← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.

стр. 5741

فالحرم لا يعيذ (١) عاصيًا (٢) عندنا (٣)، وقد مضى الكلام في هذا، فأما جزائر العرب فقد قال رسول الله ﷺ "لئن عشت إلى قابل لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب" (٤)، فلا يجوز تمكين المشركين من استيطانها بعدما أجلاهم عمر ﵁ بوصية رسول الله ﷺ ، ويجوز لهم الاجتياز بشرط ألا يقيم المجتاز [في موضع] (٥) أكثر من ثلاثة أيام، هذه سنة عمر فيهم (٦). وقد أكثروا في تحديد جزيرة العرب، وقد قال الشافعي -وهو أعلم الناس بذلك-: "جزيرة العرب: مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها" (٧).

стр. 5742

وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ العيلة: الفقر، يقال (١): عال الرجل يعيل عيلة فهو عائل إذا افتقر، قال ابن عباس: "يريد خفتم حاجة" (٢)، قال مجاهد (٣) ومقاتل (٤) وقتادة (٥) والمفسرون (٦): "لما منع المشركون من دخول الحرم قال المسلمون: إنهم كانوا يأتون بالمير (٧) ويتبايعون، فالآن تنقطع المتاجر ويضيق العيش فأنزل الله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، قال ابن عباس: "يريد: يتفضل عليكم بما هو أوسع وأكثر" (٨)، قال مقاتل: "أسلم أهل جدة وصنعاء

стр. 5743

وجرش (١) وحملوا الطعام إلى مكة وكفاهم الله ما كانوا يتخوفون" (٢)، وقال الضحاك وقضادة: "أغناهم الله عما خافوا من العيلة بالجزية" (٣)، وقوله تعالى: ﴿إِنْ شَاءَ﴾ قال أهل المعاني: "شرط المشيئة في الغنى (٤) لأنه علم أن فيهم من لا يبلغ هذا الغنى (٥) الموعود، وقيل لتنقطع الآمال إلى الله كما قال: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، قال ابن عباس: "عليم بما يصلحكم، حكيم فيما حكم في المشركين" (٦). ٢٩ - وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية، هذه الآية نزلت في أهل الكتاب، قال مجاهد: "نزلت حين أمر رسول الله ﷺ بحرب الروم فغزا (٧) بعد نزولها غزوة تبوك" (٨)، وقال الكلبي: "نزلت في قريظة والنضير من اليهود وأراد رسول الله ﷺ قتالهم

стр. 5744

فصالحوه، فكانت أول جزية أصابها أهل الإسلام، وأول ذل أصاب أهل الكتاب بأيدي المسلمين" (١). وإذا كانت الآية نازلة فيهم فمعنى قوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أن إقرارهم عن غير معرفة فليس بإيمان، وهذا معنى قول أبي إسحاق: "إنهم لا يؤمنون بالله إيمان الموحدين، فأعلم الله أن ذلك غير إيمان، وأن إيمانهم بالبعث ليس على جهة الإيمان لأنهم لا (٢) يقرون بأن (٣) أهل الجنة يأكلون ويشربون (٤) " (٥). وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، قال ابن عباس: "يريد من الميتة والدم ولحم الخنزير" (٦)، وقال الكلبي: "يعني الخمر" (٧)، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾، قال الكلبي: "ولا يعبدون عبادة الحق" (٨)، والحق هو الله تعالى، وروى شيبان (٩) عن قتادة: الحق هو الله

стр. 5745

ودينه الإسلام، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]: (١) [وقال أبو عبيدة: معناه] (٢) ولا يطيعون الله طاعة أهل الإسلام، وكل من أطاع ملكًا أو ذا سلطان فقد دان له، ومنه قول زهير (٣): لئن حللت (٤) بجوٍ في بني أسد ... في دين عمرو وحالت بيننا فدك (٥) أي في طاعة عمرو، وطى هذا التقدير: لا يدينون دين أهل الحق، أي طاعة أهل الإسلام فحذف المضاف، وقوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، قال ابن عباس: "يريد من اليهود والنصارى والصابئين" (٦)،

стр. 5746

وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾، قال الحسن: "قاتل رسول الله، ﷺ أهل هذه (١) الجزيرة من العرب على الإسلام ولم يقبل منهم غيره، وكان أفضل الجهاد، وكان بعده جهاد آخر على هذه الطعمة (٢) -يعني الجزية- في شأن أهل الكتاب وهو قوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ (٣). والجزية هي (٤): ما يعطي المعاهد على عهده، وهي (فِعْلة) من جزى يجزي إذا قضى ما عليه، وقوله: ﴿عَنْ يَدٍ﴾، قال ابن عباس: "هو أنهم

стр. 5747

يعطونها بأيديهم يمشون بها كارهين ولا يجيئون بها ركبانًا، ولا يرسلون بها" (١). وهو قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أي: ذليلون مقهورون يتلتلون بها تلتلة (٢)، يريد أنهم يُجرّون إلى الموضع الذي تقبض منهم فيه (٣) بالعنف حتى يؤدوها من يدهم، وروى يحيى بن آدم (٤) عن عثمان البُري (٥) في قوله: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ قال: "نقد (٦) ليس بنسيئة" (٧).

