المبحث السابع: منافعهم وحرفهم:
ما من شك في أن للجن منافع سيّما المسلمين منهم وذلك أن المسلم الصالح يعين غيره على الخير ويدعوه إليه ويأمره به، لأنه مكلف بذلك شرعا فوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مكتوب عليهم كالإنس تماما، ولذلك كان قرين رسول الله ﷺ لا يذكر إلا الخير، وقد انتفع بالمسلمين منهم النبي سليمان ﵇ سخّرهم الله ليستعملهم فيما شاء من أعماله، من غوص وبناء ونحت، وغير ذلك قال الله : ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ (٢)، فهم طوائف منهم ما هو مستعمل في
стр. 37
الأبنية الهائلة من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات إلى غير ذلك من الأعمال الشاقة التي لا يقدر عليها البشر, وطائفة غواصون في البحار يستخرجون ما فيها من اللاَلئ والجواهر والأشياء النفيسة التي لا توجد إلا فيها، قال تعالى: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ (١)، أما المردة منهم فقد سلط الله سليمان ﵇ عليهم فهم في أغلال مقرونة أيديهم إلى أعناقهم بالسلاسل، وهم كل من تمرد وعصى وامتنع من العمل وأبى, أو أساء في صنيعه واعتدى ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ (٢)، وقد جعل الله هذا عطاء لسليمان ﵇ وحده، فالبناة منهم يصنعون له محاريب وتماثيل، والغواصون يستخرجون له من كنوز البحار ما يشاء، والنحّاتون يصنعون له جفانا كبيرة كالحياض (٣)، وقدورا عظيمة لا تحرك ولا
стр. 38
تنقل من موقعها لكبرها، أما المردة فهم في الأغلال مشدودة أيديهم إلى أعناقهم، وبفضل الله ثم بهذا التسخير انتقل سليمان عرش بلقيس، بعد أن عرض عليه عفريت من الجن أن يأتيه به قبل أن يقوم من مقامه، وكان عرشها في اليمن وسليمان في الشام، فاستبقه الذي عنده علم من الكتاب، فأحضر لسليمان ما طلب ... ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ (١)، وقد يتعلم منهم الإنسي ما ينفعه كما حدث لأبي هريرة ﵁، في القصة المتقدم ذكرها، وروى عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لقي رجل من أصحاب محمد ﷺ رجلا من لجن، فصارعه فصرعه الإنسي، فقال له الإنسي: إني لأراك ضئيلا شخيتا، كأن ذريعتيك ذريعتا كلب، فكذلك أنتم يا
стр. 39
معشر الجن؟ ، أم أنت من بينهم كذاك؟ ، قال: لا والله إني منهم لضليع، ولكن عاودني الثانية، فإن صرعتني علمتك شيئا ينفعك، فعاوده فصرعه، قال: هات علمني، قال: نعم، قال: تقرأ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (١)، قال: نعم، قال: فإنك لا تقرؤها في بيت إلا خرج منه الشيطان له خبج (٢)، كخبج الحمار، لا يدخله حتى يصبح (٣)، فقد علم الإنسيّ ما ينفعه، ومع هذا فإنه لا يركن إليهم فقد كفانا وإياهم كتاب ربنا وسنة نبينا، ولا مانع من قبول ما يكون صريحا في الخير، وما لا لبس فيه ولا شبة، ولذلك قبل أبو هريرة هذا، وقد يكون هو الرجل المبهم في هذه الرواية، وقد يكون رجلا آخر.
