← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 7036–7075 · переход к 7041.

стр. 7036

يريد النخلة (١)، وهو قول أكثر أهل التأويل (٢)، وأراد: كشجرة طيبة

стр. 7037

الثمرة، فاستغنى عن ذكرها بدلالة الكلام عليها، ﴿أَصْلُهَا﴾ أي: أجل هذه الشجرة الطيبة ﴿ثَابِتٌ﴾، ﴿وَفَرْعُهَا﴾: أعلاها، قال: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾. ٢٥ - ﴿تُؤْتِي﴾ أي هذه الشجرة، ﴿أُكُلَهَا﴾: ثمرها وما يؤكل منها، ﴿كُلَّ حِينٍ﴾ الحين: وقت من الزمان قلَّ أو كثُر، طال أو قَصُر (١)، واختلفوا في المراد بالحين هاهنا؛ فقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد ستة أشهر (٢)، وهو قول سعيد بن جبير وقتادة والحسن قالوا: ما بين صرامها (٣) إلى حملها ستة أشهر (٤). وقال مجاهد وابن زيد: كل سنة (٥)، وهو قول ابن عباس في رواية

стр. 7038

عكرمة؛ قال: هو ما (بين العام إلى العام) (١) المقبل (٢)، وقال في رواية أبي ظَبيان (٣): كل حين: كل غدوة وعشية (٤)، وهو قول الربيع بن أنس (٥). وقال سعيد بن المُسيَّب: كل حين يعني: شهرين؛ لأن مدة إطعام النخلة شهران (٦)، قال أهل التأويل وأهل المعاني: شبَّه الله تعالى الإيمان

стр. 7039

بالنخلة لثبات الإيمان في قلب المؤمن كثبات النخلة في مَنْبِتها، وشبَّه ارتفاع (عمله إلى السماء بارتفاع) (١) فروع النخلة، وشبَّه ما يكسبه المؤمن من بركة الإيمان وثوابه في كل وقت وزمان، بما ينال من ثمرة النخلة في أوقات [السنّة] (٢) كلها؛ من الرطب والتمر وما يجري مجراهما مما لا يعدم ولا ينقطع وجوده (٣). وقال الزجاج: جعل الله مَثل المؤمن في نُطْقه بتوحيده (٤)، والإيمان بنبيّه واتّباع شريعته الشجرة الطيبة؛ فجعل نفع الإقامة على توحيده كنفع الشجرة التي لا ينقطع نفعُها وثمرها (٥)، وقال آخرون: إنما مَثَّلَ الله سبحانه الإيمان بالشجرة؛ لأن الشجرة لا تستحق أن تسمّى شجرة إلا بثلاثة أشياء: عرق راسخ، وأصل قائم، وفرع عال، كذلك الإيمان لا يتم إلا بثلاثة

стр. 7040

أشياء: تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأبدان (١). قال ابن الأنباري: وكان غير مستنكر تشبيه الكلمة بالشجرة وهي من غير جنسها، كما لا يُستَنكر تشبيه الناس بالأسد والأقمار والبحار، وجنس الإنسان يخالف هذه الأجناس، ومعروف من كلامهم: عبد الله الشمسَ طالعة، وزيدٌ القمرَ منيرًا، وعمرو الأسدَ عاديًا (٢)، وبكر البحر زاخرًا (٣). وقال أبو إسحاق في قوله: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾: جميع من شاهدنا من أهل اللغة يذهب إلى أن الحين اسم كالوقت، يصلح لجميع الأزمان كلها، طالت أم قصُرت، والمعنى في ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾: أنها يُنتفع بها في كل وقت، لا ينقطع نفعها البتة، قال: والدليل على أن الحين بمنزلة الوقت قول النابغة في صفة الحيَّة والملدوغ: تَنَاذَرَها (٤) الرَّاقُون من سُوء سَمِّها ... تُطَلِّقُه حِينًا وحِينًا تُراجِعُ (٥)

стр. 7041

قال: المعنى أن السمَّ يخفُّ ألمه وقتًا ويعود وقتًا (١)، فعلى هذا، الاختيار: أن يكون المعنى ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾: أي: كل وقت في جميع السنة، وهو قول الضحاك، قال: كل ساعة، ليلاً ونهارًا، شتاءً وصيفًا، تُؤكل في جميع الأوقات، كذلك المؤمن لا يخلو من الخير في الأوقات كلها (٢)، وقد قال ابن عباس: يريد ستة أشهر طلعٌ رَخْصٌ (٣) وستة أشهر رُطبٌ رَطيبٌ (٤)، فبين أن الانتفاع بالنخلة دائم في جميع السنة. وقوله تعالى: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾ قال ابن عباس: يريد أهل مكة (٥)، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾: لكي يتعظوا.

