← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.

стр. 5251

وقال (١) الفراء في كتاب "المصادر": (يقول: علّقنا (٢) الجبل فوقهم فرفعناه، نتقهُ ينتقهُ نتقًا) (٣). وقال في المعاني: ﴿نَتَقْنَا﴾ رفعنا (٤). وقال بعض أهل اللغة (٥): (أصل النتق: الزعزعة والنفض، ومن هذا يقال: نتقت السقاء إذا نفضته لتقلع منه زبدته) (٦)، وإلى هذا القول ذهب مجاهد وابن قتيبة، قال مجاهد: ﴿نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾ كما تنتق الزبدة) (٧). وقال ابن قتيبة: ﴿نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾ أي: زعزعناه، ومنه يقال: نتقت السقاء، أي: نفضته لتقلع الزبدة منه). وقال أبو عبيدة: (أصل النتق: قلع الشيء من موضعه والرمي به، يقال: نتق ما في الجراب إذا رمى به وصبّه، وامرأة ناتق منتاق إذا كثر ولدها, لأنها ترمي بأولادها رميًا) (٨).

стр. 5252

وأحسن العبارات وأجمعها (١) أن يقال: معنى ﴿نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾: رفعناه باقتلاع له من أصله. وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: (كأنه سقيفة) (٢)، والظلة (٣): كل ما أظلك من سقف بيت، أو سحابة، أو جناح حائط، والجمع ظلل وظلال (٤). أما (٥) تفسير الآية وقصتها فقد ذكرنا في سورة البقرة عند قوله: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ الآية [البقرة: ٦٣]. وقوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾. قال المفسرون (٦): (علموا

стр. 5253

وأيقنوا)، وقال أهل المعاني: (قوي في نفوسهم ﴿أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ إن خالفوا) (١)، وهذا هو الأظهر (٢) في معنى الظن، ومضى الكلام فيه عند قوله: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]. ١٧٢ - وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾، قال الزجاج: (موضع ﴿إِذْ﴾ نصب، المعنى (٣) واذكر ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾) (٤)، وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾، قوله: ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ بدل من قوله ﴿مِنْ بَنِي آدَمَ﴾، والمعنى: وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم. قاله الزجاج (٥)، وهو معنى قول الكناني (٦)؛ قال: (لم يذكر ظهر آدم، وإنما أخرجوا جميعًا من ظهره؛ لأن الله تعالى أخرج ذرية آدم بعضهم من ظهور بعض على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء، لذلك (٧) قال: ﴿مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾، واستغنى عن ذكر ظهر آدم لما عُلم أنهم كلهم بنوه

стр. 5254

وأخرجوا من ظهره، فترك ذكر ظهر آدم وذكر ظهور (١) بنيه) (٢). وقوله تعالي: ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾. وقرئ (٣) ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ جمعًا، وقد ذكرنا معنى الذرية والكلام فيها عند قوله: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤]. وبينا أن الذرية تقع على الواحد والجمع، فمن أفردها هاهنا فلأنه قد استغنى عن جمعه بوقوعه على الجمع، فصار كالبشرة فإنه يقع على الواحد كقوله: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١]، وعلى الجمع كقوله: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ [التغابن: ٦]. وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [إبراهيم: ١٠]. وكما لم يجمع (بشر) بتصحيح ولا تكسير كذلك لا تجمع الذرية، ومن جمع قال: إن الذرية إن كان واحداً فلا إشكال في جواز الجمع فيه، وإن كان جمعًا فجمعه أيضًا حسن لأنك قد رأيت المجموع المكسرة قد جُمعت نحو: الطرقات والجُزرات (٤) وصَوَاحبات يوسف (٥).

стр. 5255

وأما تفسير الآية ففيه مذهبان: أحدهما -وهو مذهب المفسرين وأهل الأثر- ما روى مسلم (١) بن يسار الجهني: (أن عمر ﵁ سُئل عن هذه الآية فقال: سمعت رسول الله ﷺ سئل عنها فقال: "إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية [فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية] (٢) فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون".

стр. 5256

فقال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟ فقال رسول الله ﷺ : "إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله الله النار" (١).

