← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 6896–6935 · переход к 6901.

стр. 6896

الفراء (١)، والزجاج (٢) وهو قول قتادة (٣)، وابن زيد (٤)، والمعنى على هذا: لله من خلقه الدعوة الحق، ولكن أضيفت الدعوة إلى الحق لما اختلف اللفظان، وقد ذكرنا مثل هذا، ويجوز أن يكون المعنى: دعوة الدين الحق، وقال الحسن (٥): الله الحق، وقال في رواية عطاء والضحاك: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ معناه: هو الذي دعا إلى توحيده والاعتراف بأنه لا شريك له، وتفسير دعوة الحق (٦) على هذا القول: له دعاء الحق ة لأنه دعاء إلى [عبادته وتوحيده] (٧)، وكان ذلك حقًّا. قال أبو إسحاق: وجائز أن يكون (دعوة الحق)، أنه من دعا الله موحدًا استجيب له دعاه. قال أبو بكر: الدعوة على هذا التفسير يريد بها الدعوات فاكتفي من الجمع بالواحد، كقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]، ومعنى الدعوات: دعوات الداعين إياه، يلتمسون الإجابة وهم محقون في ذلك لأنهم سألوا من لا يخيب سائله ويقدر على الإجابة، وإنالة المطلوب، وهذا هو الوجه؛ وهو الأليق بما بعده من سياق الآية؛ لأنه ذكر أن الأصنام

стр. 6897

لايستجيبون للداعين، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ يعني الأصنام، يدعونها المشركون من دون الله، في قول جميع المفسرين (١)، وعبّر عنها كما يعبر عن المذكرين من العقلاء؛ لأنهم وصفوا أصنامهم بأوصاف الرجال العقلاء، فخاطبهم الله بما يعقلون وقد ذكرنا هذا عند قوله: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ﴾ [الأعراف: ١٩٥]. وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ قال ابن عباس: يريد ليس لهم (٢) ثواب، يعني للداعين إياه، لا ثواب لهم عندها، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاه﴾ فُسِّر هذا على ثلاثة أوجه، قال مجاهد (٣): يدعو الماء بلسانه ويشير إليه بيده؛ فلا يأتيه أبدًا، وهو اختيار أبي إسحاق (٤)؛ لأنه قال معناه: إلا كما يستجاب للذي يبسط كفيه إلى الماء، يدعو الماء إلى فيه، والماء لا يستجيب، فأعلم الله أن دعاءهم الأصنام كدعاء العطشان الماء إلى بلوغ فيه. ﴿وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ وما الماء ببالغ فاه، بدعوته إياه، والتقدير: إلا كاستجابة باسط كفيه، ويكون المصدر مضافًا إلى المفعول ثم حذف المضاف، الوجه الثاني من التفسير هو مذهب الكلبي (٥) وغيره، قال: كماد يده إلى الماء من مكان بعيد وهو مشرف على ذلك الماء فلا يبلغه، ولا يبلغ

стр. 6898

الماء فاه، وقال عطاء (١): كالرجل العطشان الجالس على شفير البئر يمد يده إلى البئر فلا يبلغ قعر البئر، والماء لا يرتفع إلى يده، وهذا الوجه اختيار الفراء (٢)، قال: يعني أن الأصنام لا تجيب داعيها بشيء إلا كما ينال الظمآن المشرف على ماء ليس معه ما يستقي به. فذلك قوله: ﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ﴾ وهذا الوجه كالأوّل، إلا أن في الوجه الأوّل شبهوا بمن يدعو الماء البعيد إلى نفسه والماء لا يستجيب، وفي الوجه الثاني شبهوا بمن يمد يده إلى الماء البعيد ليناله من غير آلة. الوجه الثالث: هو مذهب أبي عبيد (٣) وابن قتيبة (٤)، وهو أن العرب يضربون المثل لمن سعى (٥) فيما لا يدركه، وتعاطى ما لا يجد منه شيئًا، بالقابض على الماء، وذلك أن القابض على الماء لا يحصل في يده منه شيء، المعنى لا يصير في أيديهم إذا دعوهم إلا ما يصير في يدي من قبض على الماء ليبلغ فاه، وأنشد أبو عبيدة قول ضابئ البُرْجُمِيِّ (٦): فإنِّي وإيَّاكم وشَوْقًا إليْكُم ... كقابِضِ ماءٍ تَسْتقِيه أنَامِلُه

стр. 6899

قال أبو عبيدة: تسقه: تجبه. وقال ابن الأنباري: يجمعه ويسقه يحمله، وأنشد أيضًا (١): فأصْبَحْتُ مِمّا كان بَيْني وبَيْنَها ... من الوُدِّ مِثْلَ القَابِضِ المَاءِ باليَدِ قال ابن قتيبة: وهذا من الاختصار؛ لأن التقدير: إلا كباسط كفيه إلى الماء ليقبض عليه، أو قابضًا عليه ليبلغ فاه. وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء (٢): يريد عبادة الكافرين الأصنام في ضلال، وروى جويبر (٣): وما دعاء الكافرين ربهم إلا في ضلال؛ لأن أصواتهم محجوبة عن الله، وهذا التفسير لا يليق بما سبق من الآية؛ لأنه ذكر في الآية دعاء الكافرين الأصنام، وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾،والذم لاحق بذلك الدعاء، وهو دعاهم إياها، ولم يذكر دعاهم الله تعالى، وجويبر ضعيف، والصحيح ما ذكرنا في رواية عطاء، ولعل ما رواه جويبر، رواه في نظير هذه الآية في سورة المؤمن، ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٥٠]، وذلك صحيح المعنى في تلك السورة (٤).

