الأولى كانت في اليقظة على ما حكينا عن ابن جريج والحسن، فهذه الثانية كررت لأن النبي ﷺ أفرد في الأولى بالذكر وعمم هو وأصحابه في هذه، وهذا الذي ذكرنا معنى قول ابن الأنباري وأبي إسحاق (١).
قال أبو إسحاق: هذه رؤية الإلتقاء، وتلك رؤية النوم، وعلى مذهب الحسن: الأول خطاب للنبي ﷺ والثاني خطاب له ولجميع من شاهد الحرب (٢).
وقوله تعالى: ﴿فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾، قال مقاتل: لما التقوا ببدر قلّل الله المشركين في أعين المؤمنين تصديقًا لرؤيا رسوله (٣).
وقال ابن مسعود: لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل إلى جنبي: تراهم سبعين قال: أراهم مائة، فأسرنا رجلاً (٤) فقلنا: كم كنتم؟ قال: ألفًا! (٥).
وقوله تعالى: ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾، قال ابن عباس: ليجترؤا عليكم ولا ينهزموا ولا يرجعوا عن قتالكم (٦)، كما قال أبو جهل ذلك اليوم: إنما محمد وأصحابه أكلة جزور (٧)، خذوهم أخذًا واربطوهم
стр. 5567
بالحبال (١)، قال الكلبي: استقل المؤمنون المشركين والمشركون المؤمنين ليجترئ بعضهم على بعض (٢).
قال أبو بكر بن الأنباري: إنه قلل المؤمنين في عيون الكافرين ليغتروا بقتلهم فلا يتأهبوا لملاقاتهم ولا يلبسوا من السلاح ما يمنعهم، فإذا لابسهم المسلمون ألفوهم غير مستعدين فظفروا بهم (٣)، وقيل: إنه قللهم في أعينهم ليحملوا عليهم من غير جبن فيغلبهم المسلمون في قلة عددهم عندهم فيكون ذلك آية للمشركين، ومنبهًا لهم على نفاذة قدرة الله تعالى (٤).
فإن قيل: ما المعنى الذي به قللوا في أعينهم مع رؤيتهم لهم؟ قيل: لطف من ألطاف الله تعالى صدهم به عن رؤية الجميع بحيث ستر بعضهم دون بعض (٥).
وقال بعض المفسرين: تقليل المسلمين في أعين المشركين كان في أول الأمر فلما نشب القتال وحمي الوطيس (٦) كثُر المسلمون في أعينهم (٧)،
стр. 5568
وذلك قوله تعالى: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ [آل عمران: ١٣].
وقوله تعالى: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾، قال ابن عباس: يريد ما وعد النبي ﷺ وهو بمكة وبعدما هاجر (١)، وكذلك سبق في علمه في اللوح المحفوظ.
وقال الكلبي: كان مفعولًا في علمه بنصر الإسلام وأهله وذل الشرك وأهله (٢)، وقال ابن إسحاق: ﴿كَانَ مَفْعُولًا﴾ [في علمه] (٣) للنقمة ممن أراد الانتقام منه، والإنعام على من أراد النعمة عليه (٤).
وقال بعض أهل المعاني: إنما كرر: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [لآن معناه في الأول: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾ , ﴿وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾] (٥) من الالتقاء على الصفة التي حصلتم عليها، ومعناه في الثاني: يقلل كل فريق في عين صاحبه ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا من إعزاز الدين وأهله (٦).
وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾، قال ابن عباس: وبعد هذا إليّ مصيركم فأكرم أوليائي وأعاقب أعدائي (٧).
стр. 5569
٤٥ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾، قال الكلبي: إذا لقيتم جماعة العدو فأثبتوا لعدوكم (١)، قال أهل المعاني: المراد: فئة كافرة وحذفت لأن الخطاب للمؤمنين وهم لا يحاربون إلا فئة من المشركين أو الباغين، فحذف للإيجاز من غير إخلال بالمعنى (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾، قال ابن عباس: أمر الله أولياءه بذكره في أشد أحوالهم، ولو أن رجلاً أقبل من المغرب إلى المشرق (٣) ينفق الأموال [سخاءً، والآخر من المشرق إلى المغرب] (٤) يضرب بسيفه في سبيل الله كان الذاكر لله أعظم أجرًا (٥)، وقال قتادة: أمر الله بذكره أشغل ما يكونون عند الضراب بالسيوف (٦).
ومن المفسرين من خص هذا الذكر بالدعاء للنصر والظفر فقال: معناه: ادعوا الله بالنصر عليهم، والظفر بهم، والتوقع لما وعدته من نصر
стр. 5570
المؤمنين (١). وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، قال ابن عباس: يريد: كي تسعدوا أو تبقوا في الجنة فإنما هما خصلتان: إما الغنيمة وإما الشهادة (٢).
