← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

يفتحها مع الألف واللام، ولعمري إن لام المعرفة أكثر استعمالا، ولكني أقول: فتح الياء هاهنا كفتحه (١) مع اللام، لأن اجتماع الساكنين مع اللام وغيرها واحد. وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾. أبو عبيد عن الكسائي وأبي عبيدة: وفيت بالعهد وأوفيت به سواء (٢). وقال شمر: يقال: وَفَى وأَوفْى، فمن قال: (وَفَى) فإنه يقول تَمَّ، كقولك: وَفَى لنا فلان، أي: تَمَّ لنا قوله ولم يغدر، وَوَفَى هذا الطعامُ قفيزا (٣) أى: تم. قال: ومن قال: (أَوْفَى) فمعناه: أوفاني حقه، أي: أتمه ولم ينقص منه شيئا، وكذلك أَوْفَى الكيل أي أتمه ولم ينقص منه شيئا (٤). وقال أبو الهيثم فيما رد على شمر: الذي قال شمر (٥) في (وَفَى) و (أَوْفَى): باطل، إنما يقال: أَوْفَيْت بالعهد ووفيت بالعهد، وكل شيء في كتاب الله من هذا

стр. 982

فهو بالألف قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ (١) [البقرة: ٤٠] (٢) وقال: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] (٣). وقال الشاعر (٤) في الجمع بين اللغتين: أَمَّا ابنُ طَوْقٍ فَقَدْ أَوْفَى بِذِمَّتِه ... كَمَا وَفَى بِقِلاَصِ النَّجْمِ حَادِيهَا (٥) قال ابن عباس: هذا العهد هو أن الله (٦) عهد إليهم في التوراة أنه باعث نبيا يقال له: محمد، فمن تبعه كان له أجران اثنان، أجر باتباعه موسى وإيمانه بالتوراة، وأجر باتباعه محمدًا وإيمانه بالقرآن، ومن كفر به تكاملت أوزاره، وكانت النار جزاءه (٧)، فقال الله جل وعز (٨): أوفوا بعهدي في محمد، أوف بعهدكم وأدخلكم الجنة (٩).

стр. 983

وقوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾. موضع (إياي) نصب بإضمار فعل (١) تفسيره (٢) المذكور بعده (٣) كأنه قيل: (إياي فارهبوا (٤) فارهبون) ولكنه يستغني عنه بما يفسره فلا يظهر، وإن صح أنه مقدر، ولا يجوز أن يعمل فيه المذكور، لأنه مشغول بضمير (٥). وحذفت (الياء) من ﴿فَارْهَبُونِ﴾ لأنها فاصلة أي رأس آية، ليكون النظم على لفظ متسق، وسمى أهل اللغة أواخر الآي الفواصل، وأواخِر الأبيات (٦) القوافي (٧). ومعناه: فخافوني في نقض العهد (٨).

стр. 984

٤١ - قوله تعالى: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾. أي موافقًا للتوراة في التوحيد والنبوة (١)، وهو حال من الهاء المحذوفة من (أنزلت) كأنه قيل أنزلته مصدقا (٢). و (٣) قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾. قال الليث: الأول والأولى: بمنزلة (أَفْعَل) و (فُعْلَى)، وجمع الأول: أولون، وجمع أولى: أوليات. (٤). قال الأزهري: وقد جمع (أَوَّل) على أُول، مثل أَكْبَر وكُبر، وكذلك الأُولَى، ومنهم من شدد الواو مجموعا من (أَوَّل) (٥). واختلفوا في وزنه وتأليفه (٦). فذكر الليث فيه وجهين: أحدهما: أن تأليفه من: (همزة) و (واو) و (لام)، وعلى هذا ينبغي أن يكون (أَفْعَل) منه (أَأْوَل) بهمزتين (٧)، لأنك لو

стр. 985

بنيت (١) (أَفْعَل) من (آب يؤوب) قلت: (أَأْوَب)، ثم قلبت إحدى (٢) الهمزتين واوا، ثم أدغمت في الواو الأخرى (٣)، وهذا الوجه اختيار الأزهري، قال: إنه (أَفْعَل) من: (آل يَؤول) و (أُولَى) فُعْلى منه، قال وأراه قول سيبويه (٤)، وكأنه من قولهم: (آل يؤول) إذا نجا وسبق، ومثله: (وَأَل يئل) (٥) بمعناه، فمعنى (الأول) السابق الذي هو الابتداء. الوجه الثاني (٦): أن أصل تأسيسه: واوان ولام، وأدغم إحدى الواوين في الأخرى وشدد، والهمزة فيه ألف (أفعل) (٧). وقال ابن دريد: (أَوَّل) فَوْعَل، قال: وكان في الأصل: (وَوْوَل) (٨)