стр. 5748

وذكر أهل المعاني في قوله: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ أقوالاً:- روى أبو عبيد عن أبي عبيدة قال: "كل من انطاع (١) لمن قهره فأعطى عن غير طيبة نفس فقد أعطى عن يد" (٢)، ومعنى هذا أنه أعطى عن ذل واستسلام كما يقال: أعطى فلان بيده: إذا ذل واعترف بالانقياد، ودل على هذا قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، قال القتيبي: "يقال أعطاه عن يد، وعن ظهر يد: إذا أعطاه مبتدئًا غير مكافيء" (٣)، وهذا بالعكس أولى؛ فإنهم يبذلون الجزية دفعًا عن رقابهم ومكافأة للمسلمين بإقرارهم على دينهم، ولكن المعنى ههنا "عن يد" أي عن غير مكافأة [منكم إياهم] (٤) بما أعطوا من المال (٥)، وذكر أبو إسحاق فيه أوجهًا (٦): أحدها (٧): ﴿عَنْ يَدٍ﴾ أي عن ذلٍ واعترافٍ للمسلمين بأن أيديهم فوق أيديهم. والثاني: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ عن قهر وذلٍ، كما تقول اليد في هذا لفلان أي: الأمر النافذ لفلان (٨).

стр. 5749

والثالث: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ أي: عن إنعام عليهم بذاك؛ لأن قبول الجزية منهم (١) وترك أنفسهم لهم نعمة عليهم ويد من المعروف جزيلة (٢) " (٣). وحكى غيره: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ أي: عن جماعة، لا يعفى عن ذي فضل منهم لفضله" واليد: جماعة القوم، يقال: القوم على يد واحدة أي هم مجتمعون (٤)، ومنه قوله ﷺ (٥) "وهم يد على من سواهم" (٦) يعني هم جميعاً، كلمتهم ونصرتهم واحدة على جميع الملل، وقال أبو علي: "ويجوز ﴿عَنْ يَدٍ﴾: عن ظهور عليهم وغلبة لهم من قولهم: لا يد لي (٧) به أي لا قوة لي عليه" (٨). وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ قد ذكرنا قولًا واحداً فيه عن ابن عباس، وهو أنهم يمشون بها من غير ركوب ولا توكيل (٩)، وقال عطاء: "يريد ذليلًا قائمًا على رجليه وهو صاغر" (١٠)، يعني أنه يعطي ذلك عن قيام

стр. 5750

ولا يجلس، وهذا قول عكرمة (١)، وقال الكلبي: "هو أنه إذا أعطى الجزية صفع في قفاه" (٢)، وقيل: معنى الصغار ههنا: "هو إعطاؤهم إياها" (٣). فأما حكم هذه الآية: فاعلم أن المشركين فريقان: فريق هم عبدة الأوثان، وعبدة ما استحسنوا، فهؤلاء لا يقرون على دينهم بأخذ الجزية ويجب قتالهم حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وفريق هم أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى والصابئون (٤) والسامرة (٥) وهذان الصنفان (٦) سبيلهم في أهل الكتاب سبيل أهل البدع فينا، وكذلك المجوس سبيلهم سبيل أهل الكتاب؛ لأن النبي ﷺ : "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" (٧)، ويروى أنه

стр. 5751

عليه الصلاة والسلام أخذ الجزية من مجوس هجر (١)، فهؤلاء يجب قتالهم حتى يعطوا الجزية، ويعاهدوا المسلمين على أداء الجزية. وأما قدرها فقال أنس: "قسم رسول الله ﷺ على كل محتلم دينارًا" (٢)، وقسم عمر ﵁ على الفقراء من أهل الذمة اثنى عشر درهمًا، وعلى الأوساط (٣) أربعة وعشرين، وعلى أهل الثروة ثمانية وأربعين درهما (٤)، قال أصحابنا: "وأقل الجزية دينار ولا يزاد على الدينار إلا بالتراضي (٥)، فإذا رضوا والتزموا الزيادة ضربنا على المتوسط دينارين وعلى الغني أربعة دنانير، والاختيار في الابتداء إليهم، فإذا قبلوا وجب

