← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.

стр. 6371

بِقُوَّةٍ﴾، ذكره أبو علي (١)، ومن كسر (٢) حمله على القول المضمر؛ لأنه مما قد أضمر كثيرًا في القرآن، والتقدير: فقال لهم: إني نذير مبين، والكلام في هذا على وجهه ولم يرجع إلى الخطاب بعد الغيبة. ٢٦ - قوله تعالى: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾، حمل أبو إسحاق قوله ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا﴾ على معنى نذير مبين؛ فقال (٣): المعنى: لقد أرسلنا نوحًا إلى قومه بالإنذار ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ أي (٤) أنذركم لتوحدوا الله وتتركوا عبادة غيره، وحمل أبو علي (٥) ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا﴾ على الإرسال، كما حمل ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ كأنه قال نوح: أرسلت بأني لكم نذير مبين، وبأن لا تعبدوا إلا الله، ومن قرأ "إني" بكسر الألف (٦) كان قوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ اعتراضًا بين الفعل والمفعول، هذا معنى كلامه، وقول أبي إسحاق أظهر. وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾، قال الزجاج (٧): إنما وصف اليوم بالأليم؛ لأن الإيلام فيه يقع، والمعنى عذاب يوم مؤلم.

стр. 6372

٢٧ - قوله تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾، قال ابن عباس (١) والمفسرون (٢): يعني: الأشراف ورؤساء القوم وكبراءهم ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ لا فضل لك علينا ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ أي لم يتبعك الملأ منا وإنما اتبعك أخساؤنا، قال ابن عباس (٣): يريد: المساكين الذين لا عقول لهم ولا شرف ولا مال، وهذا كقوله في الشعراء: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]. قال الزجاج (٤): نسبوهم إلى الحياكة، والصناعات لا تضر في باب الديانات، والرذل (٥) الدون من كل شيء في منظره وحالاته، ورجل رذل الثياب، والفعل رذل يرذل رذالة، وأرذل الشيء جعله رذلًا؛ يقال: أرذل فلان دراهمي، فالأراذل (٦) يجوز أن تكون جمع الجمع، والواحد رذل والجمع أرذل (٧) ثم يجمع على أراذل، كقولك: كلب وأكلب وأكالب، ويجوز أن يكون جمع الأرذل إذا جعلته اسمًا كالأساود في جمع الأسود من الحيات، هذا قول بعضهم، قال: الأصل فيه هو أرذل من كذا ثم كثر حتى قالوا هو الأرذل، فصارت الألف واللام عوضًا من الإضافة.

стр. 6373

وقوله تعالى: ﴿مَا نَرَاكَ﴾، ﴿نَرَاكَ﴾ عند الفراء (١) لغو اعترض به وكأنه قيل: وما اتبعك، قال أبو علي (٢): لا يجوز أن يكون "نراك" اعتراضًا؛ لأنه قد تعدى إلى المفعول فلا يحسن الاعتراض به، ولو لم يتعد لحسن، كما تقول: زيد ظننت منطلق، ولو ألغيته وقد عديته إلى مفعول لم يجز، فإن قلت فقد قال الشاعر (٣): وما أراها تزال ظالمة ... تحدث لي قرحة وتنكأها فعدى أرى إلى الضمير، وجعل أراها اعتراضًا، قيل: إن الضمير في قوله (أراها) كناية عن المصدر [فلا يقتضي مفعولًا ثانيًا، وفي قوله "نراك" المفعول للخطاب، والخطاب لا يكون كناية عن المصدر] (٤)، فلا تكون الآية في قياس البيت. وقوله تعالى: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾، البادي (٥): الظاهر، من قولك: بدا

стр. 6374

الشيء إذا ظهر، ومنه يقال للبرية: بادية لظهورها وبروزها للناظر، واختلفوا في معنى ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ فذكر أبو إسحاق (١) فيه وجهين: أحدهما: اتبعوك في الظاهر، وباطنهم على خلاف ذلك. قال: ويجوز أن يكون: اتبعوك في ظاهر الرأي، ولم يتدبروا ما قلت ولم يتفكروا. والوجه الأول روى معناه عطاء الخراساني عن ابن عباس (٢): في قوله ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ قال: فيما ظهر لنا. وذكر ابن الأنباري (٣) وجهًا آخر، فقال: معناه اتبعك سفلتنا أو سقطاؤنا، فيما يظهر من أمرهم لنا ولغيرنا، أي الذي وصفناهم به من الانتقاص لهم والازدراء بهم ظاهر لجميع من يراهم، وليس ذلك أمرًا يغيب ويغمض فيخالفنا فيه غيرنا. قال: وإلى هذا المعنى ذهب مقاتل بن سليمان (٤)، و ﴿الرَّأْيِ﴾ على هذا من رأي العين، لا من رأي القلب، وكذلك في الوجه الأول الذي ذكره الزجاج، ويؤكد ما ذكره ابن الأنباري من مذهب مقاتل بن سليمان: ما رواه عبد الوهاب بن مجاهد (٥)، عن أبيه (٦) قال: معناه إلا الذين هم أراذلنا رأي

стр. 6375

العين (١). هذا كله على قراءة من قرأ (بادي) من غير همز (٢)، ومن قرأ بادئ بالهمز (٣) فقال أبو عليّ الفارسي (٤): هاتان الكلمتان يعني: بادي وبادئ متقاربتان في المعنى؛ لأن الهمز فيها بمعنى: ابتداء الشيء وأوله، واللام إذا كانت واوًا كان المعنى: الظهور، وابتداء الشيء يكون ظهورًا، وإن كان الظهور قد يكون ابتداء وغير ابتداء، ولذلك ما (٥) تستعمل كل واحدة من الكلمتين في موضع الأخرى كقولهم: أما بادي بدء فإني أحمد الله، وأما بادئ باد فإني أحمد الله. وأما المعنى على هذه القراءة، فقال أبو إسحاق (٦) والزجاج (٧): اتبعوك ابتداء الرأي، أي حين ابتدأوا ينظرون، ولو فكروا [لم يتبعوك، ونحو هذا قال ابن الأنباري (٨): أي ابتدءوك أول ما ابتدؤوا ينظرون، ولو فكروا] (٩) لم يعدلوا عن موافقتنا في تكذيبك.