стр. 6900

١٥ - قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ قال المفسرون: المؤمنون والملائكة يسجدون لله تعالى طوعًا، والكافر يسجد كرهًا بالسيف، وهذا معنى قول الحسن (١)، وقتادة (٢)، وابن زيد (٣)، ونحو هذا قال الفراء (٤)، الساجد طوعًا من أهل السموات والأرض: الملائكة، ومن دخل في الإسلام رغبة (٥) فيه أو ولد عليه، ومن أكره على الإسلام فهو يسجد كرهًا، وهذا القدر لا يفتح معنى الآية؛ لأن قوله: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يقع على كل من في الأرض من البشر، وليس جميع الكفار يسجدون كرهًا. واختلفوا في توجيه هذا، فذهب بعضهم إلى التخصيص، حكى ابن الأنباري عن بعض أهل العلم (٦) قال: الملائكة وعباد الله الصالحون يسجدون لله طوعًا، والكافرون والمنافقون يسجدون خوف القتل، وقلوبهم تنطوي على الكفر، فعلى هذا يراد بقوله ﴿كَرْهًا﴾ من يسجد لله كرهًا من خوف السيف لا جميع الكفار، من العموم الذي دخله الخصوص، وعليه دل كلام الفراء؛ لأنه قال: ومن أكره (٧) على الإسلام فهو يسجد كرهًا، ومن المفسرين من ذهب إلى أن الكره أيضًا من صفة المؤمنين، يسجد لله

стр. 6901

طوعًا بسهولة ونشاط، ومن المسلمين من يسجد لله كرهًا، لصعوبة ذلك عليه وإكراهه نفسه على أدائه، وهو في ذلك مسلم يحمل نفسه على الطاعة، ويجذبها إلى الحق، وهو يقبل عليها. وقال آخرون: يسجد المخلصون لله طوعًا، وبعض المسلمين كرهًا في ابتداء أمره، إلى أن يألف الحق، فعلى هذا لا مدخل للكافرين في الآية، هذا الذي ذكرنا طريقة التخصيص إما بالمسلمين وبعض الكفار، وإما بالمسلمين فقط. ومن المفسرين من أجراها (١) على العموم فقال: المعنى على ما ذكره المفسرون: أن السجود واجب لله تعالى، فالمؤمن يفعله طوعًا، والكافر يؤخذ بالسجود كرهًا، أي هكذا الحكم في وجوب السجود لله جل وعزَّ، فعلى هذا قوله: ﴿يَسْجُدُ﴾ المراد به الإخبار عمن يسجد طوعًا، وأمر بالإكراه على السجود في حكم الكافر، كأنه قال يؤخذون بالسجود كرهًا، ويكرهون عليه، وهذا (٢) مستبعد من حيث اللفظ. ولأصحاب المعاني في الآية طريقة أخرى، وهو أنهم قالوا (٣): سجود الكافر هو تذلُّله وانقياده لتصريف الله تعالى إياه فيما يريد من عافية إلى مرض، وغنى إلى فقر، وحياة إلى موت، ومعنى السجود الخضوع والتذلل والانقياد، والكافر لا يمتنع من هذا، فهو في حكم الساجد من هذا الوجه أي: المسخّر المنقَاد والمذلّل، كما تقول في سجود الجماد، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦]، وقوله: ﴿وَلَهُ

стр. 6902

أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾، [آل عمران:٨٣] ومضى الكلام في الآيتين. وقوله تعالى: ﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ الكلام في تفسير هذه الألفاظ قد سبق (١)، وأما المعنى فقال المفسرون: كل شخص مؤمن أو كافر، فإنه يسجد لله تعالى. قال مجاهد (٢): ظل المؤمن يسجد طوعًا وهو طائع، وظل الكافر يسجد طوعًا وهو كاره. وقال أبو إسحاق (٣): جاء في التفسير أن الكافر يسجد لغير الله، وظله يسجد لله، فعلى هذا قال ابن الأنباري (٤): يُجْعل للظلال عقول تسجد بها وتخشع، كما جُعل للجبال أفهام حتى خاطبت وخوطبت، قال: على هذا بني أكثر أهل التفسير. وقال أهل المعاني: سجود الظلال ميلانها ودورانها من جانبها إلى جانب، وطولها بانحطاط الشمس، وقصرها بارتفاع الشمس فهي مستسلمة منقادة، مطيعة بالتسخير، وهي في ذلك تميل من جانب إلى جانب، والميل سجود في اللغة، يقال: سجدت النخلة، إذا مالت (٥) لكثرة حملها، قال لبيد يصف نخلًا (٦): غُلْبٌ سَوَاجِدُ لم يَدْخل بها الحَصَرُ

стр. 6903

فسجود الظلال تمايلها واستسلامها وانقيادها للتسخير، كأنه قيل: وظلالهم بالغدو والآصال مستسلمة، ودل على هذا قوله: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ﴾ ١٦ - قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ الآية، السؤال والجواب جاء من ناحية واحدة، كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ [يونس: ٣٤] الآية، وذلك أن الكفار لا ينكرون أن الله خالق السموات والأرض والمخلوقات، لقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ٣١] إلى قوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾، فإذا أجاب النبي ﷺ عن هذا السؤال بقوله: الله، لم ينكروا هم ذلك، ويصير كأنهم قالوا ذلك، ثم ألزمهم الحجة، فقال: ﴿قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ قال ابن عباس: يريد توليتم غير رب السماء والأرض، والولي النصير، والذي يتولى النصرى، كأنه قال أفتخذتم من دونه أنصارًا، يعني: الأصنام لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا، فكيف لغيرهم. ثم ضرب مثلًا للذي يعبد الأوثان، وللذي يعبد الله تعالى: فقال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ قال ابن عباس (١) يريد المشرك والمؤمن ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ قال: يريد الشرك والإيمان، وقرأه أكثر

стр. 6904

القراء (١) (تستوي) بالتاء؛ لأن الظلمات جمع، ولا حائل بينهما وبين الفعل، ومن قرأ بالياء فلتقدم الفعل مع التأنيث في الظلمات غير حقيقي. وقوله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ إلى قوله ﴿عَلَيْهِمْ﴾، قال ابن عباس (٢): معناه أجعلوا لله شركاء خلقوا سموات وأرضين وجنًّا وإنسًا، فتشابه الخلق عليهم من هذا الوجه. وقال أبو إسحاق (٣): أي هل رأوا غير الله خلق شيئًا، فاشتبه عليه خلق الله من خلق غيره؟ وقال ابن الأنباري (٤): تلخيص هذه الآية: وبخهم أجعلوا لله شركاء خلقوا مثل ما خلق الله، فتشابه خلق الشركاء بخلق الله عندهم؟ وهذا الاستفهام إنكار لذلك، أي ليس الأمر على هذا حتى يشبه الأمر، بل إذا فكروا بعقولهم وجدوا الله هو المنفرد بالخلق، وسائر الشركاء لا يخلقون خلقًا يتشابه بخلق الله، وإذا كانوا بهذه الصفة ألزمتهم الحجة. وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾،قال الزجاج (٥): أي قل ذلك وبينّه بما أخبر به من الدلالة على توحيده، من أول هذه السورة، مما يدل على أنه خالق كل شيء.