стр. 5752

على الإمام تقريرهم في بلاد الإسلام، إلا أن يخاف فتنة، فالمصلحة مفوضة إلى اجتهاده، فإن قبل الواحد منهم أربعة دنانير ثم بدا له وأراد أن يقر في بلاد الإسلام بدينار واحد لم يكن له إلى ذلك سبيل، فإن نقض العهد كلفناه (١) الخروج إلى دار الحرب، فإن قبل بعد النقض دينارا واحدا لزمنا (٢) تقريره (٣)، قال المفسرون: "وإنما أقر هؤلاء على دينهم بأخذ الجزية حرمة لآبائهم الذين انقرضوا على الحق من شريعة التوراة والإنجيل؛ ولأن في أيديهم كتابهم فربما يتفكرون وينظرون فيعرفون صدق محمد ﷺ ونبوته، فأمهلوا لهذا المعنى" (٤). ومصرف الجزية مصرف الفيء ولا يجوز صرف شيء منها إلى مصرف الصدقات (٥).

стр. 5753

٣٠ - قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ الآية، قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير وعكرمة (١): "أتى رسول الله ﷺ جماعة من اليهود: سلام بن مشكم (٢) والنعمان بن أوفى (٣) وشاس (٤) بن قيس ومالك ابن الصيف (٥) فقالوا: كيف نتبعك وأنت (٦) قد تركت قبلتنا، وأنت لا تزعم

стр. 5754

أن عزيرًا بن الله؟ فأنزل الله في قولهم هذه الآية" (١). وقال عبيد (٢) بن عمير: "إنما قال هذه المقالة رجل واحد من اليهود اسمه فنحاص بن عازوراء (٣) " (٤)، فعلى هذا أوقع الله عليه (٥) اسم الجماعة على مذهب العرب في قولها: ركبت البغال ولعله (٦) لم يركب إلا واحداً قاله ابن الأنباري (٧)، وقال غيره: "إذا كان فيهم من يذهب إلى هذا القول جاز أن ينسب إليهم كما تقول: المعتزلة تقول كذا، وإن كانت طائفة منهم تقوله" (٨). وأما السبب الذي لأجله قالوا هذه المقالة فقال ابن عباس في رواية عطية: "إن اليهود أضاعوا التوراة وعملوا بغير الحق فرفع الله عنهم التابوت، وأنساهم التوراة، ونسخها من صدورهم، فدعا الله عزير وابتهل إليه أن يرد إليه الذي نسخ من صدورهم، فنزل نور من السماء فدخل جوفه فعاد إليه الذي كان ذهب (٩) من جوفه [من التوراة] (١٠)، فنادى في قومه: قد

стр. 5755

رد الله إليّ التوراة، وطفق يعلمهم، ثم إن التابوت نزل بعد ذلك فعرضوا ما كان فيه على الذي كان عزير يعلمهم فوجدوه مثله، فقالوا: والله ما أُوتي عزير هذا إلا لأنه (١) ابن الله" (٢)، فسبب هذه المقالة عند جميع المفسرين تجديد عزير التوراة لهم عن ظهر قلبه بعد ذهابها عنهم، وإن اختلفوا في كيفية الذهاب، فابن عباس في رواية عطية ذهب إلى ما ذكرنا، وذهب الكلبي إلى قتل بُخْتُنَصَّر (٣) علماءهم (٤)، وذهب السدي إلى أن العمالقة ظهرت عليهم فقتلوهم (٥). واختلف القراء في"عزير" فقرؤوه بالتنوين وبغيره (٦)، قال أبو إسحاق: "الوجه إثبات التنوين؛ لأن "ابن" (٧) خبر، وإنما يحذف التنوين

стр. 5756

في الصفة نحو قولك: جاءني زيد بن عمرو، فيحذف التنوين لالتقاء الساكنين ولأن النعت والمنعوت كالشيء الواحد، فإذا كان خبرًا فالتنوين، [وقد يجوز حذف التنوين] (١) على ضعف لالتقاء الساكنين وقد قرئت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:١،٢] فحذف (٢) التنوين (٣) لسكونه وسكون اللام (٤)، وفيه وجه آخر أن يكون الخبر محذوفًا ويكون معناه: عزير ابن الله معبودنا (٥) فيكون "ابن" نعتا (٦)، ولا اختلاف بين النحويين أن إثبات التنوين أجود" هذا كلامه (٧). وقد شرح أبو علي وأبو الفتح (٨) ما ذكره أبو إسحاق وهو أن من نون "عزيرًا" جعله مبتدأ وجعل "ابن" خبره، وإذا كان كذلك فلا بد من إثبات التنوين في حال السعة والاختيار؛ لأن "عزيرًا" ونحوه ينصرف عجميًا كان أو عربيًا، وأما من حذف التنوين فإن حذفه على وجهين: أحدهما: أنه

