← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 7736–7775 · переход к 7741.

стр. 7736

أي لو عَلِقَ غيْرَكُمْ، والخطاب في هذه الآية للمشركين، قال ابن عباس: ﴿قُلْ﴾: يا محمد (١)، ﴿لَّوْ انتُمْ﴾: يا معشر المشركين، ﴿تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ يريد خزائن الرزق، ﴿إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ﴾ يريد إذا لبخلتم. قال أبو إسحاق: أعلمهم الله أنهم لو ملكوا خزائن الأرزاق لأمسكوا شُحًّا وبُخْلاً، قال: وهذا جواب لقولهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ (٢) يريد أنهم طلبوا عين ما في بلدهم ليكثر مالهم ويتسع عيشهم، فأعلمهم الله أنهم لو ملكوا الكثير لبخلوا؛ لأنهم جُبِلوا على الإمساك، والبخيل لا ينفعه كثرة المال. وقوله تعالى: ﴿خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾ خشية منصوب على أنه مفعول له. قال ابن عباس: خشية الفقر (٣)، وقال قتادة: خشية الفاقة (٤). قال أبو عبيدة: يقال: قد أملق الرجل إملاقًا، وأنفق إنفاقًا، إذا قَلّ ماله (٥).

стр. 7737

قال المبرد: المعروف في الإنفاق أنه إخراج المال عن اليد، فإن كان قد روي في اللغة معنى الإعدام فهو كما قال أبو عبيدة، وإلا فمعنى الكلام في الآية: خشية أن يستفرغكم الإنفاق ويُجْحِفَ بكم، فيكون الكلام من باب حذف المضاف على تقدير: خشية ضرر الإنفاق وما أشبهه (١)، وهذا معنى قول السدي: خشية أن ينفقوا فيفتقروا (٢). وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ قال ابن عباس وقتادة وغيرهما: بخيلًا (٣)، يقال: قَتَرَ يَقْتِرُ ويَقْتُر قَتْرًا، وأقْتَرَ إقتارًا، وقَتَّر تَقْتيرًا، إذا قَصَّر في الإنفاق (٤). قال الليث: القَتْرُ: الرُّمْقة في النَّفقة؛ وهو أن ينفق ما (٥) يُمْسِك الرّمَق (٦). فإن قيل في الناس: الجواد المُبَذِّر، فلم قيل: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾؟ الجواب: أن الأغلب عليهم البخل والاقتصار، ولا اعتبار بالنادر، على أن

стр. 7738

كل أحد بخيل بالإضافة إلى جُود الله؛ إذ لو ملك خزائن ربه لادّخر معظمها لنفسه، والله يفيضها على عباده لا يمنعه عن ذلك الإبقاء لنفسه، لأنه يجلّ عن لحَاق النفع والضر. وقال أبو إسحاق: يعني بالإنسان هاهنا الكافر خاصة، كما قال: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾، ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾ [العاديات:٦, ٨]، أي: المال (١)، ﴿لَشَدِيدٌ﴾: لبخيل (٢)، وهذا قول الحسن (٣). ١٠١ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ﴾ الآية. وجه اتصال معنى هذه الآية بما قبلها أنه ذكر في هذه الآية إنكارَ فرعونَ آياتِ موسى مع وضوحها، فيكون في ذلك تشبيها لحال هؤلاء المشركين بحاله وتسلية للنبيّ ﷺ . واختلفوا في الآيات التسع مع اتفاقهم أن منها: الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، فهذه خمس، وأما الأربعة الباقية، فروى قتادة عن ابن عباس قال: هي يده البيضاء عن غير سوء، وعصاه إذا ألقاها، وما ذكر في قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ١٣٠] قال: ﴿السِّنِينَ﴾ لأهل البوادي حتى هلكت مواشيهم، ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ لأهل القرى، وهاتان آيتان (٤)، ونحو هذا

стр. 7739

روى أبو صالح وعكرمة (١)، وهذا قول مجاهد (٢). وقال محمد بن كعب القرظي بدل السنين ونقص من الثمرات فَلْق البحر والطمسة، وهي أن الله تعالى مسخ أموالهم حجارة ميت النخل والدقيق والأطعمة والدراهم والدنانير (٣)، وهذا الذي ذكرنا أجود ما قيل في تفسير الآيات (٤). وقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ قال ابن عباس: فأسأل يا محمد بني إسرائيل (٥)، يريد المؤمنين من قريظة والنضير، ﴿إِذ جَآءَهُم﴾ يريد موسى، ونظم الآية على غير ما هو عليه في الظاهر؛ لأن (إذ) تتعلق بالإتيان لا بالسؤال، وتقدير الآية: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾، ﴿إِذ جَاَءَهُم﴾:

стр. 7740

بني إسرائيل فسألهم، إلا أنه لمّا عُلِّق السؤال ببني إسرائيل كُنِّى عنهم [في قوله: ﴿جَاءَهُمْ﴾ والمراد: إذ جاء آباءهم الذين كانوا في ذلك الوقت، ولكنهم لمَّا كانوا من بني إسرائيل كنى عنهم] (١)؛ لتقدم ذكر بني إسرائيل في الجملة، وقوله: ﴿فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ اعتراض دخل في كلام متصل. وقال أهل المعاني في معنى هذا السؤال: إن النبيّ ﷺ أُمر بأن يسألهم لا ليعرف ذلك من جهتهم، ولكن لينكشف لعامة اليهود بقول علمائهم صِدقُ ما أتى به وأَخْبَر عنه، فيكون هذا السؤال سؤال استشهاد. وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا﴾، قيل في المسحور هاهنا: إنه بمعنى الساحر؛ كالمشؤوم والميمون، وذكرنا هذا في قوله: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] هذا قول الفراء وأبي عبيدة (٢)، وقيل: إنه مفعول من السحر؛ أي أنك قد سُحِرت فأنت تحمل نفسك على هذا الذي تقوله للسحر الذي بك (٣). وقال محمد بن جرير: أي مُعْطَى عِلْم السحر، فهذه العجائب التي تأتي بها من سحرك (٤)، فأجابه موسى:

стр. 7741

١٠٢ - بقوله: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ﴾ يعني الآيات، ﴿إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ أي عِبرٌ أو دلالات، وذكرنا معنى البصائر في آخر سورة الأعراف [: ٢٠٣]. وقراءة العامة بفتح التاء (١)، [وقرأ الكسائي: علمتُ بضم التاء (٢)، والاختيار عند الجميع فتح التاء، وهو قراءة ابن عباس، وضم التاء] (٣) قراءة علي ﵁، وكان يقول: والله ما عَلِمَ عدو الله، ولكن موسى هو الذي عَلِم، فبلغ ذلك ابن عباس فاحتج بقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]، على أن فرعون وقومه كانوا قد عرفوا صحة أمر موسى (٤). وقال الزجاج: (الأجود في القراءة فتح التاء؛ لأن عِلم فرعونَ) (٥) بأنها آيات من عند الله أوكد في الحجة (٦)؛ فموسى يحتج عليه بما علم

стр. 7742

هؤلاء بما علم موسى، وأما من ضم التاء فحجته ما ذكرنا عن علي. فإن قيل: كيف يصح الاحتجاج عليه بعلمه، وعلمه لا يكون حجة على فرعون؟ فالجواب: أنه لما قيل له: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧]، قال موسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾، فكأنه نفى ذلك وقال: لقد علمتُ صحةَ ما أَتَيْتُ به علمًا صحيحاً؛ علم العقلاء (١)، وفي قوله: ﴿مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ دليل على قول من يقول: إن الآيات التسع كانت آيات من التوراة، وهو ما رُوي عن صفوان بن عسال (٢) عن يهوديين سألا رسول الله ﷺ عن قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ فقال رسول الله ﷺ : "لا تشركوا بالله، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تسحروا، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان فيقتله، ولا تأكلوا الربا, ولا تقذفوا محصنة، ولا تفروا من الزحف، وعليكم خاصة ألا تعدوا في السبت، قال؛ فَقَبَّلا يديه ورجليه وقالا: نشهد أنك نبيّ" (٣).

стр. 7743

وقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ قال الكلبي: وإني لأعْلَمُك يا فرعون (١)، ﴿مَثْبُورًا﴾ قال ابن عباس: ملعونًا (٢). وقال قتادة: مهْلَكًا (٣)، وقال مجاهد: هالِكًا (٤). قال الفراء: المثبور: الملعون المحبوس عن الخير، والعرب تقول: ما ثَبَرك عن هذا؟ أي ما منعك منه وما صرفك (٥). وروى أبو عبيد عن أبي زيد: ثَبَرْتُ فلانًا عن الشيء: رَدَدْتُه عنه (٦).

стр. 7744

وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: المثْبُور: الملْعُون المطْرود المُعَذَّب (١)، هذا وجه قول ابن عباس. وأما وجه قول مجاهد وقتادة، فقال الزجاج: ثُبِرَ الرجل فهو مثبور إذا أهلك (٢)، والثبور الهلاك، قال شمر: ومَثَلٌ للعرب: إلى أُمّه يأوي من ثُبِر؛ أي مَن أُهلِك (٣). قال أبو عبيد: والمعروف في الثبور الهلاك، والملعون هالك (٤). ١٠٣ - قوله تعالى: ﴿فَأَرَادَ﴾ قال ابن عباس: يريد فرعون (٥) ﴿أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ﴾، أي: يخرجهم، يعني: موسى وقومه بني إسرائيل، ومضى تفسير الاستفزاز في هذه السورة [آية: ٦٤]، ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ يعني: أرض مصر (٦). قال أبو إسحاق: جائز أن يكون استفزازهم إخراجهم منها بالقتل وبالتنحية، وهذه الآية وما بعدها تسلية للنبيّ ﷺ إذ قص عليه -في إِثْر ما ذكر من تكذيب قومه وهمهم بإخراجه- قصة فرعون، وما همّ به من استفزاز موسى وبني إسرائيل من أرض مصر، حتى أهلكه الله تعالى وأورثهم

стр. 7745

أرضهم وديارهم وأموالهم، لذلك أظهر نبيه محمدًا (١) ﷺ على المشركين, ورده إلى مكة ظاهرًا عليهم، فأنجز وعْدَه، ونصر عبده. ١٠٤ - وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ قال ابن عباس: يريد القيامة (٢)، ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾، أي: جميعًا، في قول مجاهد وقتادة (٣). وقال ابن عباس: يريد من كل موضع (٤). وروى منصور عن أبي رَزين (٥): من كل قوم (٦). قال الفراء: من هاهنا وهاهنا (٧). وقال الزجاج: من كل قبيلة (٨). وروى عمرو عن أبيه: اللفيف: الجمع العظيم من أخلاط شتى،