стр. 986

فقلبت الواو الأولى همز وأدغمت إحدى الواوين في الأخرى، فقيل: أول (١). وقال المبرد في كتاب "المقتضب": أول يكون على ضربين: يكون اسماً، ويكون نعتاً [موصولاً به (من كذا). فأما كونه نعتاً] (٢)، فكقولك: هذا رجل أوَّلُ منك مجيئاً، كما تقول أحسن منك وجهاً، وجاءني زيد أَوَّلَ من مجيئك، كما تقول: أسبق من مجيئك، وجئتك أَوَّلَ من أمس. وأما كونه اسماً فقولك: ما تركت أَوَّلاً ولا آخرًا كما تقول: ما تركت له قديماً ولا حديثاً، وعلى أي الوجهين سميت به رجلاً انصرف في النكره، لأنه في باب الأسماء بمنزلة (أَفْكَل)، وفي باب النعوت بمنزلة (أَحْمَر) (٣). قال الفراء: ووحد الكافر، وقبله جمع، وذلك من كلام العرب فصيح جائز، إذا جاء في الاسم المشتق من الفعل كالفاعل والمفعول به، يريدون (٤) به: ولا تكونوا أول من يكفر به، فيحذف (٥) (من) ويقوم الاسم المشتق من الفعل مقامها (٦)، فيؤدي عن مثل ما أدت (من) عنه من التأنيث والجمع، وهو

стр. 987

في لفظ توحيد، ولا يجوز في مثله من الكلام: (أنتم أَفْضَلُ رجل)، ولا (أنتما خير رجل)؛ لأن الرجل يثني ويجمع ويفرد، فيعرف واحده من جمعه، واسم الفاعل قد يكون لـ (من) فيؤدي عنه (١)، وهو موحد، ألا ترى أنك تقول: الجيش [مقبل، والجند منهزم، فتوحد الفعل لتوحيده، فإذا صرت إلى الأسماء قلت: الجيش] (٢) رجال، والجند رجال. وقد قال الشاعر: وإِذَا هُمُ (٣) طَعِمُوا فَأَلْأمُ طَاعِمٍ ... وَإِذَا هُمُ (٤) جَاعُوا فَشَرُّ جِيَاعِ (٥) فجمعه وتوحيده جائز حسن (٦). وقال البصريون في هذا: معناه: ولا تكونوا أول فريق كافر، أو أول حزب، أو أول قبيل كافر، ثم حذف المنعوت، وأقيم نعته مقامه، (٧) وهذا قول المبرد.

стр. 988

وقوله (به) (١) الأظهر أن الكناية عائدة (٢) إلى (ما) في قوله: (بما أنزلت) وهو القرآن (٣). ويجوز أن يعود إلى (ما) في قوله: ﴿لِمَا مَعَكُمْ﴾ والمراد به التوراة، وذلك أنهم إذا (٤) كتموا أمر النبي ﷺ من كتابهم، فقد كفروا بكتابهم، كما أن من كتم آية من القرآن فقد كفر به (٥). وإذا قلنا: الكناية تعود إلى القرآن، كان المعنى: ولا تكونوا أول كافر بالقرآن من أهل الكتاب لأن قريشاً كفرت قبلهم بمكة (٦) وحكي عن أبي العالية أنه قال: الكناية تعود إلى محمد - صلى الله

стр. 989

عليه وسلم (١). وإنما قيل لهم: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ لأن الخطاب لعلماء اليهود، فإذا كفروا كفر معهم الأتباع (٢). فإن قيل: ما في (٣) (أن تكونوا أول كافر به) من العظم، على ثان كافر؟ قيل: إنهم إذا كانوا أئمة في الضلالة كانت ضلالتهم أعظم (٤). قال الزجاج: اللغة القُدمى فتح الكاف من (كافر) والإمالة في الكاف -أيضا- جيد (٥)، لأن (فاعلاً) إذا سلم من حروف الإطباق، والحروف المستعلية كانت الإمالة فيه سائغة إلا في لغة أهل الحجاز، والإمالة لغة تميم (٦)، وحروف الإطباق (الطاء والظاء والصاد الضاد) فلا تجوز الإمالة (٧) في ظالم وطالب وضابط وصابر، وحروف الاستعلاء (الخاء،

