المُفْهِم لما أَشْكَلَ من تلخيص كتاب مسلم
تأليف
الإمام الحافظ أبي العبَّاس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي
(٥٧٨ - ٦٥٦ هجرية)
الجزء الأول
حققة وعلق عليه وقدم له:
محيي الدين ديب مستو - يوسف علي بديوي
أحمد محمّد السيّد - محمود إبراهيم بزّال
دار ابن كثير
دمشق - بيروت
دار الكلمة الطيب
دمشق - بيروت
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حقوق الطبع والتصوير محفوظة للناشرين
الطبعة الأولى
١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م
دار ابن كثير للطباعة والنشر والتوزيع
دمشق - حلبوني - جادة ابن سينا - بناء الجابي
ص. ب: ٣١١ - تلفون: ٢٢٢٥٨٧٧ - ٢٢٤٣٥٠٢
بيروت - برج أبي حيْدر - خلف دبوس الأصلي
ص. ب: ٦٣١٨/ ١١٣ تلفون: ٨١٧٨٥٧ - ٢٠٤٤٥٩ - ٠٣
دار الكلم الطيب للطباعة والنشر والتوزيع
دمشق - حلبوني - شارع مسلّم البارودي
هاتف: ٢١٢٩٨٨٦ ص. ب ٣٠٥٥٢ - بيروت ص. ب: ٦٣١٨/ ١١٣
стр. 5
كلمة الناشر
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وأفضلُ الصَّلاةِ وأَتَمُّ التسليم على سيدنا محمد وعلى آلهِ وأصحابِه، ومَنِ اهتدى بهديه وعملَ بسنته إلى يوم الدِّين.
وبعد:
فإن كتابَ "الجامع الصحيح" للإمام مسلم بن الحجَّاج القُشَيْرِيَ النيسابوري المتوفى سنة (٢٦١ هـ) رحمه الله تعالى، هو الثاني من الكتب الستة، التي تُعَدُّ من أهمِّ دواوين السُّنَّة المطهَّرة، وأحدُ الصحيحين اللَّذين هما أصحُّ الكتب بعد القرآن الكريم، والجمهور على تقديم صحيح البخاريِّ في الفضل والصِّحة، وبعضُ العلماء المغاربة فضَّلُوا صحيحَ مسلم، وموقفُهم محمولٌ على ما يرجعُ إليه كتابُ مسلم من حُسن السِّياق، وجودة الوضع والترتيب.
ولقد لقيَ هذان السِّفران العظيمان، اهتمامَ كبار العلماء، وعناية جَهابذة الحفَّاظ، فأقبلوا عليهما روايةً، وحفظًا في الصدور، ونسخًا في السُّطور، واستدراكًا عليهما، وشروحًا واختصارًا لهما، وتعريفًا برجال ورُواة كلٍّ منهما. ويهمُّنا هنا أن نتعرَّف إلى أشهر الكتب المؤلَّفة في شرح صحيح مسلم، وهي ستة:
١ - المُعْلم في شرح صحيح مسلم، للمازري المتوفى سنة (٥٣٦ هـ)، وقد طُبع حديثًا في دار الغرب الإسلامي - في بيروت.
٢ - إكمال المُعْلم في شرح صحيح مسلم، للقاضي عياض المتوفى سنة (٥٤٤ هـ)، ولم يصلنا بعد.
٣ - المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم؛ للإمام أبي العباس القرطبي المتوفى سنة (٦٥٦ هـ). وهو كتابنا هذا.
стр. 6
٤ - "المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج"، للنووي المتوفى سنة (٦٧٦ هـ)، وهو مطبوع.
٥ - إكمال إكمال المعلم في شرح صحيح مسلم، للأُبِّيِّ المتوفى سنة (٨٢٧ هـ)، وهو مطبوع في دار السعادة بمصر.
٦ - مكمّل إكمال الإكمال؛ للسنوسي المتوفى سنة (٨٩٥ هـ) وهو مطبوع بهامش إكمال إكمال المعلم، للأُبِّيّ، ومطبوع في دار السعادة بمصر.
ويسرُّ دار ابن كثير ودار الكلم الطيب أن تُقدِّما هذا الكتاب "المفهم" للقراء الكرام في العالمين: العربي والإسلامي، بعد أن حَشَدتا لهذا العمل الحديثيِّ العظيم صورًا لمخطوطاتٍ عديدة؛ مَشرقيةٍ ومَغربيةٍ، وأسندتا تحقيقَه والتعليق عليه إلى نُخبةٍ من الأساتذة الثقات؛ المتخصصينَ في علوم الشريعة واللغة العربية، وسيراه القارئ - إن شاء الله تعالى - في أبهى مَظْهرٍ، وأصدقِ مَخْبر، مع الفهارس العلمية الوافية.
والله الموفّق، وهو من وراء القصد، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.
الناشر
دار ابن كثير ودار الكلم الطيب
دمشق - بيروت
стр. 7
(١) مقدمة التحقيق
الحمدُ لله الذي بَعَثَ في الأميِّين رسولًا منهم يتلو عليهم آياته، ويُزكيهم، ويُعلِّمهم الكتابَ والحكمة، وإن كانوا من قبلُ لفي ضلالٍ مبين.
والصَّلاةُ والسَّلام الأتمَّان الأكملان على سيدنا محمد؛ الذي بَعَثَه اللَّهُ تعالى خاتَمًا للنبيِّين، وعلى آله وصحبه والتابعين والعلماء العاملين؛ الذين رفعوا منارة الهدى والدِّين، وحملوا راية السُّنة النبوية بصدقٍ ويقين، ونفوا عنها تحريفَ الغالين، وتأويل الجاهلين.
أمَّا بعد:
فإن اللَّهَ تعالى أرسل رُسُلَه الكرام ليدعوا الناسَ إلى عبادته سُبحانه، وألَّا يُشركوا به شيئًا، فكانوا دُعاةً إلى الحق، آمرين بالأخلاق الصالحة، ناهينَ عن الفساد والمنكر، داعين إلى إصلاح المعاملات بين البشر.
وكان النبي محمد ﷺ اللبنةَ الأخيرة في بناء صَرْح النبوات، فقام بالدَّعوة إلى الله، مؤكدًا أن صحَّةَ العقيدة، والتجمُّل بالأخلاق، وسلامة المنهج في التعامل، هي الأسسُ القويمةُ في بناء الفرد الصَّالح والمجتمع السَّليم.
وكانت السُّنَّة النبوية رافدًا رئيسًا في الدعوة الإسلامية، ومرآةً صادقةً تعكسُ الواقع العملي لنداء القرآن، ومنهج السماء.
* * *
стр. 8
والحديثُ النبويُّ هو الأصلُ الثَّاني للشريعة الإسلامية بعد القرآن الكريم، فكثير من الآيات الكريمة جاءتْ مجملةً أو عامة، فأتى الحديثُ الشريفُ مُبَيِّنًا أو مُخَصِّصًا لها. وقد تَعْرِضُ حوادثُ وأمورٌ في حياة الرسول ﷺ ، فإذا لم ينزل القرآنُ، يأتي الحديثُ له القولُ الفَصْل في هذه القضية وتلك الحادثة.
ثم إنَّ الحديثَ النبويَّ يعكسُ بكلِّ واقعيَّة وصدق سيرة النبي ﷺ ، فهو يُوضِّح مجريات السيرة، ويرسمُ أبعادَها، ويُجلِّي مكارمَ خُلُق النبي الكريم ﷺ ونُصْحَه، وإرشادَه؛ وصولًا إلى مجتمع يقومُ على أصول الحقِّ والخير.
لهذا وغيره عُني المسلمون بحديث رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، وولعوا بذلك، واعتقدوا أن الاشتغال بعلم الحديث مِن أجلِّ الخدمات التي يُقدِّمونها، وأعظمِ القُرَب التي يفعلونها، حتى قال قائلهم:
لم أسمُ في طَلَبِ الحديثِ لسمعةٍ ... أو لاجتماعِ قديمِه وحديثِه
لكنْ إذا فاتَ المحبَّ لقاءُ مَن ... يَهوى تعلَّل باستماع حديثِه
وجاء العلماءُ العاملون يرعون السُّنَّة حق رعايتها، فحفظوها في الصدور، ودوَّنوها في ثنايا السطور، ورحلوا في طلب الأحاديث، وكانت لهم أيادٍ بيضاءُ في خدمة السُّنَّة، ومعرفة الرجال، والبحث عن العلل.