المبحث الثامن: مضارهم:
مضارهم كثيرة سيما الكفار منهم وعصاة مسلميهم، إذا لم يكن الإنسان مؤمنا متوكلا، فهم يصدون بني الإنسان عن سبيل الله ، وكل ما يقرّب إليه، من فرائض ونوافل، وصدقات وصلة، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، والتزام بالقيم الإسلامية، وكل عمل خير يقرب
стр. 40
إلى الله تعالى، وهذا متعلق بغير الصالحين منهم، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢)، والشياطين تستهوي بني آدم إلى ما حرم الله من الشهوات والمعاصي، وسائر الشرور، وقد يأتون الإنسان من قبل ما يحب ويشتهي، فيزيّن للعابد الغلو في عبادته، وللعالم التباهي بعلمه، وربما دفعه إلى الكبر والغرور كقول أحدهم وقد دعي لدعوة الناس وتوجيههم: أنا لا أحاضر
стр. 41
في أقل من خمسمائة نفر، وانسحب شخص من مسجد حضره ما يزيد على المئتين قائلا: لابد أن يكون الحضور ثلاثة آلاف وإلا فلا، وهذا كبر وغرور ألقاه الشيطان، لتحصل به مخالفة قول رسول الله ﷺ : (فو الله لأن يهدى بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم) (١)، وقد يغري بالوقوع فيما حرم الله من أجل ما يحصل له من مال وجاه ومنصب، أو ما يتطلع إليه من ذلك، فيفتي بالمرجوح على الراجح، ويأخذ بالشاذ من الأقوال فيلقي عليه من الفلسفة والتبرير ما يفرض به رأيه ظلما لعباد الله، وعدوانا على الله ورسوله، وقد تكون وسامة الرجل أو المرأة سببا يستغله الشيطان لإغوائه وممارسة الفساد في الأرض، ومن ذلك ما يقع فيه الممثلون والممثلات، وعارضات الأزياء، والراقصون والراقصات، من هتك القيم وجرح الأخلاق، وكأن يقوم الرجل بدور المرأة فيُخطب ويُطلق، ويُهجر ويُعلق، كأنه امرأة، ضاربا بدينه عرض الحائط، ناسيا أن الشيطان جره إلى اللعنة، والعكس كذلك تتشبه المرأة بالرجل، قال ابن عباس ﵄: "لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال" (٢)، فمداخل الشيطان على الإنسان سيما المسلم كثيرة يصعب حصرها، قد يبدأ بالإيقاع في اللّمم: المعصية الصغيرة، وينتهي بالكفر، قال الله :
стр. 42
﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١)، وذلك كله من أجل الوفاء بالعهد الذي قطعه إبليس على نفسه إذ قال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٢)، فالعداوة من الذين كفروا منهم لبني آدم بلغت الذروة في نصب الشر، والمكر والحيل، ولا يمنع أن يقع من فسّاقهم أذية لبني آدم، قال رسول الله ﷺ : (إن عفريتا من الجن تفلت عليّ البارحة ــ أو كلمة نحوها ــ ليقطع عليّ الصلاة، فأمكنني الله منه، فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد، حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول أخي سليمان: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي
стр. 43
مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (١)، قال روح: فرده خاسئا) (٢)، وقال أبو الدرداء ﵁: "قام رسول الله ﷺ ، فسمعناه يقول: أعوذ بالله منك، ثم قال: ألعنك بلعنة الله ــ ثلاثا ــ وبسط يده كأنه يتناول شيئا، فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله، قد سمعناك تقول في الصلاة شيئا لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك، قال: إن عدو الله، إبليس، جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي، فقلت: أعوذ بالله منك ــ ثلاث مرات ــ ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة، فلم يستأخر ــ ثلاث مرات ــ ثم أردت أخذه، والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدينة" (٣)، فطمعه في الغواية لم يقف عند من دون رسول الله ﷺ ، بل طمع به ﷺ ، لكنه معصوم ﷺ ، وتقع منهم المصاحبة لبني آدم على خير إن كان من مؤمني الجن الصالحين، أو شر إن كان من فسّاقهم، قال عبد الله بن عمر ﵄: "ما سمعت عمر لشيء قط يقول: إني لأظنه كذا، إلا كان كما يظن، بينما عمر جالس، إذ مر به رجل جميل، فقال: لقد أخطأ ظني، أو إن هذا على دينه في الجاهلية، أو: لقد كان كاهنهم، عليّ بالرجل، فدعي له، فقال له ذلك، فقال: ما رأيت كاليوم استقبل به رجل
стр. 44
مسلم قال: فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني، قال: كنت كاهنهم في الجاهلية، قال: فما أعجب ما جاءتك به جنيتك؟ (١)، قال: بينما أنا يوما في السوق، جاءتني أعرف فيها الفزع، فقالت: ألم تر الجن وإبلاسها (٢)، ويأسها (٣)، من بعد إنكاسها (٤)، ولحوقها بالقلاص وأحلاسها (٥)، قال عمر: صدق، بينما أنا عند آلهتهم إذ جاء رجل بعجل فذبحه، فصرخ به صارخ، لم أسمع صارخا قط أشد صوتا منه يقول: يا جليح (٦)، أمر نجيح، رجل فصيح، يقول: لا إله
стр. 45
إلا أنت (١) فوثب القوم، قلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا، ثم نادى: يا جليح، أمر نجيح، رجل فصيح، يقول: لا إله إلا الله (٢)، فقمت فما نشبنا أن قيل: هذا نبي" (٣)، فهذا يدل على أن القصة تعددت وأنها حدثت لسواد بن قارب، وكانت السبب في إسلامه، وأن مما سمع، هذه الأبيات:
عجبت للجن وأرجاسه ... ورحلها العيس بأحلاسها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى ... ما مؤمنوها مثل أرجاسها
فاسم إلى الصفوة من هاشم ... واسم بعينيك لى رأسها (٤).