стр. 990

والغين، والقاف) (١) لأنها من أعلى الحنك واللهاة، فلا تجوز الإمالة في: غافل وخادم وقاهر (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾. أي: ببيان صفة محمد ﷺ ونعته عرضاً يسيراً من الدنيا، وذلك أن رؤساء (٣) اليهود كانت لهم مآكل يصيبونها من سفلتهم وعوامهم، فخافوا إن هم بينوا صفة محمد ﷺ ، وتابعوه أن تفوتهم تلك المآكل والرئاسة، فاختاروا الدنيا على الآخرة (٤). قال أبو علي: المعنى (٥) (ذا ثمن) فهو من باب حذف المضاف، لأنه إنما يشتري ما هو ذو ثمن لا الثمن (٦). ويجوز أن يكون معنى الاشتراء

стр. 991

الاستبدال، فيكون المعنى: ولا تستبدلوا بآياتي ثمنا قليلا فيستغنى عن تقدير المضاف (١). و (القليل) نقيض (٢) الكثير، قَلَّ الشيء يَقِلُّ قِلَّة (٣). ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ فاخشون في أمر محمد، لا ما يفوتكم من الرئاسة (٤). ٤٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ الآية. يقال: لَبَسْتُ الأمر أَلْبِسُه لَبْساً، إذا خلطته وشبهته (٥). وقال ابن دريد: لَبَسْتُ الأمر ولَبَّستُه، إذا عميتُه، ومنه ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩]، ويقال: في أمره لُبْسَة أي ليس بواضح (٦). قال ابن السكيت يقال (في أمره لَبْسٌ، أي: اختلاط) (٧). و (اللباس) ما واريت به جسدك. هذا هو الأصل في اللباس (٨)، ثم

стр. 992

يقال: لَبِسْتُ فلاناً، أي استمتعت به (١). قال: وَحُقَّة مِسْكٍ مِنْ نَسَاءٍ لَبِسْتُها ... شَبَابِي وَكَأسٍ بَاكَرَتْنِي شَمُولُهَا (٢) وفي فلان مَلْبَس، إذا كان فيه مستمتع (٣). قال امرؤ القيس: أَلَا إن بَعْدَ الفَقِرْ لِلْمَرْءِ قِنْوَةً ... وَبَعْدَ المشِيبِ طُولَ عُمْرٍ وَمَلْبَسَا (٤) و (الباطل) الذاهب الزائل، يقال: بطل الشيء يبطل بُطُولًا وبُطْلَانًا، و (البُطْل) - أيضًا مثل الباطل، وأبطل الشيء جعله باطلا، وأبطل فلان جاء بالكذب وادعى باطلا (٥). ومعنى الآية: لا تخلطوا الحق الذي أنزلت عليكم من صفة محمد ﷺ بالباطل الذي تكتبونه بأيديكم، من تغيير صفته وتبديل نعته (٦).

стр. 993

قال مقاتل: إن اليهود أقروا ببعض صفة محمد ﷺ وكتموا بعضا لِيُصَدَّقوا في ذلك، فقال الله : ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ﴾ الذي تُقرّون به وتبينونه ﴿بِالْبَاطِلِ﴾، يعني بما (١) تكتمونه، فالحق بيانهم والباطل كتمانهم (٢). وقوله تعالى: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾. قال الفراء (٣): إن شئت جعلت ﴿وَتَكْتُمُوا﴾ في موضع جزم بالعطف (٤)، وإن شئت جعلتها في موضع نصب (٥) على (الصرف)، ومثله (٦): ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا﴾ [البقرة: ١٨٨]، وقوله تعالى: ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا﴾ [الأنفال: ٢٧]، ومعنى (الصرف) أن تأتي (٧) بالواو معطوفاً (٨) على كلام في أوله حادث لا تستقيم (٩) إعادتها في

стр. 994

المعطوف (١)، كقوله: لَاتَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأتِيَ مِثْلَه (٢) ألا ترى أنه لا يجوز إعادة (لا) في و (تأتي)، ولذلك سمي صرفا إذ (٣) كان معطوفا (٤) ولم يستقم أن يعاد فيه الحادث الذي فيما (٥) قبله. ومثله من الأسماء التي نصبتها العرب وهي معطوفة على مرفوع، قولهم: لو تُرِكْتَ والأسدَ لأكلك (٦)، ولو خُلِّيتَ ورَأْيَك لضللت، لما لم يحسن في