стр. 7746

فمنهم الشريف والدني، والمطيع والعاصي، والقوي والضعيف (١). وقال المبرد: الأكثر عند العرب أن اللفيف إنما يقال للمختلطين من كل شيء خلطته بشيء فقد لففته، ومنه قيل: لفَفَتَ الجيوشَ إذا ضربت بعضها ببعض، والتفت الزحوف (٢). والمعنى: جئنا بكم من قبوركم إلى المحشر أخلاطًا، يعني جميع الخلق؛ المسلم والكافر والبر والفاجر. ١٠٥ - قوله تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ﴾ الحق نقيض الباطل، وهو الثابت الذي لا يزول، كما أن الباطل: الزائل الذاهب، وأراد بالحق هنا: الدين الحق والأمر الحق، وهو ما كان عليه محمد ﷺ والكناية في: ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ للقرآن، ومعناه: أنزلنا القرآن بالأمر الثابت والدين القائم، قال أبو علي الفارسي: (الباء) في: ﴿وَبِالْحَقِّ﴾ في موضع الحال من الضمير في ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾، يعني أنه بمعنى: مع، كما تقول: نزل بِعُدّته وخرج بسلاحه، والمعنى: أنزلنا القرآن مع الحق. وقوله تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ قال: يحتمل الجار فيه ضربين؛ أحدهما: أن يكون التقدير نزل بالحق كما تقول: نزلت يزيد، والثاني: أن يكون حالاً من الضمير الذي في نزل، هذا كلامه (٣)، وعلى القول الأول: الحق محمد ﷺ ؛ لأن القرآن نزل به عليه، وعلى القول الثاني: معناه نزل مع الحق، كما قلنا في قوله: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ﴾.

стр. 7747

١٠٦ - قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾ يَنْتَصبُ قرآنًا بإضمار فعل، مثل الذي ظهر (١)، قال أبو علي: (وَقُرْءَانًا) يحتمل أمرين، أحدهما: أن يكون محمولًا على ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ كأنه قال: بالحق أنزلناه وأنزلنا قرآناً, فانتصابه على أنه مفعول به، والوجه الآخر: أن تعطفه على ما يتصل به كأنه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ وذا قرآن وصاحبَ قرآن (٢)، فحذف المضاف (٣)، وعلى ما ذكر أبو علي -في القول الثاني- يجب أن يكون القرآن نكرة لوصفه له بالجملة من غير الذي، وقد ذكر في قوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزمر: ٢٨] أنه يجوز أن يكون نكرة (٤)، وذلك غير جيد لتنكير (٥) الاسم العلم (٦)، و ﴿فَرَقْنَاهُ﴾: فَصَّلناه، قاله علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (٧).

стр. 7748

وقال سعيد بن جبير عنه: نزل القرآن كله ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء السفلى في السنين التي نزل فيها (١). وقال قتادة: كان بين أوله وآخره عشرون سنة (٢)، وهو معنى قوله: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾، وقال السدي: قطعناه آية آية وسورة سورة، ولم ننزله جملة (٣)، والاختيار عند الأئمة: فرقناه مخففًا (٤)، وفَسّره أبو عمرو: بَيَّناه (٥). وقال الفراء: أحكمناه (٦) وفصَّلناه؛ كما قال: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] أي يُفَصّل (٧). قال أبو عبيد: والتخفيف أعجب إليّ لأن تفسيره: بَيّناه، ومن قرأ بالتشديد (٨) لم يكن له معنى إلا أنه أُنزل متفرقًا، والتأويل الأول أعجب إليّ

стр. 7749

وأشرق، هذا كلامه (١)، وحصل من هذا أن معنى الفَرْق تفصيل يتضمن التبيين، والتفريق لا يتضمن التبيين، ولهذا فسروا هاهنا وفي قوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ﴾ [الدخان: ٤] بالتبيين. ومما يرجح التخفيف ما روى ثعلب عن ابن الأعرابي أنه قال: فرقتُ أفْرُقُ بين الكلام، وفَرَّقتُ بين الأجسام (٢)، ويدل على هذا قوله ﷺ : "البَيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا" (٣)، ولم يقل: يفترقا، والتفرق مطاوع التفريق، والافتراق مطاوع الفرق، ومعنى: ﴿عَلَى مُكْثٍ﴾ على تؤدة وتَرَسُّل، قاله مجاهد (٤). قال الفراء: يقال: مَكُثَ ومَكَثَ ومَكِثَ، ويقال في الفعل: مَكُث

стр. 7750

ويَمْكُث ومَكَث يَمْكَث (١)، والفتح قراءة عاصم في قوله: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ (٢) [النمل: ٢٢]، قال: فَرَّقَه الله في التنزيل ليفهمه الناس، فقال: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ قال ابن عباس: [نجوما بعد نجوم، وشيئًا بعد شيء (٣). ١٠٧ - قوله تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا﴾ قال ابن عباس] (٤): ﴿قُلْ﴾: لأهل مكة، ﴿آمِنُوا﴾: بالقرآن (٥)، ﴿أَوْ لَا تُؤْمِنُوا﴾ وهذا تهديد؛ أي فقد أنذر الله ووعد (٦) وبَلَّغَ الرسول، فاختاروا ما تريدون، كما قال: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٥٥]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي من قبل نزول القرآن، قال مجاهد: هم ناس من أهل الكتاب حين سمعوا ما أُنزل على محمد ﷺ خروا سجدًا (٧).