стр. 6905

قال أصحابنا (١): معناه: أنه خالق كل شيء بما يصح أن يكون مخلوقاً، ألا ترى أنه شيء وهو غير مخلوق. وقال الشافعي (٢) في هذا: إنه من العموم الذي لم يدخله الخصوص، يعني أنه لما ذكر لفظ الخالق، علم أن عمومه بالمخلوقات، وإذا كان كذلك لم يدخله خصوص، لأنه لا مخلوق إلا وهو خالقه، ولما شبه المؤمن والكافر، والإيمان والكفر مثلًا. ١٧ - فقال: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ﴾ وهي جمع وادي، وهو كل مفرج بين جبال وآكام وتلال. يجتمع إليه ماء المطر فيسيل فيه، هذا قول عامة أهل اللغة (٣) في معنى الوادي، وقال شمر (٤): ودي: إذا سال، قال: ومنه الوَدْي فيما أرى، لخروجه وسيلانه، ومنه الوادي، وعلى هذا الوادي اسم للماء السائل، كالسيل (٥)، والقول هو الأول. قال أبو علي الفارسي (٦): ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ﴾ اتساع، والمراد في: سال الوادي، وجرى النهر، ماؤهما، فحذف المضاف، قال: والأودية جمع نادر في فاعل، ولا يعلم فاعلًا جمع على أفعله، ويشبه أن يكون ذلك، ليتعاقب فاعل وفعيل على الشيء الواحد، كعالم وعليم، وشاهد وشهيد،

стр. 6906

ووال وولي، ألا ترى أنهم جمعوا فاعلًا أيضًا على فعلاء، كشاعر وشعراء، مثل فقيه وفقهاء، فجعلوا فاعلًا كفعيل في التكسير، كجريب وأجربة، وقالوا: يتيم وأيتام، وشريف وأشراف، كما قالوا: صاحب وأصحاب وطائر وأطيار، فلذلك جمع وادٍ على أودية (١). وقال غيره: نظير واد وأودية، ناد وأندية للمجالس. وقوله تعالى: ﴿بِقَدَرِ﴾ القَدَر والقَدْر، مبلغ الشيء يقال: كم قَدْر هذه الدراهم؟ وقدرها ومقدارها، أي: كم (٢) تبلغ من الوزن فيما يكون مساويًا لها من الوزن فهو قدرها، وذكرنا الكلام في القَدَر والقَدَر في قوله ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وفي مواضع. قال مجاهد (٣): بقدر مَلئْها. وقال ابن جريج (٤): الصغير بقدره، والكبير بقدره. وقال ابن الأنباري والزجاج (٥): (بقدرها) بما قدر (٦) يملأها، قالا: ويجوز بمقدار ما يملأها، وقد فُهم من قوله: القَدر هاهنا يجوز أن يكون مصدرًا فيكون المعنى: بما قدر لها من ملئها، ويجوز أن يكون المعنى: بقدر ملئها، وتلخيص معنى قوله: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ﴾، بقدرها من

стр. 6907

الماء، لأن القدر معناه الهنداز (١)، فإن صغر الوادي قل الماء، وإن اتسع الوادي كثر. قال أبو علي (٢): المعنى بقدر مياهها، ألا ترى أن المعنى ليس على أن الأودية سالت بقدر أنفسها. قال ابن عباس في رواية عطاء (٣) ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ يريد قرآنًا، وهو مثل ضربه الله، ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ قال: يريد بالأودية قلوب العباد، قال ابن الأنباري: شبه نزول القرآن الجامع للهدى والبيان بنزول المطر، إذ نفع نزول القرآن يعم كعموم نفع نزول المطر، وشبه الأودية بالقلوب؛ إذ الأودية يستكن فيه الماء كما يستكن الإيمان والقرآن في قلوب المؤمنين، ونحو هذا قال الفراء (٤): يقول قبلته القلوب بأقدارها وأهوائها. وقال صاحب النظم: الماء هاهنا إن شاء الله الإيمان والحق، فهؤلاء الذين سمينا جعلوا الماء مثلًا للإيمان والقرآن، والأودية مثلًا للقلوب. والباقون من المفسرين وأهل المعاني سكتوا عن بيان الممثل والممثل به، وجعلوا ابتداء المثل من قوله: ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾، قال ابن عباس (٥): وهو الشك والكفر، قال الفراء (٦): يقال: أزبد الوادي

стр. 6908

إزبادًا، والزبد الاسم، (رابيًا) قال الزجاج (١): طافيًا عاليًا فوق الماء، وقال غيره (٢) زابدًا بانتفاخه، ربا يربو، إذا زاد، وهذا هو الأصل، ثم إذا زاد وانتفخ صار عاليًا. قال ابن عباس وغيره من المفسرين (٣): ثم ضرب مثلًا آخر فقال ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ﴾، قرئ (٤) بالتاء والياء. فمن قرأ (٥) بالتاء فلما قبله من الخطاب، وهو قوله: ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ﴾، ويجوز أن يكون خطابًا عامًا يراد به الكافة، كأنه ومما توقدون عليه أيها الموقدون، ومن قرأ بالياء فلأن ذكر الغيبة قد تَقَدّم في قوله: [﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ ويجوز أن يراد به] (٦) جميع (٧) الناس، ويقوي ذلك قوله: ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ فكما أن الناس يعم المؤمن والكافر، كذلك الضمير في يوقدون (٨)، وأراد بما يوقد عليه في النار الفلز (٩)، وهو ما يذاب من الجواهر كالذهب والفضة والصفر والحديد

стр. 6909

والنحاس، في قول جميع المفسرين (١). قال أبو علي (٢): وجعل الظرف الذي ﴿فىِ النَّارِ﴾ متعلقًا بتوقدون؛ لأنه قد يوقد على ما ليس في النار، كقوله: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ [القصص: ٣٨] فهذا إيقاد على ما ليس في النار، وإن كان يلحقه وهجها ولهيبها، يريد أن هذه الجواهر تدخل النار فيوقد عليها. وقوله تعالى: ﴿ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ﴾ قال الزجاج (٣) وغيره: الذي يوقد عليه لابتغاء الحلية الذهب والفضة، والذي يوقد عليه لابتغاء الأمتعة، الحديد والصفر والنحاس والرصاص، يتخذ منها الأواني والأشياء التي ينتفع بها، والمتاع كل ما يتمتع به (٤). وقوله تعالى: ﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ زبد مثل زبد الماء الذي يحمله السيل. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ كما ذكر من هذه الأشياء يضرب الله مثل الحق والباطل، قال صاحب النظم: هذا كلام فرّق به بين الكلام الأول وبين تمامه؛ لأن قوله: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ هو من الكلام الأول، ثم لما تم ذلك رجع إلى تمام قوله: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾، فقال: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ والتأويل: كذلك يضرب الله الأمثال للحق والباطل، فاختصر الكلام اختصارًا على ما سبق من ذكر