стр. 995

الثاني أن تقول (١): لو تركت وترك (٢) رأيك، تهيبوا أن يعطفوا حرفا لا يستقيم فيه ما حدث في الذي قبله، على الذي قبله، فنصبوا (٣). ومذهب البصريين أن جميع ما انتصب في هذا الباب فبإضمار (أن) كأنه قيل: لا يكن منكم لبس للحق وأن تكتموه (٤). وقوله: ﴿وَأَنتُم تَعْلَمُونَ﴾. أكثر المفسرين على أن المعنى: وأنتم تعلمون أنه الحق، أنه نبي مرسل قد أنزل عليكم ذكره في كتابكم، فليس بمشتبه عليكم شيء من أمره ونسبه، وعلى هذا إنما كفروا لأنهم جحدوا نبوته فلم ينفعهم علمهم (٥). والأمة اجتمعت (٦) على أن جاحد النبوة كافر، فإذا علموا بقلوبهم، ولم يكن لنا سبيل إلى أن نعلم أنهم علموا (٧)، وظهر منهم جحود، أجمعنا على أنهم كفار.

стр. 996

وقال الزجاج في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تأتون لبسكم الحق وكتمانه على علم منكم وبصيرة أنكم تلبسون الحق (١). ٤٣ - قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. الزكاة (٢): تطهير للمال وإصلاح له، وتثمير ونماء، كل ذلك قد قيل (٣). والأظهر أن أصلها من الزيادة، يقال: زكا الزرع يزكو زكاء، ممدود وكل شيء يزداد فهو يزكو زكاء (٤). قال النابغة (٥): وَمَا أَخَّرْتَ مِنْ دُنْيَاكَ نَقْصٌ ... وَإِن قَدَّمْتَ عَادَ (٦) لَكَ الزَّكاءُ (٧) أراد بالزكاء الزيادة، وهو حرف ممدود، فإذا قصر فقيل: (زكا) فمعناه الزوج (٨). والعرب تقول للفرد: خسا، وللزوجين (٩) اثنين: زكا، قيل لهما:

стр. 997

زكا، لأن الاثنين أكثر (١) من الواحد (٢)، قال الشاعر: إِذا نَحْنُ في تِعْدَادِ خَصْلِكَ لَمْ نَقُلْ ... خَسَا وَزَكا أَعْيَيْن مِنَّا المُعَدِّدَا (٣) و (الزكاة): الصلاح (٤)، وأصله أيضا من زيادة الخير، يقال: رجل زَكِيٌّ أي زائد الخير (٥) من قوم أزكياء، وَزكَّى القاضي الشهود إذا بين زيادتهم في الخير، وسمي ما يخرجه من المال للمساكين بإيجاب الشرع زكاة، لأنها تزيد في المال الذي تخرج منه وتوفره وتقيه الآفات (٦). وقوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾. أصل الركوع في اللغة الانحناء، وكل شيء ينكب لوجهه وتمس ركبته الأرض أو لا تمسها بعد أن يخفض (٧) رأسه فهو راكع، ويقال للشيخ إذا انحنى (٨) من الكبر: قد ركع (٩). قال لبيد:

стр. 998

أَدِبُّ كَأَني كُلَّماَ قُمْتُ رَاكِعُ (١) فالراكع: المنحني في قول لبيد. وقال (٢) آخر: وَلَكِنِّي أَنُصُّ العِيَس تَدمَى ... أَظلتها (٣) وَترْكَعُ بِالْحُزُون (٤) أي تنكب لوجوهها. قال المفسرون: معناه (٥)، وصلوا مع المصلين محمد وأصحابه، فعبر بالركوع عن جميع الصلاة،، إذ كان ركناً من أركانها، كما عبر باليد عن الجسد (٦) في قوله ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج: ١٠].

стр. 999

وقيل: إنما عبر بالركوع عن الصلاة، لأنه أول ما يشاهد مما يدل على أن الإنسان في صلاة، وإنما قال: (واركعوا) بعد قوله: (وأقيموا الصلاة) وكان الركوع داخلا في الصلاة، لأنه أراد الحث على إقامة الصلاة جماعة (١). وقيل: لأنه لم يكن في دين اليهود ولا في صلاتهم ركوع، فذكر ما اختص بشريعة الإسلام، والآية خطاب لليهود (٢). ٤٤ - قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ الآية. نزلت في علماء اليهود، لأنهم كانوا يقولون لأقربائهم من المسلمين: اثبتوا على ما أنتم عليه، ولا يؤمنون (٣). و (الألف) للاستفهام (٤)، ومعناه: التوبيخ والتهديد (٥)، كأنه قيل لهم: أنتم على هذه الطريقة (٦).