وقد تحمَّل العلماءُ الصِّعابَ، وتجشَموا عناءَ طلب العلم، فكانوا يرحلون المسافات الطويلة، ويقطعون المفاوزَ الشاسعة، كي يُحصِّلوا حديثًا من هنا، ويسمعوا حديثًا من هناك، وهم مغتبطون في قرارة أنفسهم، ولسانُ حالِ أحدهم يقول:
يلومُ عليَّ أنْ رُحْتُ للعلم طالبًا ... أجمعُ مِن عند الرُّواةِ فُنُونَه
فيا لائمي دَعْنِي أُغالي بقيمتِي ... فقيمةُ كلِّ النَّاسِ ما يُحْسِنُونَه
وكان من نتيجة تلك الرحلات المتلاحقة، والدَّأب المتواصل، أن حفظ التاريخُ لنا آثارًا جليلةً في علم الحديث النبوي، وصارت المصنَّفاتُ الحديثية دُرَّةً
стр. 9
متألِّقةً في جبين الزمن، حتى إنَّ هذه الكتبَ التي دُوّنت في الحديث لتعدُّ من أكبر مفاخر هذه الأمّة على الإطلاق.
* * *
وإذا يمَّمنا وجوهَنا شطرَ القرن الثاني من الهجرة، يُطالعنا اسمُ الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز؛ إذ عرضتْ له فكرةُ تدوين الحديث النبويِّ، فأوعز إلى ابن شهاب الزهري يأمرُه بتدوين حديث رسول الله ﷺ ، وجَمْعه. كما كتب إلى قاضي المدينة أبي بكر بن حزم الأنصاري قائلًا: "انظرْ ما كانَ من حديث رسول الله - صلي الله عليه وسلم - فاكْتُبْهُ".
* * *
ويُعَدُّ موطَأُ الإمام مالك ﵀ من أهمِّ كتب الحديث المدوَّنة، ومن أقدمها في القرن الهجري الثاني.
وقد نَضِجَ عِلمُ الحديثِ في القرن الهجري الثالث؛ إذ يُعتبر العصرَ الذَّهبي لتدوين الحديث، وجَمْعه. وقام بذلك علماءُ جهابذةٌ، مما جعل أسسَ الحديث تترسَّخُ، إذ تمَّ تشييدُ صَرْحه على المسانيد أو الأبواب.
وظهرت الكتب الستة، وتلقَّت الأمةُ بالقبول والصحة كلًّا من صحيحي البخاري ومسلم، وقد خُدِما كثيرًا: شرحًا، وتهذيبًا، واختصارًا، واستخراجًا عليهما؛ مما يُنبئ بالمكانة العليا التي انتهيا إليها في مختلف مراكز الإشعاع العلمي في الدولة الإسلامية.
* * *
وظهر الإمام مسلم في العصر الذهبي للفكر الإسلامي، حيث ازدهرت الثقافةُ العربية الإسلامية، وترعرعت العلوم، وتوهَّجت المعرفة، ولمعت شخصياتُ كبارِ
стр. 10
جهابذة العلم في مختلف الأصقاع العربية والإسلامية. إنه عصرُ أئمةِ الحديث النبوي، والأدب العربي، والتاريخ المجيد.
* * *
وحاز "صحيح مسلم" المكانةَ اللائقةَ به بين مُصنَّفات الحديث، وتربَّع سُدَّةً عاليةً من التقدير والعناية، فكثرت حوله الشروح حتى بلغت أكثر من خمسين شرحًا، واختلفت طولًا وقصرًا. ومن تلك الشروح المشرقية:
١ - المفصح المفهم والموضح الملهم لمعاني صحيح مسلم: لمحمد بن يحيى الأنصاري (٦٤٦ هـ).
٢ - إكمال الإكمال: لعيسى بن مسعود الزواوي (٧٤٤ هـ).
٣ - فضل المنعم في شرح صحيح مسلم: لشمس الدين بن عبد الله بن عطاء الله الرازي (٨٢٩ هـ).
٤ - غُنية المحتاج في ختم صحيح مسلم بن الحجاج: لمحمد بن عبد الرحمن السخاوي (٩٠٢ هـ).
٥ - الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج: للسيوطي (٩١١ هـ).
٦ - شرح صحيح مسلم: لعبد الرؤوف المناوي (١٠٣١ هـ).
٧ - عناية المنعم لشرح صحيح مسلم: لعبد الله بن محمد يوسف أفندي زاده حلمي (١١٦٧ هـ).
٨ - وشي الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج: لعلي بن سليمان البَجَمْعَوي (كان حيًّا سنة ١٢٩٩ هـ).
هذه بعضُ شروح كتاب الإمام مسلم، وهي مع غيرها من شروح علماء أهل المغرب، تدلُّ على عظيم المكانة التي نالها هذا الكتاب، وتؤكِّد أهميته عند العلماء، وذلك لما يتمتع به من خصائص حسنة ومزايا متفرِّدة.
ونظرًا لأهمية صحيح مسلم، وما يتَّصف به من سهولة تناول الأحاديث،
стр. 11
والتحرز في الألفاظ، والتحري في السياق، وحُسْنِ الوَضْع، وجودة الترتيب .. ونحو ذلك، فإن بعضَ العلماء يُفَضِّلونه على صحيح البخاري من هذه الناحية، وهذه الوجهةُ من النظر هي التي سادت لدى علماء المغرب العربيّ.
* * *
وقد اختصر صحيحَ مسلم طائفةٌ من العلماء، ونذكر من هذه المختصرات:
١ - مختصر أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن تومرت (٥٢٤ هـ).
٢ - الجامع المُعْلِم بمقاصد جامع مسلم: لعبد العظيم بن عبد القوي المنذري (٦٥٦ هـ). وهو مطبوع. وقد شرحه محمد صديق حسن خان بـ (السراج الوهاج في كشف مطالب مختصر صحيح مسلم بن الحجاج" وهو مطبوع في الهند قديمًا.
٣ - تلخيص صحيح مسلم: لأحمد بن عمر القرطبي (٦٥٦ هـ).
وغير ذلك كثير.
* * *
هذا، وقد أضاف الإمامُ القرطبيُّ - رحمه الله تعالى - إلى تلخيص صحيح مسلم عملًا علميًّا، إذ وَضَع عليه شرحًا لما أشكل في تلك الأحاديث من معنى غامض، أو لفظة غريبة، ونبَّه على نكَتٍ من إعرابه، وعلى وجوه الاستدلال بحديثه. ويكفيه أهميةً ومكانةً أن اعتمده الإمامان: النووي والحافظ ابن حجر كمصدر مهمٍّ في شرحيهما على الصَّحيحين.
ولا شكَّ إن العلماءَ اهتموا فيما بعد بكتاب "المفهم" اهتمامًا واضحًا، فها نحن نجدُ بصماته عميقة فيما أُلِّفَ بعده، عند:
- الزواوي في كتابه"إكمال الإكمال" الذي جمع فيه بين المُعْلِم والإكمال والمفهم والمنهاج.
стр. 12
- الأُبِّي في كتابه: "إكمال إكمال المعلم" الذي ذكر فيه أنه ضمَّنه كتب شُرَّاحه الأربعة: المازري وعياض والقرطبي والنووي.
ثم يطالعنا التاريخُ بكتاب "مكمِّل إكمال الإكمال" للسنوسي، وغير ذلك من المصنَّفات التي اعتمدت كتاب "المفهم" واستفادت منه في حلِّ المشكلات وفي الشرح.
* * *
وكتابُنا الذي نصدره اليوم - بعون الله تعالى - يجمعُ بين تلخيص كتاب مسلم، وبين شرح ما أشكل منه، في كتابٍ واحدٍ، رغبةً في تقريب الزاد العلمي للإمام القرطبي لطلاب العلم، والمتخصِّصين، والمثقفين على تنوُّع مشاربهم، وتعدُّد ألوان معارفهم، ففي هذا الكتاب صنوف مختلفة من أنواع العلوم، يجمع بينها الاندغام والتآلف في الفكرة والهدف.
ولا غَرْوَ أن نجدَ الانسجام بين التلخيص والمفهم في الأبواب والأحاديث، فالمؤلِّف واحد، فلا خلافَ في العنوانات، وإن طالت أحيانًا وقصرت أحيانًا أخرى، كما نجد شخصية الإمام القرطبي واضحةً بين السطور، كيف لا؟ ! وهو العالمُ الثبت، والثقة العدل في روايته ودرايته.