стр. 7751

وقال ابن عباس: منهم زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل (١)، وعلى هذا ليس المراد بقوله: ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أهل الكتاب، وإنما هم طلاب الدين. وقوله تعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ قال ابن عباس في رواية؛ الوالبي: يخرون للوجوه (٢)، وهو قول قتادة (٣). وقال في رواية عطاء: يريد: يسجدون بوجوههم وجباههم وأذقانهم (٤). قال أبو إسحاق: والذَّقَنُ مجمع اللَّحْيَيْنِ (٥)، وهو عضو من أعضاء الوجه، وكما يبتدئ المبتدئ يَخِرُّ فأقرب الأشياء من وجهه إلى الأرض الذَّقَنُ (٦)، وعلى هذا إنما خص الذقن بالذكر؛ لأنه أقرب أبعاض الوجه إلى الأرض، وهو هاهنا عبارة عن الوجه.

стр. 7752

وروى عبد الرزاق عن معمر قال: قال الحسن: لِلّحى (١)، وعلى هذا القول: الأذقان عبارة عن اللِّحَى، وخصت بالذكر لأن المعنى أنهم يضعونها على الأرض للسجود تواضعًا لله تعالى، واللِّحْية تُلْقي بالإكرام والتنظيف، فإذا أذلوها في التراب فهو غاية التواضع، واللام هاهنا بمعنى على، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ [الحجرات: ٢] أي عليه، والعرب تقول: سقط فلان لفيه، أي على فيه، قال الشاعر: فخر صريعًا لليدين وللفم (٢)

стр. 7753

والمعنى أنهم يبادرون إلى السجود فيسقطون على الأذقان أولاً إذا وقعوا بالأرض إلى أن نصبوا (١) جباههم على الأرض للسجود؛ لأن الذقن ليس من أعضاء السجود، ويدل على هذا (٢) قوله: ﴿يَخِرُّونَ﴾ ولم يقل: يسجدون؛ لأنه أراد مسارعتهم إلى ذلك حتى إنهم ليسقطون ويقولون في سجودهم: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾، أي: ينزهونه ويعظمونه، ﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾: أي وعده بإنزال (٣) القرآن وبعث محمد ﷺ ، وهذا يدل على أن هؤلاء كانوا من أهل الكتاب؛ لأن الوعد ببعث محمد ﷺ سبق في كتابهم، فهم كانوا ينتظرون ذلك الوعد. وذكر الليث وجهًا آخر في قوله: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ فقال: العرب تقول إذا خَرّ الرجل فوقع على وجهه: خَرّ للذقن، وكذلك الشجر والحجر إذا قلبه السيل يقال: كبه السيل للذقن (٤)، ويدل على ما ذكره قول امرئ القيس يصف سيلًا شديدًا (٥): يَكُبُّ على الأذْقَانِ دَوْحَ الكَنَهْبَلِ (٦)

стр. 7754

فلما استعمل ذلك في الشجر إذا سقط واستعير له الذقن، كان ذكره في الإنسان الذي له الذقن أولى. وقوله تعالى: ﴿سُجَّدًا﴾ حال (١) مقدرة، المعنى: يَخِرّون مقدرين للسجود؛ لأن الإنسان في حال خُرُورِه لا يكون ساجدًا، قاله أبو إسحاق في قوله: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (٢) [مريم: ٥٨]، ومثله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وقد مرّ. قال أبو إسحاق: و (إن) و (اللام) في: ﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ دخلتا للتوكيد (٣)، ومضى الكلام في مثل هذا في مواضع. ١٠٩ - قوله تعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ أعاد هذا لأن الأول للسجود، والثاني لغير السجود، ولكن للذّلة والخشوع عند استماع القرآن، يدل عليه قوله: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾، ويجوز أن يكون تكرير القول دلالة تكرر الفعل منهم. وقوله تعالى: ﴿يَبْكُونَ﴾ معناه الحال، ﴿وَيَزِيدُهُمْ﴾، أي: القرآن، ﴿خُشُوعًا﴾: تواضعًا، وذكرنا معنى الخشوع في أوائل سورة البقرة (٤).