стр. 5257

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لما خلق الله آدم مسح على ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته (١) إلى يوم القيامة" (٢). وذكر حديثًا طويلًا. وقال ابن عباس في رواية عطاء في: قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (يريد: نفض (٣) آدم فأراه ذريته مما خلق إلى يوم القيامة) (٤). وقال ابن عباس أيضاً: (إن الله خلق آدم ثم أخرج ذريته من صلبه مثل الذر، فقال لهم: من ربكم؟ قالوا: الله ربنا، ثم أعادهم في صلبه حتى يولد كل من أخذ ميثاقه لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم إلى أن تقوم الساعة) (٥)

стр. 5258

وقال أبو العالية: (جمعهم يومئذٍ، ثم صورهم، ثم استنطقهم وأخذ عليهم العهد والميثاق، ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾. فقال الله تعالى: فإني أرسل إليكم رسلًا يذكرونكم عهدي وميثاقي، وأنزل عليكم كتبي، قالوا: نشهد أنك إلهنا وربنا , ولا رب ولا إله غيرك) (١). وقال ابن جريج: (ضرب الله ظهر آدم فخرجت كل نفس مخلوقة للجنة بيضاء نقية، فقال: هؤلاء أهل الجنة، وخرجت كل نفس مخلوقة للنار سوداء، فقال: هؤلاء أهل النار أمثال الخردل في سورة الذر) (٢). وقال القرظي: (أقر له بالإيمان والمعرفة الأرواحُ قبل أن يخلق أجسادها) (٣). وقال مقاتل: (إن الله مسح صفحة ظهر آدم اليمنى فأخرج منه ذرية بيضاء كهيئة الذر يتحركون، ثم مسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر، فقال: يا آدم هؤلاء ذريتك، ثم قال لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ

стр. 5259

قَالُوا بَلَى﴾، فقال للبيض: هؤلاء في الجنة برحمتي، وهم أصحاب اليمين، وقال للسود: هؤلاء في النار ولا أبالي، وهم أصحاب الشمال وأصحاب المشأمة، ثم أعادها جميعًا في صلب آدم، فأهل القبور محبوسون حتى يخرج أهل الميثاق كلهم من أصلاب الرجال وأرحام النساء. قال الله تعالى فيمن نقض العهد الأول: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ (١) [الأعراف: ١٠٢] (٢). وهذا أيضاً قول عكرمة (٣) والكلبي وسعيد بن جبير و [سعيد (٤) بن المسيب] والضحاك (٥) وأبي صالح (٦)، هذا كلام أهل التفسير في هذه الآية. فأما أصحاب المعاني فقال أبو إسحاق: (جائز أن يكون الله تعالى جعل لأمثال (٧) الذَّر فهمًا يعقل به، كما قال: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨]. وكما قال: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾ [الأنبياء: ٧٩]) (٨).

стр. 5260

وقال أبو بكر بن الأنباري: (مذهب أصحاب الحديث وكبراء أهل العلم في هذه الآية هو: أن الله أخرج ذريات آدم من صلبه وأصلاب أولاده، وهم في صور الذر، وأخذ عليهم الميثاق أنه خالقهم وأنهم مصنوعوه، فاعترفوا بذلك وقبلوا، وذلك بعد أن ركب فيهم عقولًا عرفوا بها ما عرض عليهم، كما جعل للجبل عقلاً حتى خوطب (١)، وكما فعل ذلك بالبعير (٢) لما سجد، وبالنخلة (٣) حين سمعت، وانقادت

стр. 5261

حين دعيت) (١). وقال صاحب النظم: (ليس بين قول النبي ﷺ :"إن الله مسح ظهر آدم فأخرج منه ذريته" و [بين] (٢) الآية اختلاف بحمد الله؛ لأنه إذا أخذهم من ظهر آدم فقد أخذهم من ظهور ذريته؛ لأن ذرية آدم ذرية لذريته بعضهم من بعض. قال: وحصل الفائدة بهذا الفصل، أنه قد أثبت الحجة على كل منفوس ممن بلغ، وممن لم يبلغ بالميثاق الذي أخذه عليهم، وزاد على من بلغ منهم الحجة بالآيات والدلائل التي نصبها في نفسه وفي العالم، وبالرسل المنفذة إليهم، مبشرين ومنذرين، وبالمواعظ والمثلات المنقولة إليهم أخبارها) (٣). وقال جماعة من المفسرين: (إن أهل السعادة من الذرية أقروا طوعًا، وإن أهل الشقاوة أقروا تقية وكرهًا، وذلك معنى قوله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي

стр. 5262

السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ (١) [آل عمران: ٨٣]. وقال مقاتل: من مات صغيرًا دخل الجنة بمعرفته بالميثاق (٢) الأول، ومن بلغ العقل لم يُغن عنه الميثاق الأول شيئًا حتى يؤمن، وكان الميثاق الأول حجة عليهم) (٣) , وهذا الذي ذكره مذهب من يقول: إن أطفال المشركين يدخلون (٤) الجنة، فأما من لا يحكم لهم بالجنة، فإنه يقول: من كان من أهل الشقاوة من الذرية السوداء أقرّ بالمعرفة كرهًا فلم يغن ذلك عنه شيئًا. فأمَّا سوق ألفاظ الآية وما بعدها من هذه القصة على هذا التفسير فقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾. قال الزجاج (٥): (المعنى قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ وهو إيجاب للإقرار عليهم بربوبيته). وقوله: ﴿قَالُوا بَلَى﴾. قال ابن عباس: (هو جواب منهم له وإقرار له بالربوبية ولأنفسهم بالعبودية) (٦). وقوله تعالى: ﴿شَهِدْنَا﴾ قال الكلبي: (٨) (لما أقروا، قال الله للملائكة:

стр. 5263

اشهدوا. فقال: ﴿شَهِدْنَا﴾) (١). و (٢) قال ابن عباس في رواية عطاء: (قالت (٣) الملائكة: شهدنا على إقراركم) (٤). وقال السدي: (هذا خبر من الله تعالى عن نفسه وملائكته أنهم شهدوا على إقرار بني آدم) (٥). فعلى هذه الأقوال (٦) يحسن الوقف على قوله: ﴿بَلَى﴾؛ لأن كلام الذرية قد انقطع. وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾. يجوز أن يتعلق ﴿أَن﴾ بقوله ﴿شَهِدْنَا﴾، أي شهدنا عليهم بالإقرار لئلا تقولوا، فأسقط (لا) (٧) كما قال: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥]. يريد: لئلا تميد. وكما قال القطامي (٨): رأينا ما يرى البصراء فيها ... فآلينا عليها أن تباعا (٩)

стр. 5264

أراد: أن لا تباعا، هذا مذهب الكوفيين (١)، وعند البصريين المحذوف مضاف بتقدير: شهدنا كراهة أن تقولوا، ومضى الكلام في هذا عند قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]. ويمكن أن تعلق ﴿أَن﴾ بـ (أشهدهم) وهذا أوضح في التأويل، والمعنى: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ لئلا تقولوا، أو (٢) كراهية أن تقولوا , ولا يصح الوقف على ﴿شَهِدْنَا﴾ لتعلق ﴿أَن﴾ بما قبله، هذا كله كلام أبي بكر (٣).

стр. 5265

وقال بعضهم: قوله: ﴿شَهِدْنَا﴾ من كلام الذرية، والمعنى: شهدنا على أنفسنا بهذا الإقرار، وهو معنى قول (١) مقاتل، وعلى هذا لا يحسن الوقف على ﴿بَلَى﴾ ولا يتعلق ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ بشهدنا، وإنما يتعلق بقوله: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ (٢)، وذكر صاحب النظم] (٣) وجهًا آخر في قوله: ﴿شَهِدْنَا﴾ عن بعضهم، وهو: (أن يكون قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ إلى قوله: ﴿قَالُوا بَلَى﴾. تمام قصة الميثاق، ثم ابتدأ خبرًا آخر يذكر ما يقوله المشركون يوم القيامة فقال: ﴿شَهِدْنَا﴾ بمعنى: نشهد، كما قال الحطيئة (٤): شَهِدَ الخُطَيْئَةُ حِينَ يَلْقَى رَبَّه (٥)

стр. 5266

أي: يشهد، فيكون تأويله نشهد (١) ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: إنكم ستقولون ذلك، فتكون القصة الأولى خبرًا عن جميع المخلوقين بأخذ الميثاق عليهم، والقصة الثانية خبرًا عن المشركين خاصة) (٢). واختلف القراء في قوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ [الأعراف:١٧٢]، ﴿أَوْ تَقُولُوا﴾ [الأعراف: ١٧٣]، فقرأ (٣) أبو عمرو بالياء (٤) جميعًا؛ لأن الذي تقدم من الكلام على الغيبة وهو قوله: ﴿مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ لئلا يقولوا، وقرأ الباقون بالتاء؛ لأنه قد جرى في الكلام خطاب، وهو قوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾، وكلا (٥) الوجهين حسن؛ لأن الغيب هم المخاطبون في المعنى (٦). قال المفسرون: (هذه (٧) الآية تذكير بما أخذ على جميع المكلفين من الميثاق، واحتجاج عليهم؛ لئلا يقول الكفار ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا﴾ الميثاق ﴿غَافِلِينَ﴾ لم نحفظه ولم نذكره)، فإن قيل: كيف يحتج عليهم