وفي بعض الروايات المرسلة قال:
فارتعدت فرائصي حتى وقعت، وفي الروايات جميعها: أنه لما أصبح توجه إلى مكة، فوجد النبي ﷺ قد هاجر، فأتاه فأنشده أبياتا يقول فيها:
стр. 46
أتاني رئي بعد ليل وهجعة ... ولم يك فيما قد بلوت بكاذب
ثلاث ليال قوله كل ليلة ... أتاك نبي من لؤي بن غالب (١).
وتكملتها:
فرفعت أذيال الإزار وشمرت الـ ... فرس الوجناء حول السبائب
فأشهد أن الله لا رب غيره ... وأنك مأمون على كل غائب
وأنك أدنى المرسلين وسيلة ... إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب
فمرنا بما يأتيك من وحي ربنا ... وإن كان فيما جئت شيب الذوائب
وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة ... بمغن فتيلا عن سواد بن قارب (٢).
وسمعها أيضا عمر ﵁، يؤيد هذا تصديق عمر لسواد ﵄ حين سمع منه ما سمع، والذي يظهر أن القصة معلومة لعمر بطريقين:
إحداهما: ما حدث له شخصيا.
والثانية: ما حكي عن سواد، ولعل سؤال عمر لسواد وإلزامه ذلك ليتم الربط بين الواقعتين، وهو ما تعجب
стр. 47
منه عمر ﵁، وقد ورد ذكر الرجل المبهم فيما حكى عمر ﵁، عند أحمد وأنه ابن عبس قال: كنت أسوق لآل لنا بقرة قال فسمعت من جوفها يا آل ذريح قول فصيح رجل يصيح أن لا إله إلا الله قال فقدمنا مكة فوجدناه ﷺ قد خرج (١)، وكانت هذ ٥ القصة مما أسهم في قناعة عمر بالإسلام وذلك حين جعل أبو جهل مئة ناقة لمن يقتل محمدا، قال عمر: فقلت له: يا أبا الحكم الضمان صحيح؟ ، قال: نعم، قال: فتقلدت سيفي أريده، فمررت على عجل وهم يريدون أن يذبحوه، فقمت أنظر إليهم، فإذا صائح يصيح من جوف العجل، يا آل ذريح، أمر نجيح، رجل يصيح، قال عمر: قلت في نفسي: إن هذا الأمر ما يراد به إلا أنا، قال: فدخلت على أختي فإذا عندها سعيد بن زيد، وذكر القصة في سبب إسلامه بطولها (٢)، والذي سمعه كل من سواد وعمر ﵄ هو من أثر منع الجن من استراق السمع، إرهاصا بمبعث نبينا محمد ﷺ ، يؤيده قول ابن عباس ﵄: "انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه، عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين، فقالوا: ما لكم؟ ، فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، قال: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا ما حدث، فاضربوا مشارق
стр. 48
الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الأمر الذي حدث، فانطلقوا، فضربوا مشارق الأرض ومغاربها، ينظرون ما هذا الأمر الذي حال بينهم وبين خبر السماء، قال: فانطلق الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله ﷺ بنخلة، وهو عامد إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن تسمّعوا له، فقالوا: هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم، فقالوا: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ (١)، وأنزل الله على نبيه ﷺ : ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ وإنما أوحى إليه قول الجن (٢)، فالكهانة محرمة في الإسلام، ولذلك غضب سواد من عمر ﵄، لأنها عمل جاهلي، ومن تلبيس الجن على بني الإنسان لصرفهم عن الحق، سئل رسول الله ﷺ عن الكهَّان، فقال: (ليس بشيء، فقالوا: يا رسول الله، إنهم يحدثوننا أحياناً بشيء فيكون حقاً، فقال رسول الله ﷺ : تلك الكلمة من الحق، يخطفها الجني، فيقرُّها في
