[ويبلغ ذلك] (١) المبلغ، بل إنما الله تولى ذلك (٢).
وروى أبو عمرو (٣) عن أبي العباس (٤) أنه قال: معناه: وما رميت الرعب والفزع في قلوبهم إذ رميت بالحصى، وهذا عدول عن الظاهر.
وقال المبرد: معناه: ما رميت بقوتك إذ رميت، ولكنك بقوة الله رميت (٥).
وقوله تعالى: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾، قال المفسرون: أي ينعم عليهم نعمةً عظيمة بالنصر والغنيمة والأجر والمثوبة (٦).
وقال محمد بن إسحاق: أي ليعرف المؤمنين نعمته (٧) عليهم في إظهارهم على عدوهم مع كثرتهم وقلة عدد المؤمنين (٨).
وقال أبو إسحاق: أي: لينصرهم نصرًا جميلاً، ويختبرهم بالتي هي أحسن (٩).
وذكرنا معنى البلاء في سورة البقرة، وقال صاحب النظم: وليبلي المؤمنين فعل ذلك.
وذكرنا نظائر هذا في سورة آل عمران [١٢٦]، عند قوله: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ
стр. 5462
قُلُوبُكُم بِهِ﴾، فاللام (١) تتعلق بمحذوف والكناية في قوله ﴿مِنْهُ﴾ (٢) تعود إلى اسم الله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، قال ابن عباس: ﴿سَمِيعٌ﴾ لدعائهم، ﴿عَلِيمٌ﴾ بنياتهم (٣).
١٨ - قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ الكلام في ﴿ذَلِكُمْ﴾ ومحله من الإعراب، ومحل ﴿أَن﴾ كما ذكرنا في قوله: ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ١٤]، وحكى صاحب النظم عن بعض النحويين أنه قال: معنى (ذلك) أنه نقيض (لا) فكما أن (لا) ينفي ما قبله فـ (ذلك) يثبت ما قبله على (٤) مناقضته، وكذلك (كلا): نفي لما قبله (٥)، و (كذلك): تثبيت لما قبله، على مناقضة (كلا).
وإذا كان كذلك فالمعنى في قوله: ﴿ذَلِكُمْ﴾ إثبات ما ذكر قبله من القتل والرمي، وإبلاء المؤمنين بلاءً حسنًا، وتقدير الإعراب: الأمر ذلكم، والحق ذلكم (٦).
стр. 5463
وفي قوله: ﴿مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ وجوه من القراءة: التشديد مع التنوين، والإضافة، والتخفيف معهما (١) أيضًا، ومثله قوله: ﴿كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر: ٣٨]، بالتنوين، وبالإضافة (٢) أيضًا.
قال أهل المعاني: وتوهينه كيدهم يكون بأشياء: بإطلاع المؤمنين على عوراتهم، وإلقاء الرعب في قلوبهم، وتفريقَ كلمتهم، ونقض ما أبرموا باختلاف عزومهم (٣).
قال ابن عباس: يهنئ (٤) رسول الله ﷺ ، يقول: "إني قد أوهنت كيد
стр. 5464
عدوك حتى قُتلت جبابرتهم (١) وأُسر (٢) أشرافهم" (٣).
١٩ - قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ الأكثرون على أن هذا خطاب للمشركين (٤)، وذلك أن أبا (٥) جهل قال يوم بدر: اللهم انصر أفضل الدينين وأحقه بالنصر (٦)، وروي أنه قال: اللهم أينا كان أقطع للرحم وأفجر فأحنه (٧) الغداة (٨).
وقال السدي: إن المشركين لما أرادوا الخروج إلى بدر أخذوا أستار الكعبة وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين، وأهدى الفئتين، وأكرم الحزبين، وأفضل الدينين، فأنزل الله هذه الآية (٩)، فمعنى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ إن تستنصروا لأهدى الفئتين فقد جاءكم النصر، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء (١٠)، والحسن ومجاهد والزهري والسدي
стр. 5465
والضحاك والعوفي (١).
ومضى الكلام في معنى الاستفتاح عند قوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ﴾ (٢)، والاستفتاح على قول هؤلاء (٣): الاستنصار.
وقال عكرمة: قال المشركون: اللهم لا نعرف ما جاء به محمد فافتح بيننا وبينه بالحق؛ فقال الله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ ان تستقضوا فقد جاءكم القضاء (٤)، واختار الفراء القول الأول (٥)، وذكر أبو إسحاق القولين جميعًا، وقال: كلا القولين جيد (٦).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا﴾، قال ابن عباس: يريد عن الشرك بالله ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٧).
﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾، قال الحسن: وإن يعودوا لقتال محمد نعد عليهم بالقتل والأسر والهزيمة مثل يوم بدر (٨).
стр. 5466
وهو قول ابن عباس (١) وغيره (٢).
﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا﴾ أي جماعتكم شيئًا ﴿وَلَوْ كَثُرَتْ﴾ في العدد، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قرئ بكسر ﴿أَن﴾ وفتحه (٣)، فمن كسر فهو منقطع مما قبله، ويقوي ذلك أن في حرف عبد الله: والله مع المؤمنين (٤).
ومن فتح فوجهه: ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ﴾ [ولأن الله مع المؤمنين، أي لذلك لن تغني عنكم فئتكم شيئًا] (٥)، قال الفراء: فيكون موضعها نصبًا لأن الخفض يصلح فيها (٦).
стр. 5467
قال ابن عباس في قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يريد: وإن كانوا قليلًا، ولا غالب لمن كان الله معه، وقال أيضًا: وأن الله مع المؤمنين في النصر لهم (١).
وقال أبيّ بن كعب وعطاء الخرساني: قوله: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [خطاب لأصحاب النبي ﷺ يقول: إن تستنصروا الله وتسالوه الفتح فقد جاءكم الفتح، (٢) والنصر، ثم عاد إلى خطاب الكفار فقال: ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٣).
ومن أهل المعاني من يجعل جميع الآية خطابًا للمؤمنين على هذا القول (٤) فيقول: معنى قوله: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ أي عن المنازعة في الأنفال، ﴿وَإِنْ تَعُودُوا﴾ إلى مثل ما كان منكم من المنازعة فيها نعد للإنكار عليكم، ولن تغني عنكم جماعتكم شيئًا مع منع نصر الله لكم.
стр. 5468
والوجه ما عليه عامة المفسرين أن الآية بأسرها خطاب للمشركين (١)
٢٠ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ قال أهل المعاني: إنما خص المؤمنين بالأمر دون غيرهم من المكلفين؛ لأن غيرهم بمنزلة من لا يعتد به لتركهم العمل بما يجب عليهم، مع أن إفرادهم بالخطاب إجلال لهم ورفع من أقدارهم (٢)، قال عطاء عن ابن عباس في هذه الآية: يريد: أطيعوا الله والرسول فإن طاعة الرسول طاعة لي، ولا تعرضوا عنه وقد سمعتم موعظتي وما أعددت لأوليائي وأهل طاعتي من الثواب، وما أعددت لأعدائي وأهل معصيتي من العقاب (٣).
وقال ابن عباس أيضاً: لا تولوا عن رسول الله وأنتم تسمعون ما نزل من القرآن، وتسمعون المواعظ (٤).
стр. 5469
وقال ابن إسحاق: لا تخالفوا أمره وأنتم تسمعون لقوله، وتزعمون أنكم منه (١).
وقال غيره من أهل المعاني: وأنتم تسمعون دعاءه لكم، نهاهم الله عن التولي في هذه الحال، ويسعهم الانصراف في غيرها (٢).
وهذا القائل حمل التولي على الانصراف، والأولى أن يحمل ذلك على مخالفة الأمر؛ لأنه وإن أقبل على الرسول بوجهه ولم يعتقد طاعته لم يكن مطيعًا.
وقد حصل في الآية وجهان:
[أحدهما: لا تولوا] (٣) عن رسول الله ﷺ أي: لا تنفضوا عنه، وقد ذم قوماً بالانفضاض عنه في قوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] الآية، وفي قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ [النور: ٦٣].
والثاني: أن معنى قوله: ﴿وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ ولا تعرضوا عن أمره، وتلقوه بالطاعة والقبول، كما قال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور:٦٣].
وذكر أبو علي الفارسي الوجهين (٤) جميعًا (٥)، كما حكيناه.
стр. 5470
وعلى الوجه الأول: الخطاب لأصحاب رسول الله ﷺ الذين يسمعون كلامه.
وعلى الثاني: الخطاب عام لكل من بلغته دعوته، وعلى هذا فالله تعالى أوجب طاعة الرسول على من سمع ما أتى به، فدل هذا على أن من لم يسمع ذلك ممن لم تبلغه الدعوة لم تجب الطاعة عليه.