стр. 6376

ونحوه قال أبو علي (١): أراد اتبعوك في أول الأمر من غير أن يتبعوا الرأي بفكر وروية فيه. وهذه الأقوال معناها واحد، وذكرتها لزيادة البيان، قال غير هؤلاء: معنى قوله: ﴿أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ أول ما نراهم نزدريهم ونسترذلهم. قال ابن الأنباري (٢): ويجوز لمن ترك الهمز في بادي أن ينوي اصطحاب الهمز ويحتج بأن الهمز مُلَيَّن ومعناه مطلوب، وبنحو من هذا قال أبو علي (٣)، وقد يجوز في قول من همز أن يخفف ويقول: بادي، فتقلب الهمزة ياء لانكسار ما قبلها، فيكون كقولهم (٤): (مِيَر) في جمع ميرة، و (ذِيَب) في جمع ذيبة. قال أبو بكر: وانتصاب المهموز وغير المهموز بالاتباع على مذهب المصدر، أي اتبعوك اتباعًا ظاهرًا أو اتباعًا مبتدأ. وقال أبو إسحاق (٥): فأما نصب ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ فعلى اتبعوك في ظاهر الرأي، وعلى ظاهر الرأي، ومن قال: بادي فعلى ذلك نصبه. وهذا الذي قاله أبو إسحاق مخالف لما قاله أبو بكر، وشرح أبو علي (٦) قولة أبي إسحاق، وذلك أنه لما قال: في ظاهر الرأي، وعلى ظاهر الرأي جعله ظرفًا فقال أبو علي: اسم الفاعل جاز أن يكون ظرفًا كما جاز في (فعيل)

стр. 6377

نحو قريب ومليء؛ لأن (فاعلًا) و (فعيلاً) يتعاقبان على المعنى، نحو عالم وعليم وشاهد وشهيد ووالي وولي، قال: والعامل في هذا الظرف هو قولى: "اتبعك"، التقدير: ما اتبعك في أول رأيهم، أو في ما ظهر من رأيهم، إلا أراذلنا، فأخّر الظرف، وأوقع بعد (إلا) ولو كان بدل الظرف غيره لم يجز، ألا ترى أنك لو قلت: ما أعطيت أحدًا إلا زيدًا درهمًا، فأوقعت بعد (إلا) اسمين لم يجز؛ لأن الفعل أو معنى الفعل في الاستثناء يصل إلى ما انتصب بتوسط الحرف [ولا يصل الفعل بتوسط الحرف] (١) إلى أكثر من مفعول، ألا ترى أنك لو قلت: استوى الماء والخشبة، فنصبت الخشبة لم يجز أن تتبعه اسمًا آخر ينصبه، كذلك المستثنى إذا لحقته (إلا) وأوقعت بعدها اسمًا مفردًا لم يجز أن تتبعه آخر، وجاز ذلك في الظرف لأن الظرف قد اتسع فيه في مواضع، ألا ترى أنهم قالوا: كم في الدار رجلاً ففصلوا بينهما في الكلام (٢). وقوله تعالى: ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾، قال ابن عباس (٣): يريد التكذيب له ولما جاء به من النبوة، وهل الفضل كله إلا بالنبوة، ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ يريد ليس هذا من الله. قال ابن الأنباري (٤): وجمعت الكاف في خطاب نوح بعد توحيدها

стр. 6378

في أول الآية؛ لأنه ذهب إلى مخاطبة نوح وأصحابه، كما قال عزت أسماؤه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١] فجمع بعد التوحيد. ٢٨ - قوله تعالى: ﴿قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾، قال ابن عباس: يريد على يقين من ربوبية ربي (١) وعظمته، وروي عنه: على بصيرة ومعرفة (٢). وقال أهل المعاني: عني بالبينة هاهنا: البرهان من جهة المعجزة التي تشهد بصحة النبوة، وخصهم بهذا في المناظرة؛ إذ هو طريق العلم بالحق، لا ما التمسوا من (٣) اختلاف الخلق في قولهم ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾. قال ابن الأنباري (٤): ودخول الشرط في قوله ﴿إِن كُنتُ﴾ لا يوجب شكًا لحق النبي في أمره، لكن الشك لاحق للمخاطبين، وتلخيص الكلام: قل أرأيتم إن كنت على بينة من ربي عندكم، وفيما يصح من عقولكم وتقبله أفهامكم، فدخل الشرط في كلام (٥) النبي ﷺ لهذا الترتيب. وقوله تعالى: ﴿وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾، قال ابن عباس (٦): يريد النبوة، قال أبو بكر: وإنما جعلت رحمة؛ لأن الله ينتاش (٧) بها الخلق

стр. 6379

من العطب والهلكة، وقال بعض أهل المعاني (١): وذكر الرحمة هاهنا نقضًا عليهم فيما ادّعوه من أنه ليس عليهم (٢) فضل، فبين ذلك بالنبوة والهداية إلى الحق من جهة البرهان المؤدي إلى العلم. وقوله تعالى: ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾، ذكر ابن الأنباري (٣)، وأبو علي (٤) وغيرهما، فيه وجهين: أحدهما: أن معناه: فخفيت عليكم؛ لأن الله سلبكم علمها ومنعكم معرفتها لعنادكم الحق، وأنشد أبو علي قول رؤبة (٥): ومهمه أطرافه في مهمه ... أعمى الهدى في الحائرين العمه أي خفي الهدى. ألا ترى أن الهدى ليس بذي جارحة تلحقها هذه الآفة، قال: ومن هذا قيل للسحاب العما؛ لإخفائه ما يخفيه كما قيل له الغمام. الوجه الثاني: أن يكون عموا هم عنها، ألا ترى أن الرحمة لا تعمى وإنما يُعمى عنها، فيكون هذا كقولهم: أدخلت القلنسوة في رأسي، ونحو