стр. 49
أذن وليِّه، فيخلطون معها مئة كذبة" (١)، أما الكفار منهم كإبليس وأعوانه فلا يرضون من تابعهم بأقل من الكفر، لأنه تحدى أن يضلهم أجمعين، فقال الله له: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (٢)، جنّد إبليس جنوده لتحقيق وعده، وأبرم المكر والاحتيال ليصطاد بني آدم، ومن أهم ذلك: أصل الإيمان بالله تعالى، فيسعى الشيطان لاقتلاع عبادة الله من كل إنسان وإبعاده عن أسباب فلاحه، بتجريده من الإيمان بالله ، وذلك بالوسوسة والتشكيك والتلبيس، قال رسول الله ﷺ : (يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا، من خلق كذا، حتى يقول: من خلق ربك؟ ، فإذا بلغه فليستعذ بالله، ولينته) (٣)،
وكذلك الإلهاء عن الصلاة شيئا فشيئا حتى يتركها الإنسان بالكلية فيكون من
стр. 50
الكافرين، قال رسول الله ﷺ : (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب كل عقدة مكانها: عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقده كلها، فأصبح نشيطا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان) (١)، وربما أستخدم وسيلة أخرى زيادة في الشر والإهانة كأن يبول في أذني النائم، قال رسول الله ﷺ لما ذكر عنده شخص نام حتى أصبح: (ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه، أو قال: في أذنه) (٢)، ومن شدة مكره محاولة استراق السمع من الملأ الأعلى، ليأخذ الكلمة مما قضى الله ، يلقيها على وليّه من الإنس ليحدث الناس بها، ويزوّرون عليها مئة كذبة، وذلك ليتم التلبيس على بني آدم فيما كذبوا استنادا إلى ما وقع من الكلمة الحق، قالت عائشة ﵂: "قلت: يا رسول الله، إن الكهان كانوا يحدثوننا بالشيء فنجده حقا، قال: تلك الكلمة الحق، يخطفها الجني فيقذفها في أذن وليّه، ويزيد فيها مئة كذبة" (٣)، وفي رواية عنها قالت: "سأل أناس رسول الله ﷺ عن الكهان؟ ، فقال لهم رسول الله ﷺ : ليسوا بشيء، قالوا: يا رسول الله، فإنهم يحدثون أحيانا الشيء يكون حقا، قال رسول الله
стр. 51
- ﷺ : تلك الكلمة من الجن يخطفها الجني، فيقرّها في أذن وليّه قرّ الدجاجة، فيخلطون فيها أكثر من مئة كذبة" (١)، وهم يدورون مع كل شر، ومع كل شرير من بني آدم، وقد حاولوا إيذاء رسول الله ﷺ بالسحر، حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله، حتى كان ذات يوم دعا ودعا، ثم قال: (أُشْعرت أن الله أفتاني فيما فيه شفائي، أتاني رجلان: فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال أحدهما للآخر: ما وجع الرجل؟ ، قال: مطبوب، قال: ومن طبّه؟ قال: لبيد ابن الأعصم، قال: فيما ذا؟ ، قال: في مشط ومشاقة وجفّ طلعة ذكر، قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذروان) فخرج إليها النبي ﷺ ثم رجع، فقال لعائشة حين رجع: (نخلها كأنه رؤوس الشياطين، فقلت: استخرجته؟ ، فقال: لا، أما أنا فقد شفاني الله، وخشيت أن يثير ذلك على الناس شرا) (٢)، ثم دفنت البئر، فإذا كان أكرم الخلق لم يسلم من محاولة أذى الشياطين من الإنس والجن، وقد حماه الله من كيد الشيطان وأرسل إليه ملائكته، فشفاه سبحانه، فأنّى لبني آدم السلامة بغير العمل بما جاء في الكتاب والسنة، والاحتياط بالذكر والدعاء والأعمال الصالحة، وحتى لا يشارك عدو الله عباده الصالحين فيما أحل الله لهم من عشرة الأزواج، ولتحصل السلامة من أذاه وشره قال رسول الله ﷺ : (أما إن أحدكم إذا أتى أهله، وقال: بسم