٤٦ - قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، قال ابن عباس: يريد: أن طاعة الرسول طاعة الله، ولا تختلفوا فيذهب جَلَدكم وجِدكم (٣)، وقال مجاهد: نُصْرتكم، وذهبت ريح أصحاب رسول الله ﷺ حين نازعوه يوم أحد (٤)، وقال السدي: (جرأتكم) (٥)، وقال مقاتل: (حدتكم) (٦)، وقال النضر: (قوتكم) (٧)، وقال الأخفش: (دولتكم) (٨)، وقال الزجاج: (صولتكم) (٩)، وقال أهل المعاني (١٠): الريح هاهنا: كناية عن نفاذ الأمر وجريانه على المراد، والعرب تقول: هبّت ريح فلان: إذا جرى أمره على ما يريد، وركدت ريحه: إذا أدبر أمره،
стр. 5571
وهذه بلاغة حسنة، قال عبيد (١):
كما حميناك يوم النعف من شطب ... والفضل للقوم من ريح ومن عدد (٢)
وقال ابن زيد (٣) وقتادة (٤): يعني ريح النصر، لم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله يضرب بها وجوه العدو، ومنه قوله ﷺ : "نصرتُ بالصبا" (٥).
стр. 5572
٤٧ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ , قال ابن عباس (١)، ومجاهد (٢)، وقتادة (٣)، وابن جريج (٤)، والضحاك (٥)، والسدي (٦)، والقرظي (٧): هم قريش لما خرجوا ليحموا (٨) عيرهم، لفظ ابن عباس: يريد: النفير ليحوزوا العير، خرجوا بالقيان (٩)، والمعازف والمغنيات، يشربون الخمور، وتعزف عليهم القيان، فلما وردوا الجحفة بعث خفاف بن إيماء الكناني (١٠)، -وكان صديقًا لأبي جهل- إليه بهدايا مع ابن له فلما أتاه قال: إن أبي ينعمك صباحًا ويقول لك: إن شئت أن أمدك بالرجال أمددتك، وإن شئت أن أزحف إليك بمن خف معي من قرابتي
стр. 5573
فعلت (١)، فقال أبو جهل: قل لأبيك جزاك الله والرحم خيرًا إن كنا نقاتل الله كما يزعم محمد فوالله ما لنا بالله (٢) من طاقة، وإن كنا نقاتل الناس فوالله إن بنا على الناس لقوة، والله لا نرجع عن قتال محمد حتى نرد بدرًا فنشرب فيها الخمور وتعزف فيها القيان، فإن بدرًا موسم من مواسم العرب وسوق من أسواقهم حتى تسمع العرب مخرجنا فتهابنا آخر الأبد (٣)، قال المفسرون: فوردوا بدرًا وسقوا كؤوس المنايا مكان الخمر، وناحت عليهم النوائح مكان القيان (٤).
وقوله تعالى: ﴿بَطَرًا﴾، قال الزجاج: البطر: الطغيان في النعمة (٥)،
стр. 5574
وقال الليث: يقال: بطر فلان نعمة الله: أي: مرح حتى جاوز، وترك الشكر (١)، قال أهل المعاني: معنى (البطر): الخروج عن موجب النعمة من شكرها والقيام بحقها إلى خلافه (٢).
قوله تعالى: ﴿وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ معنى الرياء: إظهار الجميل ليُرى مع إبطان القبيح، راءي يرائي رياء ومراءاة، والفرق بينه وبين النفاق: أن النفاق إظهار الإيمان مع إبطان الكفر، والرياء عصيان (٣)، والنفاق كفر (٤)،
стр. 5575
وقال قتادة: هؤلاء أهل مكة خرجوا ولهم بغي وفخر، فقال رسول الله ﷺ : "إن قريشًا أقبلت بفخرها وخيلائها لتحادَّك ورسولك" (١)، وقال المفسرون: نهى الله سبحانه عباده المؤمنين أن يكونوا مثلهم، وأمرهم بإخلاص النية والحسبة في نصرة الدين، ومؤازرة النبي ﷺ حتى لا يكونوا كالذين خرجوا فخرًا وخيلاء ورياء (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، قال أبو علي الجرجاني: قوله: ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ سبب لخروجهم، أي أن البطر والرياء يحملهم على ذلك، ثم عطف عليه قوله: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهو فعل مضارع منسوق على المصدر فيحتمل هذا النظم وجوهًا (٣) منها: أن يكون قوله: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بمنزلة: وصدًا، إلا أنه رد إلى المضارع والمراد به المصدر، كما تقول في الكلام: أتيته ماشيًا ومشيًا وأمشي، ثلاثتها بمعنى واحد، ويجوز أن يكون قوله: ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ﴾ حالاً على تأويل: بطرين ومرائين، فيكون قوله: ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ حالاً صرفت إلى الاستقبال، بمعنى: وصادين، ويجوز أن يكون قوله: ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ﴾ بمنزلة
стр. 5576
يبطرون ويراؤن، فصح عطف المضارع عليه (١)، وقد يوضع المصدر موضع الفعل المضارع، سيما والمراد به الحال (٢).
ومعنى قوله: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، قال ابن عباس: يريد يضلون (٣) عند دين الله (٤)، قال أهل المعاني: وصدهم عن سبيل الله هو معاداة أهلها، وقتالهم عليها، وتكذيبهم بإجابة (٥) الداعي إليها (٦).