стр. 1000

والمراد بالبر: الإيمان بمحمد ﷺ (١). و (النسيان) هاهنا بمعنى الترك (٢) من قوله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] ويأتي بسط الكلام في النسيان ووجوهه عند قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ٦٧] (٣) إن شاء الله. وقال أبو إسحاق: معنى الآية أنهم كانوا يأمرون أتباعهم بالتمسك بكتابهم، ويتركون هم التمسك به، لأن جحدهم النبي ﷺ هو تركهم التمسك (٤). فالبر على هذا القول: التمسك بالتوراة. وقال بعضهم: إن اليهود كانوا يأمرون الناس بالإيمان بمحمد ﷺ قبل ظهوره، فلما ظهر كفروا به (٥)، فذلك قوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾. أي: تقرؤون التوراة، وفيها صفة محمد ﷺ ونعته (٦). ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أنه حق فتتبعونه (٧).

стр. 1001

وأصل التلاوة من قولهم: تلاه يتلوه، إذا تبعه، والتلاوة اتباع الحروف (١). ويقال: عقَل الرجل يعقِل عقلاً، إذا كان عاقلًا (٢)، وعقل الإنسان هو تمييزه الذي به فارق جميع الحيوان، سمي عقلاً لأنه يعقله أي يمنعه عن التورط (٣) في الهلكة، كما يعقل العقال البعير عن ركوب رأسه. ومن هذا سميت الدية عقلاً لأنها إذا وصلت إلى ولي المقتول عقلته عن قتل (٤) الجاني، أي منعته (٥). وقال الأصمعي: عقَل الظبي يعقِل عُقُولًا، إذا امتنع، ومنه سمى الوَعِل عاقلاً، والحصن مَعْقِلًا. وعَقَلَ الدواءُ بطنَه إذا أمسكه بعد استطلاقه (٦). فأصل هذا الحرف من المنع، ثم لما كان الإنسان يعرف الشيء بعقله، سمي العلم عقلاً في (٧) بعض المواضع، فيقال عقلت كذا، أي علمته (٨).

стр. 1002

٤٤ - قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ الآية. قال أبو عبيد (١): أصل الصبر الحبس، وكل من حبس شيئا فقد صبره، ومنه الحديث في رجل أمسك رجلا وقتله آخر، فقال: (اقتلوا القاتل، واصبروا الصابر) (٢) أي: احبسوا الذي حبسه حتى يموت، ومنه قيل للرجل يُقدَّم فتضرب (٣) عنقه: قُتل صبراً، يعني أنه أُمسِكَ على الموت، وكذلك لو حبسَ رجل (٤) نفسه على شيء يريده قال: صبرتُ نفسي. قال عنترة: فَصَبَرْتُ عَارِفَةً لِذَلِكَ حُرَّةً ... تَرْسُو إذَا نَفْسُ الجَبَانِ تَطَلَّعُ (٥) ومن هذا (يمين الصبر) وهو أن يحبس على اليمين حتى حلف بها (٦).

стр. 1003

ومعنى الآية: استعينوا بالصبر على أداء الفرائض واجتناب المحارم واحتمال الأذى وجهاد العدو وعلى المصائب والصلاة (١)، لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر. وقال مجاهد: الصبر في هذه الآية الصوم، ويقال لشهر رمضان شهر الصبر، وللصائم صابر (٢). وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾. قال الحسن والضحاك: ثقيلة (٣). والأصل في ذلك أن ما يكبر (٤) يثقل على الإنسان حمله. فقيل لكل ما يصعب على النفس -وإن لم يكن من جهة الحمل-: يكبر عليها، كقوله: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣]. وقوله: (وإنها) ولم يقل: (وإنهما) بعد ذكر الصبر والصلاة، لأنه كنى عن الأغلب والأفضل والأهم (٥)، وهو الصلاة، كقوله: ﴿وَالَّذِينَ

стр. 1004

يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ [التوبة: ٣٤] (١)، وقال: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١]، هذا قول المُؤَرِّج (٢). وقال الأخفش (٣): الكناية راجعة إلى كل واحد منهما، أراد وإن كل خصلة منها لكبيرة، كقوله: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠]، أراد كل واحد منهما قال الشاعر (٤): والْمُسْيُ والصُّبْحُ (٥) لاَ فَلَاحَ مَعَهْ (٦) وقيل: رد الهاء إلى الصلاة، لأن الصبر داخل في الصلاة، كقوله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، لأن رضى الرسول داخل في رضى الله تعالى (٧). وقال حسان: إِنَ شَرْخَ الشَّبَابِ والشَّعْرِ الأَسْـ ... ـوَدِ ما لم يُعَاصَ كَانَ جُنُونَا (٨)