стр. 5267

بميثاق لا يذكرونه؟ قيل: (١) نسيانهم لذلك لا يسقط الاحتجاج بعد أن أخبر الله تعالى عن أخذ ذلك عليهم على لسان صاحب المعجزة، وإذا صح ذلك بقول الصادق قام في النفوس مقام الذكر، فالاحتجاج به قائم صحيح (٢). قال عوف (٣): (وسيذكرون الميثاق يوم القيامة) (٤). قوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾ الآية [الأعراف:١٧٣]، قال المفسرون: (هذا قطع لعذر الكفار فلا يستطيع أحد من الذرية أن يقول يوم القيامة: ﴿إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾، أي: قبلنا، ونقضوا العهد. ﴿وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ صغارًا وكبارًا فاقتدينا (٥) بهم، ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾، أي: أفتعذبنا بما فعل المشركون المكذبون بالتوحيد، وإنما اقتدينا بهم وكنا في غفلة عن الميثاق، وعما نطالب به الآن من التوحيد، وآباؤنا أشركوا، وحملونا على مذهبهم في الشرك في صبانا، فجرينا على مذهبهم واقتدينا بهم، فلا ذنب لنا إذ كنا مقتدين بهم، والذنب في ذلك لهم، كما (٦) قالوا في موضع آخر: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾

стр. 5268

الآية [الزخرف: ٢٢]. فلا يمكنهم أن يحتجوا بمثل هذا الكلام , ويكون الآباء على الإشراك بعد تذكير الله تعالى بأخذ الميثاق بالتوحيد على كل واحد من الذرية)، هذا هو الكلام على مذهب أهل الأثر (١). فأما مذهب أهل النظر، فقال أبو إسحاق: (وقال بعضهم: إن الله أخرج بني آدم بعضهم من ظهور بعض، ومعنى: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ أن كل بالغ يعلم أن الله واحد، لأن كل ما خلق الله دليل على توحيده، فمعنى: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ دلهم بخلقه على توحيده) (٢). وشرح أبو بكر هذا فقال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ﴾ ذريات (٣) ﴿بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ أي: أخرجهم وأنشأهم بعد أن كانوا نطفًا في أصلاب الآباء إلى الدنيا على ترتبهم في الوجود ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أنه ربهم بما أظهر من آياته وبراهينه التي تضطرهم إلى أن يعلموا أنه خالقهم فليس من أحد إلا وفيه من صنعة ربه ما ينبه على أنه بارئه ونافذ الحكم فيه، فلما عرفوا ذلك ودعاهم كل ما يرون ويشاهدون إلى التصديق به كانوا بمنزلة الشاهدين والمشهدين على أنفسهم بصحته، كما قال في غير هذا الموضع: ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧]، يريد: هم بمنزلة الشاهدين وإن لم يقولوا: نحن كفرة، وكما يقول الرجل: قد شهدت جوارحي بقولك، يريد: قد عرفته، فكأن جوارحي لو استشهدت وفي وسعها أن تنطق لشهدت، ومن هذا الباب أيضًا ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] ,

стр. 5269

يريد: أعلم وبين, فأشبه إعلامه وتبيينه ذلك شهادة من يشهد عند الحكام وغيرهم) (١). وزاد صاحب النظم لهذا المذهب بيانًا حكايته عن بعضهم، فقال: (إن الله لما خلق الخلق ونفذ علمه فيهم بما هو كائن، صار ما لم يكن بعد مما هو كائن كالكائن عنده، إذ علمُه بكونه مانعٌ من غير كونه، فسايغ في مجاز العربية أن يضع ما هو منتظر مما لم يقع بعد موضعَ الواقع لسبق علمه بوقوعه، وكما قال : ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٥٠] وأمثاله، فيكون تأويل قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾: وإذ يأخذ ربك، وكذلك قوله: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: ويشهدهم بما يركبه فيهم من العقل الذي يكون به الفهم ويجب به الثواب والعقاب، فكل من ولد وبلغ الحنث وعقل الضر والنفع وفهم الوعد والوعيد والثواب والعقاب صار كأن الله تعالى أخذ عليه الميثاق في التوحيد بما ركب فيه من العقل، وأراه من الآيات والدلائل (٢) على حدوثه وضعفه وأنه لا يجوز أن يكون قد خلق نفسه، وإذا لم يجز ذلك فلا بد من خالق هو غيره ليس كمثله، وكل (٣) من بلغ وعقل فقد أخذ عليه العهد والميثاق إذ جعل فيه السبب الذي به يؤخذ الميثاق وهو العقل، واحتج أصحاب هذا القول بقوله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأحزاب: ٧٢]، قالوا: فالأمانة هاهنا عهد وميثاق، وامتناع السموات والأرض من حملها خلوهما من العقل الذي يكون به الفهم،

стр. 5270

وحمل الإنسان إياها (١) لمكان (٢) العقل فيه). قال صاحب النظم: (ونحن إلى ما روي (٣) عن رسول الله ﷺ وما ذهب إليه أهل العلم والسنة من السلف الصالح، أَمْيَلُ وله أَقْبَلُ وبه آنَسُ (٤) والله ولي التوفيق لما هو أولى وأهدى بمنّه) (٥).