٤٨ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ كان هذا التزيين على ما قاله ابن عباس (٧) وابن إسحاق (٨) والسدي (٩) والكلبي (١٠):
стр. 5577
إن قريشًا لما أجمعت المسير، ذكرت الذي بينها وبين بني كنانة (١)، ومدلج (٢) من الحرب، وكانوا قد قتلوا الفاكه بن المغيرة (٣)، وعوفًا (٤) أبا عبد الرحمن بن عوف ومالك بن الشريد (٥) وكانوا يطلبونهم بدم، وكاد هذا أن يثنيهم عن الخروج من مكة، فتبدا لهم إبليس في جند من الشيطان معه رايته، في صورة سراقة بن مالك بن جعشم الكناني ثم المدلجي، وكان من أشرافهم، فقالوا: نحن نريد قتال هذا الرجل ونخاف من قومك فقال لهم: أنا جار لكم من قومي، فلا غالب لكم اليوم من الناس، ومعنى الجار هاهنا: الدافع عن صاحبه الشر كما يدفع الجار عن جاره، والعرب تقول: أنا جار لك من فلان، أي: حافظ لك من معرّته فلا يصل إليك منه مكروه.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ﴾ [قال ابن عباس: التقى الجمعان (٦)، قال الزجاج: توافقتا حتى رأت كل واحدة
стр. 5578
الأخرى (١)] (٢).
﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ النكوص: الإحجام عن الشيء، نكص ينكص نكوصًا ونكيصًا: إذا تأخر عن الشيء وجبن، وأنشد أبو عبيدة (٣) قول الكميت:
فما نفع المستأخرين نكيصهم ... ولا ضر أهل السابقات التعجل (٤)
وزاد الكسائي: نكصانًا (٥)، وقال الزجاج: نكص على عقبيه: رجع بخزي (٦)، وقال القتيبي: رجع القهقرى (٧)، وقال ابن عباس: [رجع موليًا (٨)، وقال الضحاك: ولى مدبرًا (٩)، وقال قطرب: رجع من حيث جاء (١٠).
قال الكلبي عن ابن عباس:] (١١) لما التقوا كان إبليس في صف المشركين على صورة سراقة آخذًا بيد الحارث بن هشام، فرأى عدو الله
стр. 5579
الملائكة حين نزلت من السماء -وهو روحاني يراهم- نكص على عقبيه فقال له الحارث: يا سراق أفرارًا من غير قتال، فقال (١) له: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ ودفع في صدر الحارث وانطلق (٢)، وانهزم الناس (٣)، قال الحسن في قوله: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ أي: جبريل معتجرًا (٤) ببرد (٥)، يمشي بين يدي النبي ﷺ وفي يده اللجام يقود الفرس، ما ركب (٦).
وقال محمد بن إسحاق: رأى جندًا من الملائكة، أيد الله بهم رسوله والمؤمنين (٧).
وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾، قال قتادة وابن إسحاق: صدق عدو الله في قوله: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ وكذب في قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ والله ما به مخافة الله (٨)، ولكن علم أنه لا قوة له ولا منعة، فأوردهم وأسلمهم وتلك عادة عدو الله لمن أطاعه (٩)، وقال الكلبي: خاف أن يأخذه
стр. 5580
جبريل ويعرفهم حاله فلا يطيعون (١)، ولا معنى لهذا؛ لأن إبليس غير مرئي فيعرف بالرؤية، وكيده الوسوسة والتخييل (٢).
وقال عطاء: إني أخاف الله أن يهلكني فيمن يهلك (٣)، وقال أبو إسحاق: ظن أن الوقت الذي انظر إليه قد حضر (٤)، واختار ابن الأنباري هذا القول وقال: يعني (٥) أخاف أن يكون الوقت المعلوم الذي يزول معه إنظاري قد حضر فيقع بي العذاب، لما عاين الملائكة خاف أن يكون وقت الإنظار قد انقضى (٦)، فقال ما قال اشفاقًا على نفسه (٧)(٨).
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ يجوز أن يكون متصلًا بما أخبر به عن إبليس، ويجوز أن ينقطع كلامه عند قوله: ﴿أَخَافُ اللَّهَ﴾ فقال الله. ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٩).
стр. 5581
٤٩ - قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ الآية، قال ابن عباس في رواية عطاء: المنافقون من الأوس والخزرج، والذين في قلوبهم مرض قوم (١) من قريش، كانوا مسلمين ولم يهاجروا، فلما خرجت قريش لحرب رسول الله ﷺ قالوا: نخرج مع قومنا فإن كان محمد في كثرة خرجنا إليه، وإن كان في قلة أقمنا في قومنا، وقد ذكرهم الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ في سورة النساء: [٩٧] (٢)، قال محمد بن إسحاق: ثم قتل هؤلاء جميعًا مع المشركين يوم بدر (٣).
وقوله تعالى: ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾، قال ابن عباس: إذ خرج ثلاثمائة وثلاثة عشر يقاتلون ألف رجل (٤).