стр. 7042

٢٦ - قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ يعني: الشرك بالله في قول الجميع (١)، ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد الثوم (٢)، وروى مقاتل عن الضحاك عنه (٣) قال: هي الكُشُوث (٤)، وقال

стр. 7043

أنس بن مالك: هي الحنظل (١)، فكما أنها أخبث الأشجار، فكذلك الشرك أخبث الكلمات، وكما أنه لا ينتفع بها كذلك الشرك لا ينتفع صاحبه. وقوله تعالى: ﴿اجْتُثَّتْ﴾ قال ابن عباس: اقتلعت (٢)، وقال السدّىِ: انتزعت (٣)، وقال الضحاك: استؤصلت (٤)، وقال الزجاج: ومعني ﴿اجْتُثَّتْ﴾ في اللغة: أخذت جُثَّتُها بكمالها (٥).

стр. 7044

وهذا قول المُؤَرِّج قال: أخذت جثتها وهي نفسها (١). وقوله تعالى: ﴿مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: يريد ليس لها أصل تام، فهي فوق الأرض لم ترسخ فيها، ولم تضرب فيها بعرق، كذلك الشرك بالله ليس له حجة ولا ثبات ولا شيء (٢). وقوله تعالى: ﴿مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ قال المفسرون: أي من أصل في الأرض (٣)، والقرار مصدر سُمّي به المُسْتَقَر، وهذه الأشجار التي ذُكرت في (٤) تفسير الشجرة الخبيثة ليس لها مستقر في الأرض يبقى على الأرض فنفى أن يكون لها قرار لمّا كانت تتقلَّع بأدنى شيء، والكَشوث لا قرار له في الأرض بتّة، قال الزجاج: المعنى أن ذكر الله بالتوحيد يبقى أبدًا، ويبقى نفعُه أبدًا، وأن الكفر والضلال لا ثبوت له (٥).

стр. 7045

٢٧ - قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ قال ابن عباس: يريد الذين صدّقوا محمدًا ﷺ يثبتهم بالقول الثابت وهو لا إله إلا الله (١)، وهذا دليل على أنه أراد بالكلمة الطيبة كلمة الإخلاص؛ لأنه بعدما شبهها بالشجرة الطيبة التي لها أصل ثابت، سمّاها القول الثابت. وقوله تعالى: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال المفسرون: يثبتهم بلا إله إلا الله في الحياة الدنيا على الحق والتمسك بالعُرَى (٢)، وإذا ثبتهم بها في الدنيا ثبتهم في الآخرة. ومعنى ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾: قال ابن عباس: يريد في القبر (٣)، وهذا قول عامة المفسرين؛ قالوا: إن هذه الآية وردت في فتنة القبر وسؤال الملكين، وتلقين الله المؤمن كلمة الحق في القبر عند السؤال، وتثبيته إياه بها على الحق (٤).

стр. 7046

وروى ذلك البراء بن عازب مرفوعًا، أن النبيّ ﷺ قال في قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ قال: "حين يقال من ربك، وما دينك، ومن نبيك؟ فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيّ محمد ﷺ " (١)، والباء في: ﴿بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ من صلة التثبيت، على ما بيّنا، ويجوز أن تكون من صلة آمنوا، علر، معنى: الذين آمنوا بلا إله إلا الله يثبتهم على الحق في الحياة الدنيا وفي الآخرة، قال ابن عباس: من دام على الشهادة في الدنيا يثبته الله عليها في قبره ويلقِّنه إيّاها (٢)، وإنما فسّر الآخرة هاهنا بالقبر؛ لأن الميت انقطع بالموت عن أحكام الدنيا وصار (٣) مجزيًا بالحسنات والسيئات فدخل في أحكام الآخرة، قاله أبو بكر بن الأنباري، وقد أشار إلى هذا المعنى أبو إسحاق؛ فقال: ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ لأن هذا بعد وفاته (٤)؛ يريد هذا السؤال. وقوله تعالى: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ يعني: لا يُلقِّن (٥) المشركين