стр. 5271

١٧٤ - و (١) قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾، أي: و (١) كما بينا في (٢) أمر الميثاق نبين الآيات ليتدبرها العباد فيرجعوا إلى مدلولها ويعملوا بموجبها دون ما سولت لهم أنفسهم ودعت إليه أهواؤهم، وهو معنى قوله: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، أي: ولكي يرجعوا عمّا هم عليه من الكفر والضلالة إلى التوحيد والطاعة (٣)، وقيل: إلى ما أخذ عليهم من الميثاق في التوحيد، والرجوع إلى ذلك الميثاق رجوع إلى التوحيد (٤). ١٧٥ - قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ الآية. قال ابن عباس (٥) وابن مسعود (٦) ومجاهد (٧): (نزلت في بلعم بن

стр. 5272

باعوراء (١))؛ دعا على موسى وقومه، وكان عنده اسم الله الأعظم , فقصد موسى بلده الذي هو فيه، وغزا أهله وكانوا كفارًا، فلم يزل قوم بلعم به حتى دعا عليهم، وقيل (٢) (أجبره (٣) ملكهم على (٤) ذلك، وكان مجاب الدعوة بذلك الاسم الذي كان عنده، فأستجيب له، ووقع موسى وبنو إسرائيل في التيه بدعائه، فقال موسى: يا رب بأي ذنب وقعنا في التيه؟ قال: بدعاء بلعام، قال: فكما سمعت دعاءه عليَّ فاسمع دعائي عليه، فدعا موسى عليه أن ينزع عنه الاسم الأعظم والإيمان فسلخه الله مما كان عليه ونزع منه المعرفة فخرجت من صدره كحمامة (٥) بيضاء (٦)

стр. 5273

فهذا (١) قصته. قال عطاء عن ابن عباس: (أعان أعداء الله على أوليائه) (٢) يعني: بدعائه. وقوله: ﴿آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾. قال ابن زيد: (هو أنه كان لا يسأل شيئًا إلا أعطاه إياه) (٣). وقال عكرمة (٤): (أوتي كتابًا من كتب الله تعالى (٥)). وقيل (٦): (هو أنه لما أراد أن يدعو عليهم، قيل له في المنام: لا تدعُ عليهم، ثم هم ثانيًا، فكلمته أتان له قد ركبها، حجة عليه، فقالت: ويحك يا بلعم أتذهب إلى نبي الله والمؤمنين تدعو عليهم فلم ينزع عن ذلك)، وقال أهل المعاني: (﴿آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾. علمناه حجج التوحيد وفهمناه أدلته حتى صار عالمًا بها). وقوله تعالى: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾. قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: خرج من محبة الله (٧) إلى معصيته، ومن رحمة الله إلى سخطه) (٨).

стр. 5274

ومعنى ﴿انْسَلَخَ﴾ خرج من المِسْلاَخ (١) وهو القشر والجلد، ويقال: الحية تنسلخ (٢) عن جلدها، ثم يقال لكل من فارق شيئًا: انسلخ منه. وقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾. قال عبد الله (٣) بن مسلم: (أي: أدركه؛ يقال: أتبعت القوم إذا لحقتهم). قال أبو عبيد: (يقال: أتبعت القوم مثال أفعلت (٤) إذا كانوا قد سبقوك فلحقتهم ويقال: ما زلت أتبعهم حتى أتبعتهم أي: حتى أدركتهم) (٥). وقال أبو زيد: (تقول: رأيت القوم فأتبعتهم إتباعًا إذا سبقوك فأسرعت نحوهم، ومرُّوا على فاتبعتهم اتباعًا إذا ذهبت معهم ولم يسبقوك) (٦)، فعلى هذا معنى: أتبعه الشيطان أي: أسرع خلفه (٧)، ﴿فَكَانَ مِنَ

стр. 5275

الْغَاوِينَ﴾؛ لأنه أدركه فأضله، هذا الذي ذكره أبو زيد حقيقة معنى الإتباع. قوله تعالى: ﴿فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾. قال ابن عباس: (فأطاع الشيطان وكان من الضالين) (١). و (٢) قال أهل المعاني: (هذا بيان عن حال من أوتي الهدى، فانسلخ منه إلى الضلال والعمى، ومال مع الهوى حتى تلاعب به الشيطان، فصار إلى الهلاك والردى، وخاب في الآخرة والأولى، قصّ الله قصته ليحذر الناس من مثل حاله) (٣). وقال عبد الله بن عمرو (٤) (٥) وسعيد بن المسيب، وزيد بن