стр. 5757

جعل الصفة والموصوف بمنزلة اسم واحد نحو قولهم: لا رجل ظريف، وحذف التنوين ولم يحرك لالتقاء الساكنين كما يحرك في زيد العاقل؛ لأن الساكنين كأنهما التقيا في تضاعيف كلمة واحدة فحذف الأول منهما ولم يحرك لكثرة الاستعمال، ولا يجوز إثبات التنوين إذا كان الابن صفة وإن كان الأصل؛ لأنهم جعلوه من الأصول المرفوضة كما أن إظهار الأول من المثلين في نحو ضننوا لا يجوز في الكلام، وإذا كان "عزير" مع "ابن" بمنزلة اسم مفرد، والاسم المفرد لا يكون جملة مستقلة مفيدة في هذا النحو فلا بد من إضمار جزء آخر يقدر انضمامه إليه ليتم جملة وتجعل الظاهر [إما مبتدأ و] (١) إما خبر المبتدأ فيكون التقدير: صاحبنا أو نسيبنا أو نبينا عزير ابن الله، إن قدرت المضمر المبتدأ، وإن قدرته بعكس ذلك جاز، فهذا أحد (٢) الوجهين. فإن قلت (٣): فإن من أجرى ابنا صفة على عزير ولم ينون فقد أخبر عنه أيضًا بأنه ابن كما أخبر عنه من نون عزيرًا فأي فرق بين الحالين (٤)؟ والجواب عن ذلك: أنك إذا قلت: زيد ظريف فجعلت ظريفًا خبرًا عن زيد، فقد استأنفت الآن تعريف هذه الحال وإفادتها للسامع، وإذا قلت: هو زيد الظريف، فإنما أخبرت عن ذلك المضمر بأنه زيد، وأفدت هذا من حاله ثم حليته بالظريف، أي هو زيد المعروف قديمًا بالظرف،

стр. 5758

وليس غرضك أن تفيد الآن أنه حينئذٍ (١) استحق عندك (٢) الوصف بالظرف فهذا أحد الفروق بين الخبر والوصف، فكذلك أيضًا لو كان تقديره: هو عزير الذي عرف قديما بأنه ابن الله، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا (٣) جاز حذف التنوين وساغ، بل وجب ذلك، وليس المعنى كذلك، إنما ذكر الله عنهم أنهم أخبروا بهذا الخبر، واعتقدوا هذا الاعتقاد (٤). الوجه الآخر: أن لا تجعلهما اسما واحداً ولكن تجعل الأول المبتدأ والآخر الخبر، فيكون المعنى فيه على هذا كالمعنى في إثبات التنوين، وتكون القراءتان (٥) متفقتين، إلا أنك حذفت التنوين لالتقاء الساكنين، كما تُحذف حروف اللين لذلك في نحو: رمى القوم، وقاضي البلد، ويدعو الإنسان، كذلك (٦) حذف التنوين لالتقاء الساكنين وهو مراد؛ لأنه ضارع حروف اللين بما فيه من الغنة، ألا ترى أنه قد جرى مجراها في نحو: لم يك زيد منطلقا، وقد أدغم [في الياء والواو كما أدغم] (٧) كل واحد منهما في الآخر بعد قلب الحرف إلى ما يدغم فيه (٨)، وأبدلوا الألف من النون

стр. 5759

نحو: رأيت زيدًا، و ﴿لَنَسْفَعًا﴾ [العلق: ١٥] فإذا اجتمعت النون مع حروف اللين في هذه المواضع وشابهتها جاز أن تتفق معها في الحذف لالتقاء الساكنين، وعلى هذا ما يروى من قراءة بعضهم: "أحدُ الله" (١)، وقد جاء ذلك في الشعر كثيراً، قال حميد (٢): حميدُ الذي أمج داره ... أخو الخمر ذو الشيبة الأصلع وقال ابن الرقيات (٣): تذهل الشيخ عن بنيه وتبدي ... عن خدام العقيلةُ العذراءُ (٤) وأنشد أبو زيد (٥):

стр. 5760

إذا غطيف السلمي فرا وأنشد أبو العباس (١): عمرو (٢) الذي هشم الثريد لقومه وقال آخر (٣): وحاتم الطائي وهاب المئي

