله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾، أي: ينقضون العهد ولا يوفون بما عاهدوا، وأصل النكث أن تنكث أخلاق (٣) الأخبية والأكسية فتغزل ثانية، وهي تسمى: أنكاثًا وواحدها نِكْثُ، والذي ينكثها نكاث، ثم يقال: نكَث فلان عهده إذا نقضه بعد إحكامه كما ينكث مخيط الصوف بعد إبرامه (٤). ١٣٦ - قوله تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾، معنى الانتقام في [اللغة] (٥)

стр. 5130

سلب النعمة بالعذاب (١)، قال الليث: (انتقم إذا كافأه عقوبة بما صنع) (٢). وقوله تعالى: ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾، أي: في البحر (٣) وأظنه (٤) قد مرَّ. وقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾؛ اختلفوا في الكناية في ﴿عَنْهَا﴾؛ فقيل: إنها تعود إلى النقمة التي دلت عليها (انتقمنا)، والمعنى: وكانوا عن النقمة قبل حلولها ﴿غَافِلِينَ﴾ (٥)، وعلى هذا دل كلام ابن عباس؛ لأنه قال في قوله: ﴿عَنْهَا﴾: (عما يراد بهم من الغرق) (٦). وقيل: الكناية تعود إلى الآيات، وهو اختيار الزجاج لأنه قال: (أي: كانوا لا يعتبرون بالآيات التي تنزل بهم) (٧).

стр. 5131

فإن قيل على هذا: إن الغفلة حال تعتري الإنسان تنافي (١) الفطنة، وليست من فعل الإنسان، فلم جاء الوعيد على الغفلة؟ والجواب: أنهم تعرضوا (٢) لها حتى صاروا لا يفطنون بها، وقيل: إن الغفلة هاهنا المراد بها الإعراض (٣) عن الآيات، وهم أعرضوا عنها حتى صاروا كالغافلين عنها (٤). ١٣٧ - قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ﴾ الآية. معنى أورثناهم الأرض أي: مكناهم فيها بعد إهلاك من كان بها مع الحكم بأن لهم أن (٥) يتصرفوا فيها (٦). وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾. معنى الاستضعاف في اللغة: طلب الضعف (٧) بالاستطالة والقهر، ثم كثر حتى صار استضعفته

стр. 5132

بمعنى: وجدته ضعيفًا بامتحاني إياه، كأنه طلب حال ضعفه بمحنته فوجده. قال مقاتل (١)، والمفسرون (٢): ﴿يُسْتَضْعَفُونَ﴾ أي: بقتل الأبناء واستحياء النساء. وقوله تعالى: ﴿مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾. [قال ابن عباس (٣) وغيره (٤): (يريد: مشارق أرض الشام ومصر، ومغاربها] (٥)، أي: جهات الشرق بها (٦) والغرب)، وهو قول الحسن وقتادة (٧). وقال مقاتل: (مشارق الأرض المقدسة ومغاربها) (٨)، فالأرض على هذا مخصوصة. وقال الزجاج: (فكان منهم داود وسليمان ملكا الأرض) (٩)، ذهب إلى أن الأرض هاهنا اسم الجنس ولم يخص (١٠).

стр. 5133

وقوله: ﴿الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ أي: بإخراج الزروع والثمار والنبات والأشجار والعيون والأنهار. وقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: مواعيد ربك التي لا خلف فيها ولا ناقض لها (١). ونحو ذلك قال الزجاج (٢) وغيره: (يعني: ما وعدهم الله من إهلاك عدوهم واستخلافهم في الأرض). قال مقاتل: (وهي الكلمة التي في القصص: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿يَحْذَرُونَ﴾ (٣) [القصص: ٥, ٦] وقال أهل المعاني: (معنى تمام الكلمة الحسنى: إنجاز الوعد الذي (٤) تقدم بإهلاك عدوهم واستخلافهم في الأرض، وإنما كان الإنجاز تمامًا (٥) للكلام لتمام (٦) النعمة به، وإنما قيل: ﴿الْحُسْنَى﴾ لأنه وعد بما يحبون) (٧). وقوله تعالى: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾. قال ابن عباس: (يريد: على عذاب فرعون وصنيعه بهم) (٨)، وهذا إخبار عن حسن عاقبة الصبر على الحق.

