← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 6441–6480 · переход к 6446.

стр. 6441

من قوله ﴿يَوْمِئِذٍ﴾ ظرف كَسَرْتَ أو فَتَحْتَ في المعنى، إلا أنه اتسع (١) فيه فجعل اسما كما اتسع (٢) في قوله ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣] فأضيف المكر إليهما [وإنما هو فيهما] (٣)، فكذلك العذاب والخزي والفزع أضفن إلى اليوم والمعنى على أن ذلك كله في اليوم، فمن كسر الميم فلأن (يوما) اسم معرب فانجر با لإضافة ولم يُبْنَ، وإن كان مضافًا إلى مبني؛ لأن الأضافة لا تلزم، ألا ترى أنك تقول ثوب خز ودار زيد، فلا يجوز في المضاف إلا إعرابه، وإن كان الاسمان عملا على معنى الحرف، ولا يلزمها البناء كما يلزم ما لا ينفك عنه معنى الحرف [نحو أين] (٤) وكيف ومتى، فكما لم يبن المضاف وإن كان قد عمل في المضاف إليه بمعنى اللام أو بمعنى (من) حيث كان غير لازم، كذلك لم يبن (يوم) للإضافة إلى (إذ)؛ لأن إضافته (٥) لا تلزم، ومن فتح الميم مع أنه في موضع جر، فلأنه على مضاف إلى مبني غير متمكن، والمضاف إلى المبني يجوز بناؤه كقول النابغة (٦): على حينَ عاتبتُ المشيبَ على الصبا ... وقلتُ ألمَّا أصحُ والشيبُ وازعُ

стр. 6442

وكذلك قول جرير (١): على حينَ ألهى الناسَ جلُّ أمورهم ... فندلًا زريقُ المالَ ندلَ الثعالبِ وكذلك قول آخر: على حينَ لم (٢) تلبث عليه ذَنوبُه ... يَرِثْ شِرْبُهُ إذ في اليقام تراثر (٣) فلما بنيت هذه الأشياء من حيث كانت مضافة إلى مبني، فكذلك بني (يوم) لإضافته إلى (إذ) المبنية، والعلة في ذلك أن المضاف يكتسي من المضاف إليه [التعريف والتنكير، ومعنى الاستفهام والجزاء، فلما كان يكتسي منه هذه] (٤) الأشياء اكتسى منه البناء أيضًا، إذا كان المضاف من الأسماء الشائعة نحو (يوم) و (حين) و (مثل)، وشبه، ومن ذلك قوله: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣] فـ (مثل) في موضع رفع في قول سيبويه، وقد أجري وصفا على النكرة، إلا أنه فتح للإضافة إلى (أنَّ)، فأما

стр. 6443

الكسر في (إذ) فلالتقاء الساكنين؛ وذلك أن (إذ) من حكمها أن تضاف إلى الجملة من المبتدأ (١) والخبر، فلما اقتطعت عنها الإضافة نونت، ليدل التنوين على أن المضاف [إليه قد حذف، فصار التنوين هنا يدل على قطع الإضافة من المضاف] (٢)، كما صار يدل على انقضاء البيت في قول من نون في الإسناد أواخر البيت فقال (٣): يا صاح ما هاج الدموعَ الذُّرَّفَنْ أقلي اللوم عاذل والعتابَنْ يا أبتا علك أو عساكَنْ

стр. 6444

فكما دل التنوين في هذه الأواخر على انقطاع الإضافة عن المضافة إليه، كذلك يدل في (يومئذ) و (حينئذ) على ذلك، فكسرت الدال لسكونها وسكون التنوين (١). قوله تعالى: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾، قال ابن الأنباري (٢): إنما ذكَّر ﴿وَأَخَذَ﴾ لأن الصيحة محمولة على الصياح؛ ولأنه قد فصل بين الفعل والاسم المؤنث بفاصل، فكان الفصل كالعوض من تاء التأنيث، وقد سبق لهذا نظائر. قال المفسرون (٣): لما أصبحوا اليوم الرابع أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة، وصوت كل شيء في الأرض، فتقطعت قلوبهم في صدورهم، ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾، ومضى تفسير ﴿جَاثِمِينَ﴾ في سورة الأعراف (٤). ٦٨ - قوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ مشروح المعنى في سورة الأعراف (٥). ﴿أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾؛ قرئ ثمودا (٦) بالإجراء

стр. 6445

وتركه، فمن أجراه قال: هو اسم مذكر أريد به الحي وهو مذكر فصار كثقيف وقريش، ومن ترك إجراءه قال هو اسم للقبيلة فلا ينصرف، قال أبو علي (١): فإذا استوى في ثمود أن تكون مرة للقبيلة ومرة للحي، ولم يكن لحمله على أحد الوجهين مزية فمن صرف كان حسنًا، ومن لم يصرف فكذلك، ومثل هذا (يهود) و (مجوس)، قال الشاعر (٢): فَرَّتْ يَهُودُ وأَسْلَمَتْ جِيرانها .... صَمَّي لِما فَعَلَتْ يَهُودُ صَمامِ وكذلك في الحديث "تقسم يهود" (٣)، فبهذا النحو علم أن هذا الاسم أريد به القبيلة، وقال آخر (٤): كنار (٥) مجوسَ تستعر استعارا ألا ترى أن هذا الاسم لو كان للحي دون القبيلة لانصرف ولم يكن

стр. 6446

فيه مانع من الصرف، و (يهود) لو كان للحي لانصرف. ٦٩ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ الآية، قال أهل المعاني: دخلت "قد" هاهنا لأن السامع لقصص الأنبياء ﵈ يتوقع قصة بعد قصة، و"قد" للتوقع، ودخلت اللام في ﴿لَقَدْ﴾ لتأكيد الخبر، والمراد بالرسل هاهنا الملائكة الذين أتوه على صورة الآدميين، وظنهم أضيافا، قال ابن عباس (١): وهم جبريل ومكائيل وإسرافيل، وهم الذين ذكرهم الله في الذاريات ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الذاريات: ٢٤]، وفي الحجر ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحجر: ٥١]. وقال الضحاك (٢): كانوا تسعة. وقال السدي (٣): كانوا أحد عشر ملكًا على صورة الغلمان الوضاء. وقوله تعالى: ﴿بِالْبُشْرَى﴾، قال الزجاج (٤): أي بالبشرى بالولد، وقد ذكر بعد هذه الآية بأيش (٥) بشروه. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾، قال ابن الأنباري (٦): نصب (سلامًا) بوقوع القول عليه؛ لأنه قول مقول فصار كقولك: (قلت: خيرًا أو شرًّا)، ويخالف هذا قوله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ﴾ [الكهف: ٢٢]؛ من أجل أن الثلاثة