стр. 6380

ذلك مما يقلب إذ لم يكن فيها إشكال، وفي التنزيل: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ (١)، قال الشاعر (٢): ترى الثور فيها مدخل الظل رأسه ... وسائره باد إلى الشمس أجمع وهذا مذهب الفراء (٣)، والوجه الأول معناه (٤): خفيت عليكم بإخفاء الله تعالى؛ لأنكم لم تسلكوا الطريق المؤدي إليها، والوجه الثاني معناه القلب، وهو تصرف في الكلام من غير إخلال بالمعنى (٥)، إذ هو ظاهر للأفهام، وهذا قراءة عامة القراء (٦)، ويؤكده إجماعهم على قوله ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ﴾ (٧) أنه بالتخفيف. وقرأ أهل الكوفة (٨) ﴿فَعَمِيَتْ﴾ مشددة مضمومة العين، قال أبو

стр. 6381

بكر (١): معناه: فعماها الله تعالى عليكم؛ إذ كنتم ممن حكم عليه بالشقاء، يؤكد هذا التأويل وهذه القراءة: قراءة أبي "فعماها عليكم" (٢)؛ يعني: الله؛ لأنه اتصل بذكره جل وعز، قال أبو إسحاق (٣): هذا ما أجابهم به من قولهم: إن الذين اتبعوك إنما اتبعوك غير محققين، [فأعلمهم أنهم محققون] (٤) بهذا القول؛ لأنه إذا كان على بينة فمن آمن به فعالم بصير، ومن لم يفهم البينة فقد عمي عليه الصواب. قوله تعالى: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾، قال أبو بكر (٥): الهاء تعود على الرحمة والمعنى: أنلزمكم قبولها، قال: وإلي هذا المعنى ذهب مقاتل بن سليمان قال المفسرون وأهل المعاني (٦): يقول: لا نقدر أن نلزمكم من ذات أنفسنا ما أنتم له كارهون، والدليل على صحة هذا التأويل قراءة ابن عباس "أنلزمكموها من شطر أنفسنا" (٧) يعني من تلقاء أنفسنا، وهذا استفهام معناه الإنكار، يعني لا نقدر على ذلك، والذي عليّ أن أدل بالبينة، وليس عليّ

стр. 6382

أن أضطركم إلى المعرفة إذ كرهتم. وروى سعيد عن قتادة (١) قال: والله لو استطاع نبي الله لألزمها قومه، ولكنه لم يملك ذلك ولم يملكه (٢)، وفي ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ ثلاث مضمرات: ضمير المتكلم، وضمير المخاطب، وضمير الغائب، وأجاز الفراء (٣) إسكان الميم الأولى، وروى ذلك عن أبي عمرو؛ قال: وذلك أن الحركات توالت فسكنت الميم، وهي أيضًا مرفوعة وقبلها كسرة، وتستثقل كسرة بعدها ضمة، أو ضمة بعدها كسرة، قال الزجاج (٤): وجميع النحويين البصريين لا يجيزون إسكان حرف الإعراب إلا في اضطرار الشعر، فأما ما يروى عن أبي عمرو فلم يضبطه عنه الفراء (٥)، وروى عنه سيبويه أنه كان يخفف الحركة ويختلسها، وهذا هو الحق، وإنما يجوز الإسكان في الشعر كقوله (٦):

стр. 6383

فاليوم أشربْ غير مستحقب ٢٩ - قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْه﴾، قال ابن الأنباري (١): الكناية تعود (٢) على معنى الرحمة في قوله: ﴿وَآتَانِي رَحْمَةً﴾، وهي معنى الهدى والإيمان. وقال غيره (٣): الهاء (٤) كناية عن تبليغ الرسالة، وقد سبق معناه فاستدل عليه وكنى عنه، وكذا قال المفسرون: لا أسألكم جعلاً على تبليغ الرسالة، وقال عطاء: يريد على ما أدعوكم إليه. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، قال ابن جريج (٥): إنهم سألوه طرد الذين آمنوا به ليؤمنوا به؛ أنفة من أن يكونوا معهم على سواء. وقال أبو إسحاق (٦): هذا يدل على أنهم سألوه أن يطردهم. وقال ابن الأنباري: سألوه (٧) طرد المؤمنين عنه، الذين هم سفلة عندهم، [فقال: لا يجوز لي طردهم إذ كانوا يلقون ربهم فيجزيهم بإيمانهم] (٨)، ويأخذ لهم ممن ظلمهم وصغر شؤونهم، وهذا معنى قول أبي

стр. 6384

إسحاق (١) في قوله ﴿إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾، قال ابن عباس: يريد: تجهلون ربوبية ربكم وعظمته (٢)، وقال أهل المعاني: تجهلون أن هؤلاء خير منكم لإيمانهم بربهم وكفركم به. ٣٠ - قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ﴾، قال الفراء (٣): يقول: من يمنعني من عذاب الله، وكذلك ما في القرآن منه (٤)، والنصر من كذا: المنع منه، ومعنى الآية إذا طردت المؤمنين كان ذلك ذنبًا ارتكبته، فمن يدفع عني عذاب الله، وهذا دليل على أن العالم يلزمه مصابرة المتعلم، ولا يجوز له طرده والامتناع عما يطلب من العلم، ولو لم يصبر كان تعرض للعقوبة. ٣١ - قوله تعالى: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾، ذكرنا معنى الخزائن في مثل هذه الآية في سورة الأنعام (٥)، قال ابن عباس في هذه الآية: يريد مفاتيح الغيب. قال أبو بكر (٦): الخزائن هاهنا يعني بها غيوب

стр. 6385

الله وما هو مطوي عن الخلق، وإنما وجب أن يكون هذا جوابًا من نوح ﵇ لهم لما قالوا: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ﴾ الآية، فادَّعوا أن هؤلاء المؤمنين اتبعوه في ظاهر ما يرى منهم، وهم في الحقيقة غير متبعين له، فقال مجيبًا لهم: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ غيوب الله التي يعلم منها ما ينطوي عليه الناس ويضمرونه، ولا أعلم ما يغيب عني مما يسترونه في نفوسهم؛ فسبيلي قبول إيمانهم الذي يظهر لي، ومضمراتهم لا يعلمها إلا الله، فقيل للغيوب: خزائن لغموضها على الناس واستتارها عنهم، كما يقال: خزن المال: إذا غيبه. [وقوله: ﴿وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾، هذا جواب لقولهم: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ أي: لا ينبغي أن تحتجوا عليّ بأمر لا أدعيه] (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ﴾، قال أبو إسحاق (٢): ﴿تَزْدَرِي﴾ تستقل وتستبخس (٣)، يقال: أزريت على (٤) الرجل: إذا عبت عليه وخسست فعله، وأصل تزدري: تزتري، إلا أن هذه التاء تبدل بعد الزاي دالاً؛ لأن التاء من حروف الهمس، وحروف الهمس خفية، والتاء بعد الزاي تخفى فأبدل منها الدال لجهرها، وكذلك (يفتعل) من الزينة والزيادة (٥).