стр. 5134

وقوله تعالى: ﴿وَدَمَّرْنَا﴾. قال الليث (١): (الدمار استئصال الهلاك، يقال: دَمَرَ القومُ يَدْمُرُون دَمَارا، أي: هلكوا ودَمَرَهم مَقَتَهم ودمَّر عليهم تدميرًا) (٢). وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾. قال ابن عباس: (يريد: المصانع (٣)، ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾، أي: يسقفون من القصور) (٤) ونحو ذلك. قال مجاهد: (أي: يبنون البيوت والقصور والمساكن) (٥). قال الزجاج (٦): (يقال: عَرَشَ يعرُش [ويعرِش] (٧) إذا بني). وقال مقاتل: (أهلكنا ما عمل فرعون وقومه بأرض مصر وما بنوا من المنازل والبيوت) (٨).

стр. 5135

١٣٨ - قوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾، يقال: جاوز الوادي إذا قطعه وخلفه وراءه، وجاوز بغيره عبر به (١). ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾، قال ابن عباس: (يعبدونها مقيمين عليها) (٢). قال الزجاج: (يواظبون عليها و (٣) يلازمونها، يقال لكل من لزم شيئًا وواظب عليه (٤): عكَف يعكُف ويعكِف، ومن هذا قيل لملازم المسجد: معتكف) (٥)، وكل واحد من الكسر والضم في عينى الكلمتين لغة مثل: يعرُش ويعرِش ويبطُش (٦) ويبطِش.

стр. 5136

قال قتادة؛ (١): (كان أولئك القوم من لخم (٢) وكانوا نزولا بالرقة) (٣) وقال ابن جريج: (كانت تلك الأصنام تماثيل بقر وذلك أول شأن العجل) (٤). وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، قال عطاء: (يريد: من دون الله. ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ يريد: جهلتم نعمة ربكم وما صنع بكم) (٥). قال أهل المعاني: (هذه الآية تخبر عن جهل عظيم من بني إسرائيل؛ حيث توهموا أنه يجوز عبادة غير الله بعد ما رأوا الآيات التي توالت على قوم فرعون حتى غرّقهم الله في البحر بكفرهم وعبادتهم غيره، فلم يردعهم ذلك عن أن قالوا لنبيهم: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ (٦).

стр. 5137

١٣٩ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾. قال الليث: (التَّبار (١) الهلاك، تَبِرَ الشيءُ يَتْبَرُ تبارًا، والتتبير الإهلاك) (٢). ومنه قوله: ﴿تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ (٣) [الفرقان: ٣٩]. قال المفسرون: ﴿مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾ مهلك ومدمر (٤). وقوله تعالى: ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: أن عملهم للشيطان، وليس لله فيه نصيب) (٥). قال أهل المعاني (٦): (ومعنى البطلان انتفاء الشيء بعدمه أو بعدم معناه، والمعنى في بطلان عملهم: إنه لا يعود عليهم بنفع ولا بدفع ضر، فكأنه بمنزلة ما لم يكن من هذا الوجه، وهذا بيان عن حال من عمل لغير الله كيف يصير أمره إلى الهلاك وعمله إلى الشيطان (٧)).

стр. 5138

١٤٠ - قوله تعالى: ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا﴾، يقال: بغيت (١) فلانا شيئا وبغيته له، قال الله تعالى: ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ [التوبة: ٤٧] أي: يبغون لكم، وقال كعب بن زهير: إذا ما نَتَجْنَا أَرْبَعًا عام كُفْأَةٍ ... بَغَاها خَنَاسِيرًا فأهْلَكَ أَرْبَعا (٢) أي: بغى لها خناسير وهي الدواهي، وفي انتصاب قوله: ﴿إِلَهًا﴾ وجهان: أحدهما: الحال كأنه قيل: أطلب لكم غير الله معبودًا، ونصب (غير) في هذا (٣) على المفعول به. [الثاني: أن ينصب: ﴿إِلَهًا﴾ على المفعول به] (٤)، و (غير) على الحال المقدمة التي لو تأخرت كانت صفة، كما تقول: أبغيكم إلهًا غير الله (٥).