٢١ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾، قال ابن عباس: يعني اليهود، قريظة والنضير وبني قينقاع (١)، وهو قول الحسن (٢).
وقال مقاتل: يعني المنافقين (٣) الذين يظهرون الطاعة ويسرون المعصية، ويقولون سمعنا سماع قابل، وليسوا كذلك، وهو قول ابن إسحاق (٤).
وقيل: هو من صفة المشركين، جُعلوا بمنزلة من لم يسمع؛ لأنهم لم ينتفعوا بالمسموع، وهذا اختيار أبي إسحاق، قال: ومعنى قوله: ﴿سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ أنهم (٥) استمعوا سماع (٦) عداوة وبغضاء فلم يتفهموا (٧)،
стр. 5471
ولم يتفكروا [فيما سمعوا] (١) فكانوا بمنزلة من لم (٢) يسمع (٣).
٢٢ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية، قال ابن عباس (٤) ومجاهد (٥) ومقاتل (٦): يريد المشركين، نفرًا من بني عبد الدار، وبني عبد العزى، كانوا صمًا عن الحق؛ فلا يسمعونه، بكمًا عن التكلم به.
وكل ما دب على وجه الأرض فهو من جملة الدواب (٧)، بين الله تعالى أن هؤلاء الكفار شر ما دب على الأرض من الحيوان.
٢٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ أي لو خلق فيهم خيرًا؛ لأن ما خلقه الله يعلمه، وما لا يعلمه الله فهو ما لم يخلقه على معنى أنه لا يعلمه مخلوقًا (٨)، كما قال تعالى: ﴿أتنبئون الله بما لا يعلم [في الأرض﴾ [يونس: ١٨] أي: بما لم يجعله ولم يخلقه، ومعنى الآية: ولو
стр. 5472
علم الله أنهم يصلحون بما يورده] (١) من حججه وآياته لأسمعهم إياها ولم يخلف (٢) عنهم شيئًا منها.
وقال ابن جريج وابن زيد: لأسمعهم الحجج والمواعظ سماع تفهيم وتعليم، ولو أسمعهم بعد أن علم أن لا خير فيهم ما انتفعوا بذلك، ولتولوا وهم معرضون (٣).
وقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿لَأَسْمَعَهُمْ﴾: يريد: لهداهم (٤).
﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ رجع ﵎ إلى ما سبق في علمه وقضائه وقدره فأخبر بما كان قبل أن يكون، ومعنى قوله (٥): (لهداهم) أي: لأسمعهم ما يهتدون به سماع تفهيم.
وشرح أبو علي الجرجاني هذا القول شرحًا شافيًا فقال: إن الله يعلم ما يكون، وما لا يكون، وما لا يكون لو كان كيف يكون، فتأويل قوله: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ أي ليس فيهم خير فلا يسمعهم؛ لأنه جبلهم على ذلك، وهذا مثل قولك للرجل: لو علمت أنك تفهم لأخبرتك، أي: أنك لا تفهم، ثم قال: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ -أي إسماع الإفهام الذي ينفع (٦) ويجدي إذا كان في الإنسان خير، وكان سعيدًا- ﴿لَتَوَلَّوْا﴾ أيضًا
стр. 5473
﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ إخبارًا منه عما لا يكون لو يكون كيف يكون (١)، ومثل هذا قوله إخبارًا عن المنافقين: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ (٢) [الحشر: ١١] فقال الله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ (٣) [الحشر: ١٢] فأعلمنا أن ذلك لا يكون منهم, ثم قال: ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ﴾ [الحشر: ١٢] فأعلم عما لا يكون بأنه لو كان كيف يكون.
وسلك أبو إسحاق في معنى هذه الآية طريقة حسنة فقال: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ جواب كل ما يسألون عنه، ثم قال (٤): ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا﴾ أي لو بين لهم كل ما يختلج (٥) في نفوسهم ﴿لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ لمعاندتهم (٦).
واختاره ابن الأنباري وشرحه فقال: ولو علم الله فيهم خيرًا لأسمعهم جواب كل ما يسألون عنه مما يقترحون ويطالبون (٧) من المعجزات، ولو
стр. 5474
أسمعهم ذلك وأجابهم إلى ما يحبون منه لأعرضوا لعنادهم الحق، وحرصهم على إبطال أعلامه.
