أن رسول الله ﷺ كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة (١).
٩٩ - قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ قال ابن عباس: يريد الموت (٢)، وهو قول الحسن ومجاهد وقتادة والجميع (٣)، وسُمّي
стр. 7247
الموت اليقين؛ لأنه مُوْقِن به جميعُ العقلاء، فاليقين بمعنى المُوْقَنُ به، ولم يعرف الأصمعي فعيلًا بمعنى مُفْعَل، حتى قَرَّرَ له ذلك ابن الأعرابي، واحتج عليه بقولهم: شيء متربّصٌ وتَرَبُّص (١)، وليل مُبْهَم وبَهِيْم، وشراب مُنْقَعٌ ونَقِيْع (٢)، فإن قيل: أي فائدة لهذا التوقيت ولا عبادة على الميت؟ وإذا كانت العبادة تنقطع بالموت، فلم قال حتى الموت، وهو مقطع بالموت لا محالة؟!
قال أبو إسحاق: مجاز هذا الكلام مجاز أبدًا؛ المعنى: اعبد ربك أبدًا؛ لأنه لو قيل: اعْبُدْ ربك بغير توقيت، لجاز إذا عبد الإنسانُ مدةً أن يكون مطيعًا، فإذا قال: ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ أي: أبدًا وما دمت حيًّا، فقد أُمر بالإقامة على العبادة (٣).
стр. 7248
المملكة العربية السعودية
وزارة التعليم العالي
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
عمادة البحث العلمي
سلسلة الرسائل الجامعية
التَّفْسِيرُ البَسِيْط
لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي
(ت ٤٦٨ هـ)
من أول سورة النحل إلى آخر سورة الإسراء
تحقيق
د. عبد الرحمن بن عبد الجبار بن صالح هوساوي
من أول سورة الكهف إلى آية (٣١)
تحقيق
د. عبد الرحمن بن محمد اليحيى
أشرف على طباعته وإخراجه
د. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي
الجزء الثالث عشر
стр. 7249
التَّفْسِيرُ البَسِيْط
لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي
(ت ٤٦٨ هـ)
[١٣]
стр. 7250
ح/ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٣٠ هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
الواحدي، علي بن أحمد
التفسير البسيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد
الواحدي (ت ٤٦٨ هـ)./ عبد الرحمن بن عبد الجبار بن صالح
هوساوي؛ عبد العزيز بن محمد اليحيى، الرياض ١٤٣٠ هـ
٢٥ مج. (سلسلة الرسائل الجامعية)
ردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)
٣ - ٨٧٠ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ١٣)
١ - القرآن تفسير ... ٢ - الواحدي , علي بن أحمد
أ- العنوان ... ب- السلسلة
ديوي ٢٢٧.٣ ... ٨٦٨/ ١٤٣٠
رقم الإيداع: ٨٦٨/ ١٤٣٠ هـ
ردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)
٣ - ٨٧٠ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ١٣)
стр. 7251
المملكة العربية السعودية
وزارة التعليم العالي
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
عمادة البحث العلمي
سلسلة الرسائل الجامعية
التَّفْسِيرُ البَسِيْط
لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي
(ت ٤٦٨ هـ)
من أول سورة النحل إلى آخر سورة الإسراء
تحقيق
د. عبد الرحمن بن عبد الجبار بن صالح هوساوي
من أول سورة الكهف إلى آية (٣١)
تحقيق
د. عبد الرحمن بن محمد اليحيى
أشرف على طباعته وإخراجه
د. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي
الجزء الثالث عشر
стр. 7252
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 7253
التَّفْسِيرُ البَسِيْط
لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي
(ت ٤٦٨ هـ)
من أول سورة النحل إلى آخر سورة الإسراء
تحقيق
د. عبد الرحمن بن عبد الجبار بن صالح هوساوي
стр. 7254
تفسير سورة النحل
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: يريد أتى عذابُ الله (١)، وقال الحسن وابن جريج: أي عقابُه لمن أقام على الإشراك به والتكذيب لرسوله (٢)، وهذا القول في معنى ﴿أَمْرُ اللَّهِ﴾ هاهنا هو اختيار الزجاج؛ قال: ﴿أَمْرُ اللَّهِ﴾: ما وعدهم الله من المجازاة على كفرهم من أصناف العذاب، واحتج بقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: ٤٠]، أي: جاء ما وعدناهم به، وبقوله: ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا﴾ (٣) [يونس: ٢٤]. وفسّر آخرون هذا العذاب؛ فقال: هو الأمر بالسيف، وقالوا: هذا جواب النضر بن الحارث حين قال: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً﴾ الآية [الأنفال: ٣٢]، فأنزل الله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ (٤)، أي: لا تطلبوه قبل حينه، وهذا كما تقول لمن يطلب أمرًا يستعجل فيه، أتاك الأمر فلا تستعجل.