стр. 6447

اسم غير قول مقول، وأما قوله: ﴿قَالَ سَلَامٌ﴾ فمرفوع بإضمار (عليكم سلام)، ولو نصبا جميعًا أو رفعا جاز في العربية، هذا كلامه، وهو قول الفراء في رفع الثاني وأنشد (١): فقلنا السلام فاتقت من أميرها ... فما كان إلا ومؤها بالحواجب وقال أبو علي (٢): أما انتصاب قوله: ﴿سَلَامٌ﴾ فلأنه لم يحك شيئًا تكلموا به فيحكى كما تحكى الجمل، ولكن هو معنى ما تكلمت به الرسل، كما أن القائل إذا قال: (لا إله إلا الله) فقلت (حقًّا) أو قلت (صدقًا)، أعملت القول في المصدرين؛ لأنك ذكرت معنى ما قال ولم تحك نفس الكلام الذي هو جملة تحكى، وأما قوله: ﴿قَالَ سَلَامٌ﴾ التقدير فيه: سلام عليكم، فحذف الخبر كما حذف من قوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ (٣) [أي صبر جميل] (٤) أمثل، أو يكون المعنى أمري سلام وشأني سلام، كما أن قوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ يصلح أن يكون المحذوف منه المبتدأ، ومثل ذلك قوله: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾ [الزخرف: ٨٩] على حذف الخبر أو المبتدأ الذي سلام خبره، قال: وأكثر ما يستعمل سلام بغير ألف ولام، وذلك أنه في معنى الدعاء، فهو مثل قولهم: خير بين يديك، وأمت (٥) في حجر (٦)

стр. 6448

لاقيك، لما كان في معنى المنصوب استجيز فيه الابتداء بالنكرة، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧]، وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤]، وقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ﴾ [الصافات: ٧٩]، وقد جاء بالألف واللام، قال: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧]، قال الأخفش (١): من العرب من يقول: سلامٌ عليكم، ومنهم من يقول: السلام عليكم؛ فالذين ألحقوا الألف واللام حملوه على المعهود، والذين لم يلحقوا (٢) حملوه على غير المعهود. وزعم أن منهم من يقول: سلامُ عليكم، فلا ينون، وحمل ذلك على وجهين، أحدهما: أنه [حذف الزيادة من الكلمة كما تحذف الأصل من نحو: لم يك، ولا أدر، والآخر: أنه] (٣) لما كثر استعمال هذه الكلمة فيها الألف واللام حذفا منه لكثرة الاستعمال، كما حذف من (اللهم) فقالوا: (لاهم)، وذكرنا معنى السلام في التحية عند قوله: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ﴾ [الأنعام: ٥٤] (٤)، [وقرأ حمزة والكسائي هاهنا (وقال سِلْم) بكسر السين (٥)، قال الفراء (٦): وهو في

стр. 6449

المعنى سلام] (١)؛ كما قالوا: حِلّ وحلال، وحِرْم وحرام؛ لأن التفسير جاء: سلموا عليه فرد عليهم، وأنشد (٢): مررنا فقلنا إيه سلم فسلمت ... كما اكتلى (٣) بالبرق الغمام اللوايح فهذا دليل على أنهم سلموا فردت عليهم، فعلى هذا: القراءتان بمعنى واحد، وإن اختلف اللفظان، قال أبو علي (٤): ويحتمل أن يكون: سلم، خلاف العدو والحرب، كأنهم قالوا لما كفوا عن تناول ما قدمه إليهم فنكرهم وأوجس منهم خفية قال: أنا سلم ولست بحرب ولا عدو، فلا تمتنعوا عن تناول طعامي، كما يُمتنع من تناول طعام العدو. وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ﴾، قال عبيد بن عمير: مكث إبراهيم خمس عشرة (٥) ليلة لا يأتيه ضيف، فاغتم لذلك، فلما جاءته الملائكة فرأى أضيافًا لم ير مثلهم عجل (٦) فجاءهم بعجل حنيذ، فذلك قوله: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ﴾، قال الفراء (٧): ﴿أَن﴾ في موضع نصب؛ لوقوع ﴿لَبِثَ﴾ عليها كأنك قلت: فما أبطأ عن مجيئه بعجل، فلما ألقيت الصفة وقع الفعل عليها، قال: وقد يكون رفعا بـ (لبث) وتقديرها المصدر، أي فما لبث مجيئه

стр. 6450

بعجل، أي ما أبطأ ذلك المجيء. وقوله تعالى: ﴿حَنِيذٍ﴾، قال الليث (١): الحنذ: اشتواء اللحم بالحجارة المسخنة، تقول حنذته حنذًا. وقوله تعالى: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ محنوذ مشوي، وقال الفراء (٢): ما حفرت له في الأرض ثم غممته، وهو من فعل أهل البادية معروف، وهو محنوذ في الأصل، كما قيل: طبيخ ومطبوخ، وقال (٣) في كتاب "المصادر": والخيل تحنذ إذا ألقيت عليها الجلال بعضها على بعض لتعرق. وقال أبو عبيدة (٤): الحنيذ: المشوي، قال: ويقال قد حنذت الفرس إذا سخنته وعرقته. وأنشد للعجاج (٥): ورهبًا من حنذه أن يهرجا قال ابن عباس في رواية (٦) ابن جريج: الحنيذ النضيج، وهو قول