* * *
стр. 13
(٢) توثيق التلخيص والمفهم ومنهج المؤلف فيهما
أولًا - التوثيق:
تبدأ عناية أبي العباس القرطبي ﵀ بصحيح مسلم من قرطبة، فيرويه قراءةً وسماعًا وإجازةً، عن شيخين كبيرين من شيوخ قرطبة في مجالسَ آخرُها سنة ٦٠٧ هـ. ثم رواه في مصر عن الشيخ المأموني راوي صحيح مسلم في مصر، وكأن الشيخ القرطبي كان يحرصُ منذ شبابه أن يرتبطَ اسمُه بهذا الكتاب العظيم من كتب السُّنَّة المشرَّفة، فصنعَ له تلخيصًا متميزًا، وضبطَ ألفاظه بالرواية السماعية، ثم شرحَ مشكلاته بما رواه عن مشايخه، وبما فتحَ الله عليه من الفهم والإدراك الذاتيِّ. وشخصيته - رحمه الله تعالى - ظاهرة في مقدمة التلخيص والمفهم، وفي المنهج والأسلوب في كلا الكتابين، بالإضافة إلى صور النسخ المخطوطة الموثقة بالكتابة والسَّماعات، والتي اعتمدناها في تحقيق التلخيص والمفهم. كل ذلك يجعلنا واثقين كل الثقة بحول الله وقوته - ونحن ننفضُ غبارَ السِّنين عن كتاب المفهم ونربطه بالتلخيص مباشرةً في أحدث طباعة وأكمل إخراج - من ظهور طَيْف المؤلف القرطبِّي - رحمه الله تعالى - اسمًا وفكرًا ومنهجًا في كل صفحة وفي كل فقرة، حتى آخر كلمة من الكتاب.
ثانيًا - المنهج والأسلوب:
أ - في تلخيص صحيح مسلم: وضع القرطبي لنفسه منهجًا، نوضحه من خلال مقدمته على التلخيص بالفقرات التالية:
стр. 14
١ - اختصارُ الأسانيد من جميع الأحاديث والروايات والاكتفاء بذكر الصحابي، وأحيانًا التابعي الذي روى عنه.
٢ - حذفُ المكرر من الأحاديث، وذكرها في موضع واحد حسب موضوعها.
٣ - ترجمة الأبواب بعناوين وافية ودقيقة.
وكان قصدُه ﵀ تقريبَ "صحيح مسلم" لمن أراد حفظَه، وتيسيرَه لمن أراد التفقُّه فيه، مع ملاحظة تقاصُر الهمم في زمانه. ومن الإنصاف أن نذكرَ ميزتين لهذا التلخيص تجعله وافيًا ومحيطًا بما حواه الأصل من معارف، ومحقِّقًا لغرض مؤلفه، وهما:
الأولى: اختياره للحديث وفق أتم الروايات وأكملها، ثم إيراد بعض الروايات إن كان فيها زيادة في المعنى.
الثانية: اتباعه لترتيب كتاب مسلم، ولم يُخالف إلا في نقل بعض الأحاديث من أماكنها، وإيرادها في المكان الأكثر ملاءمة مع موضوعها، ونقل كتاب الجهاد من مكانه في الصحيح، ووضعه بعد الحج، إظهارًا لأهميته، واقتناعًا بما يعتبره بعض العلماء من أن الجهاد في سبيل الله هو الركن السادس من أركان الإسلام بعد الشهادتين والعبادات الأربع.
ب - وفي "المفهم" رأى المؤلف ﵀ أن يكمل إفادة الطالبين للتلخيص، بشرح غريبه، والتنبيه على نكت من إعرابه، وعلى وجوه الاستدلال بأحاديثه، وايضاح مشكلاته.
وقد وفَّى - رحمه الله تعالى - بهذا كله وزاد عليه، ونستطيع من خلال "المفهم" أن نسجل حول منهجه وأسلوبه الملاحظات التالية:
١ - بالنسبة للألفاظ الغريبة، يبدأ المؤلف ﵀ بضبطها، ثم يستعرض أقوال علماء اللغة في شرحها، ويشير إلى الأرجح منها، ولكنه يُوردُ بعضَ الألفاظ من صحيح مسلم، ويقول: جاء في "الأم". وفي بعض الأحيان تدخلُ عليه بعض
стр. 15
الألفاظ من صحيح البخاري أو من غيره من الكتب دون أن يشير إلى ذلك، ولعل سبب ذلك الاستقصاء أو توارد حفظه أثناء التأليف.
٢ - الأحكام الفقهية، المستنبطة من الأحاديث ظاهرة في الشرح، وطرائق الفقهاء في الاستدلال والاستنباط واضحة، مع البدء والتركيز على مذهب مالك ﵀ أولًا.
٣ - تأويل المختلف، وحل المشكل، في بعض الأحاديث، يُظهر قدرة المؤلف ﵀ على عرض الاحتمالات والافتراضات، ويساعده على ذلك اشتغاله في أول حياته بالمعقول، وفي الغالب تكون توجيهاته لإزالة التناقض أو التصادم بين الأدلة مفيدة.
٤ - يختم كثيرًا من الأحاديث، وأحيانًا فقرات الحديث الواحد، باستنباط توجيهات وإرشادات مفيدة جدًّا، نتمنى أن لو زاد منها وأكثر.
٥ - تَرِدُ أبوابٌ في "التلخيص" لم يتعرّض المؤلفُ ﵀ إلى شرحِ شيء منها في "المفهم" لأنه لم يَجدْ فيها إشكالًا يحتاج إلى الشرح.
٦ - يمتاز أسلوب القرطبي - رحمه الله تعالى - بالرشاقة وحسن السَّبْك، مع البعد عن التقعر أو التكلف، وترد الجمل المتقابلة أو المسجوعة في كلامه، ولكن من غير تكلُّف ظاهر، وبالجمدة فإن عنايته باللغة والبلاغة من مطلع حياته، جعلت أسلوبه رائقًا وسلسًا، ومقدمتاه للتلخيص والمفهم والنهايات التي كان يختم بها شروح الأحاديث تؤكد ما ذهبنا إليه.
* * *
стр. 16
(٣) فوائد إخراج كتاب "المفهم "
ثمة فوائد كثيرة لهذا الكتاب، نُجمل فيما يأتي أهمَّها:
• مكانته في شرح صحيح مسلم:
يُعَدُّ كتابُ المفهم" - تجوّزًا - شرحًا واضحًا، ذا أهمية بالغة لصحيح الإمام مسلم، فهو حلقةُ وصل لا بُدَّ منها بين المازري والقاضي عياض من جهة، وبين مَن جاء بعد أبي العباس القرطبي كالأبي والسنوسي.
ذلك أن المازري ﵀ شَرَح صحيح مسلم بكتابه "المعلم" شرحًا مختصرًا، أكمله القاضي عياض بأوسع منه، لكنه لم يصلنا. ووَصَفَهُ العلماء بأنه عمدةٌ في بابه، ويحتوي على عبارات غامضة مستغلقة في المعنى كما أشار إلى ذلك الأُبِّي نقلًا عن شيخه ابن عرفة (١). وجاء الإمام القرطبي، واستفاد من سابقَيْه، وأدلى بالجديد بعبارةٍ مفهومة سلسلة من باب ما يُوصف بالسهل الممتنع.
ثم جاء الأُبيُّ والسنوسيُّ بعد القرطبي، واستفادا من الشروح التي سبقتهم، وأضافا إضافاتٍ مفيدة، تُغني شرحَ مسلم، وتُوضح المستغلق منه.
وبذا يُعتبر القرطبي حلقةَ وَصْل متألّقة في رحاب شروح صحيح مسلم.
• أهميته في شرح غريب الأحاديث:
يعتني القرطبي ﵀ عنايةً فائقةً بشرح الكلمات اللغوية، وإيراد تفاصيل حول الكلمة الواردة، من خلال عَرْضه لروايات الحديث المتعدِّدة في كتاب مسلم وغيره من كتب السُّنة، مستدلًا عليها بالآيات القرآنية، ومستشهدًا لها
стр. 17
بالشعر العربي، والأمثال، والحِكَم، ومن خلال ذِكْره لأسماءِ كتبِ لم تصلنا، فيُعَدُّ كتابُ "المفهم" حافظًا لما عَدَا عليه الزَّمن، وأتلفه الأعداء من تراثنا العربيِّ والإسلامي.
• تفرّده في تدوين فوائد الأحاديث:
" المفهم" مرجعٌ غنيٌّ ومهمٌّ في التقاط ما يُستفاد من الأحاديث الواردة في صحيح مسلم، حيث أدلى القرطبي دلوه في هذا المجال، بعبارةٍ رصينةٍ موجزةٍ، تُعطي المدلولَ، وتؤدّي المعنى؛ ممَّا يدلُّ على فَهْم واضحٍ وعميقٍ لروح الشريعة الإسلامية، ومقاصد الشارع الحكيم.
• أسبقيته في حل الأحاديث المشكلة:
يُعتبر كتابُ "المفهم" خيرَ كتابٍ، في حل الأحاديث المشكِلة في صحيح مسلم، وإزالة ما بينها من تعارضٍ في الظاهر، أو تناقضٍ في الحُكْم يبدو لأول وهلة.
• إنصافه في عَرْض الآراء المذهبية:
يعرضُ القرطبي الخلافات المذهبية، والآراء الاجتهادية، في فروع الشريعة، ويبرز مذهبَ الإمام مالك، ويُفصِّل فيه، وقد يكونُ له رأي مُتفرِّد.