стр. 6910

الحق والباطل، اعتماداً على بيانه في آخر الآية، وهو قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾، وأنشد قول ذي الرمة (١): فأضْحَتْ مَغَانِيها قِفَارًا رُسُومُها ... كأن لم سِوَى أهْلٍ من الوَهِل تؤهلُ المعنى: كأن لم تؤهل سوى أهل من الوحش، ففرق بين لم، وتؤهل، ومعنى قوله: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ الجفاء (٢) ما جفاه الوادي، أي: رمى به، قال أبو زيد (٣): يقال: جفأت الوادي الرجل، إذا صرعته، وأجفأت القدر بزبدها، إذا ألقت زبدها فيذهب جفاء. وقال الفراء (٤): الجفاء الرمي والاطراح، يقال: جفا الوادي غثاه جفاءً، إذا رماه، والجفاء اسم للمجتمع منه المنضم بعضه إلى بعض، بمنزلة الغثاء والقماش (٥)، قال: والجفاء مصدر يكون في مذهب اسم، وكذلك مصدر اجتمع بعضه إلى بعض مثل القماش والحطام والدقاق (٦)، كما كان العطاء اسم الإعطاء، وقال الزجاج (٧) في باب الوفاق: جفا الوادي يجفا جُفا أو أجفا، إذا رمى بغثائه، قال: وموضع (جفاءً) نصب على الحال.

стр. 6911

وتلخيص معنى الآية على ما ذكره المفسرون وأهل المعاني (١): أن هذا مثل ضربه الله للحق والباطل، يقول: الباطل وإن ظهر على الحق في بعض الأحوال وعلاه، فإن الله سيمحقه ويبطله ويجعل العاقبة للحق وأهله، كالزبد الذي يعلو الماء، فيلقيه الماء عنه ويضمحل وكخبث هذه الجواهر يقذفه الكبير، فهذا مثل الباطل، وأما الذي ينفع الناس وينبت المرعى فيمكث في الأرض، وكذلك الصفو (٢) من الفلز يبقى خالصًا لا شوب (٣) فيه، فهو مثل الحق، هذا بيان ابن قتيبة (٤) وكلامه. وقال أبو إسحاق (٥): فمثل المؤمن واعتقاده ونفع الإيمان، كمثل هذا الماء المنتفع به في نبات الأرض، وحياة كل شيء، وكمثل نفع الفضة والذهب وسائر الجواهر؛ لأنها كلها تبقى منتفعًا به، ومثل الكافر وكفره كمثل هذا الزبد الذي يذهب جفاء، وكمثل (٦) خبث الحديد وما تخرجه النار من وسخ الفضة والذهب الذي (٧) ينتفع به. ١٨ - قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِم﴾ أي: أجابوه إلى ما دعاهم إليه من توحيده وشريعته على لسان رسوله، قال ابن عباس (٨): يريد للذين وحدوا ربهم.

стр. 6912

وقوله تعالى ﴿الْحُسْنَى﴾ قال (١): يريد الجنة، وقال أهل المعاني: الحسنى هي المنفعة العظمى في الحسن، وهي الجنة على الخلود في نعيمها. وقوله تعالى: ﴿لَافْتَدَوْا بِهِ﴾ الافتداء: جحل أحد الشيئين بدلاً من الآخر، ومفعول (افتدوا) محذوف تقديره: لافتدوا به أنفسهم، أي: جعلوه فداء أنفسهم من العذاب، والكناية في (به) تعود إلى (ما) في قوله ﴿مَا فِي الْأَرْضِ﴾. وقوله تعالى: ﴿سُوءُ الْحِسَابِ﴾ قال المفسرون (٢): هو أن لا تقبل منه حسنة، ولا يتجاوز عن سيئته، قال أبو إسحاق (٣): لأن كفرهم أحبط أعمالهم. ١٩ - قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ الآية. قال ابن عباس (٤): نزلت في حمزة وأبي جهل. وقوله تعالى: ﴿كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ قال: يريد أبا جهل أعمى القلب، قال أهل المعاني: الجاهل بالدين ممثل بالأعمى؛ لأن العلم يُهْتَدَى به إلى طريق الرشد من الغي، كما يهتدى بالبصر إلى طريق النجاة من طريق الهلاك، وبالضد من هذا حال الجهل والعمى.

стр. 6913

وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ﴾ أي يتعظ ويطلب ذكر ما رغب فيه من الجنة فيطيع الله، وما أوعد به فيرتدع عن المعاصي ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ قال ابن عباس: يريد المهاجرين والأنصار، والآية نازلة في هؤلاء، وهي لكل من كان بهذه الصفة من العلم والجهل والتذكر، فهي بيان عما يستحق كل واحد من العالم والجاهل، والمحق والمبطل من صفة المدح بالبصيرة والذم بالعمى والحيرة. ٢٠ - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاق﴾ قال ابن عباس (١): يريد الذي عاهدهم عليه في صُلب آدم (٢). ٢١ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾، قال ابن عباس (٣): يريد الإيمان بالأنبياء، يعني: يصل بينهم بالإيمان بالجميع، كما قال في الخبر عن المؤمنين: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وقال أكثر المفسرين (٤): يريد صلة الأرحام. ٢٢ - ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا﴾ قال في رواية عطاء (٥): يريد على دين ربهم وما أمر به من طاعته ونهى عن معصيته، وهو قول ابن زيد (٦) وأبي عمران

стр. 6914

الجوني (١). ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ أي: طلب تعظيم الله. وقوله تعالى: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ قال ابن عباس (٢): يدفعون بالعمل الصالح الشرَّ من العمل، قال ابن كيسان (٣): هو أنهم إذا أذنبوا تابوا، ليدفعوا بالتوبة مَعَرّة الذنب، روي أن النبي ﷺ قال لمعاذ بن جبل "إذا عملت سيئة فأعمل بجنبها حسنة تمحها" (٤) فعلى هذا الحسنة والسيئة بينه وبين الله. وقال ابن زيد (٥): لا يكافئون الشر بالشر، بل يحلمون عن السفيه، ويردون على من يسفه عليهم معروفًا من القول، وهذا قول قتادة (٦) واختيار ابن قتيبة (٧)، وعلى هذا الحسنة والسيئة بينه وبين الناس. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ قال ابن عباس (٨): يريد عقباه الجنة، والعقبى (٩) كالعاقبة، يجوز أن يكون مصدرًا، كالشورى والقربى