стр. 7755

١١٠ - قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ﴾ الآية. قال ابن عباس: إن رسول الله ﷺ قال وهو ساجد ذات ليلة: يا رحمن، فسمعه أبوجهل -وهم لا يعرفون الرحمن-، فقال: إن محمدًا ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلهًا آخر مع الله يقال له: الرحمن، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ﴾ (١) ,أي: قل يا محمد: ادعوا الله يا معشر المشركين (٢)، ﴿أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ أي إن شئتم قولوا: يا الله، وإن شئتم قولوا: يا رحمن. ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ قال أبو إسحاق: أعلمهم الله أن دعاءهم الله ودعاءهم الرحمن يرجعان إلى واحدٍ، فقال: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ المعنى أي أسماء الله تدعوا ﴿فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٣). وقال المبرد: يقول إذا دعوتم الله الرحمن فإنما تدعون واحداً، يعني أن تَخْيِيره (٤) بين أن يُدْعى الله وبين أن يدعى الرحمن إنّما هو لأنهما واحد، يَدلّ على هذا: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٥) قال النحويون: (أي) في الكلام تقع في ثلاثة مواضع؛ أحدها: الاستفهام، والآخر: الجزاء، والثالث: الخبر (٦)، فإذا كان استفهامًا أو جزاءً لم تَحْتَج إلى صلة، وعمل

стр. 7756

فيها ما بعدها، ولم يجز أن يحمل فيها ما قبلها إلا ما يَجُرّ، وسنذكر ذلك عند قوله: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ [الكهف: ١٢] إن شاء الله، وإذا كانت خبرًا احتاجت إلى صلة نحو صلة الذي، ويعمل فيها ما قبلها وما بعدها سوى صلتها؛ كقولك: لأضربن أيهم في الدار. قال الفراء: العرب تقول: أيّ وأيّان وأيّون، إذا أفردوا (أيًّا) أنَّثُوها وجمعوها، وأنَّثُوها فقالوا: أيّة وأيّتان وأيّات، وإذا أضافوها إلى ظاهر أفردوها، وذكّروا فقالوا: أيّ الرجلين؟ وأيّ المرأتين؟ وأيّ الرجال؟ وأيّ النساء؟ وإذا أضافوا إلى مُكَنّى المؤنث أنثوا وإلى مُكَنّى المذكر ذَكّروا، فقالوا: أيّهما وأيّتهما للمرأتين، قال الله : ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾، وقال زهير في لُغة من أَنّث: وزوَّدُوكَ (١) اشتياقًا أَيَّةً سَلَكُوا (٢) يُرادُ أَيّةُ وجْهة، فانَّثها حين لم يُضِفْها؛ ولو قال: أيًّا سلكوا، بمعنى: أيّ وجهة، كان جائزًا، ويقول لك قائل: رأيتُ رجلا، فتجيبه: أيًّا؟ ويقول: رجلين، فتقول: أَيَّيْن؟ وفي الرجال: أَيّون؟ وفي المرأة: أيّة؟ وفي النساء: أيّات؟ (٣) و (ما) في قوله: ﴿أَيًّا مَا﴾ صلة، كقوله: ﴿جُندٌ مَّا

стр. 7757

هُنَالِكَ﴾ [ص: ١١] , و ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ [المؤمنون: ٤٠]، و ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾ [نوح: ٢٥]، و ﴿تَدْعُونَ﴾ في موضع جزم بأي؛ لأنه من حروف الشرط والجزاء، يقول: أيّهم يعط أعط، وعلامة الجزم في تدعوا سقوط النون التي تثبت للرفع في يفعلون، وجواب الشرط (الفاء) في قوله: ﴿فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ روى سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية قال: (كان رسول الله ﷺ يرفع صوته بالقرآن فإذا سمعه المشركون سَبُّوه وسَبُّوا من جاء به، فأوحى الله إليه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ فيسمعه المشركون فيسبوه، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ فلا يسمع أصحابك، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾، أي: أسمعهم القرآن أحيانًا يأخذوا عنك) (١)، وهذا قول قتادة والسدي (٢)، واختيار أبي إسحاق، قال: المخافتة: الإخفاء، والجهر: رفع الصوت. وكان النبيّ ﷺ إذا جهر بالقرآن سبّ المشركون القرآن، فأمر الله أن لا يعرّض القرآن لسبهم، وأن لا يخافت مخافتةً لا يسمعها من يصلي خلفه من أصحابه فقال: ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾، أي اسلك طريقًا بين الجهر

стр. 7758

والمخافتة (١)، يقال: خَفَتَ صوته يَخْفِت خُفُوتًا وخُفَاتًا، إذا ضَعُفَ وسكن، وصوتٌ خَفِيتٌ، أي: خَفِيضٌ، ومن هذا يقال للرجل إذا مات قد خَفَتَ، أي انقطع كلامه، وخفت الزرع إذا ذَبُلَ ولَانَ، وزرع خَافِت، والرجل يخافت بقراءته: إذا لم يبين قراءته برفع الصوت، وقد تخافت القومُ إذا تشاوَرُوا بينهم (٢)، وقال الجعدي: ولَسْتُ وإنْ عَزُّوا عليّ بِهَالِكٍ ... خُفاتًا ولا مُسْتَهْزِمٍ ذاهبِ العَقْلِ (٣) يقول: لست أهلك خفاتًا أي ضعفًا لمصاب من أُصبت به منهم، وإن كانوا أعزة، ولكني أتصبَّر وأتجلَّد، هذا الذي ذكرنا في الجهر والمخافتة بالصلاة مذهب أكثر المفسرين (٤)، ومعنى الصلاة في هذا القول: القراءة، وذلك أن الصلاة لا تصح إلا بقراءة، فسميت القراءة صلاة، كما سميت الصلاة قراءة في قوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [آية: ٧٨]، وقد مرّ. وفي الآية قول ثان؛ وهو أن المراد بالصلاة الدعاء، وهذا قول أبي هريرة وعائشة ومجاهد (٥).