وقد اتَّسم القرطبي برحابة الصَّدْر، وسعة الأفق الفكري، فلم يتعصَّبْ لمذهبه المالكي، لكنه عارَضَ بشدَّة أهلَ البِدَع والأباطيل، وبيَّن بُعْدَهم عن الشريعة، وغلوَّهم فيما يذهبون إليه.
• لماذا هذه الطبعة؟ وما فائدتها ؟ :
أصبح نَشْرُ "التلخيص" و "المفهم" واجبًا لا بُدَّ منه، بعد أن تمَّ اكتشافُ مخطوطاتهما المتناثرة في أنحاء العالم، والتي يكمِّل بعضُها بعضًا، وكان تحقيقُ هذا الأمر حُلُمًا في الماضي، وسيصبحُ - بإذن الله تعالى - في طبعتنا هذه حقيقةً واقعةً، ينالُها كل طالب علم، ومحقق وباحث في عالم المعرفة والتراث.
стр. 18
(٤) وصف النسخ الخطية المعتمدة وخطة التحقيق
أولًا - نسخ التلخيص:
اعتمدنا - بحول الله تعالى وقوته - على نسختين خطيتين لتلخيص صحيح الإمام مسلم.
الأولى: نسخة شستربتي (ش):
تتألف من (٢٦١) ورقة. قياس (٢٣× ١٤) سم. في الصفحة (٢٢) سطرًا. في السطر (١١ - ١٥) كلمة.
الخطّ نسخ واضح، والكلمات مضبوطة بالشكل. والنسخة كاملة، مُقابَلة، مُصحَّحة؛ لذا اعتمدناها النسخة الأم.
وفي آخرها: تمَّ هذا الكتاب الشريف، وهو تلخيص كتاب مسلم، وهو آخر الكتاب. والحمد لله حق حمده، وصلواته على سيدنا محمد وآله وأصحابه وسلامه. وكان الفراغ منه في الثامن من شهر شعبان المكرم سنة سبع وثلاثين وستمئة.
أي: إن هذه النسخة كُتبت في عصر المؤلف، وقبل وفاته بنحو ثلاثين عامًا.
الثانية: نسخة دار الكتب المصرية (ك):
نسخة مُصوَّرة من دار الكتب المصرية برقم (٧٣١٥). عدد أوراقها (١٦٣). قياس (٢١ × ١٤) سم. في الصفحة (٢٣) سطرًا. في السطر (١٧) كلمة.
стр. 19
الخط واضح. وعلى الغلاف عدَّة تملُّكات.
وهذه النسخة مُقابلة مُصحَّحة، وهي الجزء الثاني من التلخيص. وفيها من الأبواب من كتاب: النكاح إلى كتاب التفسير.
وفي نهاية النسخة: هذا آخر الملخص من صحيح مسلم ... كتبه العبد الفقير إلى رحمة ربِّه وعفوه ومغفرته: علي بن أبي بكر زعاد الخصوصي الأنصاري. وافق الفراغ من كتابته: الرابع من شهر صفر من سنة ثمان وثلاثين وسبعمئة.
* * *
ثانيًا - نُسَخ المفهم:
بعون الله تعالى وحُسن توفيقه حَشَدنا أكبر عددٍ مُمكن من النُّسخ المصورة لكتاب "المفهم في شرح ما أشكل من صحيح مسلم"، وكان ذلك عَوْنًا لنا في إيجاد طبعةٍ مُوثقةٍ مضبوطة، أقرب ما تكون إلى ما صَنَعَهُ الإمامُ القرطبي ﵀.
ويُمكن أن نعتبر النسخةَ العثمانية نسخةً متكاملة بأجزائها الأربعة، فاعتمدناها كأصلٍ، نَسَخْنا عنه كتابَ "المفهم". ثم قابَلْنا ذلك ببقيَّة النسخ المتوفرة، فخرج الكتابُ - بفضل الله - كأحسن ما يكون، وعلى أتمِّ مرادٍ مأمول.
وقد اعتمدنا في التحقيق والتوثيق على النسخ التالية:
١ - النسخة العثمانية (ع):
هي النسخة الأم المعتمدة، مصوَّرة من مكتبة الأسد العامرة بدمشق، رقمها (١٢٣٠) خاص. وتقع في أربعة أجزاء، قياس (١٩× ١٣) سم، في الصفحة (٢٢ - ٢٤) سطرًا، في السطر (١٣ - ١٦) كلمة. كُتبت بخط نسخ مقروء، وفي بعض الصفحات كلمات غير واضحة بسبب الرطوبة.
стр. 20
وتُمثل هذه النسخة نصًّا كاملًا لكتاب "المفهم" على الرغم من النقص الموجود في ثنايا أجزائها، والذي استدركناه من بقية النسخ.
وعلى الغلاف ثلاثة أبيات شعرية للإمام الحافظ السِّلَفي:
ليس حُسنُ الحديثِ قُرْبَ رجالٍ ... عند أربابِ عِلْمِه النُّقَّادِ
بل عُلُوُّ الحديثِ عند أولي الإتـ ... ـقانِ والضَّبط صحَّة الإسنادِ
فإذا ما تجمَّعا في حديثٍ ... فاغْتَنِمْهُ فَذَاكَ أقْصَى المرادِ
وعلى الغلاف أيضًا ترجمةٌ موجزةٌ للإمام القرطبي، وهي بتمامها:
وُلِد المؤلفُ سنة (٥٩٨) أو (٥٧٨) في الأندلس، وتوفي في الإسكندرية سنة (٦٥٦) كما في ترجمته في "الديباج المذهب" لابن فرحون المالكي ص (٦٩). وذكر فيه أن مِن تلاميذه أبا عبد الله القرطبي المفسِّر، صاحب التفسير المشهور. كتبه عبد الفتاح بن محمد أبو غدة الحلبي - عفا الله عنهما -. ٢٧/ ١٢/ ١٣٦٦.
وهذه النسخة تتوزع على أربعة أجزاء:
الجزء الأول: من أول الكتاب إلى نهاية باب: مَن أحبَّ لقاء الله أحبَّ اللهُ لقاءه. ويتألف هذا الجزء من (٢٥١) ورقة. وفيه نقص عدَّة ورقات من كتاب الإيمان.
الجزء الثاني: من أول كتاب الزكاة إلى آخر باب: تحريم بيع الخمر. ويتألف من (٢٥٤) ورقة. وعليه تملُّك باسم: أحمد الشراباتي، وتملك ومطالعة باسم: إبراهيم بن أحمد بن الملا محمد. وفرغ ناسخه من كتابته يوم الأربعاء السادس عشر من جمادى الآخرة سنة (٧١٨ هـ).
الجزء الثالث: من أول باب: الصرف والربا إلى نهاية باب: قول النبي ﷺ : "لا تخيِّروا بين الأنبياء". ويتألف هذا الجزء من (٢٧٥) ورقة. وعليه تملُّك ومطالعة باسم: إبراهيم بن أحمد بن الملا محمد سنة (١٠٠٤). وفي هذا الجزء خمسة كتب ناقصة هي: الحدود، الأقضية، الصيد والذبائح، الأشربة، الأطعمة.
стр. 21
الجزء الرابع: من أول كتاب: فضائل أبي بكر إلى نهاية كتاب: التفسير. ويتألف من (٢٠١) ورقة.
وقد سُطِّر في الصفحة الأخيرة منه ما نصُّه: تمَّ الجزءُ الرابع من كتاب "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" وبتمامه تمَّ - إن شاء الله تعالى - جميعُ الدِّيوان، واللهُ المستعان، وذلك في شهر شوال سنة أربع وعشرين وسبعمئة على يد الفقير إلى الله تعالى: محمد بن عيسى بن محمد بن رزيك الشافعي مذهبًا، الغسَّاني نسبًا، رحمهم الله تعالى برحمته الواسعة وسائر المسلمين.
٢ - النسخة المغربية الرباط (م):
مُصوَّرة من الخزانة العامة بالرباط برقم (٢٥٣). قياس (٢١× ١٣) سم، في الصفحة (٢٦) سطرًا، في السطر (١١ - ١٥) كلمة.
والخط نسخ واضح. وعدد صفحاتها (٦٣٤). وفيها اختصار ونقص لعددٍ من الأبواب. وفي أولها نقصٌ بسيط في خطبة المؤلِّف، حيث تبدأ النسخة بقوله: يقال: ناط الشيء ينوطه نوطًا؛ إذا علقه. وقَبْلَ هذا الكلام سطر أثَّرتْ فيه الرطوبة.
تنتهي هذه النسخة بكتاب الأقضية، باب: الأمر بالمواساة وجَمْع الأزواد.
وفي نهايتها: آخر النصف الأول من كتاب "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب صحيح الإمام مسلم" تصنيف الإمام القرطبي - رحمه الله تعالى - يتلوه أول النصف الثاني: كتاب الضحايا.
وفي الصفحة (٢٥٧): تمَّ الجزءُ الأول من شرح غريب مسلم للقرطبي، وبدأ الجزءُ الثاني بباب: التغليظ في تفويت صلاة العصر.