стр. 6915

واللقيا، توضع موضع المصدر، وقد يجيء مثل هذا أيضًا على (فَعْلى) كالنجوى والدعوى والطغوى، وعلى (فِعْلى) كالذكرى والضيزى، ويجوز أن يكون اسمًا، وهو هاهنا مصدر مضاف إلى الفاعل، والمعنى: أولئك لهم أن تعقب أعمالهم الحسنة الجنة، أي تصير الجنة آخر أمرهم، والمراد بالدار الجنة، يعرف ذلك بإطلاقها، حيث ذكرت عقيب الأعمال الصالحة. ٢٣ - قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ قال الزجاج (١): جنات بدل من عقبى. قال ابن عباس (٢): هي وسط الجنة وقصبتها، مساندة بعرش الرحمن، غَرَسها الرحمنُ ﵎ بيده، والكلام في جنات عدن قد ذكرناه مستقصى عند قوله: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: ٧٢]، وذكرنا هناك مذهب المفسرين ومذهب أهل اللغة. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ صَلَحَ﴾ موضع (من) رفع عطف على الواو في ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾، قال أبو إسحاق (٣): وجائز أن يكون نصبًا، كما تقول قد دخلوا وزيدًا، أي مع زيد. قال ابن عباس (٤): ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ﴾ يريد من صَدَّق بما صدقوا به، وإن لم يعمل مثل أعمالهم.

стр. 6916

وقال أبو إسحاق (١): اعلم أن الأسباب لا تنفع بغير أعمال صالحة، فعلى قول ابن عباس معنى (صلح): صدق وآمن ووحد، وعلى ما ذكر أبو إسحاق معناه: صلح في عمله. والصحيح ما قال ابن عباس؛ لأن الله تعالى جعل من ثواب المطيع سروره بما يراه في أهله، حيث بشره بدخول الجنة مع هؤلاء، فدل أنهم يدخلونها كرامة للمطيع، ولا فائدة في التبشير والوعد به، إذ كل مصلح في عمله قد وعد دخول الجنة (٢). وقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ قال ابن عباس (٣): يريد بالتحية من الله والتحفة والهدايا. ٢٤ - قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ قال أبو إسحاق (٤): المعنى يدخلون عليهم من كل باب يقولون: سلام عليكم، فأضمر القول هاهنا، لأن في الكلام دليلًا عليه.

стр. 6917

وقوله تعالى: ﴿بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ قال ابن عباس (١): يريد في دار الدنيا، قال النحويون (٢): الباء في (بما) تتعلق بمعنى سلام؛ لأنه قد دل علي السلامة لكم بما صبرتم. وقال صاحب النظم: السلام قول، ولا يحتمل أن يكون القول ثوابًا للصبر الذي هو فعل، فدل هذا على أن المعنى في قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ دعاء من الملائكة لهم، على معنى: سملكم الله بما صبرتم، أو خبر منهم، أي: أن الله سلمكم من أهوال هذا اليوم من شره، وأدخلكم الجنة بصبركم في الدنيا، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على تقدير: الكرامة لكم بما صبرتم و (ما) هاهنا للمصدر، كأنه قبل بصبركم. وقوله تعالى: ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ الدار هاهنا أيضًا يجب أن يكون مصدرًا؛ لأنه لو كان اسمًا، وأضيف إلى الدار صار لها. وليس المراد ذكر عاقبة (الدار، إنما المراد ذكر عاقبة) (٣) أهل الجنة ومدح عاقبتهم، والمقصود بالمدح محذوف على تقدير: نعم العقبى عقبى الدار، كقوله تعالى: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤] ولم يذكر أيوب لتقدم ذكره، ومثله قوله: ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ [الجمعة: ٥] هذا كله إذا كان المراد بالدار الجنة. وقال صاحب النظم: (نعم) يقتضي اسمًا وخبرًا، والمعنى إن شاء الله: فنعم عقبى الدار ما أنتم فيه، أي هذا نعم عاقبة الدار التي كنتم فيها، عملتم فيها ما أعقبكم هذا الذي أنتم فيه، فعلى هذا، العقبى اسم، والدار هي الدنيا (٤).

стр. 6918

٢٥ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ الآية مفسرة في سورة البقرة بتمامها (١). ٢٦ - قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ معنى القدر في اللغة (٢): قَطْع الشيء على مساواة غيره من غير زيادة ولا نقصان، والمقدار: المثال الذي يعمل عليه غيره في مساواته به، وقال المفسرون (٣): في معنى يقدر هاهنا: يضيق ويقتر، ومثله قوله: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٣] أي: ضيق، وقوله: ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦] بمعنى يضيق، وهو أن يعطيه على قدركفايته، لا يفضل عنه شيء من رزقه على صدر البسط. وقوله تعالى: ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال ابن عباس (٤) والمفسرون: يريد مشركي مكة، فرحوا بما نالوا من الدنيا وأشروا وبطروا، فطغوا وكذبوا الرسول، ولم يشكروا ما بسط الله عليهم من الدنيا. ثم قال: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ أي: في حياة الآخرة، يعني بالقياس إليها، قال ابن عباس (٥): يريد ما في الدنيا يذهب ويبيد وهو قليل، وقال مجاهد (٦): أي: قليل ذاهب.