стр. 7255
وقال جماعة من المفسرين: ﴿أَمْرُ اللَّهِ﴾ هاهنا الساعة (١)؛ وذلك أن المكذبين بها استعجلوها، فقل لهم: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾. قال أبو إسحاق: استبطاؤا (٢) أمْرَ الله، فأعلم اللهُ أن ذلك عنده في القرب بمنزلة ما قد أتى، كما قال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]، وكما قال: ﴿ومَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ (٣) [النحل: ٧٧]؛ وعلى هذا، إنما قال لِمَا لَم يأت بعد أتى؛ لأنه آت لا محالة، والعربُ إذا ذكرت شيئًا قَرُبَ وقوعه أخرجته مخرج الواجب، كقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّار﴾ [الأعراف: ٤٤]، وقد مر.
وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ هو قال ابن عباس: نَزَّه نفسه (٤)، وقال الزجاج: تنزيه له وبراءة من السوء (٥)، ﴿وَتَعَالَى﴾ أي: ارتفع وتعاظم بأعلى صفات المدح عن أن يكون له شريك، و (ما) في قوله: ﴿عَمَّا﴾ يجوز أن تكون (ما) المصدر، والتقدير: عن إشراكهم، والمعنى عن إشراكهم به غيره، فحُذف للعلم، ويجوز أن تكون بمعنى الذي؛ أي:
стр. 7256
ارتفع عن الذي أشركوا به (١)؛ لأنهم ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾.
٢ - قوله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ روى عطاء عن ابن عباس قال: يريد جبريل وحده (٢)، وذكرنا فيما تقدم جوازَ تَسْمِيةِ الواحد باسم الجمع إذا كان ذلك الواحدُ رئيسًا مقدمًا؛ كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ الآية [آل عمران: ١٧٣] (٣).
وقوله تعالى: ﴿بِالروحَ من أَمرِهِ﴾ وقال ابن عباس: بالوحي (٤)، وهو كلام الله، هذا قول الربيع والحسن (٥)، وهو الاختيار في معنى الروح
стр. 7257
هاهنا، قال الزجاج: الروح ما كان فيه من أمر الله حياةً للنفوس بالإرشاد إلى أمر الله (١).
وقال أبو العباس في هذه الآية وفي قوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ﴾ [غافر: ١٥]، ولقوله: ﴿وكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] هذا كله معناه الوحي (٢)؛ سُمّي روحًا لأنه حياةٌ من موت الكفرِ، فصار يحيا به الناس؛ كالروح الذي يحيا (٣) به الجسد.
وقال أبو عبيدة: الروح هاهنا جبريل (٤)، وعلى هذا الباء في بالروح بمعنى (مع) كقولهم: خرج بثيابه، أي: ومعه ثيابه، وركب الأمير بسلاحه، والأول الوجه، ومعنى ﴿مِنَ أَمرِهِ﴾، أي: من فعله في الوحي (٥).
وقوله تعالى: ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ يريد النَّبِيّين الذين يختصهم من عباده بالرسالة والوحي بقوله: ﴿أَن أَنذِرُواْ﴾، قال الزجاج: ﴿أَن﴾ بدل
стр. 7258
من الروح، المعنى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ بأن أنذروا (١).
والمعنى: أنذروا أهل الكفر بأنه لا إله إلا أنا، أي مروهم بتوحيدي وأن لا يشركوا بي شيئًا (٢)، والخطاب للنَّبِيّين المعنيين بقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾، وهذا يدل أن معنى الروح هاهنا الوحي، إذا بُدّل منه الإنذار، ومعنى إنذارِهم بأنه لا إله إلا هو إعلامهم بذلك مع تخويفهم لو لم يقروا، ثم ذكر ما يدل على توحيده، فقال:
٣ - ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ ومعنى هذا مذكور في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقّ﴾ [الأنعام: ٧٣].
وقوله تعالى: ﴿عَمَّا يشركِوُنَ﴾ ذكرنا معناه آنفًا (٣).
٤ - وقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾، قال أبو إسحاق: اختصر هاهنا، وذكر تقلبَ أحوال الإنسان في غير مكان من القرآن (٤).
قال ابن عباس: يريد إني خلقت، قال المفسرون: نزلت هذه الآية والتي في آخر سورة يس: ﴿أوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [يس: ٧٧] في قصة أُبي بن خلف وإنكاره البعث (٥).