٣ - النسخة المغربية - الرباط (ط):
مُصوَّرة من الخزانة العامة بالرباط برقم (٤١). وهي (٥٦٩) صفحة. قياس (٢٠× ١٣) سم. في الصفحة (٢٥) سطرًا. في السطر (١٠ - ١٥) كلمة.
والخط واضح مقروء، وفيها ضبطٌ لبعض الكلمات.
стр. 22
هذه النسخةُ مقابلةٌ، وهي الجزء الثاني من "المفهم" من باب: أوقات الصلاة إلى باب: خروج النساء في الغزو. من كتاب الجهاد.
وتمَّ الفراغُ مِن نَسْخ هذه المخطوطة على يد: محمود بن عبد الغفور بن يوسف بن عبد العزيز بن عمر العجمي، وذلك بالقدس الشريف في أواخر شهر رمضان المبارك سنة (٦٩٦ هـ).
٤ - النسخة المغربية - الرباط (م ١):
مُصوَّرة من الخزانة العامة بالرباط برقم (٢٥٤). وهي (٢٧٦) صفحة. قياس (١٩ × ١٣) سم. في الصفحة (٢٣) سطرًا. في السطر (٤ ١ - ١٨) كلمة. والخط واضح مقروء. وفيها ضَبْطٌ لبعض الكلمات.
وفي هذا الجزء نقص ثلاثة كتب، هي: الصيد، الأشربة، الأطعمة.
وجاء على الغلاف: الجزء الثالث من كتاب: "المفهم في حلِّ ما أشكل من صحيح الإمام مسلم" للعلامة القرطبي - نفع به. آمين -.
وفي الصفحة الأخيرة: تمَّ الجزءُ بحمد الله وعونه، والحمدُ لله وحده. يتلوه في أول الجزء الذي يليه: كتاب الصيد والذبائح .. إلى آخره.
٥ - النسخة المغربية - الرباط (م ٢):
مُصوَّرة من الخزانة العامة بالرباط برقم (٦٥). وهي (٤٥٠) صفحة. قياس (٢٠ × ١٤) سم. في الصفحة (٢٣) سطرًا. في السطر (٩ - ١٢) كلمة.
والخط واضح مقروء.
وهذه النسخةُ هي الجزء الرابع من كتابا "المفهم" بدءًا من كتاب: الحدود إلى كتاب النبوات، باب: ذكر إبراهيم ﵇.
٦ - النسخة المغربية - الرباط (م ٣):
مُصوَّرة من الخزانة العامة بالرباط برقم (٤٢). وهي (٢٩٤) صفحة. قياس (٢٠× ١٣) سم. في الصفحة (٣١) سطرًا. في السطر (١٤ - ١٧) كلمة.
стр. 23
والخط نسخ واضح.
هذه النسخة مقابلة، وتُمثِّل الجزء الرابع من كتاب "المفهم" من أول كتاب: الحدود إلى نهاية كتاب: فضائل سعد بن أبي وقاص.
وفي الصفحة الأخيرة عبارة: تمَّ الجزء الرابع، وكان الفراغ منه في يوم الخميس المبارك ثامن شهر صفر الخير من شهور سنة (٩٧٨). بلغ مقابلة حسب الطاقة. كتبه محمد الزعيم.
٧ - النسخة المغربية - الرباط (م ٤):
مُصوَّرة من الخزانة العامة بالرباط برقم (١٣). وهي (٥٦٨) صفحة. قياس (٢٠× ١٥) سم. في الصفحة (٢٣) سطرًا. في السطر (١١ - ١٤) كلمة.
والخط واضح مقروء.
هذه النسخة هي الجزء الخامس من "المفهم" من كتاب: النبوات، باب: موسى ﵇ إلى آخر كتاب: التفسير.
وفي الصفحة الأخيرة: تمَّ الجزءُ الخامس بحمد الله ومنَّته على يد أضعف عباد الله وأرجاهم لثوابه: محمد بن عمر بن مسافد الغزي الشافعي، يوم الإثنين حادي عشر رجب الفرد من سنة أربع عشرة وسبعمئة.
٨ - نسخة الحرم النبوي الشريف (ح):
رقمها (١٠٣/ ٢١٣). عدد أوراقها (٢٢٨). قياس (٢١×١٤) سم. في الصفحة (٢٥) سطرًا. في السطر (١١ - ١٥) كلمة.
والخط مغربي. وفيها عناوين جانبية دالَّة على المضمون.
وهذه النسخة من أول كتاب "المفهم" إلى نهاية باب: تحسين الصوت بالقراءة، من كتاب: الصلاة.
وليس هناك اسم كاتب ولا تاريخ للنسخ. وعلى الغلاف تملُّك باسم: باشا رايلي عثمان خليفة.
стр. 24
٩ - النسخة الألمانية (ل):
تقع في (٢١٩) صفحة. قياس (١٩× ١٣) سم. في الصفحة (٢٢) سطرًا.
في السطر (١٢ - ١٤) كلمة. الخط مقروء.
والنسخة مقابلة، وتبدأ من أول الكتاب إلى نهاية باب: إذا ذكر الإمام أنه مُحْدِث، من كتاب: الصلاة. إلا أنه في أولها نقصٌ، بحيث تبدأ قبل باب: وجوب الأخذ عن الثقات، بقليل.
وفي الصفحة الأخيرة: آخر المجلدة الأولى من كتاب "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" يتلوه في أوَّل الثانية - إن شاء الله -: ومن باب أوقات الصلوات.
١٠ - النسخة الظاهرية (ظ):
تُعتبر هذه النسخة مُكمِّلة للنسخة السابقة، فهي مكتوبة بالخط نفسه الذي كُتبت به النسخة الألمانية (ل).
تقع هذه النسخة في (٢٣٩) ورقة. قياس (١٦× ١١) سم. في الصفحة (٢٢) سطرًا. في السطر (٩ - ١٢) كلمة. الخط مقروء. والنسخة مقابلة، وعليها تملُّك.
تبدأ من أول باب: أوقات الصلوات إلى نهاية باب: التغليس بصلاة الصبح بالمزدلفة، من كتاب الحج.
وفي الصفحة الأخيرة: آخر المجلدة الثانية من كتاب: "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" يتلوه في أول المجلدة الثالثة: ومن باب: رمي جمرة العقبة. في رابع عشر من شهر رمضان المعظم سنة اثنتين وتسعين وسبعمئة.
١١ - النسخة الألمانية (ل ١):
هي الجزء الثاني والثالث من كتاب "المفهم". وتقع في (٢١٠) ورقات. قياس (١٧× ١٢) سم. في الصفحة (٢٥) سطرًا. في السطر (٢٢) كلمة. الخط
стр. 25
مقروء، والنسخة مضبوطة بالشكل، وعليها تملُّك باسم حامد بن إسماعيل التقي، من السيد طالب السرايري في شهر رجب سنة (١٢٢٨).
تبدأ هذه النسخة من كتاب: النكاح، باب: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ إلى نهاية باب: التداوي باللدود، من كتاب: الطب.
وفي الورقة (٧٩) ما يشير إلى أن هذه النسخة مأخوذة عن نسخة لابن فرح، وهو القرطبي صاحب التفسير (ت ٦٧١ هـ). وعلى صفحة الغلاف: الجزء الثاني من "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم".
وفي الصفحة الأخيرة: تمَّ الجزء الثالث، ويتلوه الجزء الرابع: ومن باب: التداوي بالشونيز والتلبينة.
١٢ - النسخة الهندية (هـ):
مُصوَّرة عن النسخة الهندية المحفوظة بالمكتبة الناصرية بلكنؤ، رقم (٧٨٦). وهي الجزء الثاني من "المفهم". تقع في (٣٠٣) ورقات. قياس (٢٠ × ١١) سم. في الصفحة (٢١) سطرًا. في السطر (١٠ - ١٢) كلمة.
الخط واضح مع بعض الضبط، والنسخة مقابلة ومصحَّحة، وعليها وقف. تبدأ من باب: إقراء النبي ﷺ ، من كتاب: الصلاة، إلى نهاية باب: لا يسهم للنساء من الغنيمة، من كتاب: الجهاد.
وفي الصفحة الأخيرة: وافق الفراغ منه على يد أضعف عِباد الله، وأرجاهم لثوابه، العبد الفقير: موسى بن سليمان بن صادق بن بلال العجمي الشافعي، وذلك ضُحى الأحد لثاني عشرة ليلة خَلَتْ من شهر رجب الفرد سنة إحدى وثلاثين وسبعمئة.
١٣ - النسخة الأزهرية (ز):
تقع في (٣٣٠) ورقة. قياس (٢٣ × ١٥) سم. في الصفحة (٢٥) سطرًا. في السطر (١٧ - ٢٠) كلمة.