стр. 6451

مجاهد وقتادة (١). وقال في رواية عطاء: هو الذي نتف شعره وشوي. وقال عبد الله بن مسلم (٢): هو المشوي في خد من الأرض بالرضف (٣) وهي الحجارة المحماة، ومنه الحديث: "أنه أتي بضب محنوذ" (٤). ٧٠ - قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ﴾ أي: إلى العجل، وقال الفراء (٥): إلى الطعام وهو العجل؛ لأنه طعام، ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أي: أنكرهم (٦)، يقال: نكرته وأنكرته واستنكرته، قال الأعشى (٧): وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا قال الليث (٨): النكرة: إنكارك الشيء، وهو نقيض المعرفة (٩)، ويقال: أنكرت الشيء إنكارًا ونكرته مثله، قال: ولا يستعمل في غابر ولا

стр. 6452

أمر ولا نهي ولا مصدر. قال المفسرون: كان امتناعهم من الطعام لأنهم ملائكة، والملائكة لا تأكل ولا تشرب، وإنما أتوه في صورة الأضياف؛ ليكونوا على صفة يحبها، وهو كان يقري الضيوف، هذا معنى قول الحسن، وقيل: أروه معجزًا من مقدور الله في صورتهم. قوله تعالى: ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ أي: أضمر منهم خوفًا، قاله أبو عبيدة (١) والزجاج (٢) وابن قتيبة (٣) وهو قول أبي روق عن الضحاك (٤). وقال ابن عباس (٥): أحس. وقال الفراء (٦): استشعر. وقال الأخفش (٧): خامره. قال الليث (٨): الوجس: فزعة القلب، يقال أوجس القلب فزعًا وتوجست الأذن: إذا سمعت فزعًا، فالوجس: الفزع يقع في القلب أو في السمع؛ من صوت، أو غير ذلك، ومنه قول ذي الرمة (٩):

стр. 6453

إذا توجس ركزًا (١) في سنابكها ... أو كان صاحب أرض أوشكت صدعًا وقال عامة المفسرين (٢): لما رآهم إبراهيم شبابًا أقوياء، ولم يتحرموا بطعامه لم يأمن أن يكونوا جاءوا لبلاء، وذلك أن سنتهم كانت في ذلك الدهر إذا ورد عليهم القوم فأتوا بالطعام فلم يمسوه ظنوا أنهم عدو أو لصوص، فهنالك أوجس في نفسه فزعًا، ورأوا علامه ذلك في وجهه، وفقالوا له: لا تخف فإنَّا ملائكة الله أرسلنا إلى قوم لوط، فذلك قوله تعالى: ﴿أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾. قال ابن الأنباري (٣): ومعناها أرسلنا بالعذاب إلى قوم [لوط، فأضمر؛ لقيام الدليل عليه بذكر الله ذلك في قوله في سورة أخرى: ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ] (٤) مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٢، ٣٣] ونحو هذا قال أبو إسحاق (٥) سواء. ٧١ - قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾، قال المفسرون (٦): يعني سارة بنت هاران بن ناحور ابنة عم إبراهيم.

стр. 6454

وقوله تعالى: ﴿قَائِمَةٌ﴾، قيل: كانت قائمة من وراء الستر تتسمع إلى الرسل، وقيل: كانت قائمة تخدم الأضياف، وإبراهيم جالس معهم، ويؤكد هذا التأويل قراءة ابن مسعود (١) (وامرأته قائمة وهو قاعد فضحكت) واختلفوا في معنى الضحك هاهنا وفي سببه، فرُوي عن ابن عباس (٢) أنه قال: ضحكت أي: عجبت من فزع إبراهيم، وهذا قول مقاتل (٣) والكلبي (٤) قالا: ضحكت من خوف إبراهيم من ثلاثة وهو (٥) فيما بين حشمه وخدمه، فقيل لها: يا أيتها الضاحكة ستلدين غلامًا، فذلك قوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾، فعلى هذا القول ضحكت للتعجب (٦) ففسر ضحكت: تعجبت لما كان بسبب العجب. وروى سعيد عن قتادة (٧) قال: ضحكت من غفلة قوم لوط وقرب العذاب منهم، وحكى الفراء (٨) في هذه الآية قولين: أحدهما: أنها (٩) ضحكت سرورًا بما زال عنها من الخوف؛ لأنها قد

стр. 6455

كانت خافت كما خاف إبراهيم، فلما قالوا إنَّا أرسلنا إلى قوم لوط زال عنهما جميعًا الخوف فضحكت سرورًا بالأمن. الثاني: أن هذا على التقديم والتأخير، بتقدير: وامرأته قائمة فبشرناها بإسحاق فضحكت سرورًا بالتبشير، فقدم الضحك ومعناه التأخير، وعلى هذا التقدير يحمل أيضاً ما روي عن ابن عباس (١) ووهب (٢) أنهما قالا: ضحكت تعجبًا من أن يكون لها ولد على كبر سنها وسن زوجها. وحكى أبو إسحاق (٣) قولاً آخر؛ وهو أن سارة قالت لإبراهيم: اضمم إليك ابن أخيك لوطًا، فإن العذاب سينزل بقومه، فلما قالت الرسل: إنا أرسلنا إلى قوم لوط، ضحكت سرورًا بموافقتها الصواب لما أتى الأمر على ما توهمت. وقال مجاهد (٤) وعكرمة (٥): فضحكت أي: حاضت عند فرحها بالسلامة من الخوف، وجعل حيضها علامة لقرب وقت المولود الذي تبشر به، قال الفراء (٦): ضحكت: [حاضت لم يسمعه من ثقة، وقال الزجاج (٧):

стр. 6456

ليس بشيء ضحكت: حاضت] (١). قال ابن الأنباري (٢): قد أنكر الفراء (٣) وأبو عبيد (٤)، وأبو عبيدة (٥) أن تكون ضحكت بمعنى (٦) حاضت، وعرفه غيرهم وأنشد (٧): يضحك الضبع (٨) لقتلى هذيل ... وترى الذئب لها يستهل قال: أراد تحيض فرحًا، وحكى الليث (٩) في هذه الآية. فضحكت طمثت، وحكى الأزهري (١٠) أن أصله ضحاك الطلعة إذا انشقت، قال. وقال الأخطل (١١) فيه بمعنى الحيض:

стр. 6457

تضحك الضبع من دماء سليم ... إذ رأتها على الحداب تمور قال الكميت: وأضحكت الضباع سيوف سعد ... بقتلى ما دفن ولا ورينا وقال أبو عمرو (١): سمعت أبا موسى الحامض (٢) قال: سُئل ثعلب عن قوله ﴿فَضَحِكَتْ﴾ أي: حاضت، وقيل: إنه جاء في الخبر، فقال ثعلب: ليس في كلام العرب، والتفسير مسلم لأهل التفسير، فقيل له: فأنت أنشدتنا: تضحك "الضبع" لقتلى هذيل فقال ثعلب: تضحك هاهنا تكشر، وذلك أن الذئب ينازعها على القتلى فتكشر في وجهه وعيدًا، فيتركها ويمر. وقوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾، قال المفسرون (٣): كان إبراهيم قد ولد له من هاجر إسماعيل وكبر وشب، فتمنت سارة أن يكون لها ابن، وأيست من ذلك لكبر سنها، فبشرت على كبر السن بولد يكون نبيًا، ويلد نبيًا وهو قوله: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾.

стр. 6458

قال أبو إسحاق (١): بشروها بأنها تلد إسحاق وأنها تعيش إلى أن ترى ولد ولده. ﴿وَرَاءِ﴾ هنا تُفسر تفسيرين، أحدهما بمعنى: بعد، وهو قول ابن عباس (٢) في رواية الكلبي ومقاتل (٣)؛ قالوا: ومن بعد إسحاق يعقوب. وروى حيان بن أبحر (٤) قال: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل من هذيل فقال له: ما فعل فلان؟ لرجل منهم، قال: مات وترك أربعة من الولد وثلاثة من الوراء، قال الله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ يعني: ولد الولد، وهو قول الشعبي (٥) في هذه الآية، ورُوي أنه أقبل ومعه ابن ابن له، فقيل له: هذا ابنك؟ فقال: هذا ابني من الوراء، ونحو هذا قال قتادة، فإن قيل يعقوب ولد إسحاق لصلبه فكيف يكون وراء له وإنما هو وراء للجد، كما قال الشعبي لولد ولده هذ ابن ي من الوراء [ونحو هذا] (٦). قال ابن الأنباري (٧): معناه من الوراء المنسوب إلى إسحاق يعقوب؛

стр. 6459

لأنه قد كان الوراء لإبراهيم ﵇، من جهة إسحاق وإسماعيل ﵉، فلو قال من الوراء يعقوب لم يعلم أهذا الوراء منسوب إلى إسحاق أم إلى إسماعيل، فأضيف إلى إسحاق لينكشف المعنى، ومثل هذا من الإضافة قوله : ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٧٤،٦٢]. يريد أين الشركاء المنسوبون إليّ بزعمكم، قال: ومن حمل وراء على (بعد) (١) لزم ظاهر العربية، إذ العرب تقول: ليس وراء هذا شيء أي بعده قال النابعة (٢): حلفتُ فلم أتركْ لنفسكَ ريبةً .... وليس وراءَ الله للمرء مذهبُ يعني: بعد الله، قال ورُفع يعقوب بـ (من) لأن المعنى فبشرناها [بإسحاق وبشرناها من وراء إسحاق] (٣) بيعقوب، فلما لم يظهر التبشير ثانيًا ولم يعد معه باء غلَّب الظاهر فرفع يعقوب بمن، وهو داخل بالتبشير في المعنى، كما تقول العرب: أمرت لزيد بإبل ولأخيه غنم، فيرفعون الغنم باللام والمعنى وأمرت لأخيه بغنم، فلما لم يعد الأمر مع الباء غلب الظاهر فرفعت الغنم بلام الصفة، وذلك منوي مراد. وقال أبو إسحاق (٤): رفعه على ضربين؛ أحدهما: ابتداء مؤخر معناه التقديم، المعنى: ويعقوب يحدث لها من وراء إسحاق، وهذا هو القول الذي ذكره أبو بكر؛ لأن من رفعه بـ (من) جعله ابتداء مؤخرًا، كما تقول

стр. 6460

(في الدار زيد). الثاني مما ذكره أبو إسحاق أنه مرفوع بالفعل الذي يعمل في (١) ﴿مِنْ وَرَاءِ﴾؛ كأنه قال: ويثبت لها من وراء إسحاق يعقوب، وقرأ ابن عامر وحمزة ﴿يَعْقُوبَ﴾ (٢) بفتح الباء، قال [الفراء (٣): من قرأ ذلك نوى به الخفض يريد: ومن وراء] (٤) إسحاق بيعقوب قال: ولايجوز هذا إلا بإظهار الباء. قال أبو بكر (٥): من قال: إن (يعقوب) على قراءة حمزة في موضع خفض بالباء فقد غلط عند الفراء (٦) وسيبويه (٧)؛ لأن واو النسق لا يفصل بينها وبين المنسوق بالصفات ولا غيرها، فلا يقال: مررت بأخيك ومن بعده أبيك؛ لأن الواو مع الأب بمنزلة الشيء الواحد فلا تدخل بينهما الصفة، ولا يجوز أن يضمر بعد الواو في الآية تبشير آخر معه باء؛ لأنه لا يصلح ضمير شيئين على هذه الشريطة، ولا تعمل الباء مضمرة إذا كانت صلة لفعل يتصل به ضمير، كما لا تعمل إلا مظهرة حتى يظهر الفعل معها، ألا ترى أن الذي يقول مررت أبيك لا يضمر الباء هاهنا ويخفض بها، فامتناعها هناك من أن تظهر وتعمل كامتناعها هاهنا، قال: والصحيح في

стр. 6461

إعراب ﴿يَعْقُوبَ﴾ النصب بفعل مضمر يشاكل معناه معنى (١) التبشير على تقدير: ومن وراء إسحاق وهبنا لها يعقوب، كما تقول العرب: مررت بأخيك وأباك، يريدون بـ (مررت) (جُزْت) كأنه قيل: جزت أخاك وأباك وكما قال جرير (٢): جئني بمثل بني بدر لقومهم ... أو مثل أسرة منظور بن سيار أو عامرَ بن طفيل في مركبة ... أو جارنا يوم نادى القوم يا جار أراد: أعطني مثل بني بدر أو مثل (٣) أسرة. وقال آخر (٤): لو جئت بالتمر له ميسرًا والبيضَ مطبوخًا معًا والسكرا لم يرضه ذلك حتى يسكرا أراد لو أطعمته التمر والبيض. قال رؤبة (٥):