стр. 6919

وقال الكلبي (١): كالشيء الذي يتمتع به ثم يفنى ويذهب، مثل القصعة والقِدْر والقدح ينتفع بها ثم يذهب. ٢٧ - قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ الآية، قال المفسرون (٢): نزلت في أهل مكة حين طالبوا رسول الله ﷺ بالآيات، قال أهل المعاني: إنهم لم يستدلوا فيُعملوا مدلول الآيات التي بها، فلم يعتدوا بها، وقالوا هذا القول جهلًا منهم. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ قال ابن عباس (٣): يريد عن دينه، يعني كما أضلكم بعد ما رأوا من الآيات وحرمكم الاستدلال بها، ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ أي رجع إلى الحق، قاله الزجاج (٤)، وإنما يرجع إلى الحق من يشاء الله، فكأنه قال: ويهدي إليه من يشاء، كما قال: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٥) في مواضع. ٢٨ - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال الزجاج (٦): (الذين) في موضع نصب ردًّا على (من)، المعنى: يهدي الله الذين آمنوا، ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس (٧): يريد إذا سمعوا القرآن خشعت قلوبهم واطمأنت، وإذا سمعوا ذكر الله أحبوه واستأنسوا به، ونحو هذا قال

стр. 6920

مقاتل (١)، وقال أبو إسحاق (٢): أي إذا ذكروا الله وحده آمنوا به غير شاكين، بخلاف من وصف بقوله: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ [الزمر: ٤٥]. وقوله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ قال ابن عباس (٣) وغيره: يريد قلوب المؤمنين، قال الزجاج (٤): لأن الكافر غير مطمئن القلب، وذكرنا الجمع بين هذه الآية وبين قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ في سورة الأنفال [٢]. ٢٩ - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ﴾ روى معاوية بن قرة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "طُوبَى شجرةٌ غرسها الله بيده تنبت العلي والحلل، وإن أغصانها لتُرى من وراء سور الجنة" (٥) فعلى هذا طوبى اسم تلك الشجرة، وهو قول أبي هريرة (٦)، ومغيث بن سمي (٧)

стр. 6921

وعبيد بن عمير (١) ومقاتل (٢) ووهب (٣) وأبي صالح (٤) وعكرمة (٥) وابن عباس (٦) في رواية عطاء والكلبي (٧)، كل هؤلاء قالوا: إنها شجرة في الجنة، ووَصَفَ كلٌّ منها صفةً يطول ذكرها. وقال أبو عبيدة (٨) والزجاج (٩) وأهل اللغة (١٠): (طوبى) فعلى من الطيب. قال ابن الأنباري (١١): يعني أن تأويلها: الحال المستطابة لهم، وأصلها: (طيبى) فصارت الياء واوًا لسكونها وانضمام ما قبلها، كما تقول في: موسر وموقن، قال: وهذه الكلمة غير مبنية على (أفعل) كالأولى والكبرى، ولذلك جاز إفرادها من الألف واللام ومن الإضافة نحو: سعدى

стр. 6922

وقربى وزلفى، وعلى هذا معنى طوبى في اللغة: الغبطة وبلوغ أقصى الأمنية والسؤل، وأنشد (١): وطُوبَى لمن يَسْتَبدلُ الطَّوْدَ بالقُرَى ... ورِسْلًا بيَقْطِينِ العِرَاقِ وفُومِهَا قال الأزهري (٢): والعرب تقول: طوبى لك. وطوباك لحن لا تقوله العرب، وهذا قول أكثر النحويين، إلا الأخفش (٣) فإنه قال: من العرب من يضيفها فيقول: طوباك. قال أبو بكر (٤): (طوباك) مما (٥) يلحن فيه العوام، والصواب: طوبى لك، وهذا الذي ذكرنا من قول أهل اللغة مذهب جماعة من المفسرين. قال ابن عباس (٦) في رواية الوالبي: (طوبى لهم): فرح وقرة أعين، وروى معمر عن قتادة (٧) قال: طوبى كلمة عربية، تقول العرب: طوبى لك إن فعلت كذا وكذا، أي أصبت خيرًا، وقال عكرمة (٨): (طوبى لهم) نعمى لهم.

стр. 6923

وروى سعيد عن قتادة (١) قال: الحسنى لهم. وقال الضحاك (٢): غبطة لهم، وقال الزجاج (٣): العيش الطيب لهم، فهذا الذي ذكرنا، قولان في هذه الكلمة، أحدهما: أنها اسم شجرة، والثاني: أنها فعلى من الطيب. وفيها قول ثالث وهو: ما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس (٤): طوبى اسم الجنة بالحبشة، وقال الربيع (٥) وسعيد بن مشجوج (٦) اسم الجنة بلغة الهند، وعلى هذا الكلمة بما وقع فيه الوفاق بين لغة العرب ولغة غيرهم من الهند أو الحبشة. ٣٠ - قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ﴾ قال الحسن (٧) وغيره: أرسلناك كما أرسلنا الأنبياء قبلك ﴿فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ﴾ قال ابن عباس (٨): في قرن قد خلت من قبلها قرون ﴿لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ يعني القرآن، ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ قال: وذلك أن رسول الله ﷺ كان في

стр. 6924

الحجر يدعو، وأبو جهل يسمع إليه، وهو يقول: يا رحمن، فلما سمعه يذكر الرحمن ولىَّ مدبرًا إلى المشركين، وقال لهم: إن محمدًا كان ينهانا عن عبادة الآلهة، وهو يدعو إلهين، يدعو الله ويدعو إلهًا آخر يقال له: الرحمن، فأنزل الله هذه الآية (١). وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ قال مقاتل (٢) وابن جريج (٣) وقتادة (٤): نزل هذا في صلح الحديبية، أرادوا كتاب الصلح، فقال النبي ﷺ لعلي: "اكتب بسم الله الرحمن الرحيم" فقال المشركون: ما ..... (٥) اكتب باسمك اللهم". وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي﴾ أي قل لهم يا محمد: إن الرحمن الذي أنكرتم معرفته، هو إلهي وسيدي، لا إله إلا هو. ٣١ - قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ الآية، قال المفسرون (٦): قالت قريش للنبي ﷺ : إن كنت كما تقول فباعد عنا أخشبي

стр. 6925

هذه. يعنون جبلها فإنها ضيقة، حتى نتخذ فيها قطائع وبساتين، واجعل لنا (١) فيها عيونًا وأنهارًا حتى نغرس ونزرع، وابعتَ لنا آباءنا من الموتى يكلمونا يخبرونا أنك نبي، فأنزل الله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ أي جعلت تسير، ﴿أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ﴾ هو أي شققت، فجعلت أنهارًا وعيونًا، وقيل: معناه: هو أنهم قالوا له: اجعلنا يخرج أحدنا إلى الشام أو إلى اليمن أو الحيرة ويرجع في ليلة، كما خبرت أنك فعلته، فعلى هذا معنى (قطعت) من قطع المسافة ﴿أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ أي: أُحْيُوا حتى كلموا، وجواب (لو) محذوف: لِسُيِّر مَوْضِعُه، وتلخيصه: ولو أن قرآنا فعل به ما التمسوا لكان هذا القرآن، فلما عرف تأويله حذف اختصارًا، هذا قول الفراء (٢) والزجاج (٣) وابن الأنباري وأكثر أهل العلم. وقال الفراء: وإن شئت جعلت جوابها متقدمًا على تقدير: وهم يكفرون بالرحمن، ولو أنزلنا عليهم ما سألوا (٤) قال أبو بكر: يعني به هم يكفرون بالرحمن، ولو أنزلنا عليهم الذي سألوا، قال أبو بكر (٥): يعني به هم يكفرون، ولو فعل بهم ذلك كما تقول: قد كنت هالكًا لولا أن فلانًا أنقذك، يريد لولا إنقاذه إياك لهلكت، قال: وهذا ضعيف؛ لأنه ليس يكثر في كلامهم: زرتك لو زرتني، وقصدتك لو قصدتني، وهو على ضعفه غير خارج عن الصواب.