وقال الوالبي عنه: إنما قالوا ذلك من قلتهم في أعينهم، وظنوا أنهم سيهزمونهم (٥) لا يشكون في ذلك، قال (٦) الله تعالى (٧): ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٨) أي: ومن يسلم أمره إلى الله ويثق به
стр. 5582
وبقضائه فإن الله حافظه وناصره؛ لأنه عزيز لا يغلبه شيء، فجاره منيع، ومن يتوكل عليه فهو مكفي، وقال عطاء عنه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ يريد قوي منيع, ﴿حَكِيمٌ﴾ في خلقه يفعل بأعدائه ما شاء من شدة العقاب، وبأوليائه النعيم والسرور (١).
٥٠ - قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ﴾ أكثر المفسرين على أن الآية عامة في جميع من قتلوا من المشركين ببدر (٢)، وقال محمد بن إسحاق: نزلت في الذين [ذكروا في الآية الأولى وهم الذين] (٣) تركوا الهجرة إلى رسول الله ﷺ فقتلوا مع المشركين (٤).
وجواب (لو) محذوف بتقدير: لرأيت أمرًا عظيمًا، وأمرًا عجيبًا، وحذف الجواب في القرآن كثير، قد سبق الكلام فيه في مواضع (٥)، والمرئي بقوله: (ترى) مدلول عليه، مفهوم من الكلام؛ لأنه يفهم منه: ولو
стр. 5583
ترى الملائكة يضربون من الكفار الوجوه والأدبار، وبناؤه على المفهوم أحسن من التصريح لأنه أفخم.
ومعنى ﴿يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: يقبضون أرواحهم على استيفائها؛ لأن الموت إنما يكون بإخراج الروح على التمام، وهذا يقتضي أن الإنسان هو الروح؛ لأنه قال: ﴿يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فهذا يوجب أن الإنسان هو الروح، ولولا هذا لم يكن قد توفاه الملك وإنما توفي بعضه وهو الروح، إلا أن يجعل من باب حذف المضاف فيقال: المعنى: يتوفى أرواح الذين كفروا وأنفسهم (١).
وقوله تعالى: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ مضارع معناه الحال، قال ابن عباس: كان المشركون إذا أقبلوا بوجوههم إلى المسلمين ضربوا وجوههم بالسيوف، وإذا ولوا ضربوا أدبارهم (٢)، ونحو هذا قال مُرة وابن جريج: أي: مقاديمهم ومآخيرهم (٣)، وتقديره: يضربون أجسادهم
стр. 5584
كلها (١)، وقال الحسن: قال رجل يا رسول الله: إني رأيت بظهر أبي جهل مثل الشراك (٢)، قال: "ذلك ضرب الملائكة" (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ فيه إضمار أي: ويقولون ذوقوا، وإنما حذف لدلالة الكلام عليه من جهة أن عقابهم لهم يقتضي أن يقولوا لهم ما يسوؤهم، وحذف القول في القرآن كثير كقوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا﴾ [البقرة: ١٢٧] أي: ويقولان (٤) ربنا، ومثله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا﴾ [السجدة: ١٢] أي: ويقولون ربنا، قال ابن عباس: يقولون لهم هذا بعد الموت (٥)، ونحو ذلك قال الحسن (٦) وغيره (٧).
وقال بعضهم: كان قول الملائكة لهم: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ في الدنيا وذلك أنه كان مع الملائكة مقامع كلما ضربوا التهبت النار في
стр. 5585
الجراحات، فذلك قوله: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ (١) والصحيح أن هذا يقوله الملائكة لهم في الآخرة (٢)
٥١ - قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ هذا إخبار عن قول الملائكة لهم، وأما محل ﴿ذَلِكَ﴾ فيجوز أن يكون رفعًا وخبره: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ ويجوز أن يكون خبره محذوفًا على تقدير: ذلك جزاؤكم بما قدمت أيديكم، [ويجوز أن يكون محل ذلك نصبًا على معنى: فعلنا ذلك بما قدمت أيديكم] (٣) وهذا معنى قول الفراء (٤).
و ﴿ذَلِكَ﴾ في هذه الآية بمعنى: هذا، أي: هذا العذاب الذي هو عذاب الحريق بما قدمت أيديكم، وذكرنا جواز أن يكون (ذلك) بمعنى: هذا عند قوله: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ١ - ٢].
وحكى صاحب النظم في معنى (ذلك) أنه نقيض (لا) فكما أن (لا) ينفي ما قبله (٥)، فـ (ذلك) تثبيت لما قبله على مناقضته [وكذلك (كلا) نفي لما قبله و (كذلك) تثبيت لما قبله] (٦) على مناقضته (كلا).