стр. 6462

يهوين في نجد وغورا غائرًا ... فواسقا عن قصدها جوائرا أراد: يدخلن نجدًا. وكل ما ذكره أبو بكر من ردّ وجه الخفض وتوجيه النصب هو قول الفراء والزجاج وشرح كلامهما. وذكر أبو علي (١) أن قومًا ذهبوا في قراءة حمزة إلى العمل على موضع الجار (٢) والمجرور كقوله (٣): إذا ما تلاقينا من اليوم أو غدًا وقوله (٤): فلسنا بالجبال ولا الحديدا كذلك هاهنا قوله: ﴿إِسْحَاقَ﴾ الجار والمجرور في موضع النصب فحمل عليه قوله: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ بالعطف، قال أبو علي: وهذا الوجه في الفتح كوجه قول من جعل يعقوب في موضع الخفض، وذلك أن الفصل في هذا بين واو العطف والحرف المعطوف بالظرف قبيح، سواء

стр. 6463

عطفت على المرفوع أو المنصوب أو المجرور، وذلك أن الفعل [يصل بحرف العطف، وحرف العطف هو الذي يشرك في الفعل وبه] (١) يصل الفعل إلى المفعول به، كما يصل بحرف الجر إذا قلت (مررت يزيد) (٢)، ولا يجوز الفصل بين الباء وزيد، كذلك لا يجوز الفصل في قولك ضربت زيدًا وعمرًا بين الواو وعمرو؛ لأن الحرف العاطف مثل الجار في أنه يشرك في الفعل، كما يوصل الجار الفعل وليس نفس الفعل العامل في الموضعين جميعًا وإذا كان كذلك قبح الفصل بالظرف في العطف، وقد جاء (٣) ذلك في الشعر، قال ابن أحمر (٤): أبو حنش يؤرقنا وطلق ... وعبّادٌ وآونةً أثالُ ففصل بالظرف في العطف على المرفوع. وقال الأعشى: يوما تراها كشبه أرديه الـ ... ـعصب ويومًا أديمها نغلا (٥)

стр. 6464

ففصل بالظرف بين المشرك في النصب وما أشركه فيه، فإذا قبح هذا فالوجه أن تحمل قراءة حمزة ﴿يَعْقُوبَ﴾ بالنصب على فعل آخر مضمر يدل عليه (بشرنا) كما تقدم، ولا يحل على الوجهين الآخرين لاستوائهما في القبح (١). ٧٢ - قوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَى﴾. قال أبو إسحاق (٢): الأصل فيه يا ويلتي فأبدل من الياء والكسرة [الألف؛ لأن الألف أخف من الياء والكسرة] (٣)، وقد ذكرنا مثل هذا في قراءة من قرأ ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ﴾ [هود: ٤٢] بفتح الياء، قال (٤): والاختيار في الكلام إن وقف عليه بالهاء "يا ويلتاه" فأما المصحف فلا يخالف، ويوقف إذا (٥) اضطر واقف بغير هاء، وذكرنا معنى هذا النداء في قوله تعالى: ﴿يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ﴾ [المائدة: ٣١] (٦)، وهذه الكلمة إنما تقال عند الإيذان بورود الأمر الفظيع. وقوله تعالى: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾، قال الليث (٧): العجوز المرأة الشيخة والجميع العجز والعجائز، والفعل عجزت تعجز عجزًا، وعجّزت

стр. 6465

تعجِّز تعجيزًا فهي مُعَجِّزة والتشديد أكثر، قال يونس (١): امرأة مُعجِّزة: طعنت في السن، ويقال للمرأة [اتقي الله في شبيبتك وعجزك. قال ابن الأعرابي (٢): ويقال للمرأة] (٣) عجوزة بالهاء أيضًا. قال ابن إسحاق (٤): كانت (٥) ابنة تسعين سنة، وقال عطاء ومجاهد (٦): تسع وتسعين سنة، جعل الله الولد على تلك الحال معجزًا لنبيه إبراهيم ﵇، وإنما تعجبت من مقدور الله تعالى -مع إيمانها- بطبع البشرية إذا ورد مثلُ هذا على النفس من غير فكر ولا روية، كما ولى موسى ﵇ مدبرًا حتى قيل له: ﴿أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ﴾ [القصص: ٣١]. وقوله تعالى: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾، ذكرنا معنى البعل والبعولة في سورة البقرة (٧) والنساء (٨)، وقال عطاء ومجاهد (٩): كان إبراهيم ﵇ في ذلك الوقت ابن مائة سنة.

стр. 6466

وقال ابن إسحاق (١): ابن عشرين ومائة سنة. وقال الكلبي (٢): ابن تسع وتسعين سنة. قال أبو إسحاق (٣): (شيخا) منصوب على الحال، والحال هاهنا نصبه من لطيف النحو وغامضه، وذلك أنك إذا قلت: هذا زيد قائمًا، فإذا كنت تقصد أن تخبر من لم يعرف زيدًا أنه زيد لم يجز هذا؛ لأنه لا يكون زيدًا ما دام قائمًا فإذا زال عن القيام فليس يزيد، وإنما تقول للذي يعرف زيدًا هذا زيد قائمًا فيعمل في الحال التنبيه، المعنى (٤): انتبه لزيد في حال قيامه أو أشير لك إلى زيد في حال قيامه. قال ابن الأنباري (٥): وهذا إنما وقعت الإشارة معه إلى الشيخوخة، أي: تنبهوا على شيخوخة بعلي، كما يقول القائل: هذا الله لطيفًا كريمًا. يريد تنبهوا على لطفه وكرمه، وما يجهله ذو عقل وتمييز. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾، العجيب بمعنى المُعْجِب يقال: أعجبني الشيء فهو معجب وعجيب، قال ابن عباس (٦): يريد أن يولد لابن مائة سنة ولكبرها وأنها حرمت الولد في شبابها وأعطيته في كبرها.