стр. 7259
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾، الخصيم بمعنى المخاصم، ذكرنا ذلك عند قوله: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥]، هذا قول أهل اللغة.
قالوا: خصيمك الذي يخاصمك، وفعيل بمعنى مُفَاعل معروف؛ كالنسيب بمعنى المناسب، والعشير بمعنى المعاشر، والأكيل والشريب، ويجوز أن يكون خصيم فاعلًا من خَصِم يَخْصم بمعنى اختصم، وبه قرأ حمزة (١) قوله: ﴿تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُون﴾ (٢) [يس: ٤٩].
وقوله تعالى: ﴿مُبِينٌ﴾ أي ظاهر، ومعناه: ظاهر الخصومة، ويجوز أن يكون مبين؛ أي يُبين عن نفسه الخصومة بالباطل، وذكر أهل المعاني لهذه الآية معنيين؛ أحدهما: أنه عرّفنا قدرته في إخراجه من النطفة ما هذه
стр. 7260
حاله وصفته، والثاني: أنه ذَكر فاحشَ ما ارتكب من تضييع حق نعمة الله بالخصومة في الكفر به (١).
٥ - قوله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا﴾، يعني الإبل والبقر والغنم، وتم الكلام ثم ابتدأ فقال: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾، ويجوز أن يكون تمام الكلام عند قوله: ﴿لَكُمْ﴾ ثم يبتدئ فيقول: ﴿فِيهَا دِفٌ﴾.
قال صاحب النظم: أحسن الوجهين أن يكون الوقف عند قوله: ﴿خَلَقَهَا﴾؛ لقوله في النسق على ما قبلها: ﴿وَلَكُم فِيهَا جَمَال﴾ (٢).
وأما الدفء، فقال الفراء وجميع أهل اللغة: هو ما انتفع به من أوبارها وأشعارها وأصوافها، أراد ما يلبسون منها ويبتنون (٣)، فالدفء عند أهل اللغة: ما يُستدفأ به من الأكسية والأبنية (٤)، قال الأصمعي: ويكون الدفء السخونة، يقال: اقعد في دفء هذا الحائط، أي في كنّه (٥)، وقال الفراء في المصادر: يقال للرجل: دَفَيْت فأنت تدفأ دَفْأً، ساكنة الفاء مفتوحة الدال، ودِفْآء بالكسر والمد، وزاد غيرُه دَفاءةً ودَفاءً.
стр. 7261
وروى الحرَّاني عن ابن السِّكِّيت: يقال: هذا رجل دَفْآنُ وامرأة دَفْأى، ويوم دَفِيءٌ وليلة دفيئةٌ، وكذلك بيت دَفِيء، وغرفة دَفيئةٌ، على فَعيل وفعيلة، وما كان الرجل دَفْآن، ولقد دَفِئَ، وما كان البيت دَفِئًا, ولقد دَفُؤَ (١). الفَراء: دَفُؤَتْ ليلَتُنا ويومُنا دفأةً، ويقال: أدفأه فَدَفِئَ (٢)، وإبل مُدْفِئة: كثيرة؛ لأن بعضَها يُدْفِئُ بعضًا بأنفاسها (٣)، وإبل مُدْفأَةٌ ومدفآت: كثيرات الأوبار (٤)، قال الشماخ:
وكيفَ يضيِعُ صاحِبُ مُدْفَآتٍ ... على أثْباجِهِنَّ مِنَ الصَّقِيعِ (٥)
ونحو هذا قال عامة المفسرين في الدفء (٦)، إلا ما روي عن ابن
стр. 7262
عباس من طريق عكرمة، ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾ قال: النسل (١)، وروى الأزهري عن ابن هاجك (٢) بإسناده عن ابن عباس، ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ قال: نسل كل دابة (٣).
قال (٤) الأزهري: وهذا يوافق قول الأموي (٥)، روى أبوعبيد عنه: الدفءُ (٦) عند العرب: نتاج الإبل وألبانها والانتفاع بها (٧)، قال الفراء:
стр. 7263
وكتبت دفء بغير همز؛ لأن الهمزة إذا سَكن ما قبلها حُذفت من الكتاب، وذلك لخفاء الهمزة إذا سُكِتَ (١) عليها، فلما سَكَنَ ما قبلها ولم يَقْدِروا على هَمْزِها في الْسَّكْت، كان سكوتهم كأنه على الفاء، وكذلك قوله: ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ [النمل: ٢٥] و ﴿مِلْءُ الْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ٩١] (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنَافِعُ﴾ يعني النسل والدّر والركوب، ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد من لحومها (٣).
٦ - قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾ أي زينة، كما قال: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦]، والمال ليس يخص الورِق والعين، وأكثر مال العرب الإبل، كما أن أكثر أموال أهل البصرة النخل.