стр. 6386

وقال ابن عباس (١): ﴿لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ﴾ يريد: تحتقر وتستصغر، يعني المؤمنين. ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ [وذلك أنهم قالوا: هم أراذلنا، فقال نوح: لا أقول إن الله لا يؤتيهم خيرًا] (٢)، ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾، قال الزجاج (٣): أي إن كنتم تزعمون أنهم إنما اتبعوني في ظاهر الرأي، فليس علي أن أطلع على ما في نفوسهم، فإذا رأيت من يوحد الله عملت على ظاهره، ورددت علم ما في نفوسهم إلى الله. وقوله تعالى: ﴿إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، قال ابن الأنباري (٤): أي إن طردتهم تكذيبًا لظاهرهم ومبطلاً لإيمانهم. ٣٤ - قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾، قال ابن عباس (٥) في رواية عطاء: يريد أن يضلكم، وقال الحسن (٦): يهلككم، وهو معنى وليس بتفسير؛ وذلك أنه لما كان يؤدي إلى الإهلاك فسر به. وقال ابن الأنباري (٧): في قوله تعالى: ﴿أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ ثلاثة أجوبة للمفسرين وأهل اللغة: منها أن يوقع الغي في قلوبكم لما سبق لكم من

стр. 6387

الشقاء، وقال بعضهم: أن يهلككم، قال: وهذا الجواب مرغوب عنه؛ لأنه يخالف الآثار، ومذاهب الأئمة، ولا يعرف الصادقون من أهل اللغة هذا من كلام العرب؛ إذ المعروف عندهم: أغويت فلانًا إذا أضللته بشر دعوته إليه وحسنته له، وغوي هو إذا ضل، [ويروى عن غير واحد من الصحابة أنه فسر يغويكم: يضلكم، هذا كلامه] (١). قال أصحابنا: فبان بهذه الآية أن الإغواء بإرادة الله تعالى، وأنه إذا أغوى فلا هادي لذلك الغاوي (٢). ثم ذكر نوح ﵇ دليل المسألة فقال: ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾، قال ابن عباس: يريد: هو إلهكم وسيدكم وخالقكم، وتأويله: أنه إنما يتصرف في ملكه فله التصرف كيف شاء (٣). ٣٥ - قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾، هذا من الاستفهام المتوسط (٤)، وقد ذكرناه في مواضع، ومعنى ﴿افْتَرَيْتُهُ﴾ اختلقه وافتعله

стр. 6388

وجاء به من عند نفسه، والهاء تعود إلى الوحي الذي أتاهم به. وقوله تعالى: ﴿فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾، الإجرام: اقتراف السيئة واكتسابها. قال الزجاج (١): ويقال جرم في معنى أجرم، ورجل مجرم وجارم، وهذا من باب حذف المضاف؛ لأن المعنى فعليّ إثم إجرامي أو عقوبة إجرامي. قاله أبو علي (٢) وغيره. وقال أهل المعاني (٣): في الآية محذوف دل عليه الكلام، وهو أن المعنى إن كنت افتريته فعلي عقاب إجرامي، وإن كانت الأخرى فعليكم عقاب تكذيبي، فحذف ما حذف لدلالة الباقي عليه، كقوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٩]، ولم يذكر المشبه به. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾ أي: من الكفر والتكذيب، والمعنى: أنه ليس علي من إجرامكم عائدُ ضرر، وإنما عائد الضرر عليكم، فاعملوا على تذكر هذا المعنى، وأكثر المفسرين (٤) على أن هذا من محاورة نوح قومه. وقال مقاتل (٥): ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ يعني (٦) محمدًا ﷺ ، يقول المشركون: افترى القرآن، وهذه الآية معترضة بين قصة نوح ﵇.

стр. 6389

٣٦ - قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾، قال ابن عباس (١) وغيره: لما جاءه هذا من عند الله دعا على قومه، فقال: ﴿لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] الآية وما بعدها. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾، قال الفراء (٢) والزجاج (٣): لا تحزن ولا تستكن، قال ابن عباس (٤): يريد فلا تُغم، وقال أبو زيد (٥): ابتأس الرجل إذا بلغه شيء يكرهه، وأنشد أبو عبيد (٦): ما يُقْسِمِ الله أَقْبَلَ غير مبتئسٍ ... منه وأقعُدْ كريمًا ناعم البال أي غير حزين ولا كاره، قال المفسرون (٧): يقول لا تحزن فإني مهلكهم ومنقذك، وهذا تسلية من الله لنوح عن قومه بما أعلمه (٨) من حالهم.

стр. 6390

٣٧ - قوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾، قال ابن عباس (١): بمرأى منا، وقال الضحاك (٢): بمنظر منا، وقال الربيع (٣): بحفظنا، وقال الزجاج (٤): بإبصارنا إياك وحفظنا لك. هذا كلامهم، والمعنى بحيث نراها، فكنى عن يرى بأعين على طريق البلاغة، وتأويله: بحفظنا إياك حفظ من يراك، ويملك (٥) دفع السوء عنك، وقيل (٦): بأعين أوليائنا من الملائكة (٧) الموكلين بك، وحكى ابن الأنباري عن بعض المفسرين بأبصارنا إليك، وهذا معنى ما ذكرنا، هذا (٨) طريقة المحققين، وهي موافقة لما حكينا من أقوال أئمة المفسرين. وقال أبو بكر (٩): جمع العين هاهنا على مذهب العرب في إيقاعها الجمع على الواحد، وهذا قول أصحاب الأثر والنقل يقولون الأعين يُعنى بها العين، وعين الله لا تفسر بأكثر من ظاهرها، ولا يسع أحدًا أن يقول: كيف هي أو ما صفتها، وهذه طريقة السلف (١٠).