стр. 5761

وأنشدوا أيضًا (١): والله لو كنت لهذا خالصًا ... لكنت عبدًا آكل الأبارصا أي آكلاً" (٢)، وهو في الشعر كثير. قال أبو علي: "الوجه في هذه القراءة: الحمل على الوجه الأول؛ لأنه لم يستمر (٣) حذف التنوين في الكلام، وإن حصلت المشابهات بين النون وحروف (٤) اللين (٥) " (٦). وقال أبو الفتح: الاختيار: الوجه الثاني، وإن كان فيه ضرورة؛ لأنه أشبه، لموافقته معنى (٧) قراءة من نون وجعل "ابنًا" خبرًا عن"عزير" (٨). وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾، قال المفسرون في سبب شرك النصارى بهذه الكلمة: "إنهم كانوا على الحق بعدما رفع

стр. 5762

عيسى حتى وقع حرب بينهم وبين اليهود، وكان في اليهود رجل شجاع يقال له: بولس (١) قتل جملة من أصحاب عيسى (٢)، ثم قال لليهود: إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا والنار مصيرنا، ونحن مغبونون إن دخلوا الجنة ودخلنا النار، وإني أحتال فأضلهم، فعرقب فرسه (٣)، وأظهر الندامة مما كان صنع، ووضع على رأسه التراب (٤)، وقال: نوديت من السماء: ليست لك توبة إلا أن تتنصر وقد تبت، فأدخله النصارى الكنيسة ومكث سنة لا يخرج، وتعلم الإنجيل، فصدقوه وأحبوه، ثم مضى إلى بيت المقدس واستخلف عليهم رجلاً اسمه نسطور (٥)، وعلمه أن عيسى ومريم

стр. 5763

والإله كانوا ثلاثة (١)، ثم توجه إلى الروم وعلمهم اللاهوت والناسوت (٢)، وقال: لم يكن عيسى بإنس ولا جسم ولكنه ابن الله، وعلم رجلاً يقال له: يعقوب (٣) ذلك، ثم دعا رجلاً يقال له: ملكا (٤) فقال له: إن الإله لم يزل ولا يزال عيسى، ثم دعا هؤلاء الثلاثة وقال لكل واحد منهم: أنت خالصتي فادع الناس إلى نحلتك، ولقد رأيت عيسى في المنام فرضي عني، وإني غدًا أذبح نفسي لمرضاة عيسى، ثم دخل المذبح فذبح نفسه (٥)، ودعا كل واحد من هؤلاء الثلاثة الناس إلى نحلته، فتبع كل واحد طائفة من الناس، واقتتلوا واختلفوا إلى يومنا هذا" (٦)، فجميع النصارى من الفرق الثلاث.

стр. 5764

وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾، قال ابن عباس: "يريد: كذبا منهم وافتراءً"، وقال أهل المعاني: "أي يقولونه بألسنتهم من غير علم وليس يرجع قولهم إلى معنى صحيح (١) فهو لا يجاوز الفم، والمعنى الصحيح ما رجع إلى اضطرار (٢) أو (٣) برهان" (٤)، قال الزجاج: "المعنى: إنه ليس فيه برهان ولا بيان إنما هو قول بالفم لا معنى تحته صحيح، لأنهم (٥) معترفون بأن الله لم يتخذ صاحبة فكيف يزعمون أن له ولدًا، فإنما هو تكذيب (٦) وقول فقط" (٧)، وقال ابن الأنباري: "القول يكون باللسان ويكون بالقلب، وقول القلب هو الذي يقع عليه اسم الظن، ولهذا المعنى ذهبت العرب بالقول مذهب الظن، فقالوا (٨): أتقول عبد الله خارج؟، ومتى تقول: محمد منطلق؟ يريدون متى تظن، قال الشاعر (٩): أما الرحيل فدون بعد غد ... فمتى تقول الدار تجمعنا؟ ولو لم يقل: ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ لجاز أن يذهب الوهم إلى قول القلب وقد

стр. 5765

بين الله هذا في قوله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون:١] الآية، فلم كذب الله قول ألسنتهم بل كذب قول قلوبهم. وقوله تعالى: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ المضاهاة: المشابهة، قال الفراء: " [يقال ضاهيته] (١) ضهًا ومضاهاة" (٢)، هذا قول أْكثر أهل اللغة في المضاهاة (٣)، وقال شمر: "قال قالد بن جنبه (٤): المضاهاة: المتابعة، فلان يضاهي فلانًا أي: يتابعه" (٥)، قال ابن عباس: "يريد (٦): يتشبهون بقول الأمم الخالية" (٧)، وهذا قول مجاهد والحسن واختيار أبي علي، قال مجاهد: "يضاهئون قول المشركين حين قالوا: اللات والعزى ومناة بنات الله" (٨)، وقال الحسن: "شبه كفرهم بكفر الذين مضوا من الأمم الكافرة" (٩).