стр. 5586
ومعنى: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، قال ابن عباس: جرحت قلوبكم (١)، قال أهل المعاني: إنما قال: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ مع أن اليد لا تعقل شيئًا للبيان عن أن اعتقاد الكفر بالقلب بمنزلة ما يعمل باليد في الجناية، ولذلك لم يذكر القلوب وإن كان بها معتمد العصيان؛ لأنه قصد إظهار ما تقع به الجنايات في غالب الأمر وتعارف الناس.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ في محل (أن) وجهان: أحدهما: النصب، بمعنى: وبأن الله، قال الفراء: وهذا إذا جعلت (ذلك) نصبًا (٢)، فإن جعلت (ذلك) في موضع رفع (٣) جعلت (أن) في موضع رفع (٤) أيضًا بمعنى: وذلك أن الله (٥).
ومعنى ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، قال ابن عباس: يريد: تبين سبيل (٦) الهدى، وعرفتم سبيل الرشاد، وتربصتم عن الهجرة، وشككتم في
стр. 5587
قدرة الله ونصره رسوله (١)، وهذا الذي ذكره ابن عباس إشارة إلى أن العذاب الذي وقع بهم وقيل لهم: (ذوقوا) استحقوه بكفرهم، وجعل ذلك جزاءً على ما سلف من إجرامهم.
والصحيح أن قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ابتداء كلام لا يعود معناه إلى ما قبله من قوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ﴾ لأن قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ ليس (٢) بتعليل للعذاب ولا موجب له؛ لأن معناه: نفي الظلم، وإيجاب الحكم بالعدل، لا أنه سبب تعذيبهم فقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ سبب أوجب الحكم بالتعذيب، وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ نعت لهذا الحكم أنه عدل، وأنه ليس بجور، وإذا كان كذلك لم يحسن أن يقدر في (أن) الباء (٣)، فيقال: المعنى: وبأن الله، والوجه أن تكون (أن) في موضع رفع، ولهذا قال الكسائي: لو كسرت ألف (أن) على الابتداء كان صوابًا (٤).
فإن قيل: في هذه الآية الله تعالى نفى الظلم عن نفسه، ومن نسب إليه خلق الأفعال ثم استجاز منه العقبة على الذنوب فقد نسب الظلم إليه (٥).
стр. 5588
قيل: إن له أن يتصرف في ملكه بما يشاء، ومن كان له أن يتصرف في ملكه كما يشاء استحال نسبة الظلم إليه، ولهذا نفى الله -تعالى ذكره- الظلم عن نفسه كيلا يتوهم متوهم أنه مع خلقه كفر الكافر وتعذيبه له ظالم، فنفي ذلك وقال إنه ﴿لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ومن لم يسلك هذه الطريقة نسب العجز إلى الباري (١).
стр. 5589
٥٢ - قوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ المشبه محذوف تقديره: دأبهم كدأب آل فرعون، قال الأخفش والمؤرج وأبو عبيدة: كعادة آل فرعون (١)، [وقال أبو إسحاق: معناه: عادة هؤلاء في كفرهم كعادة آل فرعون] (٢) في كفرهم فجوزي هؤلاء بالقتل والسبي كما جوزي أولئك بالإغراق (٣).
وأصل الدأب في اللغة: إدامة العمل، يقال: فلان يدأب في كذا، أي: يداوم عليه ويواظب ويتعب نفسه (٤)، ثم سمي العادة دأبًا؛ لأن ما هو
стр. 5590
عادة فهو مواظب عليه (١).
قال المفسرون: يريد أن أهل بدر كذبوا كما كذب آل فرعون ونزل بهم كما نزل بآل فرعون (٢)، قال ابن عباس: يريد: هكذا كان دأب آل فرعون أيقنوا أن فرعون كذاب عاد في الأرض وأن موسى نبي من الله فكذبوه، كذلك أنتم جاءكم محمد بالصدق والدين فكذبتموه وجحدتم نبوته فأنزل الله بكم عقوبته كما أنزل بآل فرعون (٣)، وذلك قوله: ﴿كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ ومضى الكلام في ﴿كَدَأْبِ﴾ مستقصى في سورة آل عمران [١١].
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ﴾ أي قادر لا يغلبه شيء ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لمن كفر به وكذب رسله.
٥٣ - قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً﴾ الآية، (ذلك) إشارة إلى ما تقدم من أخذ الله بالعذاب لمن كفر بآيات الله، فـ (ذلك) ابتداء وخبره ﴿بِأَنَّ اللَّهَ﴾ وهو كما تقول: العقاب بذنوب العباد.
وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً﴾ الآية، أكثر النحويين يقولون: إنما حذفت النون لأنها تشبه بما فيها (٤) من الغنة حروف اللين، ووقعت طرفًا فحذفت تشبيهًا بها كما تقول: لم يدع، ولم يرم، ولم يك (٥).
وهذا ينتقض بقولهم: لم يزن، ولم يخن، ولم يسمع حذف النون في
стр. 5591
مثل هذا الموضع إلا من (كان) , وذلك أن (كان) و (يكون) أم الأفعال، من أجل أن (١) كل فعل فيه معنى (كان) على ما تصرف منه، ففي (ضرب) معنى: كان ضربٌ، وفي (يضرب) معنى: يكون ضربٌ، فلما قويت بأنها أم الأفعال، وكثر استعمالها للحاجة إليها احتملت هذا الحذف، ولم تحتمله نظائرها، وهذا تعليل ذكره علي بن عيسى النحوي (٢)، وسنذكر تمام هذه المسألة في سورة هود عند قوله: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾ [هود: ١٠٩] إن شاء الله تعالى (٣).