стр. 6391

وقوله تعالى: ﴿وَوَحْيِنَا﴾، قال ابن عباس (١): وذلك أنه (٢) لم يعلم كيف صنعة الفلك، فأوحى الله إليه أن يصنعها على مثل جؤجؤ الطائر، فعلى هذا المعنى اصنعها على ما أوحينا إليك من صفتها وحالها، ويجوز أن يكون المعنى بوحينا إليك أن اصنعها. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي﴾، قال الخليل (٣): الخطاب مراجعة الكلام، يقال: خاطبته خطابًا. فجعل الخطاب اسمًا لما يتردد بين المتكلمين من ابتداء وجواب، والكلام إذا تضمن المسألة قيل فيه خاطب، ومنه قوله: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي﴾ أي لا تسألني في معناهم (٤)، قال ابن عباس (٥):

стр. 6392

يريد: لا تراجعني ولا تحاورني ولا تسألني. وقوله تعالى: ﴿فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، قال الزجاج (١) وأبو بكر: في إمهال الذين ظلموا، أو في تأخير العذاب عنهم، ويراد بالذين ظلموا قومه، قال ابن الأنباري: فدعا نوح بعد هذا القول طاعة لله واتباعًا لأمره علي قومه، فقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ﴾ [نوح: ٢٦] الآية، وقيل: المراد بالذين ظلموا امرأته وابنه كنعان (٢). ٣٨ - قوله تعالى: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ﴾، قال أبو علي الجرجاني: معناه: وأقبل يصنع فاقتصر على قوله: ﴿وَيَصْنَعُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾، قال محمد بن إسحاق (٣): قالوا: يا نوح صرت بعد النبوة نجارًا؟ وقال عامة المفسرين (٤): إنهم رأوه ينجر الخشب، ويبني شبه البيت العظيم، فإذا سألوه عن ذلك قال: أعمل سفينة تجري في الماء، ولم يكونوا رأوا قبل ذلك السفينة، ولا ماء هناك يحمل مثلها، فكانوا يتضاحكون ويتعجبون من عمله لها، فقال نوح: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾، قال أبو إسحاق (٥): إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم كما تستجهلون. وقال ابن الأنباري (٦): إن تسخروا منا لما ترون من صنعة الفلك فإنا نعجب من

стр. 6393

غفلتكم عما قد أظلكم من العذاب. وقال بعض المفسرين (١). إن تسخروا منا الساعة، فإنا نسخر منكم بعد الغرق، ووقوع البوار بكم. وقال أهل المعاني (٢): سمى الثاني سخرية، [وليس بسخرية] (٣) في الحقيقة؛ ليتفق اللفظان فيكون اتفاقهما أخف على اللسان، وقد مضى لهذا نظائر. ٣٩ - قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ الآية، قال ابن عباس (٤): هذا وعيد وتهديد، وقال الزجاج (٥): أعلمهم ما يكون عاقبة أمرهم، أي فسوف تعلمون من أحق بالخزي ومن هو أحمد عاقبة. وفي قوله: ﴿مَنْ يَأْتِيهِ﴾ وجهان: أحدهما: أن يكون استفهامًا بمعنى (أي)، كأنه قيل: فسوف تعلمون أينا يأتيه عذاب، وعلى هذا محله رفع بالابتداء. والثاني: أن يكون بمعنى (الذي) ويكون في محل النصب. وقوله تعالى: ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ﴾ أي: يجب عليه وينزل به، وسنذكر استقصاء هذا الحرف عند قوله: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ في سورة طه [٨١] إن شاء الله. وقوله تعالى: ﴿عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ يعني عذاب الآخرة.

стр. 6394

٤٠ - قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ أي: أمرنا بعذابهم وإهلاكهم. وقوله تعالى: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾، اختلفوا في معنى التنور؛ فقال ابن عباس (١) في رواية الضحاك: ظهر الماء على وجه الأرض، وقيل لنوح ﵇: إذا رأيت الماء على وجه الأرض، فاركب أنت وأصحابك، وهذا قول عكرمة والزهري وابن عيينة (٢)، ورواية الوالبي أيضاً عن ابن عباس (٣). وقال قتادة (٤): ذكر لنا (٥) أنه أرفع الأرض وأشرفها، جعل ذلك علامة بين نوح ﵇ وبين ربه . قال أبو بكر (٦): والمعنى على هذا: ونبع الماء من أعالي الأرض ومن الأمكنة المرتفعة، فشبهت لعلوها بالتنانير. روي عن علي (٧) ﵁ أنه قال: هو تنوير الصبح، ومعناه: طلع الفجر، قال أبو بكر: ومن ذهب إلى هذا قال: المعنى وبرز النور

стр. 6395

وظهر الضوء, وتقضى الليل، فشبه تتابع الأضواء والأنوار بخروج النار من التنور. وقال ابن عباس (١) في رواية عطية وعطاء: يريد التنور الذي يخبز فيه، قال الحسن (٢): وكان تنورًا من حجارة، وكان لآدم وحواء حتى صار إلى نوح، وقيل له: إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت وأصحابك. وقال مقاتل بن سليمان (٣) عن عدة من أهل التفسير: فار التنور من أقصى دار نوح بعين وردة من أرض الشام. وقال مجاهد (٤): نبع الماء من التنور فعلمت به امرأته فأخبرته، وكان ذلك بناحية الكوفة، وهو قول الشعبي (٥) واختيار الفراء (٦)، قال: هو تنور الخابز، ونحو هذا قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس (٧). قال أبو بكر (٨): والقول الذي يذهب إليه: هو أن التنور تنور الخبز؛