стр. 5766

وقال أبو علي: "يشبه أن يكون "الذين (١) كفروا": المشركين الذين لا كتاب لهم لأنهم ادعوا في الملائكة أنها بنات الله، قال: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ [النحل: ٥٧] وقال: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١)﴾ [النجم: ٢١] وقال: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٠] (٢). وقال ابن الأنباري: "يشابهون في قولهم قول (٣) المشركين إذ زعموا أنهم يعبدون ثلاثة: الله وعيسى ومريم، وقال المشركون: نعبد اللات والعزى ومناة" (٤)، وعلى ما ذكر ابن الأنباري: الفعل في ﴿يُضَاهِئُونَ﴾ يرجع إلى النصارى دون اليهود، وهو قول قتادة والسدي إلا أنهما جعلا المشابهة من وجه آخر وهو أنهما قالا: "ضاهت النصارى قول اليهود من قبل، فقالت النصارى: المسيح ابن الله، كما قالت اليهود: عزيرٌ ابن الله" (٥) فجعلا (٦) ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ اليهود، وهو قول ابن عباس في رواية الوالبي قال: "ضاهت النصارى قول اليهود قبلهم (٧) " (٨).

стр. 5767

وقال الزجاج: "معناه (١): يشابهون في قولهم هذا من تقدم من كفر منهم، أي إنما قالوه اتباعًا لمن تقدم منهم، الدليل على هذا قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] أي قبلوا فهم أن (٢) العزير والمسيح ابنا الله" (٣)، وهذا اختيار ابن قتيبة؛ لأنه قال: "يريد أن من كان في عصر النبي ﷺ من اليهود والنصارى يقولون ما قاله أولوهم" (٤)، فأما قول المفسرين في معنى: ﴿يُضَاهِئُونَ﴾ فقد ذكرنا قول ابن عباس، وقال مجاهد: "يواطئون" (٥)، وقال الحسن: "يوافقون" (٦). وقرأ عاصم ﴿يُضَاهِئُونَ﴾ مهموزًا (٧)، قال أحمد بن يحيى (٨): لم يتابع عاصمًا أحد (٩) على الهمز (١٠) " (١١)، قال الليث: "وربما همزوا

стр. 5768

فيه" (١)، وحكى ابن الأنباري: "ضاهيت وضاهأت" (٢)، قال أبو علي (٣): "يشبه أن يكون ما قرأ به عاصم من الهمز لغة (٤) فيكون في الكلمة لغتان، مثل أرجيت وأرجأت" (٥). وقوله تعالى: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾، قال ابن عباس وأكثر المفسرين: "لعنهم" (٦). قال الأزهري: "وليس هذا من القتال الذي هو بمعنى المحاربة بين اثنين؛ لأن قولهم: قاتله بمعنى لعنه، من واحد" (٧)، وقال ابن جريج: " ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ أي قتلهم الله، وهو بمعنى التعجب" (٨).

стр. 5769

وقال أهل المعاني: "عاداهم الله" (١)، فعبر عن هذا بالمقاتلة لما بين المقاتلين (٢) من العداوة، وقال ابن الأنباري: "وهذا تعليم لنا الدعاء عليهم، معناه: قولوا إذا دعوتهم عليهم: قاتلهم الله، أي لعنهم الله" (٣)، كذا قال المفسرون في: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾، والمقاتلة أصلها من المقتول أُخبر عن الله بها كانت بمعنى اللعنة؛ لأن من لعنه الله فهو بمنزلة المقتول الهالك. وقوله تعالى: ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ الإفك: الصرف، يقال: أُفك الرجل عن الخير أي قلب وصرف، ورجل مأفوك: أي مصروف عن الخير، يقول: كيف يصدون ويصرفون عن الحق بعد وضوح الدليل حتى يجعلوا لله الولد (٤)؟! وهذا التعجب (٥) إنما هو راجع إلى الخلق، والله لا يتعجب من شيء (٦)، ولكن هذا الخطاب على عادة العرب في مخاطباتهم، والله تعالى

стр. 5770

عجيب نبيه من تركهم الحق وإتيانهم الباطل (١) في زعمهم. ٣١ - قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ﴾، قال أبو عبيد: الأحبار: "الفقهاء" (٢)، واختلفوا في واحده فبعضهم يقول: حَبْر، وبعضهم يقول حِبْر، قال: وقال الفراء: "إنما هو حِبْر، يقال ذلك للعالم". وقال الأصمعي: "لا أدري أهو الحَبر أو الحِبر للرجل العالم" (٣).