стр. 52
الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فرزقا ولدا لم يضره الشيطان) (١)، ثم إن محاولة الشيطان لاقتناص الإنسان المسلم من خلال طاعته لله بشتى الطرق أمر واسع على الحصر، لكن نبينا ﷺ أعطانا أسبابا إذا حرصنا عليها نجونا بفضل الله من كيد عدو يسعى لنكون من أصحاب الجحيم، قال رسول الله ﷺ : (إذا طلع حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تبرز، وإذا غاب حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تغيب، ولا تحينوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها، فإنها تطلع بين قرني شيطان، أو الشيطان) (٢)، وقد يكون في صورة إنسان يتعمد قطع صلاة المسلم، فيصدّه فلا يستجيب، بل يصر ويقاوم، قال رسول الله ﷺ : (إذا مر بين يدي أحدكم شيء، وهو يصلي، فليمنعه، فإن أبى فليمنعه، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان) (٣)، وقد عبّر رسول الله عن خطر هذا العدو الألد وقدرته على محاصرة الإنسان بقوله ﷺ : (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما سوءا، أو قال: شيئا) (٤)، وكم يسعى هو وجنوده من الإنس والجن لفتنة المؤمنين والمؤمنات، وإيقاع الفتنة والشر بينهم،
стр. 53
قال سليمان بن صرد ﵁: كنت جالسا مع النبي ﷺ ورجلان يستبان، فأحدهما أحمرّ وجهه، وانتفخت أوداجه، فقال النبي ﷺ : (إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان، ذهب عنه ما يجد) (١) وهذا باب واسع يكفي منه ما ذكرنا.
المبحث التاسع: التعامل معهم:
المؤمنون الصالحون منهم لا يعرضون للمسلم إلا بخير، ومن وقع له شيء من هذا وجب عليه التحرّي والتفكير فيما ورد عليه فإن كان عملا صالحا لا مرية فيه قبل ذلك وعمل به، مثال ذلك ما حكى لي أحد الزملاء الأفاضل أن قريبا له حصل له صحبة من جن مسلمين فكان إذا تأخر عن الاستعداد للصلاة ذكّروه وألحّوا عليه إذا تباطأ، وكان قريبه هذا في مكة وهو في المدينة فعاد زميلنا هذا من عمله ودخل مكتبته ليضع فيها أوراقه، ثم خرج منها إلى مجتمع أسرته في المنزل فإذا بقريبه المكي يتصل به عبر الهاتف ويقول: عندك ضيوف لم تسلم عليهم، فدهش الرجل وقال: أينهم هم؟ ! ، فقال هم في المكتبة، فقال: كيف والمكتبة مغلقة لا يدخلها أحد غيري، وأنا الآن وضعت فيها أوراقا ولم أجد أحدا؟ ! ، فقال هم من أصحابي الجن وجاءني أحدهم وقال كنا في مكتبة قريبك فلان بالمدينة نطالع بعض الكتب فدخل علينا ووضع أوراقا ولم يسلم، فقال: هذا صحيح ولكن
стр. 54
كيف أسلم ولم أر أحدا؟ ! ، قال قريبه: قلت هذا فقال: يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فمثل هذا جائز قبوله منهم، ولا يجوز أن يقبل منهم اجتهاد، خشية أن يقع منهم لبس.