стр. 6396

لأن الحمل على الظاهر الذي (١) هو حقيقة أولى من العمل على المجاز، والتمثيل. وأما التنور في اللغة (٢)؛ فقال الليث (٣): التنور عمت بكل لسان وصاحبه تنار (٤). قال الأزهري: وهذا يدل على أن الاسم أعجمي فعربته العرب [فصار عربيًا] (٥) علي بناء فعول، والدليل على ذلك أن أصل بنائه تنر، ولا يعرف في كلام العرب نون قبل راء، وهو نظير ما دخل من كلام العجم في كلام العرب، مثل الديباج والدينار والسندس والاستبرق ولما تكلمت بها العرب صارت عربية. وقوله تعالى: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾، قال أبو الحسن الأخفش (٦): يقال للاثنين هما زوجان، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩] قال الحسن (٧): السماء زوج، والأرض زوج، والشتاء زوج، والصيف زوج، والليل زوج، والنهار زوج، حتى يصير الأمر إلى الله ﷻ الفرد الذي لا يشبهه شيء، ويقال للمرأة هي

стр. 6397

زوج، وللرجل (١) هو زوجها، وقال تعا لي: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١] [يعني المرأة، فالواحد يقال له زوج كما ذكرنا، وقد يقال للاثنين هما زوج] (٢)؛ قال لبيد (٣): زوج عليه كِلَّة وقِرامُها ففسر الزوج بشيئين، ويدل على أن الزوج يقع على الواحد قوله تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٤٣) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ (٤) فالزوجان في قوله: ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾ يراد بهما الشياع، وليس يراد بذلك الناقص عن الثلاثة، قال ابن عباس (٥) في قوله: ﴿احْمِلْ فِيهَا﴾ يريد في السفينة ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾؛ الذكر زوج والأنثى زوج، وهو قول الحسن (٦) ومجاهد (٧)

стр. 6398

وقتادة (١) والضحاك (٢)، قالوا ذكرا وأنثى. وقرأ حفص (٣) ﴿مِن كُلٍّ﴾ بالتنوين أراد من كل شيء، ومن كل زوج زوجين اثنين، فحذف المضاف إليه، ويكون انتصاب اثنين على أنه صفة لزوجين، أتي به للتأكيد، كما قال: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النحل: ٥١] وقد جاء في غير هذا من الصفات ما مصرفه إلى التأكيد، كقولهم: نعجة أنثى، وأمس الدابر، وقوله: ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ (٤)، وعلى قراءة العامة نصب اثنين بالحمل، وليس صفة لزوجين (٥). وقوله تعالى: ﴿وَأَهْلَكَ﴾، أي احمل أهلك، قال المفسرون (٦): يعني ولده وعياله، ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾، قال ابن عباس: يريد من كان في علمي أنه يغرق بفعله وكفره، قالوا (٧): يعني: امرأته واعلة، وابنه كنعان، ﴿وَمَنْ آمَنَ﴾، يريد واحمل من صدقك، ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾، قال ابن عباس (٨): ثمانون إنسانًا وكان فيهم ثلاثة من بنيه: سام وحام ويافث،

стр. 6399

وثلاث كنائن له، ونحو ذلك قال مقاتل بن سليمان (١) وغيره، وقالوا: قرية الثمانين (٢) بناحية الموصل، إنما سميت لأن هؤلاء لما خرجوا من السفينة بوها، فسميت بهم، وعلى هذا سمى الله ثمانين قليلاً. قال أبو إسحاق: لأن ثمانين (٣) قليل في جملة أمة نوح. قال ابن الأنباري: ووحد القليل؛ لأنه لفظ مبني للجمع لما كان الواحد لا يوصف (٤) به ولا الاثنين، فلما كان مبناه للجمع استغنى عن علامة الجمع، وجمع في قوله: ﴿لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: ٥٤] استيثاقًا من الجمع، لما كان (قليل) لفظه لفظ الواحد، كما جمعت العرب البيوت وهي جمع؛ للاستيثاق فقالوا: بيوتات، قال: ويجوز أن يقال في توحيد القليل إنه وصف لجمع خرج على تقطيع الواحد، تقديره وما آمن معه إلا نفر قليل، وقيل: أراد الجمع فاكتفى بالواحد منه، كقوله (٥):

стр. 6400

قد عض أعناقهم جلد الجواميس وقد مرَّ. ٤١ - قوله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا﴾، يعني قال نوخ لقومه الذين أمر بحملهم: "اركبوا"، والركوب العلو على ظهر الشيء، فمنه ركوب الدابة، وركوب السفينة، وركوب البر، وركوب البحر، وكل شيء علا شيئاً فقد ركبه، وركبه الدين، قال الليث: وتسمي العرب من يركب السفينة ركاب السفينة، وأما الرُّكْبَانُ والأرْكوب والرَّكب فراكبو الدّواب والإبل، قال الأزهري (١): وقد جعل ابن أحمر ركاب السفينة ركباناً فقال (٢): يهل بالفرقد ركبانها ... كما يُهِلُّ الراكب المعتمر وقوله تعالى: ﴿فِيهَا﴾ لا يجوز أن تكون (في) من صلة الركوب؛ لأنه يقال: ركبت السفينة، ولا يقال: ركبت في السفينة، والوجه هاهنا أن يقال: مفعول (اركبوا) محذوف على تقدير: اركبوا الماء في السفينة، فيكون

стр. 6401

قوله: ﴿فِيهَا﴾ حالاً من الضمير في (اركبوا)، ويجوز أن يقال المعنى: اركبوها أي الفلك، وزاد (في) للتأكيد كقوله: ﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣]، وفائدة هذه الزيادة أنه أمرهم أن يكونوا [في جوف الفلك لا على ظهرها، فلو قال: (اركبوها) لتوهموا أنه أمرهم أن يكونوا] (١) على ظهر السفينة. وقوله: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ المُجرى: مصدر كالإجراء، ومثله قوله: ﴿مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾ [المؤمنون: ٢٩]، و ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ (٢)، وقرئ ﴿مَجْراها﴾ (٣) بفتح الميم وهو أيضًا مصدر مثل الجري، واحتج صاحب هذه القراءة بقوله: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾ [هود: ٤٢] ولو كان (مُجراها) لكان (وهي تُجرَى بهم)، فكأنه قال: (وهي تجريهم) (٤). وأما المرْسَى: فهو أيضًا مصدر كالإرساء يقال: وما الشيء يرسو: إذا ثبت، وأرساه غيره، قال الله تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النازعات: ٣٢]. قال ابن عباس (٥) في رواية عطاء: يريد تجرى باسم الله وقدرته، وقال الضحاك (٦): كان إذا أراد أن تجري قال: باسم الله فجرت، وإذا أراد أن