стр. 7047

[و] (١) الكافرين، حتى إذا سئلوا في قبورهم قالوا: لا ندري، قال الفراء: يُضلهم عن هذه الكلمة (٢). وقوله تعالى: ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ أي من تثبيت المؤمن وتلقينه الصواب وإضلاله الكافر، قال الفراء: أي لا يُنْكَر له قدرة ولا يُسأل عما يفعل (٣). ٢٨ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ قال ابن عباس: يريد كفار قريش (٤)، وهو قول سعيد بن جبير ومجاهد، والضحاك (٥)، وقتادة قال: هم مشركو مكة، أنعم الله عليهم بالنبيّ ﷺ

стр. 7048

فكفروا به ودعوا قومهم إلى الكفر (١)، وذلك قوله: ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ﴾ يعني: الذين اتبعوهم. ﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾: الهلاك، يقال رجل بائر، وقوم بُور (٢)، ومنه قوله تعالي: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح: ١٢]، هذا قول جميع أهل اللغة (٣)، وأراد بـ ﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾: جهنّم، ألا ترى أنه فسّرها فقال: ٢٩ - ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ أي: المقر، وهو مصدرٌ سُمي به. ٣٠ - قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ قال ابن عباس: يريد من الحجارة والخشب وغير ذلك (٤)، ﴿لِيُضِلُّوا﴾: الناس عن دين الله، وقرأ الكوفيون بفتح الياء (٥) والمعنى: أنهم لم ينتفعوا بما اتخذوا من الأنداد،

стр. 7049

ولم يتخذوها (١) إلا ليزيغوا عن الطريق المستقيم الذي نُصبت الأدلة عليه، وهذه لام العاقبة (٢)، وقد ذكرنا معناها في مواضع. ثم أوعدهم بالعذاب فقال: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّار﴾ قال ابن عباس في هذه الآية: لو صار الكافر مريضًا سقيمًا، لا ينام ليلاً ولا نهارًا، جائعًا لا يجد ما يأكل ويشرب، لكان هذا كله نعيمًا عندما يصير إليه من شدة العذاب، ولو كان المؤمن في الدنيا في أنعم عيشة لكان بؤسًا عندما يصير إليه من نعيم الآخرة (٣). ٣١ - وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ قال الفراء: جُزمت ﴿يُقِيمُوا﴾ بتأويل الجزاء، ومعناه معنى أمرة كقولك: قل لعبد الله يذهب عنا، يريد: قل له: اذهب عنا، فجُزم بنية الجواب وتأويله الأمر، ومثل هذا قوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ [الجاثيه:١٤]، ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣]، هذا كلامه (٤) ومعنى هذا أن (٥) قوله: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ معناه معنى الأمر؛ أي: قل لهم يقيموا الصلاة، إلا أنه أُجري على

стр. 7050

ظاهر اللفظ كأنه جواب قوله: ﴿قُلْ﴾، وزاد ابن الأنباري لهذا بيانًا فقال: هذا على معنى: قل لعبادي الذين آمنوا أقيموا الصلاة، فصُرف عن لفظ الأمر إلى لفظ الخبر، وجُعل كالجواب للشرط المقدَّر من الأمر، وهو أمر في الحقيقة (١). ومعنى قول أبي بكر: جُعل (كالجواب للشرط المقدّر) (٢)، هو أن إلأمر معه شرط مقدّرة كقول القائل: أطع الله يدخلك الجنة، معناه: إن أطعته يدخلك الجنة، لذلك التقدير في هذه الآية: إن يقل لهم يقيموا، هذا ظاهر الكلام، وهو في المعنى أمر على ما بينّا. وقال أبو إسحاق قوله: ﴿يُقِيمُوا﴾ مجزوم بمعنى اللام؛ كأنه ليقيموا إلا أنها أسقطت؛ لأن الأمر قد دل على الغائب بقُل، يقول: قل لزيد ليضْرب عمرًا، وإن شئت قلت: قل لزيد يضرب عمرًا، ولا يجوز: يضربْ زيدٌ عمرًا، بالجزم حتى يقول: لِيضربْ؛ لأن لام الغائب ليس هاهنا منها عوض إذا حذفتها، وذكر وجهًا ثالثًا؛ وهو أن يكون المعنى: قل لعبادي الذين آمنوا [أقيموا الصلاة] (٣) يقيموا الصلاة؛ لأنهم إذا آمنوا وصدّقوا