стр. 5139

وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: أكرمكم من بين الخلائق أجمعين) (١). وفي هذا قولان: أحدهما تخصيص ﴿الْعَالَمِينَ﴾ بأن يقال: عالمي زمانهم، وهو قول الحسن (٢) والمفسرين (٣)، والثاني: التفضيل (٤)، وهو أن يقال: أراد بقوله: ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ما خصهم (٥) به من الآيات وإرسال موسى وهارون نبيين منهم، وإهلاك عدوهم في البحر وإنجائهم منهم، إلى غير ذلك مما فضلوا فيه خاصًا على جميع العالمين، ثم غيرهم يفضلهم في غير هذه الآيات، مثال هذا: رجل يعلم علماً واحداً ففاخره إنسان يعلم كثيرا من العلوم ولا يعلم ذلك العلم الواحد، فصاحب العلم الواحد يفضل عليه (٦) بذلك العلم الواحد، ثم يفضل صاحب العلوم

стр. 5140

ويصير حقيقة الفضل له، ولكن لا ينكر تفضيل الأول عليه بما خُص به, وهذا قول أهل النظر (١)، وهذه الأية تضمنت توبيخا لهم حين (٢) طلبوا إلها غير الله، وهو الذي ينال كل الخير وكل النعم منه. ١٤١ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾. مفسر إلى آخر الآية في سورة البقرة (٣). ١٤٢ - قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾، قال أبو على الفارسي (٤) وغيره من النحويين (٥): (تقدير الآية: وواعدنا موسى انقضاء ثلاثين ليلة يترقب بعدها المفاجأة). وقد بينا هذا بيانًا شافيا في سورة البقرة (٦).

стр. 5141

قال ابن عباس (١) والمفسرون (٢): (كانت (٣) تلك الثلاثين ذو القعدة، أمره الله تعالى أن يصوم فيها ويتفرد للعبادة، ويعمل فيها بما يقربه إلى الله ليكلمه، فلما انسلخ الشهر استاك موسى لمناجاة ربه يريد إزالة (٤) الخلوف) (٥). وقال أبو العالية: (أكل من لحاء شجرٍ فأوحى الله إليه: يا موسى لا كلمتك حتى يعود فوك على (٦) ما كان عليه، أما علمت أن رائحة الصائم أحب إلي من ريح المسك، وأمره بصيام عشرة أيام من ذي الحجة ليكلمه بخلوف فيه، فذلك قوله: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾) (٧). وقوله تعالى: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾. الميقات (٨) ما قدر

стр. 5142

ليعمل فيه عمل من الأعمال، ولهذا قيل: مواقيت الحج، وهي المواضع التي (١) قدرت للإحرام به، فمعنى قوله: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾. أي: تم الوقت الذي قدره الله لصوم موسى وعبادته أربعين ليلة (٢). قال أبو علي الفارسي: (هذا كقولك: تم القوم عشرين (٣) رجلاً، والمعنى: تم القوم معدودين هذا العدد، كذلك تم الميقات معدودًا هذا العدد (٤)، وقد جاء (الميقات) في موضع (الميعاد)، كما جاء (الوقت) في موضع الوعد في قوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٨]، ومما يبين تقاربهما قوله: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ﴾ (٥) [الأعراف: ١٤٢]، وفي الأخرى ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة: ٥١]، وقال: ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ [البروج: ٢]، وقال: ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٨]، وقال: ﴿إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ (٦) [الواقعة: ٥٠]، فإن قيل فلم قال: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾، وقد دل ما تقدم على هذا؟، قيل: للبيان الذي لا يجوز معه توهم (٧) أتممنا الثلاثين بعشر منها. كأنه كان عشرين ليلة ثم أتم بعشر فصار ثلاثين (٨).