стр. 5771

وكان أبو الهيثم يقول: واحد الأحبار حَبر بالفتح لا غير، وينكر الكسر (١) (٢). ابن السكيت عن ابن الأعرابي: حِبْر وحَبْر للعالم (٣). [وقال الليث: "هو حِبْر وحَبْر للعالم] (٤) ذميا كان أو مسلما بعد (٥) أن يكون من أهل الكتاب" (٦). والكلام في الرهبان قد مضى عند قوله: ﴿قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ [المائدة: ٨٢] (٧). وقال أهل المعاني: "الحبر: العالم الذي صناعته تحبير المعاني بحسن البيان عنها، والراهب: الخاشي الذي يظهر عليه لباس الخشية، وكثير استعماله في متنسكي النصارى" (٨). قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾: فقهاؤهم

стр. 5772

وعبادهم" (١). وقال الضحاك: "علماؤهم وقراؤهم" (٢). وقال عدي بن حاتم: "انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يقرأ من سورة براءة فقرأ هذه الآية، فقلت له: إنا لسنا نعبدهم! وكان عدي نصرانيا، فقال: "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه (٣)؟ " فقلت بلى، فقال: "فتلك عبادتهم" (٤). وقال أبو البختري (٥) في هذه الآية: "أما إنهم لم يصلوا لهم، ولو

стр. 5773

أمروهم أن يعبدوهم من دون الله ما أطاعوهم، ولكنهم أمروهم فجعلوا حلال الله حرامه، وحرامه حلاله فأطاعوهم، فكانت تلك الربوبية" (١). وقال الربيع: "قلت لأبي العالية: كيف كانت تلك (٢) الربوبية في بني إسرائيل؟ فقال: إنهم وجدوا في كتاب الله ما أمروا به وما نهوا عنه، (فقالوا (٣): لن نسبق أحبارنا بشيء) (٤)، فما أمرونا به ائتمرنا، وما نُهينا (٥) عنه انتهينا، فاستنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم" (٦). قال أهل المعاني: "معناه: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم كالأرباب حيث (٧) أطاعوهم في كل شيء، كقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾ [الكهف: ٩٦] أي كنار" (٨). وهذا بيان أن مخالف أمر الله في التحريم والتحليل كالمشرك في عبادة الله، لأن استحلال ما حرم الله كفر بالإجماع، وكل كافر مشرك، ومن اعتقد طاعة أحد لعينه أو لصفة فيه فأطاعه في خلاف ما أمر الله فهو من الذين ذكروا في هذه الآية أنهم كانوا يعتقدون وجوب طاعة أحبارهم،

стр. 5774

فأخبر الله تعالى أنهم اتخذوهم أربابًا. وقوله تعالى: ﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾، قال ابن عباس: "يريد: اتخذوه ربًا" (١). [وقوله ] (٢) ﴿وَمَا أُمِرُوا﴾، قال: يريد في التوراة والإنجيل" (٣)، ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ وهو الذي ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ (٤) سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ نزه نفسه أن يكون له ولدٌ، أو شريك، قال الزجاج: "معناه: تنزيها له عن شركهم" (٥). ٣٢ - وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾، قال ابن عباس: "يريدون أن يخمدوا دين الله بتكذيبهم" (٦)، فمعنى نور الله في قول أكثرهم: الإسلام (٧)، يعني أنهم يكذبون به، ولعرضون عنه، يريدون إبطاله بذلك. وقال الكلبي: "يردون (٨) القرآن بألسنتهم تكذيبًا له" (٩)، وقوله تعالى: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾.

стр. 5775

قال الفراء: "لم يجىء عن العرب حرف على (فعل) (يفعل) مفتوح العين في الماضي والغابر إلا وثانيه أو ثالثه أحد حروف الحلق، غير أبى يأبى، جاء نادرًا" (١)، ويقال: رجل أبيٌّ، وأبيان (٢)، وأباء: ذو إباء شديد، وأخذه إباء (٣): إذا كان يأبى الطعام فلا يشتهيه. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾، قال ابن عباس: "إلا أن يظهر دينه" (٤). قال الفراء: "دخلت (إلا) لأن في (أبيت) طرفًا من الجحد، ألا ترى أن (أبيت) كقولك: لم أفعل (٥)، ولا أفعل، ولولا ذلك لم يجز دخول (إلا) كما إنك لا تقول: ضربت إلا أخاك، ولا ذهب إلا أخوك، [دون أن تقول: ضربت القوم، وذهب القوم] (٦) وأنشد: فهل (٧) لي أم غيرها إن تركتها ... أبى الله إلا أن أكون لها ابنما (٨) (٩)