стр. 7051

فإن (١) تصديقهم بقبولهم (٢) أمر الله (٣)، فعلى هذا قوله ﴿يُقِيمُوا﴾ جواب أمر محذوف. وقوله تعالى: ﴿يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾ قال أبو عبيدة: البيع هاهنا: الفداء، والخلال: المخالَّة (٤)، قال مقاتل: إنما هو يوم لا بيع فيه ولا شراء، ولا مخالَّة ولا قرابة، إنما هي أعمال يثاب بها قوم ويعاقب عليها آخرون (٥)، ومثل هذه الآية قوله: ﴿يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ في سورة البقرة [٢٥٤]، وقد مرّ. وجميع أهل المعاني قالوا في الخلال هاهنا إنه: المُخالَّة (٦)، وأنشدوا قول امرئ القيس:

стр. 7052

ولسْتُ بمَقْلِيِّ (١) الخِلالِ ولاقَالَي (٢) قال أبو علي: ويجوز أن يكون جمع خُلَّة مثل: بُرْمَة وبِرام (٣)، وعُلْبة وعِلاب (٤)، قال ابن الأنباري: ولا تنافي بين هذه الآية وبين قوله: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] فأثبت الخُلَّة للمتقين؛ لأن لذلك اليوم أحوالًا ومواطن مختلفةً، ففي بعضها يشتغل كل خليل عن خُلَّةِ خليله (٥)، يدل (٦) على ذلك قوله: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [عبس: ٣٤]، وفي بعضها يتعاطف أولياء الله بالمُخالَّة التي كانت بينهم.

стр. 7053

٣٣ - قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ قال ابن عباس: يريد ليُعرف النهار من الليل، والليل من النهار (١). قال الزجاج: معناه دآئبين (٢) في إصلاح ما يصلحانه من النبات وغيره لا يفْتُران (٣)، ومعنى الدؤوب في اللغة: مرور الشيء في العمل على عادة جارية فيه، دأب يَدْأَبُ دأْبًا ودُؤُوبًا (٤) وقد ذكرنا هذا في قوله: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ [يوسف: ٤٧] وقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ قال ابن عباس: يريد لتبتغوا بالنهار من فضله وتقوموا بطاعته وفرائضه، واليل لتسكنوا فيه، وجعل ذلك راحة لكم (٥). ٣٤ - قوله تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ قال أبو علي: المفعول محذوف تقديره من كل مسؤول شيئًا أو مسؤولًا أو نحو ذلك، ومثله قوله: ﴿يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٦١] أي: شيئًا، فحذف المفعول، وكذلك قوله: ﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ١٦] قال: ويجوز في قياس قول أبي الحسن (٦) أن يكون الجار والمجرور في موضع

стр. 7054

نصب، وتكون (من) زيادة في الإيجاب كما تكون زيادة في غير الإيجاب (١)، وقال ابن الأنباري: تقدير الآية: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ وما لم تسألوه؛ لأنا لم نسأله شمسًا ولا قمرًا ولا كثيراً من نِعمه التي ابتدأنا بالإحسان إلينا بها، فاكتُفِي بالسؤال عن غير (٢) المسؤول؛ كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ (٣) [النحل: ٨١]، قال: ويجوز أن يكون المعنى: وآتاكم من كل ما تتمنُّون تشْتهون وتُؤثرون (٤)، قال الكسائى: العرب تقول إذا أتيت فلانًا أعطاك سُؤلك، وصرت منه إلى ما سألت، لا يعنون السؤال بعينه، ولكنهم يريدون ما يشتهي وَيتمنّى وُيؤثر، هذا كلامه (٥)، وأما مفعول الإيتاء فهو على ما ذكره أبو علي (٦).

стр. 7055

وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ النعمة هاهنا اسم أقيم مقام المصدر يقال: أنعم الله عليه، يُنْعِم إنعامًا ونِعْمَةً، أقيم الاسم مُقَام الإنعام؛ كقولك: أنفقت عليه إنفاقًا ونفقةً، بمعنى واحد (١) ولذلك لم يجمع؛ لأنه في مذهب المصدر، ومعنى قوله: ﴿لَا تُحْصُوهَا﴾: لا يأتوا على جميعها بالعَدِّ لكثرتها، بيانه قوله: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨] أي أحاط علمه باستيفاء عدد كل شيء. وقال الكلبي: لا تحفظوها (٢)، وقال أبو العالية: لا تطيقون عدّها (٣)، والقولان قد فُسّر بهما (٤) قوله: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠] قال الفراء: علم أن لن تحفظوا مواقيت الليل (٥)، وقال غيره: معناه: علم أن لن تطيقوه (٦). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ قال ابن عباس: يريد: أبا جهل ظلوم لنفسه كفّار بنعمة ربه (٧)، وقال أبو إسحاق: هذا اسم للجنس، فقصد به الكافر خاصة؛ كما قال: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي

стр. 7056

خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا﴾ فالإنسان غير المؤمن ظلوم كَفَّار (١)، قال المفسرون: ظلوم: كافرٌ شاكرٌ غيرَ من أنعم عليه، واضعٌ الشكر غير موضعه، ﴿كَفَّارٌ﴾: جحود لنعم الله (٢). ٣٥ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ تفسير هذا قد سبق في سورة البقرة (٣). وقوله تعالى: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ قال الكفراء: أهل الحجاز تقول: جَنبَنِي يَجْنُبُنِي خفيفة، وأهل نجد تقول: أجْنبَنِي شرَّه وجَنَّبَنِي شرَّه (٤)، ونحو هذا قال الكسائي (٥)، وقال الزجاج: أجْنَبْتُه كذا وكذا: جعلته ناحية منه وجانبًا، وكذلك جَنَّبْتُه وجَنَبْتُه (٦)، وأنشد أبو عبيدة لأُميّة بن الأَسْكَر: وتَنْفُضُ مَهْدَهُ شَفَقًا عَلَيْه ... وتَجْنُبُه قلائِصنا الصِّعَابَا (٧)

стр. 7057

قال أبو إسحاق: ومعنى الدعاء من إبراهيم أن يُجَنَّبَ عبادة الأصنام، وهو غير عابد لها، على معنى: ثبِّتْنِي على اجتناب عبادتها؛ كما قال: ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]، أي: ثبِّتْنا على الإسلام (١). وقال غيره من أهل المعاني قوله: ﴿وَبَنِيَّ﴾ دعاء لمن أذن الله في أن يدعو له؛ فكأنه قال: وبنيَّ الذين أذنت لي في الدعاء لهم؛ لأن دعاء الأنبياء مستجاب، وقد كان من نسله من عبد الصنم (٢)، أو خص بهذه الدعوة أبناءه من صُلْبِه (٣). والصَّنم: الصورة التي تُعْبَد، وجمعه أصنام (٤). ٣٦ - قوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ قال أبو إسحاق وغيره: أي ضَلُّوا بسببها؛ لأن الأصنام لا تعقل ولا تفعل شيئًا؛ كما يقول: قد افْتَنَتْنِي هذه الدار؛ أي: أحْبَبْتُها واسْتَحْسَنْتُها وافْتُتِنْتُ بسببها (٥)، فلما ضل الناس بسببها صارت كأنها أضلتهم، فنُسِب الفعل إليها.

стр. 7058

وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي﴾ قال ابن عباس: يريد على ديني بالتوحيد لك والمعرفة بك (١). وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ قال ابن الأنباري: يريد من المُتديِّنين بميني المتمسِّكين بحبلي؛ كما قال (٢): إذا حاوَلْتَ في أسَدٍ فُجُورًا ... فإني لَسْتُ منكَ ولَسْتَ مِنّي (٣) أراد: ولستَ من المتمسِّكين بِحَبْلي (٤). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [قال السّدي: معناه ومن عصاني ثم تاب (٥)، ﴿فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾] (٦) له إن تاب وإن آمن، لا أنه يقول: أن من كفر فإن الله يغفر له، وقال مقاتل: ومن عصاني فيما دون الشرك فإنك غفور رحيم (٧)، وشرح أبو بكر هذا فقال: معناه: فمن

стр. 7059

عصاني فخالف في بعض الشرائع، وعقْدُ التوحيد معه فإنك غفور رحيم، إن شئت تغفر له غفرت إذ كان مسلمًا (١)، وذكر وجهين آخرين، أحدهمما. أن هذا كان قبل أن يُعلِّمه الله أنه لا يغفر (٢) الشرك، كما استغفر لأبويه (٣)، وهو يُقَدِّر أن ذلك غيرُ محظور، فلما عرف أنهما غير مغفور لهما تبرأ منهما (٤). والآخر: ومن عصاني بإقامته على الكفر فإنك غفور رحيم، يعني: أنك قادر على أن تغفر له وترحمه؛ بأن تنقله عن الكفر إلى الإسلام وتهديه إلى الصواب (٥).