أما الفسقة منهم والمردة فيقع منهم الشر والأذى، الذكور والإناث على حد سواء، إما لاستحسان بعض الصور الإنسية، فيتعرض الذكر منهم للأنثى من الإنس، والعكس كذلك، وإما لإيقاع الأذى، أو للإيقاع به في منكر، واصطحاب التسمية والذكر حرز من الطرفين: حرز للمسلم الآدمي، فإنه إذا كان مداوما على قول ذلك بالصفة الواردة في السنة لم يعرض له شر منهم، قال رسول الله ﷺ : (من قال بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شئ في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، ثلاث مراتٍ لم تصبه فجأة بلاءٍ حتى يصبح، ومن قالها حين يصبح ثلاث مراتٍ لم تصبه فجأة بلاء حتى يمسي) (١)، وفي رواية الترمذي (ما مِن عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأَرض ولا في السماءِ وهو السميع العليم ثلاث مراتٍ فيضرُّهُ شيءٌ حَدِيث) (٢)، ومن ذلك
стр. 55
أيضا تلاوة آية الكرسي ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (١)، كما ورد في قصة أبي هريرة ﵁ مع أسيره منهم، وكذلك قول رسول الله ﷺ : (من نزل منزلا ثم قَال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك) (٢)، فإذا ما عرض للمسلم شيء منهم إما لغفلة عن ذكر الله، أو لإيغال منهم في الأذى فإن عليه إنذارهم بالذكر والتكبير والخطاب، كما قال رسول الله ﷺ : (إن بالمدينة نفرا من الجن قد أسلموا، فمن رأى شيئا من هذه العوامر فليؤذنه ثلاثا، فإن بدا له بعد فليقتله، فإنه شيطان) (٣)، فالمسلم إذا ما اتبع هذا الأسلوب الشرعي فإنه يحفظ من شرهم بإذن الله تعالى، والذكر والتسمية من الإنسي حرز أيضا للجن من أذاه، فإنه إذا ذكر الله بتسمية أو تكبير أو شيء من القرآن تنحوا عنه، وسلموا من أذاه، كما يسلم هو من أذاهم.
стр. 56
المبحث العاشر: تسلطهم على بني آدم ؟ :
نعم إن لله تعالى جعلهم من البلاء لبني آدم فهم يعرضون للمؤمن منهم والكافر، لكنه تعالى جعل لعباده منهم حرزا إذا ما آمنوا به وتوكلوا عليه قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (١)، لكن الفسّاق منهم على اختلاف ذنوبهم ومعاصيهم يسلّط عليهم، وقد يصل بهم إلى الخروج عن الملّة فيتحقق له الوعد الذي قطعه على نفسه حين قال: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ (٢)، وطلب الإمهال من الرب ﷻ لتحقيق ما يصبو إليه فقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ (٣)، لكنه تعالى أوضح مصيره ومن اتبعه فقال: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ
стр. 57
مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (١)، وهنا يكون التسليط بطرق مختلفة منها:
١ ـ التشكيك سيما في العبادة وقد جعل الله من ذلك مخرجا قال رسول الله ﷺ : (إذا شك أحدكم في صلاته، فليتحرّ الصواب فليتم عليه، ثم ليسلّم، ثم يسجد سجدتين) (٢)، وقد حدث هذا لأحد الصحابة وهو عثمان بن أبي العاص ﵁ أتى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي، يلبّسها عليّ، فقال رسول الله ﷺ : ذاك شيطان يقال له: خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه، واتفل على يسارك ثلاثا، فقال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني) (٣).
٢ ـ التلبس سيما من لا يذكر الله ، أو في حالات لا يكون الإنسان فيها على طهر، أو في حالة وقوع تصرّف من الإنسي بدون ذكر، النزول في مواقعهم التي يسكنونها من غير حيطة، فيحدث لهم ضرر، فيقع منهم الانتقام بالتلبس، وهذه الأمور وما شابهها أمر محسوس
стр. 58