стр. 5776

وقال الزجاج: "دخلت (إلا) ولا جحد في الكلام، وأنت لا تقول: ضربت إلا زيدا؛ لأن الكلام غير دال على المحذوف، وإذا قلت: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ فالمعنى: ويأبى الله كل شيء إلا إتمام نوره، والحذف مستعمل مع الإباء" (١)، وأنكر قول الفراء فقال: "لو جاز ما قال على أن فيه طرفًا من الجحد لجاز: كرهت إلا أخاك، ولا دليل ههنا على المكروه ما هو؟ ولا من هو؟ فـ (كرهت) مثل (أبيت) [إلا أن أبيت] (٢) الحذف مستعمل معها (٣) " (٤). ٣٣ - قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾، قال ابن عباس: "يريد: محمدًا ﷺ (٥) ﴿بِالْهُدَى﴾ قال: بالقرآن (٦)، وقيل: بالبيان الذي يؤدي إلى نعيم الثواب في الجنة" (٧)، ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾، قال ابن عباس: "يريد الحنيفية" (٨)، ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [قال ابن عباس: "ليظهر الرسول على الدين كله" (٩)] (١٠) يعني (١١): ليعلمه شرائع الدين كلها فيظهر

стр. 5777

عليها حتى لا يخفى عليه منها شيء. وقال في رواية عطاء: "ليعليه على جميع الأديان" (١)، وعلى هذا اختلفوا: فقال أبو هريرة والضحاك: "ذلك عند خروج عيسى" (٢). وقال السدي: "ذلك عند خروج المهدي لا يبقى أحد إلا دخل في دين الإسلام، أو أدى الخراج" (٣)، وقال الكلبي: "لا تقوم الساعة حتى يكون ذلك" (٤). وقال أهل المعاني: "معناه: ليعلي دين الإسلام على كل دين بالحجة

стр. 5778

والغلبة" (١)، وقد صح ظهوره عليها فحجة هذا الدين أقوى الحجج، والغلبة لهذا الدين على سائر الأديان؛ فإن أهل الإسلام يغزون أهل سائر الملل، [وأهل سائر الملل] (٢) لا يغزون أهل الإسلام (٣). وقيل: أراد في جزيرة العرب (٤)، وحصل ذلك بإجلاء أهل الذمة منها، وظهور الدين فيها كلها. ٣٤ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ﴾ قال ابن عباس: "يريد أن كثيراً من الفقهاء والعباد من أهل

стр. 5779

الكتاب" (١)، وقال السدي: "أما الأحبار فمن اليهود، وأما الرهبان فمن النصارى" (٢). وقوله تعالى: ﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ هو ما ذكرنا في مواضع من أخذهم الرشى (٣) في الحكم وما كانوا يصيبونه من المآكل من سفلتهم، وخافوا ذهاب ذلك عنهم بتصديق النبي ﷺ لو صدقوه، فصرفوا الناس عن الإيمان به، فذلك قوله (٤): ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، قال ابن عباس: "يريد قريظة والنضير وصدهم (٥) عن طاعة الله" (٦)، قال أهل المعاني: "أراد بقوله: ﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ يتملكونها، فوضع يأكلون موضعه؛ لأن الأكل عرّضهم لذلك" (٧). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ ذكر في محل "الذين" قولان: أحدهما: النصب بالعطف على اسم إن، فيكون المعنى

стр. 5780

ويأكلها الذين يكنزون. والثاني: الرفع بالاستئناف (١)، والقولان مبنيان على سبب النزول. واختلفوا في نزول الآية، فالأكثرون على أن قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ﴾ إلى آخره مستأنف نازل في هذه الأمة، قال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ يريد: من المؤمنين" (٢)، وقال السدي: "أما الذين يكنزون الذهب والفضة فهم أهل القبلة" (٣)، وروي عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية فقال: هم أهل الكتاب، وهي خاصة [عامة] (٤)، قال أهل العلم: "أراد أن الآية نازلة في أهل الكتاب وهي خاصة] (٥) فيمن لم يؤد الزكاة من المسلمين، عامة في جميع أهل الكتاب من أنفق ومن (٦) لم ينفق؛ لأنهم كفار لا تقبل منهم نفقاتهم وإن أنفقوا" (٧)، وقال أبو ذر: "كنت بالشام فقرأت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ فقال معاوية: ليست هذه الآية فينا، إنما هذه الآية في أهل الكتاب، فقلت: إنها لفينا وفيهم" (٨).
следующие страницы →