стр. 6402

ترسو قال: (باسم الله) فرست (١). قال أبو إسحاق (٢): أي بالله تجري وبه تستقر، ومعنى قولنا: باسم الله أي بالله، وهذه الأقوال معناها واحد، وأما تقدير الإعراب فقال الفراء (٣): إن شئت جعلت (مجراها) و (مرساها) في موضع رفع بالباء، كما يقال: إجراؤها وإرساؤها باسم الله، وبأمر الله، وإن شئت جعلت (باسم الله) ابتداء مكتفيًا بنفسه، كقول القائل عند المأكل: بسم الله، ويكون (مجراها) و (مرساها) في موضع نصب، يريد: بسم الله في مجراهما ومرساها، وزاد ابن الأنباري لهذا بيانًا فقال: في هذه الآية (٤) قولان: أحدهما: أن يرتفع المجرى بالباء الزائدة، وتفتقر الباء إلى المجرى؛ لأنها خبره ورافعته، والتقدير: إجراؤها باسم الله، وموضع الباء نصب لخلافها المجرى، إذ المجرى اسم، والباء ليست باسم، إنما هي حرف معنى ملحق بالمَحَالّ، يريد أن التقدير: إجراؤها يقع باسم الله، أو يحصل باسم الله، فالباء في محل النصب بهذا التقدير وهي في الظاهر رفع لخبر المبتدأ، وليس هذا كقولهم: زيد قائم؛ لأن قائمًا هو زيد، وليس بمخالف (٥) له، وهذا كقوله: زيد عندك، هذا معنى قول أبي بكر لخلافها المجرى المفصل. القول الثاني: أن يكون المجرى في موضع نصب على مذهب الوقت

стр. 6403

ومنهاج المحل، تلخيصه باسم الله في مجراها ومرساها، فإذا سقط الخافض قضى على ما بعده بالنصب، كما تقول: أتيتك يوم الخميس، هزان القولان هما قولا الفراء (١) وشرحهما. وقال أحمد بن يحيى: الباء منصوبة بفعل محذوف يدل عليه ويكنى (٢) منه، والمجرى مرفوع بالباء التي خلفت الفعل الذي لو ظهر لكان هو الرافع للمجرى، وتمثيله: يقع باسم الله مجراها ومرساها، فكان افتقار الباء إلى المجرى كافتقار الفعل لو ظهر إلى فاعله. قال أبو علي الفارسي (٣): قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ يجوز أن يكون حالاً من الضمير في (اركبوا)، على حد قولك: ركب في سلاحه، وخرج بثيابه، والمعنى ركب مستعدًا بسلاحه، وملتبسا بثيابه، وفي التنزيل: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ [المائدة: ٦١]، فكان المعنى: اركبوا متبركين باسم الله ومتمسكين بذكر اسم الله، والمجرى والمرسى على هذا ظرف، بنحو (مَقْدَمَ الحاج)، و (خُفُوقَ النجم)، كأنه: متبركين بهذا الاسم، أو متمسكين في وقت الجري والإجراء على حسب الخلاف بين القراء فيه، ولا يكون الظرف متعلقًا باركبوا؛ لأن المعنى ليس (٤) عليه، ألا ترى أنه لا يراد اركبوا فيها في وقت الجري، والثبات، إنما المعنى اركبوا الآن متبركين باسم الله في الوقتين الذي لا ينفك الراكبون فيها منهما، فموضع مجراها

стр. 6404

نصب على هذا الوجه بأنه ظرف عمل فيه المعنى (١)، وهذا الوجه الذي ذكره أبو علي وجه آخر في التفسير سوى ما ذكرنا عن ابن عباس والضحاك. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، قال ابن عباس (٢): يريد غفور لأصحاب السفينة رحيم بهم، قال أهل المعاني: اتصال هذا بما قبله اتصال المعنى بما يشاكله؛ لأنه لما ذكرت النجاة بالركوب في السفينة، ذكرت النعمة بالمغفرة والرحمة لتجتلب بالطاعة (٣) كما اجتلبت النجاة. ٤٢ - قوله تعالى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ﴾ [هود: ٤٢] أي الفلك ﴿فِي مَوْجٍ﴾ جمع موجة، وهي قطعة عظيمة ترتفع عن جملة الماء الكثير، وأعظم ما يكون ذلك إذا اشتدت (٤) الريح وماج البحر، وتموج: إذا اضطربت أمواجه وتحركت، ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾، قال محمد بن إسحاق (٥): كان كافرًا واسمه يام، وقال الكلبي ومقاتل (٦): اسمه كنعان. ﴿وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ﴾، قال أبو إسحاق (٧) وابن الأنباري: أي من دين نوح؛ لأنه كان كافرًا مخالفاً عن نوح، خارجا عن (٨) جمعه أهل دينه، قالا: ويجوز أن يكون في معزل من السفينة، قال أبو بكر: وهذا أشبه

стр. 6405

بظاهر القرآن، لأنه اعتزل السفينة وهو يظن أن الجبل يمنعه من الغرق، والمعزل في اللغة معناه: موضع منقطع عن غيره، وأصله من العزل وهو التنحية والإبعاد. يقال: كنت بمعزل عن كذا، أي بموضع قد عزل منه. وقوله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا﴾، وقرئ (١) بفتح الياء، قال أبو علي (٢): الوجه الكسر، وذلك أن اللام من ابن "ياء" (٣) أو "واو"، فإذا حقرت ألحقت ياء التحقير، فلزم أن ترد اللام التي حذفت؛ لأنك لو لم تردها لوجب أن تحرك ياء التحقير بحركات الإعراب، وتعاقبها عليها، وهي لا تحرك أبدًا بحركة الإعراب ولا غيرها؛ لأنها لو حركت للزم أن تنقلب كما تنقلب سائر حروف اللين، إذا كانت حرف إعراب نحو: عصا وقفا, ولو انقلبت بطلت دلالتها على التحقير، فلهذا ردت اللام، فإذا رددتها وأضفت إلى نفسك اجتمعت ثلاث ياآت: الأولى منها للتحقير، والثانية لام الفعل، والثالثة التي للإضافة، تقول: (هذا بني)، فإذا ناديته جاز فيه وجهان: إثبات الياء وحذفها، والاختيار حذف الياء التي للإضافة وإبقاء الكسرة دلالة عليه نحو: يا غلامِ، وهذا الوجه هو الجيد عنهم؛ وذلك أن الياء ينبغي أن تحذف في هذا الموضع لمشابهتها التنوين، وذاك من أجل ما بينهما من المقاربة، ومن ثم أدغم في الواو والياء وهو على