ومتواتر خبره عند الناس، وحوادثه معلومة مشهورة، فهم يدافعون عن حقوقهم ويقع منهم الأذى ابتداء كبني الإنسان، ومن ينكر هذا فهو إما من الجاهلين، أو المتأولين الذين لا يسندهم الصواب فيما تأولوا، فإن رسول الله ﷺ ، لم ينكر ذلك، قال عطاء بن أبي رباح ﵀: "قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي ﷺ فقالت: إني أصرع، وإني أتكشَّف، فادع الله لي، قال: (إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك) فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكشَّف، فادع الله أن لا أتكشَّف، فدعا لها" (١)، وللصّرع أسباب منها ما سببه عضوي، ومنها ما يكون من النفوس الخبيثة من الجن، وهذا ما هو المرجح في قصة هذه المرأة، لما ورد في رواية البزار من وجه آخر: أنها قالت: "إني أخاف الخبيث أن يجردني، فدعا لها فكانت إذا خشيت أن يأتيها تأتي أستار الكعبة فتتعلق بها" (٢)، وجاء من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: "جاءت امرأة بها لمم إلى رسول الله ﷺ قالت: أدع الله ... " (٣)، وقال طاووس ﵀: "كان النبي ﷺ يؤتى بالمجانين فيضرب صدر أحدهم فيبرأ، فأتي بمجنونة يقال لها: أم
стр. 59
زفر، فضرب صدرها فلم تبرأ" (١)، قال ابن حجر ﵀: وقد يؤخذ من الطرق التي أوردتها أن الذي كان بأم زفر كان من صرع الجن، لا من صرع الخلط (٢)، ولعل عدم خروج ذلك من أم زفر لكون الجني الذي يصرعها من المردة، واعتبر رسول الله ﷺ عدم البرء بلاء، فخيّرها ﷺ بين الصبر والدعاء، ولا شك أنها لو اختارت الدعاء لحصل لها البرء، فدعاؤه ﷺ مستجاب، قال ابن حجر ﵀: وفيه أن علاج الأمراض كلها بالدعاء، والالتجاء إلى الله أنجع وأنفع من العلاج بالعقاقير، ولكن إنما ينجع بأمرين:
أحدهما: من جهة العليل، وهو صدق القصد.
والآخر: من جهة المداوي، وهو قوة توجهه، وقوة قلبه بالتقوى والتوكل (٣)، ويؤيد هذا التوجه قوله ﷺ : (إنَّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم) (٤)، فقد أقدره الله على ذلك، وقد نبّه ﷺ بالأعلى على الأدنى، فإذا كان قادرا على سلوك مجرى الدم، فإن قدرته على الوسوسة، وقذف الشر في النفوس أمر ميسور ولهذا حمل بعض العلماء الحديث على ظاهره وهو الحق إن شاء الله، ويؤيّده ما روي من أن امرأة أتت رسول الله ﷺ فقالت:
стр. 60
"إن ابني هذا به لمم منذ سبع سنين، يأخذه كل يوم مرتين، فقال رسول الله ﷺ : ادنيه، فأدنته منه، فتفل في فيه وقال: اخرج عدو الله، أنا رسول الله، ثم قال لها رسول الله ﷺ : إذا رجعنا فاعلمينا ما صنع؟ ، ... " الحديث (١)، وكذلك رواية ابن عباس ﵁، "أن امرأة جاء ت بابن لها إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن ابني به جنون، وإنه يأخذه عند غدائنا وعشائنا، فيخبث علينا، فمسح رسول الله ﷺ صدره ودعا، فثعّ" (٢)، ثعّة وخرج من جوفه مثل الجرو الأسود فسعى (٣)، وقد تكون هذه قصة أخرى، وقد تكون واحدة، وقد أخبر النبي ﷺ أن الشيطان يمكنه الدخول إلى جزف
стр. 61
الإنسان، قال ﷺ : (إذا تثاوب أحدكم في الصلاة، فليكظم ما استطاع، فإن الشيطان يدخل) (١)، وكذلك في غير الصلاة، وإنما نبه على ذلك في الصلاة، لأهميتها، والشيطان حريص على أذى الإنسان داخل الصلاة، وخارجها، وقد كان رسول الله في سفر فعرضت له امرأة معها صبي لها فقالت: يا رسول الله إن ابني هذا يأخذه الشيطان كل يوم ثلاث مرار، قال: فتناول الصبي فجعله بينه وبين مقدم الرحل، ثم قال: اخسأ عدو الله، أنا رسول الله، اخسأ عدو الله، أنا رسول الله ثلاثا، ثم دفعه إليها، قال الراوي: فلما قضينا سفرنا مررنا بذلك المكان، فعرضت لنا المرأة معها صبيها، ومعها كبشان تسوقهما، فقالت: يا رسول الله اقبل مني هديتي، فو الذي بعثك بالحق ما عاد إليه بعد، فقال: خذوا منها واحدا، وردوا عليها الآخر (٢).
الناس حيال هذا الأمر فرقاء ثلاثة:
١ ــ مفْرط في اعتقاد أن كلّ شر منهم، وهو مخطيء.