стр. 26
الخط مغربي. وفي أولها نقص. وتتألف من:
أ - المجلدة الأولى: تبدأ من أول كتاب: الحج إلى نهاية كتاب: الأضاحي. عدد الورقات (١٠١). فيها نقص من باب: غزوة ذات الرقاع، من كتاب: الجهاد، إلى باب: الحث على العفو، من كتاب: القسامة. وكذا فيها نقص كتاب الأقضية، ما عدا باب: الأمر بالمواساة وجَمْع الأزواد.
فرغ من كتابتها في (٢) جمادى الأولى سنة (٧٢٧ هـ) على يد محمد بن عبد الله بن بطوطة الطنجي.
ب - المجلدة الثانية: تبدأ من كتاب: اللباس إلى نهاية الكتاب، عدد الورقات (٢٢٩). وقد فُرغ من كتابتها يوم الإثنين في (١٨) جمادى الآخرة سنة (٧٢٧) بمدرسة العزيزية بدمشق، بيد الكاتب: محمد بن عبد الله بن بطوطة الطنجي، عن نسخة السخاوي المتوفى سنة (٦٤٦ هـ).
١٤ - نسخة جامعة الإمام (ج ١):
تتألف من جزأين:
الأول: يقع في (٣٢٨) ورقة. قياس (٢٤× ١٥) سم. في الصفحة (٢٣) سطرًا. في السطر (١٠ - ١٤) كلمة.
الخط مختلف، لكنه واضح مقروء، والكلمات مضبوطة غالبًا، والنسخة مقابلة، تبدأ من البداية إلى كتاب الحج، باب: طواف الوداع.
وفي الورقة (١٥١): كمل الجزء بحمد الله وعونه على يد مالكه العبد الفقير إلى عفْو ربِّه: محمد بن عبد الرحمن بن عوض بن عبد الخالق بن عبد المنعم بن يحيى البكري القرشي ثم الدمروطي. وذلك وقت الضحى يوم الجمعة سابع عشر شهر صفر من شهور سنة تسع وثلاثين وسبعمئة.
وفي نهاية الورقة الأخيرة: يتلوه: باب: دخول النبي ﷺ الكعبة. بلغ مقابلة.
стр. 27
الثاني: يقع في (٣٢٨) ورقة. قياس (٢٤× ١٦) سم. في الصفحة (٣٨) سطرًا. في السطر نحو (١٦) كلمة.
الخط مختلف، لكنه واضح مقروء، والكلمات مضبوطة غالبًا. وعلى الهامش بعض التصحيحات.
والنسخة مقابلة، تبدأ من كتاب: الحج، باب: دخول النبي ﷺ الكعبة، حتى كتاب: النبوات، باب: أحاديث حوض النبي ﷺ
وفي الورقة (٧٢): كمل السفر الثالث من المفهم ... وذلك في سادس عشر من شهر رمضان المعظم، أحد شهور سنة تسع وثلاثين وسبعمئة.
وفي نهاية النسخة: كمل السفر السادس، يتلوه في السابع: ومن باب: شجاعة النبي ﷺ وكان ذلك عشية السابع من شهر جمادى الآخرة من سنة تسع وعشرين وسبعمئة.
١٥ - نسخة جامعة الإمام (ج ٢):
تقع في (٢٣٩) ورقة. قياس (٢١ × ١٤) سم. في الصفحة (٢١) سطرًا. في السطر نحو (١٣) كلمة.
الخط واضح مضبوط. وعلى الغلاف أكثر من تملُّك.
تبدأ النسخة من أول كتاب: الزكاة إلى باب: المقام عند البكر والثيب.
١٦ - نسخة شستربتي (ش):
تقع في (٢٩٨) ورقة. قياس (١٤ ×٩) سم. في الصفحة (٢١) سطرًا. في السطر (١١ - ١٤) كلمة. والصفحات الأولى أثَّرتْ فيها الرطوبة، فأساءت إلى بعض الكلمات. الخط واضح، مضبوط قليلًا.
تبدأ النسخة من كتاب الإيمان إلى باب: التشديد في النياحة، مع بعض النقص في أولها.
стр. 28
وفي نهاية النسخة: تمَّ الجزء [الأول] من "المفهم لشرح صحيح الإمام مسلم" للعلامة القرطبي. ويتلوه أول الثاني: باب: الأمر بغسل الميت ... إلى آخره.
* * *
ثالثًا - خطة تحقيق كتاب "المفهم ":
١ - نَسَخْنا "تلخيص كتاب مسلم" من نسختي شسشربتي ودار الكتب المصرية، واستفدنا من صحيح مسلم (طبعة عيسى الحلبي بالقاهرة) (١)، وتلخيص مسلم (طبعة دار السلام بالقاهرة) (٢) وضبطنا نصوصَ الأحاديث بالشكل، ورجَّحنا عند الاختلاف رواية المؤلف التي اعتمدها في الشرح، ورقَّمنا الأبواب والأحاديث، ووضعنا التلخيص في أعلى الصفحات، وفصلنا بينه وبين الشرح بخط أسود.
٢ - نَسَخْنا "المفهم" من "ع"، واستدركنا النقص من باقي النسخ، وتبلغ عندنا (١٦) نسخة، منها كامل، ومنها ناقص أو مخروم، وقد قابلنا الأصل المعتمد على جميع ما توفر لدينا من نسخ مخطوطة، وأثبتنا الفروق الجوهرية بعد محاكمات ومناقشات، ورجوع إلى المصادر الحديثية، أو الفقهية، أو اللغوية المتعلقة بالموضوع.
٣ - ضَبَطْنا كثيرًا من الأسماء والكنى والأنساب والأحرف المشددة والألفاظ المحتملة لأكثر من وجه بالشكل في أصل النص.
٤ - ضَبَطنا الشعر، وبذلنا قصارى جهدنا في معرفة القائل والمصدر.
٥ - وحَّدنا أرقام الكتب والأبواب في التلخيص والشرح، ووضعنا عنوان
стр. 29
الباب في وسط الصفحة بخط أسود مسبوقًا بالرقم بين قوسين صغيرين هكذا ()، وبدأنا أرقام أبواب كل كتاب برقم (١).
٦ - جمعنا بين الصلاة والتسليم على رسول الله - صلي الله عليه وسلم - في كتاب المفهم كلما وجدت ومهما تكررت.
٧ - تبدأ الكتب في التلخيص والشرح بصفحة جديدة، أما الأبواب فتأتي فيهما متتابعة ومتلاحقة.
٨ - عزونا الآيات إلى مواضعها من السور، وذكرنا أرقامها ضمن قوسين هكذا [] بعد نهاية كل آية.
٩ - خرَّجنا أحاديث التلخيص في الكتب الستة ومسند الإمام أحمد.
١٠ - شرحنا الكلمات الغريبة في المفهم وخرَّجنا الأحاديث الواردة فيه، وعرَّفنا ببعض الأعلام، وذكرنا الفروق الجوهرية بين النسخ.
١١ - وضعنا الفقرات المأخوذة من التلخيص في "المفهم"، والمبدوءة بكلمة "قوله" بين قوسين كبيرين هكذا () مع البدء في أول السطر.
١٢ - وضعنا فهارس علمية للأحاديث الواردة في التلخيص، وللأحاديث الشواهد الواردة في المفهم، وفهرسًا للأشعار، وفهرسًا للموضوعات.
١٣ - قام الأستاذ محمد كمال المغربي (أبو أحمد) بتصحيح التجربة الثالثة والأخيرة، وأفاد بملاحظاته القيِّمة، فجزاه الله خيرًا.
وكلُّنا أملٌ في أن تكون هذه الخطّة مُحقِّقةً لمبتغانا في إخراج طبعة علمية، تُغني وتُفيد.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.
* * *
стр. 30
(٥) ترجمة المؤلف (*)
١ - نسبُه ونشأته:
هو أحمد بن عمر بن إبراهيم بن عمر، الأنصاريّ الأندلسيّ القرطبي المالكيّ، ضياء الدين أبو العباس. الإمام الفقيه، المُحدِّث، المدرس، الشاهد بالإسكندرية. ولد سنة ٥٧٨ هـ في قرطبة، المدينة الأندلسية الكبيرة، وهي معدنُ الفضلاء، ومنبعُ النبلاء، وإليها ينتسب كثير من كبار العلماء، كبقيٍّ بن مخلد المتوفى سنة ٢٧٦ هـ، وابن عبد البر المتوفى سنة ٤٦٣ هـ، وأبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن المفسر المتوفى سنة ٦٧١ هـ .. وغيرهم.
ولم تُسعفنا كتبُ التراجم بدقائق نشأةِ أبي العبَّاس القرطبيّ، إلا أننا نجدُ أنه عُرِفَ بابن المُزَيِّن (١)، ومن المرجَّح أن يكونَ هذا المُزيِّنُ (الحلَّاق) هو أحد أجدادِه، ونعرفُ أنه رحلَ مع أبيه من الأندلس في سن الصِّغَر (٢)، ولعلَّ هذه الرحلة كانت بقصد السَّماع من علماء المغرب، ونستشفُّ منها اهتمامَ الأب وحرصه على متابعة ابنه التحصيلَ العلميّ، بعد أن لمسَ منه الاستعداد والنبوغ.