وقوله تعالى: ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾، الإراحة: ردّ الإبل بالعَشي إلى مُراحِها حيث تأوِي إليه ليلًا (٤)، قال ابن عباس: يريد حِينَ خروج العرب أيام الربيع بالماشية إلى الخِصب، يعني أن الإراحة أكثر ما تكون أيام
стр. 7264
الربيع إذا سقط الغيث، وكثر الكلأ، وخرجت العرب للنجعة، وتركت مياهها، وأحسنُ ما تكون النَّعم في ذلك الوقت (١)، ولذلك ستر رسولُ الله ﷺ وجَهه لمّا رأى نَعَمَ بني المصطلق وقد عَبِست في أبوالها، وذكرنا هذا في آخر سورة الحجر.
وقوله تعالى: ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ يقال: سَرَّح القومُ إبِلَهم سَرْحًا إذا أخرجوها بالغداة إلى المَرْعَى، واسم ذلك المال السَّرْحُ، وسَرَح المالُ نفسُه سُرُوحًا: رَعَى بالغَدَاة (٢).
٧ - قوله تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾ جمع الثقل، وهو متاع المسافر وحَشَمُه، ﴿إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ قال ابن عباس: يريد من مكة إلى اليمن، وإلى الشام، وإلى مصر (٣)، هذا قوله، والمراد: كل بلد لو تكلفتم بلوغه على غير الإبل شق عليكم (٤)، وخص ابن عباس اليمن والشام؛ لأن متاجر أهل مكة كانت إلى هذه الوجوه، وليس قول من خص البلد بمكة بشيء (٥)؛ والشِّقُّ المَشَقَّةُ، والشِّقُّ: نصفُ الشيء، وكِلا المعنيين
стр. 7265
في الشق سائغ في معنى الآية، ذكرهما الفراء؛ وقال أكثر القراء: على كسر الشين (١)، ومعناه إلا بِجَهْدِ الأنفس، وكأنه الاسم، وكأن الشِّقَّ فعلٌ، قال: ويجوز في قوله: ﴿إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ أن يذهب إلى أن الجَهْدَ يُنْقِص من قوةِ الرجل ونَفَسِه حتى يجعله قد ذهب بالنصف من بدنه أو قوته، فيكون الكسر على أنه كالنصف، ويقال: المال بيني وبينكم بشَقِّ الشعر؛ وشِقِّ الشَعَر، وهما متقاربان، فإذا قالوا: شَقَقْتُ عليك شقًّا، نصبوا (٢).
وقال في "المصادر": شققت عليه شقًّا، وشق الصبح، وشق بابه إذا طلع، شقوقًا منهما، وشققت الثوب شقًّا لا غير.
قال ابن شميل: شَقَّ عليَّ ذلك الأمر مشقة، أي: ثقل عليّ (٣)، فجاء من هذا أن الشَّق بالفتح مصدر شَقَّ عليه الأمر، أي: أثقله عليه، ومنه قوله ﷺ : "لولا أن أَشُقَّ على أمتي" (٤)؛ شَقَّ الأمْرُ عليه مَشَقَّةً، فهو واقع
стр. 7266
ومطاوع (١)، والشق: الاسم منه، وشَقَّ الشيءَ شقًّا، وشق بنفسه شُقوقًا.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ يريد أنه مَنّ عليكم وتفضَّل بإنعامه بالنعم التي لكم فيها هذه المنافع والمرافق (٢).
٨ - قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ قال الفراء: نُصبت ﴿وَزِينَةً﴾ على: وجعلها زينة، مثل قوله: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾ (٣) [فصلت: ١٢] المعنى: وحفظناها حفظًا, ولو لم يكن في (الزينة) ولا في ﴿وَحِفظَا﴾ وَاوٌ لنصبتَها بالفعل الذي قبلها لا بالإضمار، ومثله: أعطيتك درهمًا ورغبة في الأجر، المعنى أعطيتكه (٤) رغبةً، فلو ألقيت الواو لم يحتج إلى ضمير؛ لأنه متصل بالفعل الذي قبله (٥)، وقال أبو إسحاق: نُصبت ﴿وَزِينَةً﴾ على أنها مفعول لها، المعنى: وخلقها للزينة (٦).