стр. 1005

ولم يقل: يعاصيا، لأن الشَّعر الأسود داخل في الشباب (١). وقال الحسين بن الفضل: رد الكناية إلى الاستعانة، لأن (استعينوا) يدل على المصدر (٢). والأصل في هذا وأمثاله أن العرب تذكر شيئين، ثم تخبر عن أيهما شاءت، فتكتفي بالخبر عن أحدهما عن الثاني، لأن فيه دلالة على الثاني (٣) كقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: ١١٢] وقول الشاعر: نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنْتَ بِمَا ... عِنْدَكَ رَاضٍ والرَّأيُ مُخْتَلِفُ (٤)

стр. 1006

٤٥ - وقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾. أصل الخشوع في اللغة: السكون (١)، قال الله تعالى ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ [طه: ١٠٨]، أي سكنت، ويقال: جدار خاشع، إذا تداعى واستوى مع الأرض (٢). قال النابغة: وَنُؤْيٌ كَجِذْمِ الحَوْضِ أَثْلَمُ خَاشِعُ (٣) ومنه الحديث (كانت الكعبة خُشعة على الماء) (٤) أي: ساكنة، وهذا

стр. 1007

أصله في اللغة. ثم استعمل في أشياء تعود (١) إلى هذا الأصل، فقيل: خشعت الأرض، إذا لم تمطر، فلم تهتز (٢) بالنبات، قال الله تعالى: ﴿تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ﴾ (٣) [فصلت: ٣٩]. وخشع السنام، إذا ذهب شحمه وتطأطأ شرفه. وخشعت الأبصار، إذا سكنت ونظرت في الأرض من غير التفات. وقيل: للمطيع (٤) المخبت: خاشع، لسكونه إلى الطاعة (٥). قال المفسرون وأصحاب المعاني: إن (٦) جميع العبادات داخلة تحت قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾ لأنه أراد الصبر عليها (٧)، ولكن خصت الصلاة بالذكر تخصيصا وتفضيلا (٨)، كقوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]، وقوله ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨].

стр. 1008

وعلى قول من يقول: الصبر هو الصوم (١)، فإنما خص الصوم والصلاة، لأن القوم إنما كان يمنعهم عن الإسلام الشره وخوف ذهاب مأكلتهم (٢) وحب الرئاسة وخوف زوالها، فأمروا بالصوم الذي يذهب الشره (٣)، وبالصلاة التي تورث الخشوع وتنفي الكبر والشرف (٤). وأريد بالصلاة الصلاة التي معها الإيمان بحمد ﷺ لأنها كانت تكبر (٥) على (٦) الكفار (٧). وعند أكثر أهل العلم أن الآية خطاب لأهل الكتاب (٨)، وهو مع ذلك أدب لجميع العباد (٩). وقال بعضهم: يرجع هذا القول إلى خطاب المسلمين فأمروا أن يستعينوا على ما يطلبونه من رضا الله وثوابه ونيل (١٠) جنته بالصبر على أداء فرائضه، والقول الأول أظهر (١١).

стр. 1009

٤٦ - وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ الآية. أبو عبيد (١) عن أبي عبيدة قال: (الظن) يقين وشك (٢)، وأنشد: ظَنِّي بِهِمْ كَعَسَى وَهُمْ بِتَنوُفَةٍ ... يَتَنَازَعُونَ جَوَانِبَ الأَمْيَالِ (٣) البيت لابن مقبل، وفسر الظن فيه بالوجهين، فقال: أبو عبيدة يقول: اليقين فيهم كعسى، وعسى شك (٤). وقال شمر عن أبي عمرو الشيباني: معناه ما يظن بهم من الخير فهو واجب، وعسى من الله واجب (٥). والعرب تقول لليقين: ظن، وللشك: ظن (٦)، لأن في الظن طرفا (٧)

стр. 1010

من اليقين (١). قال الله تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)﴾ [الحاقة: ٢٠]، وقال: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣]، وقال (٢): ﴿إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] كل هذا بمعنى اليقين (٣). وقال دريد بن (٤) الصمة: فَقُلْتُ لَهُمْ ظُنُّوا بَأَلْفَيْ مُدَجَّجٍ ... سَرَاتُهُمُ فِي الفَارِسِيِّ المُسَرَّدِ (٥) أي: أيقنوا. وحكى الزجاج عن بعض أهل اللغة: أن الظن يقع في معنى العلم [الذي لم تشاهده، وإن كان قد قام في نفسك حقيقة (٦).