قال أصحابنا (١): وفي الآية دليل واضح على أن المقادير والكفر والإِسلام والخير والشر سابقة ماضية، وأن الشقي لا ينتفع بدعوة الرسول واستماع الحق.
٢٤ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾، قال ابن عباس: أجيبوا لله وللرسول بالطاعة (٢)، وقال عطاء عنه: سارعوا إلى ما دعاكم رسول الله ﷺ إليه (٣) من طاعتي (٤).
قال أبو عبيدة والزجاج: معنى استجيبوا: أجيبوا (٥)، وأنشد قول الغنوي:
стр. 5475
فلم يستجبه عند ذاك مجيب (١)
وقوله تعالى: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ قال السدي: هو الإيمان والإسلام، وفيه الحياة (٢)، وعلى هذا معنى الآية: أجيبوا الرسول إذا دعاكم إلى الإيمان, والإيمان حياة القلب، والكفر موته، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الحَىَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ (٣) قيل: المؤمن من الكافر، وقال قتادة: يعني: القرآن، أي: أجيبوه إلى ما في القرآن ففيه الحياة والنجاة والعصمة (٤)، وعلى هذا القول: القرآن يحيي؛ لأنه سبب الحياة بالعلم، والجاهل حياته موت؛ لأنه يعيش بجهل (٥)، والقرآن لما كان سببًا للإقتداء كان فيه الحياة النافعة.
والأكثرون على أن معنى قوله: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ هو الجهاد (٦) وهو
стр. 5476
قول ابن إسحاق (١)، واختيار أكثر أهل المعاني (٢).
قال الفراء: إذا دعاكم إلى إحياء أمركم بجهاد عدوكم (٣)، يريد أن أمرهم إنما يقوى بالحرب والجهاد، فلو تركوا الجهاد ضعف (٤) أمرهم، واجترأ عليهم عدوهم.
وقال أبو إسحاق: أي لما يكون سببًا للحياة الدائمة في نعيم الآخرة (٥)، وسبب هذه الحياة: يعني الجهاد.
وقال ابن قتيبة: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ يعني الشهادة؛ لأن الشهداء ﴿أَحْيَاءُ عِندَ رَبِهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (٦)، وسبب الشهادة: الجهاد، وقال مجاهد: ﴿لِمَا
стр. 5477
يُحْيِيكُمْ﴾ أي للحق (١)، وهذا يحتمل كل ما ذكرنا من القرآن والإيمان والجهاد.
وحكى أبو علي الجرجاني في قوله: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ يعني الجنة، واحتج بأن الحياة الدائمة النافعة حياة الجنة كقوله : ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤]، أي: الحياة الدائمة، وهذا معنى قول عطاء (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾، قال ابن عباس والضحاك: يحول بين الكافر وبين طاعته، ويحول بين المؤمن وبين معصيته (٣)، وقال عطاء عنه: يحول بين المؤمن وبين أن يكفر به، ويحول بين الكافر وبين أن يؤمن به (٤).
стр. 5478
ونحو هذا قال سعيد بن جبير (١). وقال (٢) في رواية خُصيف (٣): يحول بين قلب الكافر وأن يعمل خيرًا. وقال السدي: يحول بين الإنسان وقلبه فلا يستطيع أن يؤمن ولا أن يكفر إلا بإذنه (٤).
قال ابن الأنباري: وهذا مذهب مجاهد (٥)، واختيار الفراء (٦)، أي: فالأمور مردودة إليه، والسعيد من أسعده، والشقي من أصله وأشقاه، و ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣].
стр. 5479
قال أصحابنا (١): وهذه الآية دليل على أن القلوب بيد الله يقلبها كيف شاء، فإذا أراد الكافر أن يؤمن والله تعالى لا يريد إيمانه (٢) حال بينه وبين قلبه (٣) وإذا أراد المؤمن أن يكفر والله لا يريد كفره حال بينه وبين قلبه.
стр. 5480
قال قتادة: معنى ذلك أنه قريب من قلبه، لا يخفى عليه شيء أظهره أو أسره (١)، قال أبو بكر: فيكون المعنى على هذا: أنه تعالى أقرب إلى المرء من قلبه، ولا تخفى عليه خافية، يدل على ذلك قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (٢).
وقال الزجاج: معناه: واعلموا أن الله مع المرء في القرب بهذه المنزلة (٣). وفي هذا تحذير شديد للعباد.