стр. 6926

وقال الزجاج (١): والذي أتوهمه أن المعنى: (ولو أن قرآنًا -إلى قوله- الموتى) لما آمنوا، قال: ودليل هذا القول [قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ إلى قوله ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام:١١١]، فجعل الجواب المضمر هاهنا ما أظهر في] (٢) قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا﴾ وهو قوله: ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾، وهذا الذي ذكره هو قول ابن عباس (٣) قال: في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ يريد: لو قضيت أن لا يقرأ القرآن على الجبال إلا سارت، ولا على الأرض إلا تخرقت، ولا على الموتى إلا حيوا وتكلموا، ما آمنوا، لما سبق عليهم في علمي. وذكر الكسائي (٤) في جواب ﴿لَوْ﴾ هاهنا وجوهًا فاسدة يطول ذكرها وبيان فسادها فتركناها. وقوله تعالى: ﴿بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ معنى بل: نفي الأول وإثبات الثاني، كأنه يقول: دع ذلك الذي قالوا من تسيير الجبال وغيره، فالأمر لله جمعيًا، لو شاء أن يؤمنوا لآمنوا، وإذ لم يشأ لا ينفع تسيير الجبال، وما اقترحوا من الآيات، وسياق الآية يدل على هذا المعنى وهو قوله: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾، قال ابن عباس (٥)

стр. 6927

في رواية عطاء: أفلم يعلم، وقال فيما روى الكلبي عنه (١) أيضًا: ييئس: يعلم في لغة النَّخَع، وهذا قول أكثر المفسرين، مجاهد (٢) والحسن (٣) وقتادة (٤) وابن زيد (٥)، واختلف أهل اللغة في هذا. وقال أبو عبيدة (٦) والليث (٧): ألم ييئس: ألم يعلم، وأنشد أبو عبيدة (٨): أقُولُ لهم بالشِّعْبِ إذ يأسِرُونَنِي ... ألم تَيْأسُوا أني ابنُ فارِسِ زَهْدَمِ بمعنى: ألم يعلموا، وأنشد الليث (٩):

стр. 6928

ألم يَيْأسِ الأقْوَامُ أني أنا ابنُه ... وإن كنتُ عن أرْضِ العَشِيرةِ نَائِيا وقال قطرب (١): يئس: بمعنى علم؛ لغة العرب، وأنشد البيت. وقال الكسائي (٢): ما وجدت العرب تقول: يئست، بمعنى علمت، قال: وهذا الحرف في القرآن من اليأس المعروف لأمر (٣) العلم، وذلك أن المشركين لما طالبوا رسول الله ﷺ بهذه الآيات اشرأب المسلمون بذلك، وأرادوا أن يظهر لهم آية ليجتمعوا على الإيمان، فقال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ كأنه قال ألم يعلموا علمًا ييأسوا معه من أن يكون غير ما علموه، وهو أن الله لو شاء لهداهم من غير ظهور هذه الآيات، فأضمر العلم هاهنا مع اليأس، كما أضمر في قولهم: يئست من غلامي أن يفلح، وتأويله: يئست من غلامي علمًا مني أنه لا يفلح، وتلخيصه: قد علمت أن غلامي لا يفلح علمًا أيأسني من غيره، وهذا قول الفراء (٤) سواء. وقال أبو إسحاق (٥) ثابتًا على هذا المعنى: القول عندي أن معناه: أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء؛ لأن الله لو شاء لهدى الناس جميعًا. قال أبو بكر ابن الأنباري: وهذا القول مأخوذ من قول الكسائي والفراء وأبي إسحاق، هو معنى وليس بتفسير، كما قال الفراء هو في

стр. 6929

المعنى على تفسيرهم، أي أن المعنى يؤول إلى ما ذكروا؛ لأن العلم بالشيء يوجب اليأس من خلافه. ويدل على أن المراد هاهنا العلم، ما روي أن ابن عباس كان يقرأ (١): (أفلم تيأس الذين آمنوا)، فقيل له: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾ فقال: أظن الكاتب كتبها وهو ناعس، يريد أنه كان في الخط بتاءين، فزاد الكاتب سينة واحدة فصار (ييئس) فقرئ ييس.

стр. 6930

وقوله تعالى: ﴿أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ﴾ قال أبو علي (١): ﴿أَنْ﴾ هاهنا مخففة من الثقيلة وفيه ضمير القصة، والحديث على تقدير: أنه لو يشاء، كقوله ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ﴾ [المزمل: ٢٠] و ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ﴾ [طه: ٨٩]. على ذلك حسن وقوع الفعل بعدها، لفصل الحرف بينهما وهو لو ولا والسين. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ قال ابن عباس (٢) في رواية عطاء: عذاب، قال المفسرون (٣): أراد أنهم تصيبهم بما صنعوا، والحُرَب (٤) من كفرهم وأعمالهم الخبيثة داهية تقرعهم، ومصيبة شديدة من الأسر والقتل والجدب. قال أبو إسحاق (٥): ومعنى (قارعة) في اللغة: نازلة تنزل بأمر عظيم. وروي عن ابن عباس (٦) أيضًا في تفسير القارعة أنها السرايا التي كانت يبعث رسول الله ﷺ إليهم، وهو اختيار الفراء (٧)، ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ

стр. 6931

دَارِهِمْ﴾، التاء خطاب للنبي ﷺ في قول ابن عباس (١) والفراء (٢) والأكثرين، وقال قتادة (٣): هي القارعة، وهو قول الحسن (٤). وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد القيامة، وهو قول الحسن، وقال قتادة (٥): يعني فتح مكة. ٣٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ذكرنا معنى الاستهزاء في أول سورة البقرة (٦). وقوله تعالى: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: أطلت لهم المدة بتأخير العقوبة، قال ابن عباس: ليتمادوا في معاصي الله، وذكرنا معنى الإملاء عند قوله ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِم﴾ (٧). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ أي: بالعقوبة، ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ قال ابن عباس (٨): يريد كيف رأيت ما صنعت بمن استهزأ برسلي، كذلك