٢ ــ مفَرط في اعتقاد أنهم لا يضرون، ويرجع الحوادث إلى خرافات وأوهام نفسية، وهو مخطئ.
٣ ــ وسط بينهما إثبات حالات التسلط، بالأذى والوسوسة والتلبّس، مع الإيمان بأن ما ورد في الكتاب والسنة من الأمر باستصحاب الذكر من
стр. 62
تسمية ودعاء وتلاوة حصن للمسلم فلا يصلون إليه، وهذا هو المصيب.
المبحث الحادي عشر
أسباب مشاركتهم لبني آدم
العجب من تصرف بني آدم بسببه يشاركهم الجن والشياطين طعامهم وشرابهم، ولذلك أسبابه دون شك، فعدم الأخذ بما جاء في الكتاب والسنة من أحكام، يفسح المجال لحصول الجن والشياطين على ما يريدون من بني الإنسان، لأن ترك العمل بالكتاب والسنة، وترك التسمية أو الذكر نسيانا أو جهلا أو عمدا يفتح الباب على مصراعيه أمام هذه النفوس لمشاركة الإنسان في كل شأن من شؤون حياته، حتى في معاشرة الزوجات، يقول رسول الله ﷺ : (إذا دخل الرجل بيته، فذكر الله عند دخوله وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء. وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله، قال الشيطان: أدركتم المبيت. وإذا لم يذكر الله عند طعامه، قال: أدركتم المبيت والعشاء) (١) وإذا أكل الإنسان أو شرب بشماله ناسيا أو جاهلا أو عامدا فقد جعل للشيطان سبيلا إلى مشاركته، قال رسول الله ﷺ : (إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه. وإذا شرب فليشرب بيمينه. فإن الشيطان
стр. 63
يأكل بشماله ويشرب بشماله) (١)، وقد يستغل الشيطان وقت معاشرة الأزواج إذا لم يتحصن المسلم بما ورد عن النبي ﷺ ، فقد قال ﷺ : (أما إن أحدكم إذا أتى أهله، وقال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فرزقا ولدا لم يضره الشيطان) (٢)، ومن ينكر حدوث هذا فقد كذب الله ورسوله فالله تعالى يقول: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (٣)، وكذلك النساء تعرض لهن حالات يكنَّ فيها مُهيئات لاجتيال الشياطين، فعليهن الحرص والحذر والتحصن بالتسمية والأدعية، وبعدم الذكر والتسمية يتمكن الشيطان من المشاركة، ومن المشاركة في الأموال:
أن يغريهم بالاكتساب مما حرم الله تعالى، كالربا والرشوة والقمار، وأكل أموال الناس بالباطل، وغير ذلك من المكاسب المحرمة، فيكون من أسباب المشارك:
١ ــ البعد عن طاعة الله ورسوله.
٢ ــ التهاون في العمل بما ورد في الشرع من توجيهات ينتفع بها المسلم في الدنيا والآخرة.
стр. 64
٣ ــ النسيان فلا يسم ولا يذكر الله فيفتح الباب لمشاركة الشيطان، قال رسول الله ﷺ : (إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى، فإِن نسي أن يذكر اسم الله تعالى في أوله فليقل: بسم الله أوله وآخره) (١).
٤ ــ الجهل وعدم تعلم ما ورد في الكتاب والسنة، ولا دواء له إلا السؤال والتعلم، فالمسلم يجب عليه أن يتعلم من أمور الدين ما يلزمه تعلمه بالضرورة ولا يعذر.
٥ ــ تعمد ترك ما ورد وعدم الاقتناع به، وهذه مصيبة المصائب، فقد تؤدي بصاحبها إلى الكفر، لأن المسلم مأمور بالإيمان بما جاء به رسول الله والعمل به، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ
стр. 65
وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢)، وقال ﷺ : (فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم. وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا) (٣)، هذه نبذة مختصرة لم أقصد منها الاستيعاب والتفصيل، بل رمت التذكير بأخذ الحيطة والحذر، من أعداء الله ورسوله شياطين الإنس والجن، وأن يكون كتاب الله وسنة رسوله معتمد كل مسلم ومسلمة، ففيهما الهدى والنور، والسلامة من الغلو والغرور، اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأجعل لنا من لدنك سلطانا نصيرا، وصل اللهم على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.