وحكى الزجاج قولًا آخر وهو أن المعنى: أنه يحول بين الإنسان وما يسوف به نفسه بالموت (٤).
ويكون المعنى على هذا أن الله (٥) يحول بين المرء وما تمنى بقلبه من البقاء وطول العمر فيسوف بالتوبة، ويقدم المعصية، أي: فاعملوا ولا تعتمدوا على ما يقع في قلوبكم من تأميل البقاء، وطول الأجل، فإن ذلك لا يوثق به.
وحكي عن مجاهد أنه قال: يحول بين المرء وعقله (٦).
стр. 5481
قال أبو بكر (١): معناه: فبادروا إلى الأعمال وأنتم تعقلون فإنكم لا تأمنون زوال العقول الذي ترتفع معه (٢) المحنة (٣)، وتحصلون على ما قدمتم قبله (٤) من العمل فإن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا.
والقلب هاهنا كناية عن العقل كما قال في غير هذا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧].
وحكى هو (٥): ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ بالموت فاعملوا قبل وقوعه، وأنتم أصحاء تصلون إلى الازدياد من الحسنات (٦).
وذكر أبو إسحاق قولًا آخر حاكيا وهو: أنهم كانوا يفكرون في كثرة عدوهم، وقلة عددهم؛ فيدخل (٧) قلوبهم الخوف؛ فأعلم الله أنه يحول بين المرء وقلبه؛ بأن يبدلّه بالخوف أمنًا (٨)، ويبدل عدوهم -بظنهم أنهم
стр. 5482
قادرون عليهم- الجبن والخوف (١)(٢).
قال أبو بكر: وذلك أن المسلمين يوم بدر لما رأوا قلتهم في العدة, وكثرة المشركين جزع بعضهم فقال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ أي: أنه قادر على (٣) أن يحوّل الجزع من قلوبكم إلى قلوب المشركين، والشجاعة من قلوبهم إلى قلوبكم حتى يكون ذلك سبب ظفركم بهم (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: للجزاء على الأعمال.
٢٥ - قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ الآية (٥)، معنى الفتنة هاهنا: البلية التي يظهر فيها باطن (٦) أمر الإنسان، وأصلها من الاختبار -كما ذكرنا قبل (٧) - وسميت البلية فتنة لأنها كالاختبار للناس (٨)؛ فمن تعرض لها وأثارها دل على سوء دخلته، ومن قعد عنها وطلب إماتتها دل على صلاح نيته وحسن سريرته.
وهذه الآية محتملة وجهين من التفسير والإعراب:
стр. 5483
أحدهما: أن هذا أمر باتقاء الفتنة التي تتعدى الظالم فتصيب الصالح والطالح جميعًا ولا تقتصر على الذين ظلموا دون غيرهم، وهذا مذهب ابن عباس؛ لأنه قال في هذه الآية: أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بالعذاب (١)؛ فعلى هذا الفتنة هو إقرار المنكر وترك التغيير له، ونحو هذا قال أبو روق والكلبي وابن زيد.
قال أبو روق: تصيب الصالح والطالح (٢).
وقال الكلبي: تصيب الظالم والمظلوم، ولا يكون بالظلمة وحدهم خاصة، ولكنها عامة (٣).
وقال ابن زيد: الفتنة: الضلالة (٤)، يعني افتراق الكلمة، ومخالفة بعضهم بعضاً.
ووجه الإعراب على هذا التفسير ما ذكره الفراء (٥) وحكاه الزجاج عنه (٦)، وهو أن قوله: ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ جزاء فيه طرف من النهي، نحو قولك: أنزل عن الدابة لا تطرحك، ولا تطرحنَّك (٧)، فهو جواب الأمر بلفظ
стр. 5484
النهي، المعنى: إن تنزل عنه (١) لا يطرحك (٢)، فإذا أتيت بالنون الخفيفة والثقيلة كان أوكد للكلام.
وشرح أبو بكر بن الأنباري هذا القول فقال: إن قال قائل كيف دخلت النون في قوله: ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ وهو خبر ولا وجه لدخولها في الأخبار.