стр. 5276

أسلم (١)، وأبو روق (٢): (نزلت هذه الآية في أمية (٣) بن أبي الصلت، وكان قد قرأ الكتب وعلم أن الله مرسل رسولاً في ذلك الوقت، ورجا

стр. 5277

أن يكون هو، فلما أُرسل محمد ﷺ حسده، ثم مات كافرًا , ولم يؤمن بالنبي ﷺ وهو الذي قال فيه النبي ﷺ : "آمن شعره وكفر قلبه" (١)، يريد: أن شعره كشعر المؤمنين، وذلك أنه يوحد الله في شعره ويذكر دلائل توحيده من خلق السماء والأرض وأحوال الآخرة والجنة والنار. ١٧٦ - قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾. قال ابن عباس: (﴿لَرَفَعْنَاهُ﴾ بعلمه بها) (٢)، أي بالآيات، يعني وفقناه للعمل بها، فكنا نرفع بذلك منزلته. وقال عطاء (٣) عنه: (يريد: لعصمتُه عن معاصي). وهو اختيار الزجاج لأنه قال: (أي: لو شئنا أن نحول فيما بينه وبين المعصية لفعلنا) (٤). وهذا كالقول الأول، لأنه إذا لم يعصمه عن المعصية لم يوفقه للعمل بالآيات، ولو وفقه عصمه عن المعصية، ولو عصمه أستحق الرفعة بالآيات. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾.

стр. 5278

قال الفراء: (ركن إليها وسكن). قال: (ويقال: خلد إلى الأرض بغير ألف وهي قليلة) (١). ونحو ذلك قال الزجاج (٢) والكسائي (٣) في خلد وأخلد (٤)، وقال أصحاب العربية: (أصل الإخلاد اللزوم على الدوام، وكأنه قيل: لزم الميل إلى الأرض، ومن هذا يقال: أخلد فلان بالمكان إذا لزم الإقامة به) (٥). قال مالك (٦) بن نويرة:

стр. 5279

بأبناء حيٍّ من قبائل مالكٍ ... وعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا (١) قال ابن عباس: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ (٢)، يريد: مال إلى الدنيا) (٣). وقال مقاتل: (رضي بالدنيا) (٤). وقال الزجاج: (ولكنه سكن إلى الدنيا) (٥). فهؤلاء فسروا ﴿الْأَرْضِ﴾ في هذه الآية بالدنيا، وذلك لأن الدنيا هي الأرض؛ لأن ما فيها من العقار والرباع (٦) والضياع كلها أرض، وسائر متاعها يستخرج من الأرض، فالدنيا كلها هي الأرض (٧)، فصلح أن يعبر عنها بالأرض لأنها هي (٨).

стр. 5280

وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾. قال ابن عباس: (يريد: ما زين له الشيطان) (١). وقال ابن زيد: (كان هواه مع القوم) (٢). وقال أهل المعاني: (انقاد لما دعاه إليه الهوى، والهوى يدعو إلى أمور تجر إلى الهلاك، فكان القابل لدعاه متبعًا له) (٣). وقال أهل (٤) العلم: (هذه الآية من أشد الآي على أصحاب العلم، وذلك أن الله تعالى أخبر أنه آتاه آياته من اسمه الأعظم والدعوات المستجابة والعلم والحكمة، فاستوجب بالسكون إلى الدنيا واتباع الهوى تغيير النعمة عليه، والانسلاخ عنها، ومن الذي سلم من هاتين الخلتين، إلا من عصمه الله) (٥). وقوله تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾، قال الليث: (اللَّهث لهث الكلب عند الإعياء وعند شدة الحر، وهو إدلاع اللسان من العطش) (٦). وقال الفراء (٧) في "المصادر":

стр. 5281

(يقال اللهْثُ واللهَث واللهثان) (١). قال مجاهد: (هذا مثل الذي يقرأ الكتاب ولا يعمل به) (٢). و (٣) قال ابن عباس: (معناه: إن تحمل عليه الحكمة لم يحملها، وإن ترك لم يهتد لخير، كالكلب إن كان رابضًا لهث وإن طرد لهث) (٤). وقال الحسن: (هو المنافق لا يُنيب (٥) إلى الحق، دُعي أو لم يدع، وعظ أو لم يوعظ، كالكلب يلهث طردًا وتركًا) (٦). وروي معمر (٧) عن بعضهم قال: (هو الكافر؛ ضال إن وعظته وإن لم