стр. 7060

٣٧ - قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ قال الفراء: ولم يأت منهم بشىء (١) يقع عليه الفعل، وهو حائز أن يقول: قد أصبنا من بنى فلان، وقتلنا من بني فلان، وإن لم يقل رجالاً؛ لأن (من) تؤدّي عن بعض القوم؛ كقولك: قد أصبنا من الطعام وشربنا من الماء، ومثله: ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾ (٢) [الأعراف: ٥٠] قال أبو بكر: ويجوز أن يقال: إن (من) دخلت لتوكيد الكلام، والتقدير: ربنا إني أسكنت ذريتي (٣) كما قال ذو الرُّمّة: تَبَسَّمْن عن نَوْرِ الأقَاحيِّ في الضُّحَى ... وفَتَّرْنَ من أبْصَارِ مضْرُوجةٍ نُجْلِ (٤)

стр. 7061

وعلى ما ذكر الفراء (من) دخلت للتبعيض، والتأويل: إني أسكنت بعض ذريتي، وذلك أنه أنزل إسماعيل بعض ذرية إبراهيم، يدل على هذا قول ابن عباس في هذه الآية ﴿إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ يريد: إسماعيل (١)، ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ قال: يريد وادي مكة، ومكة كلها واد، والكلام في الوادي قد ذكرنا عند قوله: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ﴾ [الرعد: ١٧] والقول الأول: اختيار أبي علي، قال: معناه إني أسكنت من ذريتي ناسًا، فحذف المفعول لدلالة الإسكان عليه (٢). وقوله تعالى: ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ قيل معناه: عند بيتك المحرم الذي كان قبل أن ترفعه من الأرض حتى رفعته أيام الطوفان؛ لأن إسكان الخليلِ إسماعيلَ مكة كان قبل بنائهما البيت، وقيل: عند بيتك المحرم الذي قد مضى في سابق علمك أنه يحدث في هذا الوادي (٣). وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ قال ابن عباس: يريد ليعبدوك (٤). ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾، أبو عبيد عن الأصمعي قال: هَوَى يَهْوِي هُوِيًّا، إذا سقط من عُلو إلى سفْل (٥)، وقال ابن الأعرابي: هَوَت

стр. 7062

العُقابُ (١) نَهْوِي هَوِيُّا بالفتح، إذا انقضّت (٢) على صيد أو غيره (٣)، وقال الفراء في هذه الآية: ﴿تَهْوِي إِلَيْهِم﴾ تريدهم؛ كما تقول: رأيت فلانًا يَهْوِي نحوك (٤)، معناه: تنحط إليهم وتنحدر وتنزل (٥)، يقال هوى الحجر من رأس الجبل يهوي، إذا انحدر وانصب (٦)، هذا قول أهل اللغة في هذا الحرف. فأما قول المفسرين؛ فقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد تحِنّ (٧) إليهم زيارة بيتك (٨)، وفي هذا بيان أن حنين الناس إليهم إنما هو لحج البيت لا لأعيانهم، وفي هذا دعاء للمؤمنين بأن يرزقهم حج البيت، ودعاءٌ لسكان مكة (٩) من ذريته؛ لأنهم يرتفقون (١٠) بمن يأتي مكة لزيارة

стр. 7063

البيت (١)، وقال قتادة في قوله: ﴿تَهْوِي إِلَيْهِم﴾: تنزع إليهم (٢)، وقال أبو إسحاق: أي: اجعل أفئدة جماعة من الناس تنزع إليهم (٣)، وهذا معنى قول مجاهد: لو قال: أفئدة الناس؛ لازدحمت عليه فارس والروم والترك والهند (٤)، وقال سعيد بن جبير: لو قال: أفئدة الناس؛ لحجت إليه اليهود والنصارى والمجوس، ولكنه قال: ﴿أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ﴾ فهم المسلمون (٥)، وقال ابن عباس في قوله: ﴿أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ﴾: يريد من المؤمنين من ذريته ومن غير ذريته. وقوله تعالى: ﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ ذكرنا تفسيره في سورة البقرة عند قوله: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ١٢٦]. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ قال: يريد كي يوحدوك ويعظموك. ٣٩ - قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ قال ابن عباس: وُلِدَ إسماعيلُ لإبراهيم وهو ابن تسع وتسعين