فالجواب: أن هذا الكلام تأويله تأويل الخبر؛ إذ كان (٣) المعنى: واتقوا فتنة إن لا تتقوها (٤) لا تصيب الذين ظلموا (٥)، أي: لا تقع بالظالمين دون غيرهم لكنها تقع بالصالحين والطالحين، فلما ظهر الفعل ظهور النهي، والنهي راجع إلى معنى الأمر؛ إذ القائل إذا قال (٦): لا تقم، يريد دع القيام، ووقع هذا جوابًا للأمر أو كالجواب له، فأكد له شبه النهي فدخلت النون المعروف دخولها في النهي، ومثل (٧) هذا قوله تعالى:
стр. 5485
﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ [سُلَيْمَانُ﴾ (١) [النمل: ١٨] تأويله: إن تدخلوا لا يحطمنكم] (٢)، فدخلت النون على الخبر لشبهه لفظ النهي، قال: وسبيل النون الشديدة والخفيفة أن تدخلا في ستة مواضع: في الأمر، والنهي، والاستفهام، وجواب اليمين، و (إما) إذا كانت جزاء، و (ما) إذا كانت صلة، كقولك: قومن، ولا تقومن، وهل تقومن، وإما تقومن أقم، والله لتقومن، وعن قليل ما تندمن (٣).
стр. 5486
الوجه الثاني (١): أن هذا أمر باتقاء فتنة تقتصر على الظالم وتصيبه بليتها، وهذا الوجه مروي في التفسير أيضًا عن ابن عباس، روي عنه أنه قال: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [في الرؤوس دون الأتباع، وروى عطاء عنه: يريد: لتصيبن الذين ظلموا منكم خاصة (٢)] (٣)
وقال الحسن: نزلت في علي وعمار وطلحة والزبير (٤).
وقال الزبير: لقد قرأناها زمانا وما ندري من عني بها، فإذا نحن المعنيون بها (٥)، وقال ابنه عبد الله: لقد خوفنا بها ونحن مع رسول الله ﷺ
стр. 5487
وما ظننا أنا خصصنا بها خاصة (١).
وقال السدي: نزلت هذه الآية في أهل بدر خاصة، فأصابتهم يوم الجول فاقتتلوا (٢).
قال الحسن أيضًا: الذين ظلموا منكم خاصة فلان وفلان، وهو يوم الجمل خاصة (٣)، ونحو هذا قال مقاتل والضحاك (٤) وقتادة (٥): أن هذا في قوم مخصوصين من أصحاب رسول الله ﷺ أصابتهم الفتنة يوم الجمل (٦).
стр. 5488
ووجه إعراب الآية على هذا القول ما ذكره أبو إسحاق، وهو أن قوله: ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ [نهي بعد أمر، والمعنى: اتقوا فتنة، ثم نهى بعد، ثم (١) قال ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾] (٢) الفتنة الذين ظلموا أي: لا يتعرضن [الذين ظلموا] (٢) لما ينزل بهم معه العذاب (٣)(٤).
стр. 5489
وشرح أبو بكر هذا القول فقال: قوله: ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ نهي محض معناه: لايقصدن الظالمون هذه الفتنة فيهلكوا فلفظ النهي كأنه للفتنة، وهو للذين ظلموا، ومثله قوله: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ﴾ [النمل: ١٨] أمرتهم بالدخول ثم نهتهم أن يحطمهم سليمان فقالت: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ﴾ فلفظ النهي لسليمان ومعناه للنمل، كما تقول: لا أرينك هاهنا، فلفظ النهي لنفسك ومعناه: لا تكونن هاهنا فإني أراك (١).
قال صاحب النظم: تأويل هذا: واتقوا فتنة تصيب الذين ظلموا منكم خاصة (٢)، يريد أن في نهيه بقوله: ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ [إخبارًا أن تلك الفتنة مصيبة (٣) للذين ظلموا، كما تقول: اتق بلية لا تصيبن] (٤) المتعرض لها، يفهم من هذا أنك أمرت باتقاء فتنة تصيب من تعرّض لها، فقوله: ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ نهي في موضع وصف النكرة، وتأويله الإخبار بإصابتها الذين ظلموا، يؤكد هذا ما روي في حرف عبد الله: واتقوا فتنة أن تصيب الذين
стр. 5490
ظلموا (١)، واختار أبو علي الفارسي الوجه الثاني، وقال: إنه قول أبي الحسن (٢)، ولا يصح عندنا إلا قوله، دون القول الأول، وقال: إنه نهي بعد أمر، واستغني عن استعمال حرف العطف معه لاتصال الجملة الثانية بالأولى كما استغنى عن ذلك بقولهم (٣): ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، و ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٩]، ومحال أن يكون جواب الأمر بلفظ النهي، [ودخول النون هاهنا يمنع (٤) أن تكون ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ جوابًا للأمر] (٥)، وأطال الكلام في إبطال القول الأول ونصرة قول أبي الحسن (٦).