قال أصحابنا: والآية لا تدل على تحريم لحوم الخيل، وإن ذكرت
стр. 7267
البغال والحمير؛ لأن القصد بهذه الآية بيانُ إباحةِ الركوب وإظهار المنّة بأنْ خَلق لنا من الحيوان ما نقضي عليه حوائجنا ونتجمَّل به، وكيف تدل على تحريمها والسورة مكية؟ ولحوم الحُمُر الأهلية حُرِّمت عام خيبر (١)، فلو دَلَّت على تحريم لحم الخيل لَدَلَّت على تحريم لحم الحُمُر حتى (٢) تُحَرَّم عند نزولها, ولحوم الخيل حلال بالسنة والأخبار فيها كثيرة (٣).
стр. 7268
وقوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ روي عن ابن عباس أنه قال: لم يسمه فالله أعلم (١). وروى عطاء عنه، ومقاتل عن الضحاك عنه، قال: يريد أنّ عن يمين العرش نهرًا من نور؛ مثل السموات السبع والأرضين السبع والبحار السبع يدخل جبريل فيه كل سحر فيغتسل فيزاد نورًا إلى نوره وجمالًا إلى جماله، وعِظَمًا إلى عِظَمِه، ثم ينتفض فيخلق الله من كل نفضة تقع من ريشه كذا وكذا ألف ملك، يدخل منهم كل يوم سبعون ألفًا البيت المعمور، وفي الكعبة سبعون ألفًا، لا يعودون إليه إلى أن تقوم الساعة (٢).
стр. 7269
وقال آخرون: يعني مما أعد في الجنة لأهلها وما أعد في النار لأهلها (١).
وقال السدي وقتادة: يعني السوس في الثياب، والدود في الفواكه (٢).
٩ - قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ القصد: استقامة الطريق، يقال: طريق قصد وقاصد إذا أداك إلى مطلوبك، وقصد بك ما تريد (٣)، واختلفوا في معنى هذه الآية، فأكثر المفسرين على أن المعنى: وعلى الله بيان قصد السبيل بالكتب والرسل والحجج (٤)، وهو قول جابر وقتادة
стр. 7270
والسدي (١)، ورُوي ذلك عن ابن عباس (٢) واختاره الفراء (٣) والزجاج (٤)، وعلى هذا: الآية من باب حذف المضاف؛ لأن التقدير: وعلى الله بيان قصد السبيل، ثم قال: ﴿وَمِنهَا جَآِئرٌ﴾، أي: عادل مائل، ومعنى الجور في اللغة: الميل عن الحق (٥)، والكناية في منها تعود على السبيل، وهي مؤنثة في لغة الحجاز، يعني: ومن السبيل ما هو جاثر غير قاصد للحق (٦). قال الكلبي: يعني اليهودية والنصرانية والمجوسية (٧). وقال ابن المبارك: يعني الأهواء والبدع (٨).
روى عطاء عن ابن عباس في هذه الآية، قال: من أراد أن يهديه سهل له طريق الإيمان, ومن أراد أن يُضلَّه وعَّر عليه طريق الإيمان (٩)، يعني
стр. 7271
المنافق والكافر؛ شَدُدَ عليه الغُسْلُ من الجنابة والوُضوءُ للصلاة، ويَثْقُلُ عليه صيام شهر رمضان من اثني عشر شهرًا، ثم بين أن المشيئة إليه، فقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾، يريد: فلو شاء لأرشدكم أجمعين حتى لا يختلف عليك يا محمد أحد، هذا كلامه، والذي ذكرنا في هذه الآية هي طريقة المفسرين. وفي الآية وجه آخر، وهو أن المعنى: أن قصد السبيل الذي هو الحنفية والإسلام على الله؛ أن يؤدي إلى رضا الله وثوابه وجزائه (١)؛ كقوله: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١]، أي: أنه يؤدي إلى جزائي وكرامتي، فهو طريق عليّ، وهذا مذهب مجاهد، قال: على الله طريق الحق (٢)، وبه قال عبد الله بن المبارك (٣)، وهو أقوى القولين؛ لأنه صح من غير إضمار ولا شبهة للقدرية (٤)؛ لأنهم يقولون على التفسير الأول: أضاف قصد السبيل إليه.
ثم قال: ﴿ومنها جائزٌ﴾ وهو ضده، فلم يضف إلى نفسه (٥)،
стр. 7272
وجوابهم عن هذا أن الجائر أيضًا منه، وإن لم يضف إلى نفسه، ولكنه ذكر ذلك على الإطلاق (١)، وابن عباس قد بَيَّنَ ذلك كما حكينا, ولا شبهة لهم في الآية على القول الثاني.