стр. 7064

سنة (١)، ووُلد له إسحاقُ وهو ابن مائة واثنتى (٢) عشرة سنة (٣). ٤٠ - قوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ ذكره على النعت ولم يذكره على الفعل؛ لأن النعت ألزم وأكثر من الفعل، كأنه قال: رب اجعلني من عادتي إقامة الصلاة، ولو قال: اجعلني أقيم الصلاة، لم يكن فيه من المبالغة ما في المقيم، وذكرنا استقصاء هذا الفصل فيقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ الآية [الإسراء: ٢٩]. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ قال الزجاج: أي: واجعل من ذريتي من يقيم الصلاة (٤)، وهذا كما ذكرنا في قوله: ﴿إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾، وقوله: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾. وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ قال ابن عباس: يريد عبادتي (٥)،

стр. 7065

وهذا كقوله ﷺ : "الدُّعاءُ مخُّ العبادة" (١). ٤١ - قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ قال أبو إسحاق: كان هذا الدعاء من إبراهيم لوالديه قبل أن يتبين له أن أباه عَدُوُّ للهِ (٢)، وقد ذكرنا ذلك في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ الآية. [التوبة: ١١٤] ولعل الأمّ كانت مسلمة، يدل على ذلك أنه ذكر عذره في استغفاره لأبيه دون أُمِّه (٣)، وقال ابن الأنباري: استغفر لأبويه

стр. 7066

وهما حيّان طمعًا في أن يُهْدَيا إلى الإسلام ويَسْعَدا بالدين (١)، وقال غيره: استغفر لهما بشرط الإيمان (٢)، يدل عليه ما قال ابن عباس في هذه الآية: يريد: من لقيك مؤمنًا مصدقًا فتجاوز عنه (٣)، وهو معنى قوله: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾، وقيل: أراد بوالديه آدم وحواء (٤). ٤٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين أهل مكة (٥)، وكان سفيان بن عيينة إذا قرأ هذه الآية قال: هذا تعزية للمظلوم، ووعيد للظالم (٦).

стр. 7067

وقوله تعالى: ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ قال شمر: يقال: شخص الرجلُ بصرَه، [وشخص البصرُ نفسُه، إذا سما وطَمَح وشَصا (١)، كلُّ ذلك مِثْلُ الشُّخُوصِ (٢). وقال ابن السِّكِّيت: شَخَصَ بصرُهُ] (٣)، إذا فتح عينيه لا يَطْرِفُ (٤). قال الفراء: أي لا يغتمض من هول ما يرى في ذلك اليوم (٥). وقال ابن عباس: يريد يوم القيامة تشخص فيه أبصار الخلائق إلى الهواء، يريد: أنهم لعجائب ما يرون، ولشدة الحَيْرةِ والدووة لا يغْتَمضون (٦). ٤٣ - قوله تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ قال أبو إسحاق: منصوب على الحال، المعنى: إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه أبصارُهُم مهطعين، فعلى ما ذكره الألف واللام في: ﴿الْأَبْصَارُ﴾ يدل على الكناية؛ لأن التأويل بأبصارهم على ما ذَكر، وأما تفسير الإهطاع (٧) فقال أبو عبيدة: هو

стр. 7068

الإسراع (١)، يقال: أهطع البعير في سيره واستهطع، إذا أسرع (٢)، وهو اختيار الزجاج؛ قال: مهطعين: مسرعين، وأنشد (٣): بِدِجْلةَ أَهْلُهَا ولَقَد أراهُمْ (٤) ... بِدِجْلةَ مُهْطِعِينَ إلى السّمَاعِ (٥) قال: أي مسرعين (٦)، وأنشد أبو عبيدة: بمُهْطِعٍ سُرُحٍ كأنّ زِمَامَه ... في رأسِ جِذْعٍ من أَوالَ مُشَذَّبِ (٧)

стр. 7069

قال أبو عبيدة: أهطع وهطع إذا أسرع مقبلًا خائفًا، لا يكون إلا مع خوف (١)، وقال أحمد بن يحيىَّ: المُهطِعُ الذي ينظر في ذُلٍّ وخشوعٍ (٢)، وقال ابن جريج: المهطع الساكت المنطلق إلى الهُتافِ إذا هتف هاتفٌ (٣) وقال الليث: يقال للرجل إذا أقرَّ وذلَّ قد أهطع (٤)، وأنشد: ونِمْرُ بن سَعْدٍ لي مُطيعٌ ومُهطِعُ (٥) فهذه أربعة أقوال لأهل اللغة في تفسير هذا الحرف، وأما قول