стр. 6467

٧٣ - قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾، قال ابن عباس (١): يريد من قضاء الله وقدرته؟ وقال أهل المعاني: أنكرت الملائكة عليها لما تعجبت من ولادتها على كبر السن؛ لأن ما عرف سببه لا يتعجب منه، والله تعالى قادر لا يعجزه شيء. قوله تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ يحتمل أن يكون هذا دعاء من الملائكة لهم بالرحمة والبركة، ويحتمل أن يكون إخبارًا عن ثبوت ذلك لهم فيكون تذكيرًا بالنعمة عليهم، قال المفسرون (٢): ومن هذه البركات أن الأسباط وجميع الأنبياء كانوا من إبراهيم وسارة. وقوله تعالى: ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ يعني: بيت إبراهيم، قالوا: وفي هذا دليل على أن أزواج النبي ﷺ من أهل بيته تكذيبًا لمن أنكر ذلك؛ لأن الملائكة خاطبوا سارة بأهل البيت، وسموها أهل بيت إبراهيم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ﴾، الحميد الذي تحمد فعالُه، وهو بمعنى المحمود، والله تعالى الحميد المحمود والمستحمد إلى عباده، والمجيد: الماجد وهو ذو الشرف والكرم، يقال مجد الرجل يمجد مجدًا ومجادة، ومجُد يمجُد لغتان. قال الحسن والكلبي (٣): المجيد: الكريم، وهو قول أبي إسحاق (٤)، وقال ابن الأعرابي (٥): المجيد: الرفيع، وقال أهل المعاني: المجيد: الكامل الشرف والرفعة والكرم والصفات

стр. 6468

المحمودة، وأصله من قولهم: مجدت الدابة إذا أكثرت علفها، رواه أبوه عبيد عن أبي عبيدة (١)، وقال النضر (٢): مجدت الإبل تمجد مجدًا إذا شبعت، وقال الأصمعي (٣): أمجدتُ الدبة علفًا أكثرت لها ذلك، وقال أبو حية (٤): تزيد على صواحبها وليست ... بماجدة الطعام ولا الشراب أي: ليست بكثيرة الطعام ولا الشراب، وقال الليث (٥): أمجد فلان عطاءه ومجده إذا كثره، واستمجد المرخ والعفار (٦) أي: استكثر من العفار [أي: استكثر من النار] (٧).

стр. 6469

٧٤ - قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾ الآية، الروع: الإفزاع، يقال: راعه يروعه روعًا (١) إذا أفزعه، قال عنترة (٢): ما راعني إلا حمولةُ أهلها ... وسْط الديار تَسَفُّ حب الخمخم (٣) والرُّوع النفس وهو موضع الرَّوْع، قال ابن عباس (٤): يريد الفزع؛ قال الزجاج (٥): يعني ارتياعه لما أنكرهم حين لم يأكلوا العجل. قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾، قال ابن عباس (٦): يريد بإسحاق ويعقوب. وقوله تعالى: ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾، (لمَّا) (٧) تصحبها الأفعال الماضية؛ لأنها جعلت في الكلام لما قد وقع بوقوع غيره، تقول: (لَمَّا جاء زيد جاء عمرو)، وهاهنا قيل: (يجادلنا) على لفظ المستقبل، وذلك أن (لما) لما كانت شرطًا للماضي جاز أن يقع بعدها المستقبل بمعنى الماضي، كما أن (إنْ) (٨) لما كانت شرطًا للمستقبل، جاز أن يقع بعدها الماضي بمعنى

стр. 6470

المستقبل، نحو: إن جاء زيد، حيث قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ [الفرقان: ١٠]. وفيه وجه آخر وهو أن يكون قوله: ﴿يُجَادِلُنَا﴾ [حكاية لحال قد مضت، المعنى: لما ذهب عنه الروع أخذ يجادلنا] (١) وأقبل يجادلنا، فأضمر هذا الفعل قبل المستقبل؛ لأن (لما) تقتضيه، وفي كل كلام يخاطب به معنى (أخذ) و (أقبل) إذا أردت حكايته حال، والوجهان ذكرهما الزجاج (٢) وابن الأنباري. قال الزجاج: والوجه الثاني هو الذي أختاره، ومعنى يجادلنا: يجادل رسلنا من الملائكة في قول جميع المفسرين (٣)؛ قالوا جميعًا: إن الرسل لما قالوا لإبراهيم: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾، قال لهم: أرأيتم إن كان فيهم خمسون من المسلمين أتهلكونهم؟ قالوا: لا. قال: [فأربعون؟ قالوا: لا. قال:] (٤) فثلاثون؟ قالوا: لا. فما زال ينقص، فيقولون: لا، حتى قال: فواحد؟ قالوا: لا، فاحتج عليهم بلوط وقال: إن فيها لوطًا؛ فقالوا: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾، وهذا معنى جدال إبراهيم في قوم لوط. وقال أهل المعاني (٥): معنى (يجادلنا) يسألنا ويكلمنا فيهم ويراجعنا

стр. 6471

في ذلك، إلا أنه استعير لفظ يجادل؛ لأنه كان يحرص في السؤال حرص المجادل، والآية الثانية ذكرنا تفسيرها في سورة التوبة (١). ٧٦ - قوله تعالى: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾. قال الزجاج: المعنى: فقلنا يا إبراهيم، وقال المفسرون: قالت الرسل عند ذلك يا إبراهيم أعرض عن هذا، وأشير بـ (هذا) إلى الجدال. ٧٧ - قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾، قال ابن عباس (٢) في رواية الكلبي: لما قفلت الرسل من عند إبراهيم إلى لوط، توضأ إبراهيم وقام يصلي، وكان بين قريته وقرية لوط أربعة فراسخ، فانتهوا إلى قرية لوط، فبصرت ابنتا لوط -وهما يستقيان- بالملائكة فرأتا هيئة حسنة، قالتا: ما شأنكم؟ ومن أين أقبلتم؟ وأين تريدون؟ قالوا: من موضع كذا، نريد هذه القرية، قالتا: فإن أهلها يفعلون كذا وكذا. فقالوا: أبها من يضيفنا؟ قالتا: نعم، هذا الشيخ وأشارتا إلى لوط، فلما جاؤوه ورأى هيئتهم خاف قومه عليهم فسيء بهم وضاق بهم ذرعًا، وقال: هذا يوم عصيب، ومعنى سِيء بهم ساءه مجيؤهم، وساء يسوء فعل لازم ومجاوز، يقال: سؤته فسيء مثل شغلته فشغل، وسررته فسر. قال أبو إسحاق (٣): أصله سُوِءَ بهم إلا أن الواو أسكنت ونقلت