стр. 6406

حرف، كما أن التنوين كذلك، فأجريت الياء مجرى التنوين في حذفها من المنادى، ومن قرأ (يا بنيَّ) بفتح الباء فإنه أراد الإضافة (١) أيضاً كما أرادها من قرأ بالكسر، لكنه أبدل من الكسرة الفتحة ومن الياء الألف فصار يا بنيا كما قال (٢): يا ابنة عما لا تلومي واهجعي ثم حذف الألف كما تحذف الياء في ياء بني، وقد حذفت الياء التي للإضافة إذا أبدلت الألف منها، أنشد أبو الحسن (٣): فلست بمدرك ما فات مني ... بـ (لهف) ولابـ (ليت) ولا (لو اني) قال: قوله بلهف إنما هو بلهفا فحذف الألف، والألف بدل عن ياء الإضافة.

стр. 6407

وقال أبو عثمان (١): وضع الألف مكان الياء في الإضافة مطرد، وأجاز: يا زيدا أقبل إذا أردت الإضافة، قال: وعلى هذا قراءة من قرأ: (يا أبت) بالفتح، وأنشد (٢): لقد زَعَموا أنّي جَزعتُ عَليهما ... وهل جزعٌ أن قلتُ وابأبا هما (٣) وكل ما ذكرنا هاهنا معنى كلام أبي إسحاق (٤) وزاد فقال: يجوز أن يكون حذف ياء الإضافة في قول من كسر؛ لسكونها وسكون الراء في ﴿أرْكَب﴾، والآية بيان عن حال ما عظم شأنه، وتفاقم أمره، من سفينة تجري في موج كالجبال، بماء قد طبق الأرض وعمّ الخلق إلا من نجاه الله، ومع ذلك فابن نوح يرى هذا كله فلا يؤمن ويقول: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ ٤٣ - قوله تعالى: ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾، قال ابن عباس (٥): يريد أنضم إلى جبل يعصمني من الماء، يريد: يمنعني من الماء فلا أغرق، والعصمة: المنع من الآفة، قال الزجاج (٦): والمعنى

стр. 6408

يمنعني من تغريق الماء. قال نوح: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ لا مانع اليوم من عذاب الله ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ استثناء منقطع، المعنى: لكن من رحم الله فإنه معصوم، وعلى هذا محل ﴿مَن﴾ نصب كقوله (١): إلا أوّاري ....................... وهذا قول الفراء والزجاج، قال الفراء (٢): ومن أجاز في الاستثناء المنقطع أن يكون رفعًا نحو: ................. . إلا اليعافير (٣) لم يجز له الرفع في (من)؛ لأن الذي قال إلا اليعافير جعل أنيس البر

стр. 6409

اليعافير والوحوش، فيكون الاستثناء كالمتصل ولا يجوز هاهنا أن يكون المعصوم عاصما، هذا وجه في الاستثناء. قال أبو إسحاق (١): ويجوز (٢) أن يكون ﴿عَاصِمَ﴾ في معنى معصوم ويكن معنى ﴿لَا عَاصِمَ﴾ هو: لا ذا عصمة، كما قالوا: (عيشة راضية) على جهة النسب، أي ذات رضا، ويكون ﴿مَنْ﴾ هو على هذا التفسير في موضع رفع ويكون المعنى: لا معصوم إلا المرحوم، ونحو هذا قال الفراء (٣) وقال: لا ينكرون أن يخرج المفعول على فاعل، ألا ترى قوله: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] معناه: مدفوق، وقوله: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] معناها: مرضية، وقال (٤): دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعمُ الكاسي ومعناه: المكسو، فعلى قول الفراء يجوز أن يكون الفاعل بمعنى المفعول على ما ذكر، وقال علماء البصرة (٥): ﴿مَاءٍ دَافِقٍ﴾ بمعنى مدفوق، باطل من الكلام؛ لأن الفرق بين بناء الفاعل وبناء المفعول واجب، وهذا عند سيبويه وأصحابه يكون على طريق النسب، من غير أن يعتبر فيه فعل، فهو فاعل نحو: رامح، ولابن، وتامر، وتارس، ومعناه: ذو رمح، وذو

стр. 6410

لبن، كذلك هاهنا "عاصم" بمعنى ذو عصمة من قبل الله تعالى، ليس أنه عصم فهو عاصم بمعنى معصوم على الإطلاق الذي ذكره الفراء، وقوله تعالى: ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ﴾، قال الفراء (١): حال بين ابن نوح وبين الجبل ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾. ٤٤ - قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ﴾ بعد ما تناهي أمر الطوفان: ﴿يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾، يقال: بلع الماء يبلعه بلعًا: إذا شرب، وابتلع الطعام ابتلاعًا: إذا لم يمضغه. وقال أهل اللغة: الفصيح بلع بكسر اللام يبلع بفتحها، ونحو ذلك روى أبو عبيد (٢) عن الكسائي، وقال الفراء (٣): يقال: بلِعت وبلَعت. وقوله تعالى: ﴿وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي﴾، يقال: أقلع الرجل عن عمله: إذا كف عنه، وأقلعت السماء بعدما أمطرت إذا أمسكت. قال ابن الأنباري (٤): أي عن إنزال الماء، فلما تقدم ذكر الماء لم يعد هاهنا. وقوله تعالى: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾، يقال: غاض الماء يغيض غيضًا ومغاضًا: إذا نقص، وغضته أنا، وهذا من باب فعل الشيء وفعلته أنا، ومثله جبر العظم وجبرته، وفغر الفم وفغرته، ودلغ اللسان ودلغته، ومد النهر ومده نهر آخر، وسرح المال إلى المرعى وسرحته، ونقص الشيء ونقصته، قال المفسرون: ونقص الماء، وما بقي مما نزل من السماء فهي
следующие страницы →