стр. 7759

قال أبو هريرة في الآية: يعني بذلك الدعاء والمسألة (١). وقالت عائشة: هي في الدعاء (٢)، وروي هذا مرفوعًا: أن النبيّ ﷺ قال في هذه الآية: "إنما ذلك في الدعاء لا ترفع صوتك، فتكثر ذنوبك, فيُسمع منك، فتُعيَّر به" (٣)، وهذا قول إبراهيم وابن عباس في رواية عطاء (٤)، كل هؤلاء قالوا: في الدعاء، وعلى هذا: الصلاة الدعاء، والجهر به منهي عنه، وكذلك الإسرار الذي هو إخفاء، والمستحب منه ما بين ذلك، وحدّه أن يُسْمِع نفسه (٥)؛ كما روي عن ابن مسعود أنه قال: لم

стр. 7760

يخافت من أسمع أذنيه (١)، وفي الآية قول ثالث؛ وهو ما روى منصور عن الحسن ومعمر (٢) عنه قال: لا تُراء بعلانيتها ولا تسئْ سريرتها (٣)، وهذا قول ابن عباس في رواية الوالبي، قال: يقول لا تصل مراءاة للناس، ولا تدعها مخافة للناس (٤)؛ وعلى هذا القول: الجهر بالصلاة هو إعلانها مراءاة، والمخافتة بها تركها مخافة أو إساءتها سرًّا؛ على ما قال الحسن. ١١١ - قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ الآية. قال رسول الله ﷺ في هذه الآية: "إنها آية العزة"، وكان يعلمها الصغير من أهله والكبير (٥). وقال قتادة: كذّب الله بهذه الآية اليهودَ والنصارى وأهلَ الفِرَاء

стр. 7761

عليه (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ قال ابن عباس: لم يكن له ولي ينصره ممن استذله (٢). وقال مجاهد: لم يحالف أحدًا ولم يبتغ نصر أحد (٣)، فليس له حليف من خلقه ولا ناصر، يعني: أنه لا يحتاج إلى ولاء النصرة والمحالفة، وإنما يحتاج إلى ذلك من يُستذلُ وُيقْهر، وهو العزيز القهار، وهو معنى قول أبي إسحاق: لم يحتج أن ينتصر بغيره، ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾، أي: عَظِّمه تعظيمًا عظمةً تامةً (٤).

стр. 7762

التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) من أول سورة الكهف إلى آية (٣١) تحقيق د. عبد العزيز بن محمد اليحيى

стр. 7763

سورة الكهف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾. ذكرنا معنى العَوج والفرق بينه وبين العِوج في قوله: ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [آل عمران: ٩٩] (١). روى الوالبي عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ قال: (ملتبسًا) (٢). ومعناه: التباس، أي: لم يجعل ملتبسًا لا يُفهم، ومعوجًا لا يستقيم. وقال أبو إسحاق: (لم يجعل فيه اختلافًا) (٣). كما قال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. يدل على هذا قوله: ﴿قَيِّمًا﴾ قال ابن عباس: (يريد مستقيمًا عدلاً) (٤). وذكرنا الكلام في القيِّم

стр. 7764

عند قوله: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ [الأنعام: ١٦١] , وجميع أهل اللغة والتفسير قالوا: (هذا من التقديم والتأخير، وتقديره: أنزل على عبده الكتاب قيمًا ولم يجعل له عوجًا) (١). ٢ - وقوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ قال ابن عباس: (يريد: لينذر عذابًا شديدًا) (٢) [قال الفراء: (مع البأس أسماء مضمرة يقع عليها الفعل قبل أن يقع على البأس) (٣). يعني أن] (٤) المفعول الأول للإنذار محذوف على تقدير: لينذر الكافرين بأسًا، كما قال في ضده: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فأظهر (٥). وفسر الزجاج فقال: (أي لينذرهم بالعذاب البئيس) (٦). وقوله تعالى: ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ قال ابن عباس: (يريد من عنده) (٧). وقال الزجاج:- (من قِبَلِهِ) (٨). قال: (وفي لدن لغات يقال: لدُ،

стр. 7765

ولَدُنْ، ولَدَى، والمعنى (١) واحد. قال: وهي لا تتمكَّن تمكُّن عند؛ لأنك تقول: هذا القول عندي صواب، ولا تقول: هو لدني صواب (٢)، وتقول (٣): عندي مال عظيم، والمال غائب عنك، ولدن لما يليك لا غير) (٤). وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: (من لَدُنِهِ)، بشم الدال الضمة وبكسر النون والهاء (٥). وهي لغة الكلابيين (٦). روى أبو زيد عنهم أجمعين: (هذا من لدُنِه، فتحوا اللام وضموا الدال وكسروا النون) (٧). قال أبو علي الفارسي: (في لدُنْ لغات: لدن مثل سبعٍ، وتخفف