стр. 6472

كسرتها إلى السين، قال عامة أهل التأويل (١): إنما سيء بهم لوط؛ لأنه لما نظر من حسن وجوههم، وطيب روائحهم، أشفق عليهم من قومه أن يقصدوهم بما يقصدون به غيرهم من المطالبة بالفعل الخبيث، وعلم أنه سيحتاج إلى المدافعة عن (٢) أضيافه. وقوله تعالى: ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾، قال الأزهري (٣): الذرع يوضع موضع الطاقة، والأصل فيه أن يذرع البعير بيديه في سيرة ذرعًا على قدر سعة خطوه، فإذا حمل على أكثر من طوقه ضاق ذَرْعُهُ عن ذلك فضعف ومد عنقه، فجُعِلَ ضيق الذرع عبارةً عن ضيق الوسع والطاقة،، فيقال: ما لي به ذرع ولا ذراع، أي: ما لي به طاقة، الدليل على صحة هذا أنهم يجعلون الذراع في موضع الذرع فيقولون ضقت بالأمر ذراعًا، قال القطامي (٤): إذا التَّيَّازُ ذو العضلات قُلْنا ... إليكَ إليكَ ضاق بها ذراعًا فمعنى ضاق بهم ذرعا: ضاق صبره وعظم المكروه عليه، وقال أبو إسحاق (٥) يقال: ضاق زيد بأمره ذرعًا: إذا لم يجد من المكروه في ذلك الأمر مخلصًا، ولم أر أحدًا ذكر في أصل الذرع أحسن مما ذكره الأزهري، وغيره (٦) يقول: ضاق ذرعًا أي: ضاق بهم صدرًا، وليس يعرف

стр. 6473

أصله، وذكر ابن الأنباري (١) قولين: أحدهما: أصله (من ذرع فلان القيء) إذا غلبه وسبقه، ومعنى ضاق ذرعه: ضاق حبس المكروه في نفسه، وهذا ليس بظاهر، والقول الثاني (٢): أن الذرع كناية عن الوسع؛ لأن الذراع من اليد، والعرب تقول ليس هذا في يدي يعنون ليس في وسعي، وهذا قريب مما قاله الأزهري، ولكن لم يبين بيانه. وقال الفراء (٣): الأصل فيه (وضاق ذرعٌ بهم)، فنقل الفعل عن الذرع إلى ضمير لوط (٤)، ونصب الذرع بتحول الفعل عنه، كما قال ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤]. وقد ذكرنا نظير هذا في قوله: ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾. قال المفسرون وجميع أهل المعاني (٥): يوم شديد، قال أبو بكر: قال الكسائي (٦): العصيب: الشديد يقال منه عصب اليوم يعصب عصابة. وقال الفراء (٧) والزجاج (٨) وأبو عبيدة (٩): العصيب الشديد، وأنشد

стр. 6474

أبو عبيدة قول هانئ العنبري (١): يوم عصيب يعصب الأبطالا عصبَ القوي السُّلَّم الطوالا قال أبو عبيدة: وإنما قيل له عصيب؛ لأنه يعصب الناس بالشر، وأنشد لعدي بن زيد (٢): وكنتُ لِزازَ خصمِك لم أعرِّدْ ... وقد سلكوك في يوم عصيب ٧٨ - وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ الآية. قال المفسرون (٣): لما أضافهم لوط مضت امرأته عجوز السوء، فقالت لقومه: إنه استضاف لوطًا قوم لم أر أحسن وجوهًا ولا أنظف ثيابًا ولا أطيب رائحة منهم، فجاءه قومه ليراودوه عن ضيفه؛ فذلك قوله: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾. قال عامة المفسرين وأهل المعاني: يهرعون: يسرعون، قال الكسائي (٤) وأبو زيد (٥): أهرع الرجل إهراعًا إذا أسرع في رعدة (٦).

стр. 6475

قال أهل اللغة: وهذا من الفعل الذي خرج الاسم معه مقدرًا تقدير المفعول (١)، وهو صاحب الفعل [لا يُعرف له فاعلٌ غيره، نحو: أولع فلان بالأمر؛ جعلوه مفعولًا وهو صاحب الفعل]، ومثله: أرعد زيد وزُهي عمرو، من الزهو، ونُخي بكر من النخوة، وذكر أبو عبيد (٢): المهرع: الحريص في باب ما جاء في لفظ مفعول بمعنى فاعل، وحكى أبو بكر (٣) عن بعض النحويين قال: لا يجوز للفعل أن يجعل فاعله مفعولًا، وهذه الأفعال حذف فاعلوها، فتأويل أرعد الرجل أرعده غضبه، وأولع زيدٌ معناه أولعه طبعه، وزُهي عمرو معناه: جعله ماله أو جهلُه زاهيًا، وكذلك نُخِيَ وأهْرع معناه [أهرعه خوفُه، أو حرصه، ويؤكد هذا ما ذكره أبو عبيدة (٤) في تفسير قوله: ﴿يُهْرَعُونَ﴾ قال: معناه] (٥): يستحثون إليه، وأنشد (٦): بمعجلات نحوه مهارع فعلى هذا، الفعل واقع على القوم من المستحثين، ودل عليه ما أنشده؛ لأنه قال: بمعجلات وهن اللاتي [أُعْجِلْنَ أي] (٧) أعجلهن غيرهن،