١٠ - قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمِنهُ شَجَرٌ﴾، قال أهل اللغة: الشجر أصناف، فأما جِلُّ الشجر فعظامه التي تبقى على الشتاء، وأما دِقُّ الشجر فصنفان: أحدهما يبقى له أَرُومَةٌ (٢) في الشتاء وَينْبت في الربيع، ومنها ما لا يبقى له ساق في الشتاء؛ كالبقول (٣)، وقال أبو إسحاق: كلُ ما يَنْبُت على الأرض فهو شجر:
стр. 7273
نُطْعِمُها (١) اللحم إذا عَزَّ الشَّجَرْ (٢)
ويعني أنهم يُسقون الخيل اللبن إذا أجدبت الأرض (٣)، وقال ابن قتيبه في هذه الآية: يعني الكلأ (٤)، ومعنى الآية: أنه ينبت بالماء الذي أنزل من السماء ما يرعاه الراعيةُ من ورق الشجر وجلّها؛ لأن الإبل يرعى جِلَّ الشجر. قال ابن السِّكِّيت: يقال: شاجرَ المالُ، إذا رعى العُشبَ والبَقْلَ فلم يَبْق منها شيء، فصار إلى الشجر يَرْعاه (٥).
وقوله تعالى: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾، أي: في الشجر تَرْعَون مواشيكم، يقال: أَسِمْت الماشية إذا خليتها ترعى، وسَامَت هي تَسُومُ سَوْمًا إذا رَعَتْ حيثُ شاءت، فهي سَوَامٌ وسَائِمَةٌ (٦)، قال الزجاج: أُخِذَ ذلك من السّومة؛
стр. 7274
وهي العلامة , وتأويلها أنها تُؤثِّر في الأرض برَعْيِها علامات (١)، وقال غيره: لأنها تُعَلَّمُ الإرسالَ (٢) في المرعى (٣).
١١ - قوله تعالى: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ﴾ قراءة العامة بالتاء (٤)، وقرأ أبو بكر عن عاصم بالنون (٥) والياء أشكل لما تقدم من الإفراد (٦)، والنون لا يمتنع أيضًا، ويقال: نبت (٧) البقل (وأنبته الله، وقد روي: أنبت البقل) (٨)، والأصمعي يأبى إلا نبت، ويزعم أن قصيدة زهير التي فيها:
حتى إذا أنبت البَقْلُ (٩)
متّهمة (١٠).
стр. 7275
وقوله تعالى: ﴿الزَّرْعَ﴾ قال ابن عباس: يريد الحبوب (١)، ﴿وَالزَّيْتُونَ﴾ جمع زيتونة، يقال: الشجرة نفسُها زيتونة، ولثمرها زيتونة، والمجميع الزيتون، ﴿وَالنَّخِيلَ﴾ يقال: نخلة ونخل ونخيل.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾، أي: وينبت من كل الثمرات، فحُذف لأن ما سبق يدل عليه.
١٢ - قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ إلى قوله: ﴿مُسَخَّرَاتٌ﴾، قراءة العامة بالنصب في هذه المنسوقات كلها (٢)، وهو الوجه لاستقامتها في المعنى، وإذا استقامت في معنى واحد استقامت في إعراب واحد، وقد جاء التسخير في الشمس والقمر والنجوم، وهو قوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ [إبراهيم: ٣٣]، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ﴾ [الأنعام: ٩٧]، فكما حملت على التسخير في هاتين كذلك وجب أن يحمل على التسخير في هذه السورة.
وقوله تعالى: ﴿مُسَخَّرَاتٍ﴾ حال مؤكدة؛ لأن تسخيرها قد عُرف بقوله: ﴿وَسَخَّر﴾ فجاءت الحال مؤكدة، ومجيء الحال مؤكدة في التنزيل وغيره كثير؛ كقوله: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [البقرة: ٩١]. و:
أنا ابنُ دارَة معروفًا (٣)
стр. 7276
و:
كَفَى بالنأيِ من أسماءَ كاف (١)
وقرأ ابنُ عامر: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ﴾ رفعًا (٢)؛ كأنه قطعها عن سخر لئلا يجعل الحال مؤكدة، فابتدأ الشمس والقمر والنجوم، وجعل مسخرات خبرًا عنها؛ لأنه لا يقال: ذللت هذا الشيء مُذللا، ووهبت لك هذا موهوبًا، إلا في التأكيد النادر، وروى حفص عن عاصم: ﴿مُسَخَّرَاتٍ﴾ بالرفع وحدها (٣)؛ ووجه ذلك أنه لم يجعلها حالاً مؤكدة، وجعلها خبر ابتداء محذوف؛ كأنه قال بَعدُ: هي مسخراتٌ، فحذف المبتدأ وأضمر لدلالة الخبر عليه، وقد عُلم التسخير بما تقدم، وكون ﴿مُسَخَّرَاتٍ﴾ حالًا مؤكدة أسوغ من كونها خبرَ مبتدأ محذوف؛ لأن الخبر ينبغي أن يكون
стр. 7277
مفيدًا، لم يجيء إلا كذلك، والحالُ تجيء مؤكِدة (١)؛ ألا ترى إلى قوله:
إذا كان يومٌ ذو كَواكِبَ أَشْنَعَا (٢)
حمله على الحال ولم يحمله على الخبر (٣).