стр. 7766

الدال، فإذا خففت على ضربين أحدهما: أن تحذف (١) الضمَّة من الدال فيقال: لدن. والآخر: أن تحذف الضمة من الدال وتنقل إلى اللام، فيقال: لدن، مثل: عضد، وفي كلا الوجهين يجتمع في الكلمة ساكنان: الدال المنقول عنها الحركة، والمحذوفة منها مع النون. فأما قراءة عاصم: (من لَدْنِهِ) (٢) فالكسرة في النون ليست بجر، إنما هي كسرة للتقاء الساكنين، وذلك أن الدال أسكنت كما أسكنت في سبُعٍ، والنون ساكنة، فلما التقى ساكنان كسر الثاني منهما وأشمت (٣) الدال الضمة، لتدل على أنها كانت متحركة بها، كما قالوا: أنت تَغْزُين. وقولهم: قُيل، أشمت الكسرةُ فيهما الضمة، لتدل على أن الأصل فيهما التحريك بالضم، وإن كان إشمام عاصم ليس بحركة خرجت إلى اللفظ، وإنما هو تهيئة العضو لإخراج الضمة، ولو كانت حركة لم يلتق ساكنان ولم تكسر النون لاجتماعهما) (٤). وليس يحتمل هذا الموضع من الكلام في لدن أكثر مما ذكرنا، وما بقي نذكره عند قوله: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ [الكهف: ٧٦]، إن شاء الله.

стр. 7767

والجار في قوله: "من لدنه" يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون صفة النكرة التي هي قوله: "بأسًا"، وفيها ذكر الموصوف. والآخر: يكون متعلقًا بشديد (١). وقوله تعالى: ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ قال الزجاج: (المعنى بأن لهم أجرًا حسنًا) (٢). قال ابن عباس: (يريد ثوابًا عظيمًا) (٣) . وقال السدي: (هو الجنة) (٤) . ٣ - قوله تعالى: ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ بمعنى: خالدين (٥). وهو حال للمؤمنين من قوله: (أن لهم أجرًا) (٦). ٤ - وقوله تعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ قال ابن عباس: (يريد بعذاب الله ونقمته) (٧). قال الكلبي، والسدي: (يعني اليهود والنصارى) (٨).

стр. 7768

٥ - قوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ﴾ أي: بذلك القول ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾ يعني: قالوه جهلاً، وافتراء على الله تعالى ﴿وَلَا لِآبَائِهِمْ﴾ اختار الفراء ﴿كَلِمَةً﴾ بالنصب. قال الفراء: (من نصب أضمر الفاعل؛ كأنه قيل: كبرت تلك الكلمة كلمة، ومن رفع لم يضمر شيئًا، كما تقول: عظم قولك) (١). وقال الزجاج: (المعنى: كبرت مقالتهم كلمة، و ﴿كلِمَةً﴾ منصوب على التمييز)؛ هذا كلامه (٢). ومعنى التمييز في هذا: أنك إذا قلت: كبرت المقالة، أو الكلمة، جاز أن يتوهم أنها كبرت كذبًا، أو جهلاً، أو افتراء، فلما قلت: كلمة، ميزتها من محتمل فانتصب، كما تقول في باب التمييز. قال أبو عبيد: (والنصب وجه القراءة؛ لأن الكلمة قد ذكرت قبل، وهي قوله: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾، فصارت مضمرة في (كبرت) (٣). قال الأخفش: (هذه في النصب كقول الشاعر: ولقد علمت إذا العشار ترَوَّحت .... هدج الرئال تكبهن شمالاً (٤)

стр. 7769

أي: تكبُّهنَّ الرياح شمالاً، وهاهنا كأنه قيل: كبرت تلك الكلمة) (١). ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦] . ٦ - قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد: (قاتل نفسك) (٢). وهو قول المفسرين، وأهل المعاني (٣). قال الفراء في المصادر: (بَخَعَها، يبخَعُهَا، بخعًا، وبخوعًا) (٤). وقال الليث: (بَخَعَ الرجل نفسه إذا قتلها غيظًا من شدة وجده بالشيء) (٥). وأنشد قول ذي الرمة (٦): ألا أيُّهذا الباخعُ الوجد نفسه ... لشيءٍ نحته عن يديه المقادر قال أبو عبيدة: (كان ذو الرمة ينشد الوجد رفعًا) (٧).

стр. 7770

وقال الأصمعي: (يقول: إنما هو الوجد بالفتح) (١). وأصل معنى البَخْع: الجهد، يقال: بَخَعْت لك نفسي، أي جهدتها، ذكره الفراء، والأخفش (٢). وفي حديث عائشة: (أنها ذكرت عمر فقالت: بَخَعَ الأرض) (٣). أي: جهدها حتى أخرج ما فيها من أموال الملوك. وقال الكسائي: (بَخَعْتُ الأرض بالزراعة، إذا أنهكتها وتابعت (٤) حراثتها، ولم تجمَّها عامًا، وبَخَعَ الوجدُ نفسه إذا أنهكها، وأنشد بيت ذي الرمة) (٥). وعلى هذا معنى: ﴿بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أي: ناهكها، وجاهدها حتى تهلكها، ولكن أهل التأويل كلهم قالوا: قاتل نفسك ومهلكها؛ والأصل هو ما ذكرنا (٦). وقوله تعالى: ﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾ قال الزجاج: (أي من بعدهم) (٧). وهذا كلام العرب يقولون: مات فلان واحدًا على أثر فلان، أي: بعده، وأصل هذا من التأثير، والأثر الذي هو العلامة، وذلك أنهم يقولون: خرجت في أثر فلان، وجئت على أثره، يعنون بعده، كأنهم يريدون أثر سلوكه

