← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

وقال أحمد بن جَواش: كان ابن المبارك يتأسف على سفيان ويقول: لِمَ لَمْ أطرح نفسي بين يدي سفيان ما أصنع بفلان وفُلان. وقال يونس بن عُبيد: ما رأيت أفضل من سفيان الثوري فقال له رجل: تقول هذا، وقد رأيت سعيد بن جبير وعطاء ومجاهدًا؟! فقال: هو والله ما أقول، ما رأيت أفضل من سفيان. وُلد سنة سبع وتسعين، ومات سنة ستين ومائة، وقيل: إحدى بالبصرة، وادعى ابن سعد الإجماع عليه. قَالَ ابن معين: كل مَنْ خالف الثوري فالقول قول الثوري، ولَمْ يكن أحد أعلم بحديث ابن إسحاق منه، وكان يُدلس (١)، وعن عبد الرزاق قَالَ: بَعث أبو جعفر الخشابين قُدامه حين خرج إلى مكة، وقال: إذا رأيتم سُفيان فاصلبوه فوصلوا مكة، ونصبوا الخَشبة، ونودي سفيان فماذا رأسه في حجر الفضيل بن عياض، ورجله في حجر ابن عيينة، فقالوا: لا تشمت بنا الأعداء، فأخذ بأستار الكعبة وقال: برئت منه إن دخلها، فمات أبو جعفر قبل أَنْ يدخل مكة (٢). فائدة: سُفيان هذا أحد أصحاب المذاهب المتبوعة كما أسْلفته أوائل الكتاب.

стр. 1122

وأمَّا الراوي عنهُ فهو: قبيصة (١) بن عقبة بن محمد بن سفيان بن عُقبة بن ربيعة بن (جنيدب) (٢) بن رباب (٣) بن حبيب بن سواءة بن عامر بن صعصعة، أبو عامر السوائيُّ، الكوفي، أخو سُفيان بن عُقبة، روى عن الثوري وغيره من الكِبار، وليس له عن ابن عيينة شيء، وعنه الأعلام، منهم: أحمد، والذهلي، والبخاري، وكان من الصالحين. وهو مختلف في توثيقه وجرحه، واحتجاج البخاري به في غير موضع كاف، وقال يحيى بن معين: ثقة في كل شيء إلا في حديث سُفيان الثوري ليس بذاك القوي. وقال يحيى بن آدم: كثير الغلط في سفيان كأنهُ كان صغيرًا لم يضبط، وأمَّا في غيره فهو ثقة رجل صالح، وعَنْ قبيصة أنَّهُ قَالَ: جالستُ الثوري وأنا ابن لست عشرة سنة ثلاث سنين. وروى مسلم في: الجنائز حديثًا واحدًا عن ابن أبي شيبة عنهُ عن الثوري (٤)، وروى أبو داود وابن ماجه والنسائي والترمذي بواسطة، والبخاري في "الأدب" عن يحيى بن بشر عنه (٥)، ومسلم في مقدمته

стр. 1123

عن الحلواني، عن الحماني، عن قبيصة وأخيه سفيان (١)، والنسائي عن ولده عقبة عن أبيه في: "أفطر الحاجم" (٢). مات في المُحرم سنة ثلاث عشرة ومائتين كذا في شرح شيخنا قطب الدين، وقال النووي في "شرحه": مات سنة خمس عشرة ومائتين، وهما قولان حكاهما المزي في "تهذيبه" حكى الأول عن معاوية، وحكى الثاني عن جماعة (٣). وأما الإسناد الأول فالراوي عَنْ أبي هريرة مالك بن أبي عامر، أبو أنس الأصبحي المدني (٤)، جدّ مالك الإمام، ووالد أنس والربيع ونافع، وأويس، حليف عثمان بن عبد الله أخي طلحة التميمي القرشي. سمع عُمر وغيره، وعنهُ سُليمان بن يسار، وغيره. مات سنة اثنتي عشرة ومائة وهو ابن سبعين أو اثنتين وسبعين. فائدتان: الأولى: أخرج مسلم لأبي أنس عن عثمان حديثًا في الوضوء من طريق وكيع عَنْ سُفيان عَنْ أبي النضر عن أبي أنس عن عثمان (٥)، وحديثًا في الرِّبا من حديث سليمان بن يسار عنهُ (٦).