١٣ - قوله تعالى: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ﴾ أي لأجلكم، وهو عطف على ما قبله من المسخرات.
وقوله تعالى: ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ أي هيأته ومناظره، يعني الدواب والأشجار وغيرها، ونصب مختلفًا على الحال، وذو الحال: ﴿وَمَا﴾ العامل فيها قوله: ﴿سَخَّرَ﴾.
стр. 7278
١٤ - قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ﴾ أي ذَلَّله للركوب والغوص، ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ قال ابن الأعرابي: لحم طري غير مهموز، وقد طرو طرواة.
وقال الفراء في "المصادر": ما كان طريًّا, ولقد طري يطرى طراءً ممدود وطراوةً، كما يقال: شقي يشقى شقاءً وشقاوةً، قال ابن عباس: يريد السمك والحيتان (١)، ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ قال: يريد الدر واللؤلؤ والمرجان والزبرجد والياقوت، وربما وجدوا فيه الذهب.
قال أبو علي: الحِلْيَة والحُلِي واحد، كما يقال: بِرْكَة للمصدر وبِرَك (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ يجوز أن يكون هذا فصلاً مبتدأً غير معطوف على ما قبله، ويجوز أن يكون معطوفًا على ما قبله.
واختلف ألفاظ المفسرين في تفسير الماخر؛ فروى ابن عباس أنه قال: جواري (٣)، وقال في رواية عطاء: يريد ملججين فيه، وأهل البحر يقولون: مَخَرْنا، يريد لججنا؛ إذا انقطع البر عنهم فلم يروه، وقال قتادة ومقاتل: مقبلة ومدبرة (٤).
стр. 7279
قال الكلبي: يذهب ويجيء (١).
وقال الحسن: مواقر (٢).
وقال أبو عبيدة: صوائح (٣)، ونحو هذا قال الفراء (٤)، وكل هذا معان وليس بتفسير، وتفسير المواخر ما ذكره أهل اللغة.
قال المنذري: سمعت أحمد بن يحيي يقول وسئل عن المواخر، فقال: الماخرةُ السفينةُ التي تَمْخَرُ الماءَ؛ تدفعه وتدفع الموج بصدرها (٥)، قال: وأنشدني الحرَّانيُّ عن ابن السكيت أنه أنشده للراجز في صفة نساء ضرائر:
وصارَ أمثالَ الفغا ضرائري ... مُقَدِّماتٍ أَيْدِيَ المَواخِرِ (٦)
قال: الماخِرُ: الذي يَشقُّ الماءَ إذا سَبحَ، يصف نساءً تَصْخَبْنَ وتَسْتعِنَّ بأيديهن كأنهن سوابح (٧)، والفغا: ضرب من التمر غليظ (٨)،
стр. 7280
يقال: ما الذي أفغاك، أي: أغضبك وورّمك.
وقال أبو الهيثم: مَخْرُ السفينةِ: شَقُّها الماءَ بصدرها (١).
وقال الفراء: يقال: مَخَرَتْ تَمْخُرُ وتَمْخَرُ (٢) مَخرًا ومخُورًا.
قال الأزهري: والقول في تفسير المواخر ما قاله ثعلب وأبو الهيثم؛ أنها تشق الماء شقًّا (٣)، وسمعت أعرابيًّا يقول: مَخَرَ الذئبُ شاةً، أي شقَّ بطنَها (٤)، وأصل المخر الشق، ومنه الحديث: "إذا أراد أحدكم الخلا فليتمخر الريح" (٥). قال أبو عبيد: يعني أن ينظر مجراها فلا يستقبلها (٦)، فأما ما ذكره المفسرون فإنه يصح في المعنى؛ لأنها لا تشق الماءَ إلا إذا كانت جارية موقرة ويسمع لجريها وشقها الماءَ صوتٌ، وهي تشق الماء مقبلةً ومدبرةً، وذاهبةً وجائيةً.
وقوله تعالى: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ يعني لتركبوا للتجارة فتطلبوا
стр. 7281
الربح من فضل الله.