стр. 1011

وقال أبو عباس: إذا كانت براهين العلم] (١) أكثر من اعتراضات الشك، كان الظن يقينًا وعلمًا. وإذا كانت اعتراضات الشك أكثر من اعتراضات اليقين كان الظن كذباً. وإذا كانت اعتراضات اليقين واعتراضات الشك سواء كان ذلك ظنا، أي: كان الظن شكا (٢). وقال الليث: الظن يكون (٣) اسما ومصدرا، تقول: ظننت ظنا، هذا مصدر، وتقول (٤): ظني به حسن، وما هذه الظنون، لما صيرته اسمًا جمعته، كقول النابغة (٥): أَتَيتُك عَارِيًا خَلَقًا ثِيَابِي ... عَلَى خَوْفٍ تُظَنُّ بِيَ الظُّنُونُ (٦) وحدُّ الظن: الشك الذي يرجح (٧) فيه أحد النقيضين على الآخر، الظن: اليقين، لأنه يقوي أحد النقيضين بعد الشك حتى يصير إلى اليقين (٨)، وقد أفصح عن ذلك أوس بن حجر في قوله:

стр. 1012

الأَلمَعِيُّ الذِي يَظُنُ لَكَ الظَّـ ... ـنَّ كَمَنْ قَدْ رَأى وَقَدْ سَمِعَا (١) وذكر أبو القاسم الزجاجي حقيقة (٢) الظن في اللغة، فقال: هو اعتقاد الشيء على طريقة التقدير والحدس، فإن أصاب فيما ظن صار يقينا، وإن لم يصب كان مخطئا في تقديره، ولهذا ذكر أهل اللغة هذه اللفظة في باب الأضداد، فقالوا: الظن: يقين وشك (٣)، لأنه وضع لمعنى بالاعتبار يؤول (٤) إلى أحدهما، كما يقال: الظن يخطئ ويصيب، فإن أصاب الظان فيما اعتقد وقدر، عبر عن ذلك باليقين؛ وإن (٥) لم يصب كان ظنه شكًّا (٦). وسئل أبو عمرو بن العلاء عن الظن، فقال: النظر في المطلوب بضرب من الأمارة، بمعنى أن الأمارة لما كانت مترددة بين يقين وشك، فتقرب (٧)

стр. 1013

تارة (١) من طرف الشك وتارة من طرف اليقين صار (٢) أهل اللغة يفسرونه بهما (٣). وقال الأخفش في قوله: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾: إنما استعمل الظن بمعنى العلم في هذا الموضع لأمرين: أحدهما: أنه تنبيه أن علم أكثر الناس بالله في الدنيا، بالإضافة إلى علمه به في الآخرة كالظن في جنب العلم. والثاني. أن العلم الحقيقي في الدنيا بأمور الآخرة لا يكاد يحصل إلا للنبيين والصديقين. (والملاقاة) و (اللقاء) يحتمل معاني العيان والاجتماع والمحاذاة، والمصير (٤). كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ [يونس: ٧]، أي المصير إلينا، وقال: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨]، أي مجتمع معكم وصائر إليكم. قال ابن عباس: يريد الذين يستيقنون أنهم مبعوثون، وأنهم محاسبون، وأنهم راجعون إلى الله سبحانه (٥). و (اللقاء) و (الملاقاة) حيث ذكر في القرآن يحمله المفسرون على

стр. 1014

البعث والمصير إلى الله كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ [يونس: ٧]، وقوله: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ [السجدة: ١٠]، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ [الفرقان: ٢١]. ولا يمكن حمل الملاقاة في هذه الآية على المعاينة والرؤية (١)، لأن أحداً لا يستيقن (٢) أنه يرى ربه ويعاينه، بل كل واحد منا يرجو ذلك من فضل الله أن يرزقه. وقد فسر الظن هاهنا بمعنى اليقين (٣) فيحمل اللقاء على ما فسره ابن عباس (٤)، ورحمة الله (٥). وقال أبو علي: معنى قوله: ﴿مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ ملاقو ثواب ربهم (٦)،

стр. 1015

خلاف من وصف (١) بقوله: ﴿لَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٦٤]، وقوله: ﴿إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩]، ومثله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، أي: ملاَقو جزائه إن ثوابا، وإن عقابا. وأراد (ملاقون ربهم) لأنه فيما يستقبل فتثبت (٢) النون (٣)، لأنك تقول: هو ضارب زيدا، إذا كان فيما يستقبل؛ وإذا كان قد مضى حذفت التنوين (٤) لا غير، ويجوز حذفه أيضا وإن كان لما يستقبل، كقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (٥) و ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾ [الدخان: ١٥] و ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ [العنكبوت: ٣٣] نصبت (٦) (وأهلك) على تقدير النون (٧).