стр. 5143

وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾. يقال: (١) خَلَفَ فلان مكان فلان يَخْلُفُ (٢) إذا كان في مكانه. قال المفسرون: (فلما أراد موسى الانطلاق إلى الجبل استخلف أخاه هارون على قومي) (٣). وقال الفراء: (يقال: خلفتك، أي: كنت خليفتك، فأنا أخلفك خلافة) (٤). وقوله تعالى: ﴿وَأَصْلِحْ﴾. قال ابن عباس: (يريد: الرفق بهم والإحسان إليهم) (٥)، فعلى هذا معناه: وأصلح أمرهم، ﴿وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾، (أي: طريق العاصين). قاله ابن عباس والكلبي (٦)؛ كأنه يقول: لا تطع من عصى الله ولا توافقه على أمره. ١٤٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾، قال الزجاج: (أي: في الوقت الذي وقتنا له) (٧)، ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾. قال المفسرون: (خص الله

стр. 5144

تعالى (١) موسى ﵇ بأن أسمعه كلامه من غير أن يكون بينهما أحد، فلما سمع كلام الله تعالى ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾) (٢). قال الزجاج: (المعنى: أرني نفسك انظر إليك) (٣)، وهذا يقطع بأن موسى سأل رؤية الباري، ولو كانت الرؤيا لا تصح في وصفه ما سأل موسى ذلك؛ لأنه كان أعلم بالله من أن يسأله ما يستحيل في وصفه، وليس يحتمل قوله: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ إلا أنه سأله أن يريه نفسه لينظر إليه، وليس يصح أن يقال: إنه سأل أمرًا عظيما على تقدير: أرني أمرًا، أنظر إلى أمرك، ثم حذف المفعول والمضاف؛ لأن سياق الآية يدل على بطلان هذا، وهو قوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ ﴿فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ﴾. ولا يجوز أن يحمل جميع هذا على حذف المضاف، ولأنه لو سأل آية وأمرًا لأعطاه الله تعالى ما سأل كما أعطاه سائر الآيات، وأي معنى لإحالته على استقرار الجبل ووقوعه مغشيًا عليه، وتوبته بعد ذلك، هذا كله لا يكون في سؤاله أمرًا وعلامة (٤). قال أبو إسحاق: (ليس في الكلام دليل على أن موسى أراد أن يرى أمرًا عظيما من أمر الله ؛ لأن الله تعالى أراه من الآيات ما لا غاية بعده: العصا، واليد، وفرق البحر، فكان يستغنى بما أراه عن أن يطلب أمرًا من أمر الله عظيما , ولكنه لما سمع كلام الله تعالى (٥) ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ

стр. 5145

إِلَيْكَ﴾، أي: قد سمعت كلامك فأنا أحب أن أراك) (١) وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾. هذا (٢) أيضًا دليل على جواز الرؤية، لأنه لو كان مستحيل الرؤية لقال: لا أرى، ألا ترى أنه لو كان في يد رجل حجر فقال له إنسان: ناولني هذا لآكل، فإنه يقول: (هذا لا يؤكل)، ولا يقول: لا تأكل، ولو كان في يده بدل الحجر تفاحة لقال: لا تأكل، أي: هذا مما يؤكل ولكنك لا تأكل. وفي قوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ إبطال قول من يقول: إن موسى سأل الرؤية لقومه؛ لأنهم (٣) قالوا ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، فسأل موسى الرؤية ليتبين لهم أن ذلك لا يجوز، وذلك أنه لو كان سؤال الرؤية لقومه لقال (٤): لن يروني، ولقال موسى: أرهم (٥)، فلما قال ﴿أَرِنِي﴾ وقيل له: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ بطل أن يكون السؤال لقومه، وقول من قال: إن (لن) (٦) للتأبيد دعوى على أهل اللغة، وليس يشهد لذلك كتاب ولا نقل ولا إسناد ولا أصل (٧)، ولكن معنى قول: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ أي: في الدنيا كما قال عبد العزيز

стр. 5146

بن يحيى الكناني: قال: (قوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ جواب قول موسى ﴿أَرِنِي﴾ فلا يقع على الآخرة؛ لأن موسى لم يقل: أرني في الآخرة، إنما سأل الرؤية في الدنيا فأجيب عما سأل) (١)، والجواب يكون على وفق السؤال؛ كيف وقد نص ابن عباس في رواية عطاء في قوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾. قال: (لن تراني في الدنيا) (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾. قال مقاتل: (لما قال موسى: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ قال له ربه: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، ولكن اجعل بيني وبينك ما هو أقوى منك، وهو الجبل ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ﴾ أي: سكن وثبت ﴿فَسَوْفَ تَرَانِي﴾، وإن لم يستقر مكانه فإنك لا تطيق رؤيتي، كما أن الجبل لا يطيق رؤيتي) (٣). قال الكلبي (٤) وغيره (٥): (والجبل في قوله: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾

стр. 5147

أعظم جبل بمدين (١) يقال (٢) له: زبير (٣)) (٤). قال أصحابنا: (علَّقَ الله تعالى جواز الرؤية على استقرار الجبل، واستقراره كان جائزًا , ولكن لم يفعل الله، كذلك الرؤية كانت جائزة، ولكن الله لم يخلقها لموسى، وضدّ هذه الآية قوله: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]. علق دخولهم الجنة بما يستحيل وجوده فلا يدخلونها قط). وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾. قال الزجاج (٥) وجميع أهل اللغة (٦): (أي: ظهر وبان، ومنه يقال: جلوت العروس إذا أبرزتها، وجلوت المرآة والسيف إذا أخرجته من الصدى) (٧).

стр. 5148

وقوله تعالى: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾. قال أبو إسحاق: (يجوز ﴿دَكًّا﴾ بالتنوين و ﴿دَكًّاءَ﴾ بغير تنوين، أي: جعله مدقوقًا مع الأرض، يقال: دككت الشيء إذا دققته، أدكه دكا، والدكاء والدكاوات الروابي التي مع الأرض ناشزة عنها لا تبلغ أن تكون جبلًا) (١)، فعلى هذا الدك مصدر والدكاء (٢) اسم. أخبرني العروض ﵀ عن الأزهري قال: أخبرني المنذري عن أحمد بن يحيى أنه قال: (قال الأخفش في قوله: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ (٣) بالتنوين، كأنه قال: دكه دكًا مصدر مؤكد (٤)، قال: ويجوز جعله ذا (٥) دك كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. قال: ومن قرأ (٦) ﴿دَكًّاءَ﴾ ممدودة أراد جعله مثل دكاء فحذف (مثل)، قال: والدكاء الناقة التي لاسنام لها) (٧)، فمعنى (٨) قوله: ﴿جَعَلَهُ دَكًّاءَ﴾ أي: مثل دكاء في أنه بقي أكثره.

стр. 5149

قال أبو العباس: (ولا حاجة به إلى إضمار (مثل)، والمعنى: جعل الجبل أرضًا دكاء) (١). فحصل من هذه الأقوال أن من قرأ ﴿دَكًّا﴾ بالتنوين كان الدك مصدرًا بمعنى المفعول على قول (٢) أبي إسحاق، وعلى قول الأخفش ويكون مصدرًا مؤكدًا؛ لأنه يقول معنى قوله: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾. أي: دكه دكًا، ويجوز على قوله أيضًا أن يكون بمعنى: ذا دكٍ، أي: ذا كسر فحذف المضاف، ومن قرأ بالمدّ فعلى قول الأخفش (الدكاء) الناقة الذاهبة السنام، والمضاف محذوف، وعلى قول أبي العباس (الدكاء) الأرض غير الغليظة المرتفعة، ولا حاجة إلى تقدير المضاف (٣). فأما التفسير فقال المفسرون (٤): (ساح في الأرض فهو يذهب حتى الآن). وهو قول الحسن (٥) وسفيان (٦)، وأبي بكر (٧) الهذلي (٨)، وهذا

стр. 5150

على قراءة من قرأ بالمد، وقال الكلبي (١): ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ أي: كسرا جبالا صغارًا) (٢). وروي هذا المعنى مرفوعًا عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال في قوله ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾: (صار لعظمته ستة أجبل، فوقعت ثلاثة بالمدينة، أحد وورقان، ورضوى (٣)، ووقع ثلاثة بمكة ثور (٤) وثبير وحراء) (٥). وهذا التفسير يقوي قراءة من قرأ بالتنوين، والتفسير الموافق للقراءتين مما روي عن (٦) ابن عباس أنه قال: (جعله ترابًا) (٧). ونحو ذلك قول
следующие страницы →