قال الكلبي: إن الله تعالى أطعم أهل مكة من جوع وآمنهم من خوف وبعث إليهم محمدًا رسولاً، وكان هذا كله مما أنعم عليهم، ولم يكن يغير عليهم ذلك لو لم يغيروا هم، وتغييرهم كفرانها، وترك شكرها، فإذا غيروا ذلك غير الله ما بهم فسلبهم النعمة، وأخذهم بالعقاب (٤)، وقال السدي: نعمة الله: محمد ﵇ أنعم به على قريش فكفروا به وكذبوه فنقله إلى الأنصار (٥).
стр. 5592
فعلى هذا هم غيّروا هذه النعمة عليهم بمحمد ﷺ بتكذيبهم وقصدهم قتله، فغير الله عليهم ما أعطاهم من نعم الدنيا وأخذهم بعذاب الآخرة.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، قال ابن عباس: يريد: سميع لقولكم، عليم بنياتكم (١).
٥٤ - قوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ يجوز أن تكون الكاف متعلقة بمحذوف قبلها كما ذكرنا في الأولى، ويجوز أن تتعلق بما بعدها وهو قوله: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ يعني: أهل مكة كذبوا بآيات ربهم كصنيع آل فرعون في التكذيب بما جاء به موسى، ثم قال: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ فذكر عقوبة الفريقين لما شبّه فعل أحدهما بفعل الآخر، ثم قال: ﴿وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ يعني آل فرعون وأهل مكة، والمفسرون على أن قوله: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ من فعل آل فرعون والذين من قبلهم (٢)، قال ابن عباس: يريد: الذين كذبوا قبل قوم فرعون (٣)، والوجه الأول (٤) صحيح مرضي قوي، ويمكن أن يحمل عليه الأول من قوله: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا﴾ (٥) الآية.
стр. 5593
٥٥ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ﴾، قال ابن عباس: يريد: الإنس خاصة (١)، ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: في معلوم الله وفي حكمه، ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ معنى (الفاء) في (فهم) عطف جملة على جملة، وكلاهما من صلة (الذين)، كأنه قيل: كفروا مصممين على الكفر فهم لا يؤمنون (٢).
قال سعيد بن جبير ومقاتل: نزلت هذه الآية في يهود قريظة (٣)، وكذلك مما بعدها من قوله: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ﴾، قال أبو بكر بن عبدس (٤): يريد: عاهدتهم، و (من) صلة (٥)، وقال غيره (٦) دخلت (من) لأن المعنى: أخذت منهم العهد.
ويمكن أن تجعل (من) للتبعيض (٧)؛ وذلك أن المعاهدة إنما تكون مع أشرافهم.
стр. 5594
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾، قال بعض أهل المعاني (١): إنما عطف المستقبل على الماضي للبيان أن من شأنهم نقض العهد مرّة بعد مرّة، قال ابن عباس (٢)، والكلبي (٣)، ومجاهد (٤)، وسعيد ابن جبير (٥)، ومقاتل (٦): هم قريظة نقضوا عهد رسول الله ﷺ وأعانوا عليه مشركي مكة ثم اعتذروا وقالوا: أخطأنا ونسينا فعاهدهم ثانية فنقضوا العهد يوم الخندق، فذلك قوله: ﴿ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾، قال ابن عباس: يريد: لا يخافون النقمة مني (٧).
وقال أهل المعاني: نقضوا العهد من غير أن يتقوا عقاب الله في عاجل أمرهم وآجله (٨).
٥٧ - قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ﴾، قال الليث: ثقفنا فلانًا في موضع كذا أي: أخذناه، ومصدره: الثقف (٩). وقال ابن دريد: ثقفت الشيء: حذقته، وثقفته: إذا ظفرت به (١٠)، واحتج بالآية، ونحو هذا قال
стр. 5595
ابن قتيبة: تظفر بهم (١)، وقال الزجاج: تصادفنهم (٢). وأصله: الإدراك بسرعة، قال مقاتل: فإن أدركتهم في القتال وأسرتهم (٣).
وهذا الحرف مما تكلمنا فيه عند قوله: ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ في سورة البقرة (٤).
وقوله تعالى: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ معنى التشريد في اللغة: التفريق على اضطراب، يقال: شرد يشرد شرودًا، وشرّده تشريدًا (٥)، ومعنى قوله: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ ما قاله الزجاج وهو: إفعل بهم فعلًا تفرق به (٦) من خلفهم (٧) ثم اختلفوا في ذلك الفعل الذي يفعل بهم، فقال عطاء: أثخن فيهم القتل حتى يخافوك غيرهم من أهل مكة وأهل اليمن (٨)، وقال ابن عباس: نكل بهم تنكيلًا يشرد غيرهم من ناقضي العهد (٩)، وجميع ما قيل
стр. 5596
في هذا يعود معناه إلى هذا القول (١)، ولقد أوجز من قال: فرق جمع كل ناقض بما تبلغ من هؤلاء (٢)، وقال مقاتل: فنكل بهم من بعدهم من العدو وأهل عهدك ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ النكال فلا ينقضون العهد (٣).