стр. 31
ثم هاجرَ القرطبيُّ من الأندلس بعد أن أتمَّ سماعَه من شيوخ قرطبة.
وبعد أن بلغَ شأوًا من العلم، يُتيح له أن يتصدَّر حلقاتِ العلم في دَوْحات قرطبة الخضراء، وفي حلقات مساجدها الجميلة مدرِّسًا ومُحدِّثًا (١).
ولا شد أنه أتمَّ في طريق هجرته سماعَه على الشيوخ الكبار في كلٍّ من فاس وتلمسان (٢) وغيرهما من مدن المغرب، قبلَ أن يُلْقيَ عَصا التَّسيارُ في الإسكندرية.
ولم يتحدَّثْ القرطبي عن الأندلس في كتابه "المفهم" إلا في مناسبة واحدة، أشارَ فيها إلى أحوال أهلها التي أدَّتْ إلى سقوطها وضياعها:
"وقد كثر ذلك - أي: إخافة الطرق بإظهار السِّلاح قصدًا للغلبة على الفروج - في بلاد الأندلس، في هذه المدة القريبة، وظهرَ فيهم ظهورًا فاحشًا، بحيث اشتركَ فيه الشبَّانُ بالفعل، وأشياخهم بالإقرار عليه، وترك الإنكار، فسلَّطَ الله عليهم عدوَّهم، فأهلكهم، واستولى على بلادهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون".
٢ - عالم الإسكندرية:
استقرَّ المقام بأبي العبَّاس في ثغر الإسكندرية مُطِّلًا على البحر الكبير (المتوسط) يتنسَّمُ من رَوْح شواطئه الرحبة عبيرَ الأندلس الحبيب، وأريجَ المغرب العربي الكبير.
وقدْ شمَّر القرطبي في موطنه الأخير الإسكندرية، عن ساعد الجد والاجتهاد في طلب العلم من علماء المشرق، وتحصيل السماعات والإجازات
стр. 32
في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، والقدس، والقاهرة، حتى اكتملَ له نصابُ المعرفة والحفظ، وتسنَّم عن جدارة منصبَ المدرس البليغ في علوم العربية، والمحدِّث الثبت في علوم الحديث رواية ودراية، والفقيه المستحضر في المذاهب الفقهية، والشاهد العدل في الحياة العلمية والاجتماعية. وأصبحَ بعد هذا التحصيل العلميّ والثقافيّ، منارة شامخة للعلم والمعرفة، تتوسط بين مشرق العالم العربي ومغربه، ويرتحل الناس إليه من جميع الأقطار، يأخذون عنه العلم والسماع، وينتفعون بكتبه (١) ومروياته، فاستحق ما أطلقه عليه الذهبي بحق "عالم الإسكندرية" (٢) بلا منافس ولا منازع.
٣ - الفقيه المُحدِّث:
نستطيعُ بكل ثقة أن نعدَّ أبا العبَّاس القرطبيّ من العلماء الجامعيين الذين وَعَوْا في صدورهم وعقولهم علومًا عديدة ومعارف متنوِّعة، تشملُ الفقه وأصوله، والحديث ورجاله، والعربية وعلومها المتعدِّدة، والتفسير والقراءات.
ويظهرُ هذا واضحًا من خلال عنوانات كتبه، ونلمسُه من ثنايا كتابه "المفهم"، وهو الوحيد الذي وصلَنا حتى الآن من مؤلفاته، إذ نجدُه يُمسِكُ بعِنانِ قلمه، وهو يَستنتجُ قاعدةً أصولية، أو يَشرح كلمةً غريبة، أو يُفسِّر آيةً قرآنية، أو يُوضِح حكمًا فقهيًا؛ فيوقفُ دفقَ معلوماته الغزيرة في المكان والزمان المناسب، حتى لا يضيعَ المُتلقِّي في استطراداتِ مملَّة، ويُصرِّح جازمًا: "وهذا مكان استيفائه في كتب الفروع" .. أو "وهذا استقصيناه في كتابنا الأصول".
ومع ذلك فنستطيعُ أن نقطعَ جازمين، من خبرة سنوات ثلاث، رافقنا فيها ضياء الدين القرطبي، وعشنا معه في علمه الغزير، وفكره الثاقب، وغيرته المُتَّقِدَة على الاسلام والمسلمين؛ أنه أولًا: نقيه مالكيٌّ بارعٌ ومتمكِّن، بل عُدَّ
стр. 33
من أعيان المذهب، وهذا واضحٌ في "المفهم" عندما يعرضُ لمذهب مالكٍ وطريقتِه في الاستدلال، ثم المذاهب الفقهية الموافقة والمخالفة، وطرق استدلالها، ويُعلنُ أبو العبَّاس في كثير من الأحيان رأيَه الحرّ من خلال الدليل، مؤيِّدًا أو مُعارِضًا، مُستَشْهِدًا بالأدلة الواضحة والرَّاجحة.
وأنه ثانيًا: محدِّث عارفٌ، وحافظ عدلٌ، تَلقَّى مرويَّاتِه، وبخاصة الصحيحين؛ سماعًا وقراءةً على الشيوخ الأثبات، وكان حرصه ظاهرًا على رواية كلَ لفظة بالضبط التام، وهذا من أعظم مميزات شرح المشكل من تلخيص كتاب مسلم كما سنرى في منهج المؤلف رحمه الله تعالى في كتابها "المفهم".
٤ - مواقفه وآراؤه:
نسخنا، وضبطنا، عشرَ مجلدات كاملة، تزيد صفحاتها على أربعة آلاف، وكنا نُنصتُ للإمام أحمد بن عمر بيقظة تامة وحضور كامل، وهو يشرحُ كلمةً غريبة، بعد إيراد روايته لها، واستعراضِ أصلها وأوجه اشتقاقها، وتعدُّد معانيها، واختيار الأقرب والأنسب. أو وهو يتصدَّى للروايات المتعدّدة، لاستبعاد المشكل، وتأويل المختلف منها. أو وهو يكشفُ بنور إيمانه الوضَّاء ظلماتِ الأهواء الضالَّة، والدعواتِ الفاسدة.
ونتمنى في غمرة ذلك كلِّه أن يُطِلَّ علينا الإمام القرطبي بشخصه، ليُحدِّثنا عن نفسه في أي جانب من جوانب حياته الخاصَّة والعامَّة، وكان هذا قليلًا ونادرًا، وكم أثلجَ صُدورنا عندما أعلنَ في شرحه لمشكل كتاب الرؤيا أنه تردَّد في السفر من تونس إلى مصر، وهو في طريقه إلى الحجِّ، بسبب الأخبار السيئة التي سمعها عن البلاد المصرية من جهة العدو الذي غلب على دمياط. ثم رأى في المنام كأنه في مسجد النبي ﷺ وأنه قريب من منبره .. ثم عزم على السفر، ووصل المدينة المنورة، ورأى المسجد والقبر وقال: فرأيته والله في اليقظة على النحو الذي رأيته في المنام من غير زيادة ولا نقصان.
وكان هدفنا أن نصل إلى استكشاف شخصيته من كلامه، وأن نؤرِّخَ له من خلال
стр. 34
ذكرياتِه واعترافاته، وعلى الرغم من موضوعيته الحازمة وانصرافه الجَادِّ إلى شرح ما أشكلَ من تلخيص صحيح مسلم؛ فإننا أمسكنا بشيء قليل من ملامح محدَّدة عن بعض مواقفه وآرائه:
أ - هو أشعريٌّ في اعتقاده، لا يقولُ بالعلوِّ، ويَرى التأويلَ في صفات الله تعالى.
ب - ومالكيٌّ متضلِّع في مذهب الإمام مالك، ومستحضرٌ لأقواله وأدلته، ولكنه يقفُ في بعض الأحيان مع الدليل، ويُصرِّح بمعارضته لمالك فيما ذهب إليه، لأن الحجَّةَ مع الشافعيِّ، أو مع أصحاب الحديث.
جـ - وعالم عامل وملتزمٌ بأحكام الشريعة، يعرفُ الله تعالى ويعبده في ضوء هدي كتاب الله وسُنَّة رسوله ﷺ .
ويُشرعُ قلمَه كالسَّيف الصَّارم في وجوه أصحاب الشَّطْح والمَخْرقة من أدعياء الصوفية، وقد كثر أمثالُ هؤلاء في المغرب، فقيَّضَ الله من المغرب نفسه علماءَ أفذاذًا يُنافحون عن هذا الدين، ويُعيدون له صفاءَه وجِدَّته:
١ - فهو ينعي على جُهَّال العَوامِّ والمبتدعة زعيقَهم وزفيرَهم وشهيقَهم، واصفًا ذلك بأنه يُشبه نهيقَ الحمير. وذلك، لأنهم لم يُدركوا حقيقةَ الوجد والخشوع عند ذكر الله تعالى.