стр. 6476

كذلك المهارع اللاتي أهرعهن غيرهن، ويدل على هذا قول مهلهل: فجاءوا يُهرعون وهم أسارى ... نقودهم على رغم الأنوف فقوله: يُهرعون، معناه: يساقون ويعجلون، لا أنهم يسرعون من عند أنفسهم؛ لأنه قال: وهم أسارى، أي: يقودهم، فبيَّن أنهم محمولون على ذلك الإسراع لا من عند أنفسهم، غير أن أكثر أهل اللغة على أن أُهْرعَ الرجل بمعنى أسرع على لفظ فعل لم يسم فاعله، ولا يعرفون أَهْرَعَ. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل مجيئهم إلى لوط ﴿كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾، قال عطاء: يريد الشرك، وقال آخرون (١): يعني: فعلهم المنكر. وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾. قال أكثر المفسرين (٢): يعني: بنتيه زيتا (٣) وزعورا، وعلى هذا سمي الاثنان بالجمع كقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١]. وقوله: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨]، يعني: حكم داود وسليمان، ومن المفسرين من ذهب إلى أنه كان له أكثر من بنتين، وعلى هذا سهل الأمر. وقوله تعالى: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾. قال المفسرون: أراد: أنا أزوجكموهن فهن أطهر لكم من نكاح الرجال، قال ابن عباس (٤) وغيره: كان رؤساء من قومه خطبوا إليه فلم يزوجهم قبل ذلك فلما راودوه عن

стр. 6477

ضيفه أراد أن يقي أضيافه ببناته فعرضهن عليهم شريطة الإسلام قبل عقد النكاح. وقال الحسن (١): كان يجوز في شريعة لوط تزويج المسلمة من الكافر، وكذلك كان في صدر الإسلام؛ فقد زوج النبي ﷺ ابنتيه من عتبة ابن أبي لهب (٢)، وأبي العاص بن الربيع (٣). وقال مجاهد (٤): لم يكنَّ بناته كُنَّ من أمته، وكل نبي أبو أمته. وقال سعيد بن جبير (٥): دعاهم إلى نسائهم؛ يعني: أن قوله: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ أي: نساؤكم، فجعلهن بناته؛ لأنه نبيهم، وكل نبي أبو أمته؛ كما روي في بعض القراءة: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم) [الأحزاب: ٦] (٦). وروي عن الحسن وعيسى بن عمر (٧) أنهما قرأ: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾

стр. 6478

بالنصب على الحال كما ذكرنا في قوله: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] إلا (١) أن أكثر النحويين (٢) على أن هذا خطأ؛ لامتناع أن يجوز كون ﴿هُنَّ﴾ هاهنا عمادًا، وأجاز الكسائي (٣) ذلك وقال: من نصب جعلهن عمادًا كما يقال كان الهندات هن أفضل من غيرهن. قال الفراء (٤): ﴿هُنَّ أَطْهَرُ﴾ بالنصب خطأ؛ لأن هذا وهؤلاء في باب التقريب لا يدخل معه العماد، فلا يقال (هذا عبد الله هو أفضلَ منك)؛ لأن هذا اسم (٥) جامد لا يتصرف تصرف (كان)، وزاد ابن الأنباري بيانًا، فقال: هذا الأولى به والغالب عليه؛ أن يكون اسمًا للمشار إليه غير مقرب خبرًا، فلما نقل إلى التقريب ونصب الخبر معه نحو: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] منع العماد ولم يجر مجرى (كان) في هذا الباب، كما لم يجر مجراها في توسيط الخبر وتقديمه، لا يجوز (هذا قائمًا زيد) ولا (قائمًا هذا زيد) كما يجوز في (كان)، ولو قيل: (هؤلاء بناتي أطهرَ لَكُم) بالنصب جاز من غير عماد، وجميع البصريين ينكرون هذه القراءة ولا يجيزونها، وذكر الزجاج (٦) ذلك على قريب مما ذكرنا.

стр. 6479

وقال سيبويه (١): ولكن الفصل يدخل على الأخبار ولا يدخل على الحال، لا يجوز: (قام زيد هو مسرعًا). وليس الشرط أن أذكر قراءة غير مشهورة، إلا أن النصب في ﴿أطهرَ﴾ هاهنا اشتهر ذكره، فأردت أن أذكر ما قيل فيه. والألف في قوله: ﴿أطهر﴾ ليس لتفضيل (٢) نكاح البنات على نكاح الرجال في الطهارة (٣)؛ لأنه لا طهارة في نكاح الرجال البتة، ولكن هذا كقولنا: الله أكبر ولم يكابر الله أحد، وكقول النبي ﷺ لعمر لما قال أبو سفيان يوم أحد: اعلُ (٤) هبل، قال: الله أعلى وأجل (٥)، ولا مقارنة بين الله وبين الصنم، ولهذا نظائر كثيرة. قوله تعالى: ﴿وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾، قال الكلبي عن ابن عباس (٦): لا تفضحون في أضيافي (٧)، يريد: أنهم إذا هجموا على أضيافه بالمكروه لحقته الفضيحة، وقال بعض المفسرين (٨): ﴿وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ أراد لا

стр. 6480

تسوؤون (١) فيهم. قال أبو بكر (٢): ومعنى هذا لا تفعلوا بأضيافي فعلا يلزمني الاستحياء منه؛ لأن مُضَيِّف الضيف يلزم الاستحياء من كل فعل قبيح يوصل إلى ضيفه، فتخزوني من باب الاستحياء؛ من قولهم: خزي الرجل خزاية إذا استحيا، والضيف هاهنا نائب عن الأضياف، كما ناب الطفل عن الأطفال في قوله: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾ [النور: ٣١]، ويجوز أن يكون الضيف مصدرًا مستغنى عن جمعه؛ كقولهم: رجال صوم، وسنذكر اشتقاق الضيف وفعله عند قوله: ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ [الكهف: ٧٧] إن شاء الله. وقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾، قال الكلبي (٣) وابن إسحاق (٤): [يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهو معنى قول ابن عباس (٥): رجل رشيد] (٦): يقول الحق ويرد هؤلاء عن أضيافي، وعلى هذا: (رشيد) بمعنى (مرشد)، قال أبو بكر (٧): ويجوز أن يكون (رشيد) بمعنى (مرشد) أي: أليس فيكم رجل مرشد قد أسعده (٨) الله بما منحه من
следующие страницы →