ومعنى نكل بهم: أي افعل بهم فعلًا ينكل غيرهم عنك بسبب ذلك الفعل خوفًا منك، وقال صاحب النظم: معنى ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ اقتلهم ليخافوك غيرهم فيتفرقوا عنك، وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ معنى راجع إلى (مَنْ خَلْفَهُم)؛ لأنهم إذا قتلوا فليس لذكر قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ معنى، فهو منظوم بقوله: ﴿مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ والتأويل: فشرد بقتلهم والإنكاء (٤) فيهم (مَنْ خَلْفَهُم) أي من بعدهم، يكن ذلك تخويفًا وعظة لهم، وهذا معنى قول ابن عباس: ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ لكي يتعظوا (٥).
стр. 5597
٥٨ - قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً﴾، قال ابن عباس: يريد: تعلمن (١)، وقد ذكرنا الخوف بمعنى العلم عند قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] وقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] (٢).
ومعنى (خيانة) أي نقضًا للعهد، وقوله تعالى: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾، قال الزجاج: أي انبذ عهدهم الذي عاهدتهم (٣) عليه، أي: ارم به إليهم، ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي: لتكون أنت وهم سواء في العداوة (٤)؛ فلا يتوهموا أنك نقضت العهد بنصب الحرب، وقال ابن قتيبة: يقول: إن كان بينك وبين قوم هدنة وعهد فخفت منهم خيانة ونقضًا فأعلمهم أنك قد نقضت ما شرطت لهم، وآذنهم بالحرب لتكون أنت وهم في العلم بالنقض على استواء (٥).
هذا معنى الآية، فأما حكمها فإن حملنا الخوف على العلم كما ذكره ابن عباس فلا إشكال فيه، والإمام إذا علم الخيانة ونقض العهد ممن هادنهم من المشركين بأمر ظاهر مستفيض استغنى عن نبذ العهد وإعلامهم بالحرب لأنه حينئذ لا يكون خائنًا إذا ناصبهم الحرب، وإن علم الخيانة بأمارات ظاهرة تلوح وتتضح له من غير أمر مستفيض، فحينئذ يجب على الإمام أن ينبذ العهد إليهم، وهذا هو (٦) المعني بالآية.
стр. 5598
قال المفسرون وأهل العلم (١): إذا ظهرت آثار الخيانة من عدوك وخفت وقوعهم بك فألق إليهم السلم وآذنهم بالحرب، وذلك كالذي كان من قريظة إذ أجابوا (٢) أبا سفيان ومن معه من المشركين إلى مظاهرتهم على رسول الله ﷺ بعد العهد الذي كانوا عاهدوه، فكان ذلك موجبًا لرسول الله ﷺ خوف الغدر منهم به وبأصحابه، وكذلك الحكم في كل قوم كانوا أهل موادعة للمؤمنين ظهر للإمام منهم من دلائل الغدر مثل الذي ظهر لرسول الله ﷺ من قريظة، فحق على الإمام أن ينبذ إليهم على سواء ويؤذنهم بالحرب.
وإذا اشتهرت دلائل النقض أغنت عن النبذ كما فعل رسول الله ﷺ بأهل مكة لما نقضوا العهد بقتل خزاعة وهم في ذمة النبي ﷺ لم (٣) يرعهم إلا جيش رسول الله ﷺ بمر الظهران، وذلك على أربعة (٤) فراسخ من مكة.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾، قال ابن عباس: يريد الذين خانوا مع النبي ﷺ (٥)، وقال الزجاج: الذين يخونون في عهودهم (٦) وغيرها (٧).
стр. 5599
٥٩ - قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾، قال الزجاج: معناه لا تحسبن من أفلت من هذا (١) الحرب قد سبق إلى الحياة (٢)(٣).
﴿إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد أنهم لا يعجزونني، وما أعجز عن خلقي، ولا أضعف (٤)، وقال ابن الأنباري: معنى الآية هو: أن أولئك الذين انهزموا من ذلك (٥) العرب أشفقوا من هلكة تنزل بهم في ذلك الوقت، [فلما لم (٦) تنزل طغوا وبغوا، فقال الله : لا تحسبن] (٧) أنهم سبقونا بسلامتهم الآن فإنهم لا يعجزوننا فيما يستقبلون من الأوقات (٨).
وذكرنا فيما مضى أن الحسبان يقتضي مفعولين، ولا يجوز الاقتصار على أحدهما، إلا أن المفعول الثاني خبر عن الأول، والفعل الذي هو (حسبت) متعلق بما دلت عليه الجملة.