стр. 1016

وإنما كان كذلك (١) لأن الفعل الماضي لم يشابه (٢) الاسم، ولذلك (٣) بني، فالاسم الذي (٤) بمعناه وجب أيضًا أن لا يزال عن أصله، وأصل الأسماء أن تعمل إلا جرّاً، فبقى اسم الفاعل إذا أريد به الماضي على أصله، وإذا أريد به الحال والاستقبال حمل على المضارع لما (٥) بينهما من الشبه، وجاز الجر به إذا أريد به الاستقبال وإن استقرت مشابهته للفعل، لأنه لم يخرج عن حكم الاسمية، لأجل (٦) كونه اسما جاز أن يجر ما بعده، ولأجل ما بينه وبين المضارع من الشبه جاز أن ينصب (٧). وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. أي يصدقون بالبعث ولا يكذبون. ومعنى (إليه): إلى أمره وإحيائه ومسألته (٨)، لأنهم لم يخرجوا عن قبضته قط، وملكته ومثله قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥] أراد إلى أمر ربك (٩)، والمعنى في الجملة إنهم يقرون بالنشأة الثانية،

стр. 1017

فجعل رجوعهم بعد الموت إلى المحشر رجوعا إليه (١). وقال بعض أهل العلم: معنى الرجوع هاهنا العود (٢) إلى الحال الأولى، فمعنى: ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ أنهم يرجعون إلى أن لا يكون لهم مالك سواه، يملك نفعهم وضرهم كما كانوا في بدء (٣) الخلق، لأنهم في أيام حياتهم قد يملك غيرهم الحكم عليهم (٤). ٤٧ - قوله تعالى: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. (التفضيل) نقيض التسوية، يقال: فضله إذا أعطاه الزيادة، وفضله إذا حكم له بالزيادة في الفضل. و (التفضل) لبس المفضل من الثوب، وهو ما يتخفف به الإنسان في بيته، ورجل فُضُل متفضل (٥)، ومنه: ...... إِلَّا لِبْسَةَ المُتَفَضِّلِ (٦)

стр. 1018

وذلك أن ذلك الثوب فضل على سائر الثياب التي تصان وتدخر. وهذا التفضيل (١) هو ما ذكر في قوله ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ الآية [المائدة:٢٠]. وأراد بـ (العالمين) عالمي زمانهم (٢)، والخطاب للموجودين منهم في ذلك الوقت والمراد به سلفهم، ولكن في تفضيل الآباء شرفا للأبناء، ولذلك قال لهم: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (٣). ٤٨ - قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي﴾ الآية. لا تجزي معناه: لا تقضي ولا يغني (٤)، ومنه قوله ﷺ لأبي بردة بن نِيَار (٥): (ولا تجزي عن أحد بعدك) (٦)، معناه:

стр. 1019

ولا تقضي (١)، ومنه أيضا ما روي (أن رجلا كان يداين للناس، وكان له كاتب ومتجاز، وكان يقول له: إذا رأيت الرجل معسرا فأنظره، فغفر الله له (٢)، فالمتجازي: المتقاضي (٣). ومنه الجزية، لأن معناها في كلام العرب: الخراج المجعول على الذمي، سمي جزية لأنها قضاء منه (٤). قال أهل (٥) العربية: وأصل هذا الحرف من الجزاء الذي هو

стр. 1020

المكافأة، ومقابلة الشيء بالشيء، فيجزي بمعنى: يكفى، لأنه يقابل فيه الشىء بمقداره (١). ومعنى (لا تجزي نفس عن نفس) أي لا يقابل مكروهها بشيء يدرؤه عنها (٢). وموضع (لا تجزي) نصب، لأنه صفة ليوم (٣). والعائد على اليوم محذوف من الآية، واختلف النحويون فيه، فقال الفراء (٤): التأويل: (لا تجزي فيه نفس عن نفس) ثم حذفت الصفة (٥)، ومثله قوله: ﴿وَأَنذِرْهُم يَوْمَ
следующие страницы →