стр. 5282

تعظه) (١)، فهذا قول المفسرين في تفسير هذا المثل، ويحتاج إلى الشرح حتى يتبين وجه التمثيل بين هذا الكافر وبين الكلب، وهو أن يقال: أراد أن هذا الكافر إن زجرته لم ينزجر، وإن تركته لم يهتد، فالحالتان عنده سواء كحالتي الكلب؛ فإنه إن طرد وحمل عليه بالطرد كان لاهثًا، وإن ترك وربض كان أيضًا لاهثًا، فهو [في الحالتين لاهث كهذا الكافر] (٢) في الحالتين ضال، وذلك أن بلعام زُجر ونهي عن الدعاء على موسى في ينزجر ولم ينتفع بالزجر، يبين هذا ما قاله أبو إسحاق قال: (ضرب الله تعالى للتارك لآياته والعادل عنها أحسن (٣) شيء في أخس أحواله مثلًا فقال: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾، إذا كان الكلب لهثان؛ لأن التمثيل به على أنه على كل حال حملت عليه أو لم تحمل، فمعناه: فمثله كمثل الكلب لاهثًا) (٤). فقد بين أبو إسحاق أنه مثل بالكلب إذا كان لاهثًا، واللهث في الكلاب طباع، وقد كشف ابن قتيبة عن هذا المعنى فقال: (كل شيء يَلهثُ

стр. 5283

إنما يلهث من إعباء أو عطش إلا الكلب فإنه يلهث في حال الكلال، وحال الراحة، وحال الري، وحال العطش، فضربه الله مثلًا لهذا الكافر (١) فقال: إن وعظته فهو ضال، وإن تركته فهو ضال كالكلب إن طردته لهث وإن تركته على حاله لهث) (٢) انتهى كلامه، وهذا التمثيل لم يقع لكل كلب إنما وقع بالكلب اللاهث، وذلك بأخس ما يكون وأبشعه (٣) ثم قال عز من قائل: ﴿ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾. فعم بهذا التمثيل جميع المكذبين بآيات الله. قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: أهل مكة كانوا يتمنون هاديًا يهديهم وداعيًا يدعوهم إلى طاعة الله، فلما جاءهم من لا يشكون في صدقه كذبوه) (٤)، والتمثيل بينهم وبين الكلب كالتمثيل الأول فإنهم لم يهتدوا لما تركوا، ولم يهتدوا أيضًا لما دعوا بالرسول والكتاب، وزجروا بالوعيد، وكانوا ضالين عن الرشد في الحالتين كهذا الكلب اللاهث في الحالتين لاهث طرد أو ترك (٥).

стр. 5284

وقوله تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ﴾. قال عطاء (١): (يريد: قصص الذين كفروا وكذبوا أنبيائهم. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. يريد: يتعظون) (٢). ١٧٧ - قوله تعالى: ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ﴾ الآية. قال الليث: (ساء يسوء فعل لازم ومجاوز، يقال: ساء الشيء يسوء فهو سيئ إذا قبح، وهاءه يسوءه مساءة، ويقال: ساء ما فعل صنيعًا، [أي: قبُح صنيعه صنيعًا، ومن هذا الباب قوله: ﴿سَاءَ مَثَلاً﴾] (٣) أي: قبح مثلهم) (٤). قال ابن عباس (٥): يريد: بئس مثل القوم ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾. فأما: تقدير الآية في الإعراب، فأكثر النحويين (٦) قالوا: (تقديره: ساء مثلًا مثل القوم] (٧) ثم حذف المضاف)، وهو قول أبي إسحاق (٨)،

стр. 5285

وعلى هذا انتصب ﴿مَثَلًا﴾ على التمييز، و ﴿سَاءَ﴾ هاهنا بمنزلة (بئس)، ألا ترى أن ابن عباس فسره به، ولو قلت: (بئس) رجلاً زيد، نصبت رجلاً على التشبيه بالمفعول، وهو بمعنى التمييز؛ لأنك إذا قلت: (بئس) جاز أن تذكر شيئًا آخر سوى مثلاً، ورجلًا (١) من حمار وفرس، وأي ما كان (٢)، فإذا ذكرت نوعًا ميزته من سائر الأنواع، وفي (ساء) ضمير فاعل لأنه فعل والفعل لا يخلو من فاعل فصار المميز كالمفعول، وارتفع ﴿الْقَوْمُ﴾ لأنه أقيم مقام المضاف، والمضاف كان يرتفع كما يرتفع (زيد) في قولك: بئس رجلاً زيد، وارتفاعه من وجهين: أحدهما أن يكون مبتدأ ويكون (بئس) وما عملته فيه خبره، والثاني: أن يكون لما قلت: بئس رجلاً، قيل لك: من هو، فقلت: زيد، أي: هو زيد، فيكون رفعه على أنه ابتداء محذوف (٣). وقال بعضهم: (تقدير الآية (٤): ساء مثل القوم، ثم حول الفعل من المثل إلى القوم فخرج المثل مفسرًا كقولهم: قَرَّ بِهِ عينًا، وضاق به (٥) ذرعًا، وطاب زيدٌ نفسًا، وألم رأسه، ووجع بطنه) (٦).