стр. 7070

المفسرين: فقال سعيد بن جبير، والحسن، وقتادة: مسرعين (١)، وقال سعيد عن قتادة: منطلقين عامدين إلى الداعي (٢)، وقال نافع بن الأزرق لابن عباس: أخبرني عن قولى: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ ما الإهطاع؟ قال: النظر (٣)، وفي ذلك يقول الشاعر (٤): إذا دَعَانَا فأهْطَعْنا لدَعْوته ... داعٍ سميعٌ فَلَفُّونَا وسَاقُوْنا (٥) وهذا قول مجاهد والضحاك والكلبي والعوفي عن ابن عباس قالوا: ناظرين مديمي النظر من غير أن يطرفوا (٦)، ونحو ذلك قال أبو الضحى؛

стр. 7071

قال: الإهطاع من التَّحْمِيج (١) الذي زدتُم (٢) النظر ولا يَطْرِف (٣). وهذه الأقوال توافق ما حكينا من أهل اللغة، والجامع لهذه الأقوال قول من قال الإهطاع: إسراعٌ مع إدامة نظر (٤). وقوله تعالى: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ قال ابن السكَيت: أقنع رأسه إذا رفعه (٥)، قال النضر: أقنع فلانٌ رأسه، وهو أن يرفع بصره ووجهه إلى السماء، قال: والمقنع: الرافع رأسه إلى السماء (٦)، وقال أحمد بن يحييَّ: الإقناع: رفع الرأس والنظر في ذل وخشوع (٧). ومنه ما روي عن النبيّ ﷺ أنه قال: "تُقْنِع يديك في الدعاء". أي: ترفعهما (٨).

стр. 7072

وقال أبو إِسحاق: المقنع الرافع (١)، وأنشد للشمَّاخ: يُبَاكرْن العِضَاهَ بمُقْنَعاتٍ ... نَوَاجِذُهُنَّ كالحدأِ الوَقِيعِ (٢) أراد بأفواه مرفوعات إلى العِضَاة، يصف إبلًا ترعى الشجرَ، شبَّه أنيابها بالفؤوس المحدُودة، والحِدأُ: الفؤوس بالكسر، وعند الكوفيين الحَدَأُ بالفتح جمع حَدَأة، فهما لغتان (٣)، ونحو ما قال أهل اللغة قال

стр. 7073

المفسرون في الإقناع، قالوا: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾: رافعي رؤوسهم، وهو قول ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وابن زيد (١)، قال الحسن: وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد (٢). وقوله تعالى: ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أي لا ترجع إليهم أبصارهم من شدة النظر؛ فهي شاخصة والطَرْفُ: تحريك الجفون في النظر، يقال: شخص بصره فما يَطْرِف (٣)، والطرْفُ: اسم جامع للبصر لا يُثنَى ولا يُجمع (٤). وتأويل قوله: ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أي: نظرهم إلى شيء واحد، فكأن ذلك الشيء الذي ينظرون إليه قد ذهب بنظرهم نحوه؛ فليسوا ينظرون إلى غيره، هذا معنى قولنا: لا يرجع إليهم نظرهم.

стр. 7074

وقوله تعالى: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد خرجت القلوب من مواضعها فصارت في الحناجر (١)، ونحو هذا قال قتادة: انتزعت حتى صارت في حناجرهم (٢)، فعلى هذا، الأفئدة: أريد بها مواضع القلوب، وذهب قوم من أهل اللغة إلى الفرق بين القلب والفؤاد؛ فقال الليث: القلب مضغةٌ من الفؤاد معلَّقة بالنيَّاط (٣). وقال النبيّ ﷺ : "أتاكم أهل اليمن هم أرقُّ قلوبًا وألينُ أفئدة" (٤)،

стр. 7075

فوصف القلوب بالرقّة والأفئدة باللين، وكأن القلب أخصُّ منا لفؤاد، ولذلك قالوا: أصبت حبة قلبه (١)، والهواء: ما بين السماء والأرض (٢)، والعرب تسمّي كل خالٍ هواء (٣)، يقولون: بيت هواء، إذا كان خاليًا قفْرًا لا شيء فيه، والمعنى في الآية: أن قلوبهم ارتفعت إلى حناجرهم من فزع ذلك اليوم وهوله، وبقي موضعها هواء لا شيء فيه كهواء ما بين السماء والأرض، ولهذا المعنى قالوا للجبان: مُجوَّفٌ هواء، أي أنه لا قلب له، ومنه قول حسان: فأنْتَ مُجوَّفٌ نَخِبٌ هَوَاءُ (٤)
следующие страницы →