١٥ - قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ يريد جبالًا ثابتة، ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ يعني لئلا تميد على قول الكوفيين، وكراهة أن تميد على قول البصريين، وذكرنا هذا عند قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، والميد: الحركة والاضطراب يمينًا وشمالاً، ماد يميد ميدًا (١)، قال ابن عباس: يريد أُوَتّدُها بالجبال لئلا تميد بأهلها.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْهَارًا﴾ قال يريد: النِّيل (٢) والفُرات ودِجلة (٣) وسَيْحَان (٤) وجَيْحَان (٥)، ونصب: ﴿وَأَنْهَارًا﴾ بتقدير: وجعل، ودَلَّ: ألقى
стр. 7282
عليه، قال أبو إسحاق: لأن معنى ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾: جعل فيها رواسي، يدل عليه قوله: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ (١) [النبأ: ٧].
وقوله تعالى: ﴿وَسُبُلَاَ﴾ قال ابن عباس: يريد طُرقًا إلى كل بلاد (٢)، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾: لكي تهتدوا إلى مقاصدكم من البلاد فلا تضلون.
١٦ - قوله تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ﴾ منسوقة (٣) على ما قبلها، والعلامة صورة يعلم بها المعنى من خط أو لفظ أو إشارة أو هيئة، وأصلها مشتق من العلم، واختلفوا في معناها؛ فقال الكلبي والقرظي: يعني الجبال (٤)، وهي علامات للطرق بالنهار كالنجوم بالليل، وعلى هذا تَمَّ الكلام هاهنا، وبقية الآية ابتداء مع خبره، وهذا قول الأخفش (٥)، وقال ابن عباس في رواية
стр. 7283
عطاء: يريد نجوم السماء، والوجه هو الأول (١)؛ لأنها (٢) معطوفة على ما خلقت في الأرض، والنجوم لم تخلق في الأرض، ولأنه لو كان المراد بالعلامات النجوم لقال: وبها يهتدون، فلما قال: ﴿وَبِالنَّجْمِ﴾ دَلَّ أن المراد بالعلامات غيرُ النجم.
وقوله تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ قال مجاهد وإبراهيم: أراد جميع النجوم (٣)، واختاره الزجاج؛ فقال: النجم والنجوم في معنى واحد، كما يقال: كثر الدِّرهم في أيدي الناس والدَّراهم (٤)، وقال عطاء عن ابن عباس: يعني الجَدْي (٥)، وقال السدي: يعني الثُّريا وبَنات نَعْش (٦)، وقال
стр. 7284
الكلبي: يعني الفَرْقَدين والجَدْي (١)، وهو اختيار الفراء (٢)، ﴿همْ يَهْتَدُونَ﴾ أي إلى الطريق والقبلة في البر والبحر.
١٧ - قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ قال ابن عباس: يريد ما ذكر في هذه السورة، ومن يخلق هو الله ، ﴿كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ يريد الأوثان؛ كقوله: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ الآية. [لقمان: ١١] وإنما قال: ﴿كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ للوثن لاقترانه في الذكر مع الخالق؛ كقوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ الآية [النور: ٤٥] قال الفراء: والعرب تقول: اشتَبه عليّ الراكبُ وجمله، فلا أدري مَنْ ذا ومنْ ذا؟ حيثُ جَمَعَها وأحدُهما إنسان؛ صَلحت (مَنْ) فيهما (٣)، وقيل: إنهم لما عبدوها ذُكرت بلفظ (مَنْ) (٤)؛ كقوله: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ﴾ الآية [الأعراف: ١٩٥]، وقد مر.
стр. 7285
وقوله: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين، يقول: أفلا تتعظون كما اتعظ المؤمنون (١)، قال أصحابنا: وهذه الآية دليل على أن الخالق واحد، وإنما يتميز الخالق من المخلوق بالقدرة على اختراع الخلق، فمن جعل نفسه خالقًا لأفعاله التي يفعلها فقد نصب نفسه خالقًا شريكًا لله في الخلق (٢)، وقال أهل التأويل: معنى هذه الآية: إنكار تشبيه من يخلق بمن لا يخلق بالتسوية بينهما في العبادة، كما (٣) لا يجوز أن يُسوّى بين من ينعم ومن لا ينعم في الشكر (٤).
١٨ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ ذكرنا تفسيره في سورة إبراهيم (٥)، وقال ابن عباس في هذه الآية: يريد أنّ نِعمي أكثر مما يُحصي أو يُعرف؛ منها ظاهر ومنها باطن.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ﴾ أي لِما منكم من تقصير شكر نعمه، ﴿رَحِيمٌ﴾: بكم حيث لم يُقصْها عنكم بتقصيركم.
٢٠ - وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ قراءة العامة بالتاء (٦)؛ لأن ما قبل هذه الآية كلها خطاب للكفار، وقرأ عاصم بالياء في: ﴿يَدْعُونَ﴾ (٧) إخبارًا