стр. 5491
وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [قال عطاء: يريد لمن عطّل حدوده وانتهكها (١)، وفي قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾] (٢) حث على لزوم الاستقامة خوفًا من الفتنة ومن عقاب الله بالمعصية فيها.
٢٦ - قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ الآية، قال أبو علي: هذا من الذكر الذي يكون عن النسيان، والمعنى: قابلوا حالكم التي أنتم عليها الآن بتلك الحال المتقدمة ليتبين لكم موضع النعمة فتشكروا عليه (٣)(٤)، قال الكلبي (٥) والفراء (٦): نزلت في المهاجرين خاصة.
وقال عكرمة: يعني النبي ومن معه من قريش وحلفائها ومواليها قبل الهجرة (٧). وقال الكناني: يعني حين كانوا بمكة في عنفوان (٨) الإِسلام قبل أن يكملوا أربعين (٩).
стр. 5492
وقوله تعالى: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾، قال ابن عباس (١) والكلبي (٢): في أرض مكة.
وقوله تعالى: ﴿تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾، قال ابن عباس: ﴿تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ إذ أخرجتم منها، والناس هاهنا: العرب (٣) يريد المشركين، ونحو ذلك قال الكلبي (٤) وغيره (٥)، وقال عكرمة وقتادة: هم كفار قريش (٦)، وقال وهب: يعني فارسًا والروم (٧).
وقوله تعالى: ﴿فَآوَاكُمْ﴾ أي جعل لكم مأوى ترجعون إليه وتسكنون فيه، قال ابن عباس: فضمكم إلى الأنصار (٨)، وقال السدي والكلبي والكناني: فآواكم إلى المدينة دار الهجرة (٩).
стр. 5493
﴿وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾، قال ابن عباس: يريد بقوته (١)، وقال السدي: وأيدكم بالأنصار (٢)، وقال الكلبي والكناني: وأيدكم بنصره يوم بدر بالملائكة (٣).
﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ يعني الغنائم ببدر في قول ابن عباس (٤) والكلبي (٥) والكناني (٦)، يريد أحلّها لكم ولم تحل لأحد قبلكم.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، قال عطاء: يريد: كي تطيعوا (٧)، قال أهل المعاني: وهذا تذكير بالنعمة في تقويتهم بعد الضعف، وأمنهم بعد الخوف، ونصرهم على أعدائهم، وبسط أرزاقهم (٨).
٢٧ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ الخون
стр. 5494
والخيانة والمخانة: خون الحق (١) الذي قد ضمن فيه التأدية، وخان: يتعدى إلى مفعولين، نحو: اعطى، ويجوز أن يقتصر على أحدهما، ويدلك على تعدي (خان) إلى مفعولين قول أوس:
خانتك ميّة ما علمت كما ... خان الإخاء خليلَه لبد (٢)
قال ابن عباس في رواية عطاء (٣)، والزهري (٤) والكلبي (٥) وعبد الله [بن أبي قتادة (٦)] (٧): نزلت هذه الآية في أبي لبابة (٨) حين بعثه رسول الله
стр. 5495
- ﷺ إلى قريظة لما حاصرهم، وكان أهله وولده فيهم قالوا: يا أبا لبابة ما ترى لنا؟ أننزل على حكم سعد فينا؟ فأشار أبو لبابة إلى حلقه، أي: إنه الذبح فلا تفعلوا، فكانت تلك منه خيانة لله ورسوله (١).
وقال السدي: كانوا يسمعون الشيء من رسول الله ﷺ فيفشونه ويلقونه إلى المشركين فنهاهم الله عن ذلك (٢).
وقال ابن زيد: نهاهم الله أن يخونوا كما صنع المنافقون؛ يظهرون الإيمان ويسرون الكفر (٣)، ونحو هذا قال محمد بن إسحاق، أي: لا تظهروا له من الحق ما يرضى به منكم ثم تخالفونه (٤) في السر إلى غيره (٥).
стр. 5496
وقال ابن عباس: لا تخونوا الله بترك فرائضه، والرسول بترك سنته (١).