стр. 6932

أصنع بمشركي قومك، قال المفسرون: الآية تسلية للنبي ﷺ ، عما يلقى من سفهاء قومه من الكفر والاستهزاء، بأنه قد قيل لأنبياء قبلك مثل هذا، فاصبر كما صبروا حتى أذيق المستهزئين بك العذاب الأليم كسُنّتي في الكذابين المستهزئين. ٣٣ - قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ الآية، قال ابن عباس (١): يريد نفسه ﵎، قال ابن الأنباري (٢) وغيره: وصف الله تعالى بالقيام، ليس يراد به الانتصاب (٣)، الذي هو من صفة الأجسام، ولكن معناه التولي لأمور خلقه والتدبير للأرزاق والآجال وإحصاء الأعمال والجزاء، كقوله تعالى: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]، أي والباء كذلك (٤)، وقد يراد القيام في اللغة (٥) ولا يراد به الانتصاب، كما يقال: فلان قائم بأمر الأيتام، يعنون بالقيام الولاية لأمورهم، والمعنى هاهنا: أفمن هو قائم بالتدبير على كل نفس بجزاء ما كسبت، وتلخيصه: أفمن هو مجاز كل نفس بما كسبت، وحكى أبو بكر عن بعض اللغويين أن معناه: أفمن هو عالم بكسب كل نفس واحتج بقول الشاعر (٦): فلولا رجالٌ من قُريشٍ أعِزَّة ... سرقتم ثِيَابَ البَيْتِ والله قائِمُ

стр. 6933

أراد والله عالم، قال أبو بكر: وهذا القول أثبت، قال الفراء (١) وغير: وحذف خبر (من) لميان موضعه، وتلخيصه: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت، كمن ليس بهذه الصفة من الأصنام التي لا تنفع ولا تضر. قال الفراء: قد بينه ما بعده إذ قال: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ كأنه في المعنى: كشركائهم (٢) الذين اتخذوهم، وقال صاحب النظم: جواب قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ﴾ مضمَّن (٣) فيما بعده؛ لأنه لما قال: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ صار بدلالته على الجواب كأنه ذكر، كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الزمر: ٢٢]، ولم يجيء له جواب حتى قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ فصار هذا يدل على الجواب؛ لأن تأويله: أفمن شرح الله صدره للإسلام كمن قلبه قاس. وقوله (٤): ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ وقع هذا موقع جواب (أفمن) على ما ذكره الفراء في المعنى. وقوله تعالى: ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ ليس يريد بهذا أن يذكروا أسماءهم التي جعلوها لهم كاللات والعزى؛ لأنه لا يكون في هذا احتجاج عليهم، ولكن المعنى سموهم بما يستحقون من الأسماء التي هي صفات، ثم انظروا هل تدل صفاتهم على أنه يجوز أن يعبدوا أم لا؟ وهذا تنبيه على أنهم مبطلون، لأن المعنى يؤول إلى أن الصنم لو كان إلهًا لتصور منه أن يخلق ويرزق ويحيي ويميت، ولحسن حينئذٍ أن يسمى بالخالق والرازق، فكأن الله تعالى

стр. 6934

قال: قل سموهم بإضافة أفعالهم إليهم إن كانوا شركاء (١) لله تعالى، كما يضاف (٢) إلى الله تعالى أفعاله بالأسماء الحسنى (٣). وقوله تعالى: ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ يجوز أن يكون (أم) هاهنا عاطفة على استفهام متقدم في المعنى، وذلك أن قوله ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ معناه: ألهم أسماء الخالقين؟؛ لأن المراد في أمرهم بالتسمية؛ الإنكار عليهم أنه ليس للأصنام أسماء الخالقين ولا صفاتهم، والإنكار صورته سورة الاستفهام. ويجوز أن يكون (أم) استفهامًا مبتدأ به منقطعًا بما قبله كقوله ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ [يونس: ٣٨] وليس قبله استفهام، وذكرنا هذا قديمًا، وتأويل الآية هاهنا: فإن سموهم بصفات الخالقين قل أتنبئونه بما لا يعلم في الأرض؟ ومعنى هذا: أنهم كانوا يزعمون أن لله شركاء، والله تعالى لا يعلم لنفسه شريكًا، فقال: أتنبئون الله بشريك له في الأرض وهو لا يعلمه؟ ومعنى ﴿بِمَا لَا يَعْلَمُ﴾ أي: بما يعلم أنه ليس. فالنفي وإن دخل على العلم؛ فالمراد به نفى ذلك المعلوم؛ لأنه لا يجوز أن ينتفي العلم عن الله تعالى، وقال صاحب النظم: وقد قيل: إن (يعلم) هاهنا فصل عطل عن المعنى، (ولا) بمنزلة ليس، على تأويل: أم تنبئونه بما ليس في الأرض، وخص الأرض بنفي الشريك عنها، وإن لم يكن له شريك في غير الأرض، لأنهم ادعوا له شركاء في الأرض لا في غيرها.

стр. 6935

وقوله تعالى: ﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ يعني أم يقولون مجازًا من القول وباطلاً لا حقيقة له والباء في قوله ﴿بِظَاهِرٍ﴾ لا يكون من صلة الشبه، بل هي من صلة القول المضمر على معنى: أم يقولون بظاهر من القول، وفسر الظاهر هاهنا تفسيرين أحدهما: أن معناه أنه كلام ظاهر، وليس له في الحقيقة باطن ومعنى رجوع إلى حقيقة، والثاني أن معناه الباطل الزائل (١)، من قولهم (٢) ظهر عني هذا العيب، أي لم يعلق بي، ونبا عني، ومنه قول أبي ذؤيب (٣): وتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُها أي باطل وزائل، وهذا الوجه اختيار صاحب النظم. وقوله تعالى: ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾ معنى (بل) هاهنا كأنه يقول دع ذكر ما كنا فيه؛ زين لهم مكرهم، كقول لبيد (٤): بل ما تَذْكُر من نَوَار وقَدْ نَأَتْ ... وتَقَطّعَتْ أسْبَابُها ورِمَامُهَا
следующие страницы →