والآية بيان عن اقتدار الله الذي لا ينفع معه حسبان للنجاة من
стр. 5600
العقاب، وأكثر القراء قرؤوا ﴿تَحْسَبَنَّ﴾ بالتاء (١) على مخاطبة النبي ﷺ و ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المفعول الأول، و ﴿سَبَقُوا﴾ المفعول الثاني، وموضعه نصب، والمعنى: لا تحسبن الذين كفروا سابقين، ومن قرأ بالياء (٢) فقال أبو إسحاق: وجهها ضعيف عند أهل العربية (٣)؛ إلا أنها جائزة على أن
стр. 5601
يكون المعنى: ولا يحسبن الذين كفروا أن سبقوا؛ لأنها في حرف ابن مسعود (أنهم سبقوا) (١) فإذا كانت كذلك فهي بمنزلة قولك: حسبت أن أقوم، وحسبت أقوم، على حذف (أن)، ويكون أقوم وقام ينوب عن الاسم والخبر، هذا كلامه (٢).
وحذف (أن) قد جاء في غير شيء (٣) كقوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ [الزمر: ٦٤]، قال سيبويه: حذف (أن) والمعنى: أن أعبد (٤).
وهو كثير في الشعر (٥)، فإذا وجهته على هذا سد (أن سبقوا) مسد المفعولين؛ كما أن قوله: ﴿أحسبت الناس أن يتركوا﴾ [العنكبوت: ٢] كذلك، وذكر أبو الحسن (٦) وجهًا آخر: وهو أنه أضمر فاعلًا (٧) للحسبان،
стр. 5602
وجعل (الذين كفروا) المفعول الأول (١)، وقال: التقدير: ولا يحسبن النبي الذين (٢) كفروا، وذكر أبو علي وجهًا ثالثًا وقال: يجوز أن يكون أضمر المفعول الأول، التقدير: لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم أو إياهم سبقوا (٣).
وأكثر القراء على كسر (إن) (٤) في قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ وهو الوجه (٥)؛ لأنه ابتداء كلام غير متصل بالأول، كقوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ [العنكبوت: ٤] وتم الكلام ثم قال: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ فكما أن قوله: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ منقطع من الجملة التي قبلها، كذلك قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾.
وقرأ ابن عامر: (أنهم) بفتح الألف (٦)، جعله متعلقًا بالجملة الأولى فيكون التقدير: لا تحسبهم سبقوا لأنهم لا يفوتون (٧) فهم (٨) يجزون على كفرهم (٩).
وقال أبو عبيد: لا أعرف لفتح (أن) وجهًا إلا أن تجعل (لا) صلة،
стр. 5603
فتقول: لا تحسبن أنهم يعجزون (١)، قال ابن الأنباري: فتح (أن) بتكرير الفعل، التقدير: لا يحسبن الذين كفروا سبقوا لا يَحْسبُنَّ أنهم يعجزون، و (لا) توكيد للكلام، كقوله تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥] (٢).
وهذا الوجه من كون (لا) زيادة ذكره الفراء (٣) وأبو إسحاق (٤) أيضًا.
٦٠ - قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الآية، قال الليث:] (٥) القوة: من تأليف قاف، وواو، وياء؛ فأدغمت الياء في الواو، ويقال: قوي الرجل يقوى قوة فهو قوي، وجمع القوة: قوى، قال تعالى: ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٥] (٦).
وقد يسمى ما يتقوى به على أمر قوة، كالذي في هذه الآية، قال ابن عباس: يريد السلاح والقسي (٧)(٨)، وقال مقاتل: السلاح
стр. 5604
والنشاب (١)(٢)، وروي أن النبي ﷺ قرأ على المنبر: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ فقال: "ألا إن القوة الرمي" ثلاثًا (٣)، قال أهل التحقيق (٤): الأولى أن يقال: هذا عام في كل ما يتقوى به على حرب العدو، ولا نخص شيئًا دون شيء (٥)، فكل ما هو من آلة الغزو والجهاد فهو من جملة ما عني الله بقوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، كما روي ليث، عن مجاهد أنه رؤي مع (٦) جوالق (٧)، وهو يتجهز للغزو فقيل: ما
стр. 5605
هذا؟ قال: هذا من القوة (١).
وتفسير النبي ﷺ القوة بالرمي لا يدل على أن المراد بالقوة الرمي دون غيره من السيف والرمح، بل الرمي أحد معاني القوة، ولم يقل: هو الرمي دون غيره.
وتمام (٢) الخبر: "ألا إن الله سيفتح لكم الأرض وستكفون المؤونة (٣)، فلا يعجزن أحدكم أن يلهو بأسهمه" (٤).
وهذه الآية دليل على أن الاستعداد للجهاد بالنبل والسلاح وتعلم الفروسية والرمي فريضة، غير أنها من فروض الكفايات.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ ذكرنا في آخر سورة آل عمران أن أصل الرباط من مرابطة الخيل وهو ارتباطها بإزاء العدو (٥)، وأكثر المفسرين على أن المراد برباط الخيل هاهنا: ربطها واقتناؤها للغزو، وهي من أقوى عدد الجهاد (٦)، وقد روي أن رجلاً قال لابن سيرين: إن فلانًا