стр. 5286

قال أهل المعاني: (هذه الآية بيان عن ذم المكذب بآيات الله بأن مثله أسوأ مثل وأن نفسه ظلم وحظه خسر) (١). ١٧٨ - قوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ﴾. قال ابن عباس (٢): (يريد: من يرشده الله (٣) إلى دينه). وقال ابن كيسان (٤): (يريد: من يتول الله تنبيهه وإرشاده ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾)، يجوز إثبات الياء فيه على الأصل، ويجوز حذفها استخفافًا كما قيل في بيت الكتاب: وطرتُ بمنصلي (٥) في يعملاتٍ ... دوامي (٦) الأيدِ يخبطن السريحا

стр. 5287

ومن أبياته أيضًا: كنواح ريش حمامة نجدية ... ومسحت باللثتين عصف الأثمد (١) قال أبو الفتح (٢): (يريد: كنواحي، فحذف الياء لأنه شبه المضاف إليه بالتنوين فحذف الياء لأجله كما يحذفها لأجل التنوين، لأنهما يتعاقبان، كما شبه الأول لام المعرفة في الأيد بالتنوين من حيث كانت هذه الأشياء من خواص الأسماء، ومتعقبة عليها فحذف الياء لأجل اللام كما يحذف لأجل التنوين. قال: هكذا أخذت من لفظ أبي علي) (٣). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ﴾، قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: من يضله (٤) الله ويخذله ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ يريد: خسروا الدنيا والآخرة) (٥).

стр. 5288

١٧٩ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ (١). قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: لا يعقلون بها ثوابًا ولا يخافون عقابًا) (٢). وقال الكلبي: (لا يعقلون بها الخير والهدى) (٣). ﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾. قال عطاء: (يريد: سبيل الهدى والرشاد)، ﴿وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾. قال: (يريد مواعظ الله والقرآن) (٤). قال مقاتل: (﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ الآية. يقول الله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ الآية [البقرة: ٧]، فمن ثم لم تفقه قلوبهم، ولم تبصر أعينهم، ولم تسمع آذانهم) (٥). وقال أهل المعاني: (إنما نفى عنهم الإدراكات لأنهم يعرضون في جميع ذلك إعراض من لا يدرك فهم في تركهم الحق وإعراضهم عنه بمنزلة من لا يفقه ولا يبصر ولا يسمع) (٦). وهذه الآية صريح في الرد على القدرية؛ لأن الله تعالى ذكر أنه خلق كثيراً من الإنس والجن للنار، وهم الذين حقت عليهم الكلمة الأزلية

стр. 5289

بالشقاوة والعذاب، ومن خلقه الله لجهنم، فلا حيلة له في الخلاص (١). وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ﴾. قال الكلبي: (شبههم بالأنعام في المأكل والمشرب) (٢). وقال مقاتل: (يأكلون ويشربون لا يلتفتون إلى الآخرة كما تأكل الأنعام وتشرب لا همة لها إلا الأكل، فهي تسمع ولا تعقل، كذلك الكافر) (٣). وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾. قال عطاء: (يريد (٤) إن الأنعام تعرف ربها وتحذر الهلاك) (٥)، وقال الكلبي: (لأن الأنعام مطيعة لله، والكافر (٦) غير مطيع لله) (٧). قال مقاتل: (هم أخطأ طريقًا من الأنعام؛ لأن الأنعام تعرف ربها وتذكره، وهم لا يعرفون ربهم ولا يذكرونه) (٨). وقال أبو إسحاق في قوله: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾: (وذلك أن الأنعام تُبصر منافعها ومضارها فتلزم بعض ما تبصره، وهؤلاء يعلم (٩) أكثرهم أنه معاند فيقدم على النار) (١٠).

стр. 5290

قال مقاتل: (يعني: كفار مكة) (١). وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾. قال عطاء: (عما أعد الله لأوليائه (٢) من الثواب، وما أعد لأعدائه من العقاب) (٣). وقال الكلبي: (عن أمر الآخرة، وما فيها من العذاب) (٤). ١٨٠ - قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾. قال المفسرون: (هي ما ذكره أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: "إن لله ﵎ تسعة وتسعين اسمًا مائة غير واحدة" (٥)، ثم ذكرها (٦)، وكل اسم ورد به
следующие страницы →