وقوله تعالى: ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾، قال الفراء: إن شئت جعلت (وتخونوا) جزمًا على النهي، وإن شئت جعلته صرفًا (٢) ونصبته كقول الشاعر:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله (٣)(٤)
والجزم مذهب الأخفش (٥)(٦)، ويدل على صحته ما روي في حرف
стр. 5497
عبد الله، (ولا تخونوا أماناتكم) (١)، وقد ذكرنا الوجهين بالشرح في قوله: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ [البقرة: ٤٢].
وذهبت طائفة إلى أن قوله: ﴿وَتَخُونُوا﴾ جواب للنهي بالواو (٢)، والعرب تجاوب بالواو كما تجاوب بالفاء (٣)، ومنهم من يجعل الواو بدلاً من الفاء، وكلا الوجهين قد شرحنا في قوله: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ [الأنعام: ٢٧]، في قراءة من قرأ بالنصب (٤).
والأمانة هاهنا: مصدر سمي به المفعول (٥) ولذلك جمع، قال ابن عباس في رواية الوالبي: الأمانات: الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد، يعني الفرائض، يقول: لا تنقصوها (٦)(٧).
стр. 5498
وقال الكلبي: أما خيانة الله ورسوله: فمعصية الله ورسوله، وأما خيانة الأمانة: فكل أحد مؤتمن على ما افترض الله عليه إن شاء خانها، وإن شاء أداها لا يطلع عليه أحد إلا الله (١).
وقال قتادة في قوله: ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ إن دين الله أمانة (٢)، فأدوا إلى الله ما ائتمنكم عليه من فرائضه وحدوده (٣).
وهذه الأقوال توجه على قول من قال: موضع (٤) ﴿وَتَخُونُوا﴾ جزم وعلى هذا الوجه قول ابن زيد: ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ قال: يعني دينكم، وقد فعل ذلك المنافقون (٥).
وقال السدي: إذا خانوا الله ورسوله فقد خانوا أماناتهم (٦)، وهذا يتوجه على قول من يقول بالصرف، أو يجعل الواو جوابًا للنهي، بمعنى: لا تخونوا الله والرسول فتخونوا أماناتكم، أي إنكم إذا خنتم الرسول فقد خنتم أماناتكم.
واختار أبو علي الجزم وقال: يمكن أن يكون هذا من باب حذف المضاف، فيكون المعنى: ولا تخونوا ذوي أماناتكم، قال: وهذا أشبه بما
стр. 5499
قبله, وذوو الأمانة: نحو المودع والمعير والموكل والشريك ومن يدك في ماله يد أمانة لا يد ضمان (١)، ثم حذفت المضاف (٢)، وقد ذكرت إحدى مفعولي الخيانة، ولم تذكر الثاني وهو المنهي عن الخيانة فيه (٣)، وإذا لم (٤) تقدر حذف المضاف فقد ذكرت المنهي عن الخيانة فيه ولم تذكر صاحب الأمانة، كقولك: أعطيت درهمًا.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي تعلمون أنها أمانة من غير شبهة، وقيل: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [ما في الخيانة، خلاف الجهال بتلك المنزلة (٥)، وقال صاحب النظم: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾] (٦) أن ما فعلتم من الإشارة إلى الحلق خيانة لله ورسوله (٧).
٢٨ - قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي محنة (٨)، يظهر بها ما في النفس من اتباع الهوى أو تجنبه فيستحق الثواب أو العقاب.
стр. 5500
قال المفسرون: وكان لأبي لبابة مال وأهل وولد في قريظة، ولذلك مال إليهم في إطلاعهم على أن حكم سعد فيهم القتل (١).
وقال ابن زيد: فتنة: اختبار اختبرتم بها، وقرأ: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، قال ابن عباس: يريد لمن نصح لله ولرسوله وللمؤمنين، وأدى أمانته، ولم يخن نفسه ولا ربه ولا نبيه ولا أحدًا من المؤمنين (٣).
وهذه الآية بيان عن حال الأموال والأولاد في الافتتان بهما حتى يركب الإنسان كل (٤) عظيم لغلبة الهوى فيهما، فيحرم عظيم الأجر لما لا يبقى (٥) عليه من عاجل النفع.
قال عبد الله بن أبي قتادة (٦): ذكر الله تعالى أن مناصحة أبي لبابة وخيانته إنما كانت لأن أهله كان فيهم (٧).