٢ - ويعيبُ على الذين إذا سمعوا القرآنَ صاحوا صيحاتٍ غير متزنة، مدَّعِين الخشوعَ والتأثر، ظانِّين أنهم يقتدون بذلك ببعض الصحابة الكرام والعلماء الأفاضل. ويقول: "أين الدرُّ من الصَّدَف؟ ! والمِسْك من الجيف؟ ! هيهات قياس الملائكة بالحدَّادين، والمحقِّقين بالممخرِقين! ! ".
٣ - ويصبُّ جامَ غضبه على من يدّعي أن الأحكام والتكاليف الموجودة في القرآن والسُّنَّة إنما هي للعوام! أما الخواصُّ الأصفياءُ؛ فهؤلاء فوقَ التكليف،
стр. 35
وأحكامهم تنبعُ من قلوبهم "حدثني قلبي عن ربي".
ويقررُ أن من يقولُ هذا كافرٌ يُقتل ولا يُستتاب ..
د - وهو عالم غيور، ومؤمنٌ صادق، يُعيدُ برأيه الشديد كلَّ من حادَ عن الجادة أو جانبَ الصواب، فيقول: "مهما كنتَ لاعبًا بشيء فإيَّاك أن تلعبَ بدينك".
ويستهجنُ، بل ويُسخِّف بكل رأي مخالف ومتهافت كقول الحريري في تسويغ التسوُّل والإلحاح فيه قياسًا على سؤال موسى ﵇ والخضر طعام الضيافة من أهل القرية؛ عندما يقول:
فإنْ رُدِدْتَ فما بالردِّ مَنْقَصَةٌ ... عليكَ قد رُدَّ موسى قبلُ والخضِرُ
ويردُّ بالحجج المتلاحقة على من فضَّل الخَضِر على موسى ﵇.
وأمثال هذه المواقف الشجاعة كثيرة النظائر؛ اكتفينا بإيراد بعضها لئلا نُطيل.
٥ - شيوخه وتلاميذه:
أ - شيوخه:
١ - أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن حفص اليحصبي، وصفَه القرطبي: بالشيخ الفقيه القاضي المحدث الثقة الثبت. قرأ عليه "صحيح مسلم"، والشيخ يُمسك أصله نحو المرتين بقرطبة، في مدة آخرها شعبان سنة ٦٠٧ هـ.
٢ - أبو محمد عبد الله بن سليمان بن داود بن حوط الله، المتوفى سنة ٦١٢ هـ، وصفه بالشيخ الفقيه القاضي الأعدل، العلم الأعلم. وروى عنه "صحيح مسلم"، قراءة عليه، وسماعًا لكثير منه، وإجازة لسائره، وذلك بقرطبة في مدة آخرها سنة ٦١٢ هـ. ثم سمع منه بتلمسان.
стр. 36
٣ - أبو إبراهيم عوض بن محمود تقي الدين. وصفه بالشيخ الفقيه الزاهد الفاضل. قرأ عليه "صحيح مسلم" كله بمصر.
٤ - أبو الحسين مرتضى بن العفيف المقدسي، ووصفه بالشيخ الفقيه المحدث الزاهد التلَّاء للقرآن.
لقيه بقرافة مصر، وسمع عليه، وقرأ عليه، وأجاز له جميع رواياته.
٥ - أبو الفضل بن الحباب، القاضي فخر القضاة، أجاز له.
وهؤلاء المشايخ الثلاثة، روَوْا "صحيح مسلم" عن الشيخ أبي المفاخر المأموني، راوي "صحيح مسلم" بمصر والمتوفى سنة ٥٧٦ هـ.
٦ - أبو ذر بن محمد بن مسعود الخشني المتوفى سنة ٦٠٤ هـ. ذكره في كتاب "المفهم" كثيرًا بقوله: "شيخنا" ونقل عنه ضبط كثير من الألفاظ الغريبة.
٧ - أبو الصبر أيوب بن محمد الفهري السبتي. قال في "المفهم": وقد وجدت في أصل شيخنا أبي الصبر.
٨ - أبو القاسم عبد الرحمن بن عيسى بن الملجوم الأزدي، التقى به بفاس (١).
٩ - أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن التُّجيبي المتوفى سنة ٦١٠ هـ. وسمع منه بتلمسان.
ب - تلاميذه:
ذاع صيت أبي العباس في المغرب والمشرق، وطبَّقت شهرته الآفاق في الفقه والحديث، وأخذ عنه العلم سماعًا وإجازة تلاميذ كثيرون، نبغ منهم مصنفون كبار، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر:
стр. 37
١ - أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح القرطبي المتوفى سنة ٦٧١ هـ. وهو صاحب كتاب الجامع لأحكام القرآن، وكتاب التذكرة في بيان أحوال الآخرة. وقد نقل من كتاب المفهم في تفسيره نقولًا كثيرة، وذكره في شيوخه وحدث عنه (١).
٢ - أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي المتوفى سنة ٧٠٥ هـ، قال عن شيخه أبي العباس: أخذت عنه، وأجاز لي مصنفاته (٢).
٣ - أبو الحسن بن يحيى القرشي، وقد ذكره في معجم شيوخه، وقال عنه: اجتمعت به وأخذتُ عنه شيئًا (٣).
أما أسرته: فلم نجد عنها أخبارًا، سوى أنه تزوَّج امرأة، وقبل الدخول بها حُدِّث عن صفتها ما أوقع في قلبه نفرةً، فأُريها في النوم على الصفة التي كانت عليها في بيتها، ثم إنه لما اجتمع بها وجدها هي التي أُريها في النوم.
٦ - كتبه:
١ - المفهم في شرح ما أشكل من تلخيص كتاب مسلم. وهو من أشهر كتبه وهو كتابنا هذا الذي نقوم بتحقيقه على (١٦) نسخة خطيَّة، وقال عنه ابن فرحون: وهو من أجل الكتب، ويكفيه شرفًا اعتماد الإمام النووي عليه في شرحه لصحيح مسلم.
٢ - تلخيص صحيح مسلم، طُبع بالقاهرة محققًا، ونقوم بتحقيقه على أصلين خطيين، وطبعه من جديد مع المفهم.
стр. 38
٣ - مختصر البخاري، ذكره ابن فرحون، وأوله: باب إسلام عمر بن الخطاب.
٤ - كتاب في أصول الفقه، ذكره مرارًا في كتاب "المفهم" وأحال عليه كثيرًا.
٥ - الإعلام بمعجزات النبي ﵊، ذكره كثيرًا في كتاب النبوات، وأحال عليه في باب ذكر إبراهيم ﵇، وفي باب ميراث الكلالة، وباب كونه ﷺ مختارًا من خيار الناس (١) ...
٦ - كشف القناع عن حكم مسائل الوجد والسماع، ذكره ابن فرحون في الديباج المذهب، قول المقري عنه: أجاد فيه وأحسن. وذكره القرطبي في "المفهم" في كتاب الجهاد (باب التحصن وحفر الخنادق).
٧ - جزء حديثي في إظهار إدبار من أباح الوطأ بالأدبار، ذكره في "المفهم" في كتاب النكاح (باب قوله تعالى: نساؤكم حرث لكم).
٨ - جزء حسن في حديث أن شارب الخمر لا تُقبل منه صلاة أربعين يومًا. ذكره في كتاب الإيمان (باب رقم ٢٢).
٩ - جزء في حكم الطلاق ثلاثًا بلفظة واحدة، اتبع فيه طريقة السؤال والجواب. ذكره في كتاب "المفهم" في كتاب الطلاق (باب إمضاء الطلاق الثلاث من كلمة).
١٠ - كتاب شرح التلقين، ذكره في "المفهم" في كتاب الطهارة (باب رقم (٥) وقال: أعان الله على إتمامه). ولعله شرح لكتاب "التلقين في الفروع" للقاضي عبد الوهاب بن علي البغدادي المالكي المتوفى سنة ٤٢٢ هـ.
стр. 39
٧ - وفاته:
وفي ٤ ذي القعدة من عام ٦٥٦ هـ حُمَّ القضاء وبلغ الكتاب أجله، وتوفي أبو العباس القرطبي، ودفن بالإسكندرية رحمه الله تعالى وأرضاه، ورحم الله أبا العتاهية حين يقول:
أيا هادم اللذات! ما منك مهربٌ ... تحاذر نفسي منك ما سيُصيبها
رأيت المنايا قُسِّمت بين أنفسٍ ... ونفسي سيأتي بعدهن نصيبُها
стр. 40
صور النسخ المخطوطة
١ - صور مخطوطات "التلخيص".
٢ - صور مخطوطات "المفهم".