стр. 7771

الطريق، ثم كثر هذا حتى استعمل بمعنى بعد حيث لا يتحقق الأثر، كقول: مات فلان على أثر فلان أي: بعده، وأثر كذا بكذا أتبعه إياه (١)، ومنه قول متمم (٢): فأثر سيل الواديين بديمةٍ أي: أتبعه بمطر. ومعنى ﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾ هاهنا: من بعدهم، وتحقيقه ما بينَّا، وليس يريد من بعد موتهم، وإنما التأويل: من بعد توليهم وإعراضهم عنك (٣). قوله تعالى: ﴿إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ قال ابن عباس وغيره: (يعني القرآن) (٤). ﴿أَسَفًا﴾ قال مجاهد: (جزعاً) (٥).

стр. 7772

وقال السدي: (حزنًا) (١). وقال سفيان: (غضبًا) (٢). وجمع ابن عباس بينهما فقال: (يريد: غضبًا وحزنًا) (٣). وقال الزجاج: (والأسف: المبالغة في الحزن والغصب) (٤). وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: (غضبان أسفًا) في سورة الأعراف. وانتصابه يجوز أن يكون على المصدر، ودل ما قبله من الكلام على أنه تأسف، ويجوز أن يكون مفعولاً له أي: للأسف، كقولهم: جئتك ابتغاء الخير (٥). وقال الزجاج: (﴿أَسَفًا﴾ منصوب؛ لأنه مصدر في موضع الحال) (٦). وفي هذه الآية إشارة إلى نهي النبي ﷺ عن كثرة الحرص على إيمان قومه حتى يؤدي ذلك إلى هلاك نفسه بالأسف، والفاء في قوله: ﴿فَلَعَلَّكَ﴾ جواب الشرط، وهو قوله: ﴿إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ قدّم عليه، ومعناه التأخير. ٧ - قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ قال مجاهد: (ما عليها من شيء من البحار، والجبال، والأشجار، والنبات) (٧). والمعنى:

стр. 7773

إنا زينّا الأرض بما خلقنا فيها من الماء، والمعادن، وأنواع المخلوقات، ويدخل في هذا كل ما على الأرض من ذي الروح والجماد. وقوله تعالى: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ﴾ قال ابن عباس: (يريد الاختبار في خلقه بما يفهمون) (١). ومضى الكلام في مثل هذا في مواضع (٢). وقوله تعالى: ﴿أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ قال الحسن: (أيّهم أزهد في الدنيا زهدًا، وأترك لها تركًا) (٣). وهذا قول أبي إسحاق قال: (فالحسن العمل من زهد فيما زيِّن له من الدنيا) (٤). وقال مقاتل: (أيهم أصلح فيما أوتي من المال) (٥). وذكر قتادة في تفسير هذه الآية قول النبي ﷺ : "إن الدنيا خضرة حلوة،

стр. 7774

وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، فاتقوا فتنة الدنيا" (١). قال الزجاج: (و ﴿أَيُّهُمْ﴾ رفع بالابتداء؛ لأن لفظه لفظ الاستفهام) (٢). والمعنى: ليختبر أهذا أحسن أم هذا، والاستفهام لا يعمل فيه ما قبله إلا ما يخبر، وإنما يعمل فيه ما بعده. ثم أعلم جل وعز أنه [مبيد] (٣) ومُفْن ذلك كله. ٨ - بقوله: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٨]. قال أبو عبيد: (الصعيد: المستوي من الأرض) (٤). وقال الزجاج: (الصعيد: الطريق الذي لا نبات فيه) (٥). ومثله قال المفضل. وقد ذكرنا تفسير الصعيد في آية التيمم (٦). وأما الجرز فقال الفراء: (الجُرُز: الأرض لا نبات فيها، يقال: جُرِزَت الأرض فهي مجروزة، وجَرَزَها الجرادُ أو النساء أو الإبل أكلت ما عليها) (٧). وقال الزجاج: (الجرز: الأرض التي لا تنبت، كأنها تأكل النَّبْت

стр. 7775

أكلاً، يقال: أرض جُرُز، وأرَضُون أَجْرازٌ) (١). وامرأة جَرُوز إذا كانت أكولا، وسيف جرَّاز إذا كان مستأصلاً (٢)، ونذكر شيئًا من هذا عند قوله: ﴿نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ [السجدة: ٢٧] إن شاء الله. قال مجاهد في هذه الآية: (بلاقع ليس فيه نبات) (٣). وقال عطاء عن ابن عباس في هذه الآية: (يريد يوم القيامة يجعل الله الأرض جرزًا ليس فيها ماء ولا نبات) (٤). ٩ - قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ﴾ الآية. ذكرنا سبب نزول قصة أصحاب الكهف عند قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥]. وذكر محمد بن إسحاق سبب نزول هذه القصة مشروحًا، فقال: (كان النضر ابن الحارث من شياطين قريش، كان يؤذي رسول الله ﷺ ، وينصب له العداوة، وكان قدم الحيرة (٥) وتعلم بها أحاديث رستم (٦)،
следующие страницы →