стр. 1124

فاستدرك الدارقطني وغيره الأول فقالوا: خالف وكيعًا لعلها زيادة أصحاب الثوري الحفاظ حيث رووه عَنْ الثوري، عَنْ أبي النضر، عن بسر بن سعيد، عن عثمان وهو الصواب (١)، وقال مالك في "الموطأ" في الحديث الثاني أنَّهُ بلغهُ عن جده أن عثمان (٢). الثانية: صرح مالك في: الإيمان بسماع جده مِنْ طلحة بن عُبيد الله (٣)، وكذا صرَّح به ابن سعد (٤)، وفيه نظر، كما نبَّه عليه المنذري حيث قَالَ: كيف يصح سماعه منه وأنَّه توفي سنة اثنتي عشرة ومائة وهو ابن سبعين أو اثنتين وسبعين، وعلى هذا يكون مولده سنة أربعين مِنْ الهجرة، ولا خلاف أن طلحة قتل يوم الجمل سنة ست وثلاثين من الهجرة. والإسناد صحيح أخرجه الأئمة، وفيه أنَّهُ سَمع طلحة بن عبيد الله، فلعلَّ السَّبعين صوابها التِّسعين وتصحفت بها، وقد ذَكر أبو عمر أنَّهُ توفِّيَ سنة مائة أو نحوها، فعلى هذا يكون مولده سنة ثمان وعشرين، ويمكن سماعه منه. قُلْتُ: وعلى الأول روايته عن عمر أشكل؛ فإنه مات سنة ثلاث وعشرين فكيف يصح له قوله: شهدت عمر عند الجمرة، وأصابه حجر فدماه وذكر الحديث وفيه: فلمَّا كان مَنْ قابل أُصيب عمر. رواه ابن سعد فقال: أخبرنا يزيد بن هارون، أنا جرير بن حازم، عن عمه

стр. 1125

جرير بن زيد، عَنْ مالك بن أبي عامر قَالَ: شهدت عمر، الحديث (١)، فتنبه لذلك، وتبعه النووي في "شرحه". (وقد نبه المزي أيضًا على هذا الوهم في الوفاة في أنها سنة اثنتي عشرة ومائة كما أسلفناه، مع السن المذكور، والناقل لذلك هو صاحب "الكمال" عن الواقدي، رواه عنه ابن سعد، وقال المزي في حاشية "تهذيبه": إنه خطأ لا شك فيه، فإنه قد سمع من عمر فمن بَعْدَه، ونقل في أصل "تهذيبه" عن ولده الربيع أن والده هلك حين اجتمع الناس على عبد الملك، يعني: سنة أربع وسبعين (٢)، وجزم به في "الكاشف" فاتضح ذَلِكَ) (٣) وأمَّا ولده نافع فهو أبو سُهيل المدني (٤) عم الإمام مالك، سمع أنس بن مالك الصحابي، وأباه، وجمعًا من التابعين، وعنة: الزهري ومالك وآخرون. قَالَ أحمد وأبو حاتم: ثقة. وأمَّا إسماعيل (٥) فهو: أبو إبراهيم، إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري الزرقي، مولاهم المدني، قارئ أهل المدينة، وهو أخو محمد، ويحيى، وكثير، ويعقوب بن جعفر، سَمع جمعًا من التابعين منهم: عبد الله بن دينار، وغيرهم، وعنهُ جمع مِنْ الأعلام منهم: قُتيبة.

стр. 1126

مات ببغداد سنة ثمانين ومائة. قَالَ يحيى بن معين: ثقة مأمون قليل الخطأ صدوق. وقال أبو زرعة وأحمد وابن سعد: ثقة. قَالَ ابن سعد: كان من أهل المدينة قدم بغداد فلمْ يزل بها حتى مات (١). وأما سليمان فهو أبو الربيع، سليمان بن داود الزهراني (٢) [العتكي، سكن بغداد، وسمع كبار الأئمة منهم مالك، وعنهُ الحفاظ: أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وروى النسائي عَنْ رجل عنهُ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو يعلى الموصلي، والبغوي. وثقه ابن معين وغيره، ومات بالبصرة سنة أربع وثلاثين ومائتين (٣). فائدة: في الإسناد الأول لطيفة، وهي أنهم كلهم مدنيون إلا أبا الربيع. وفي الإسناد الثاني لطيفة، وهي أنهم كلهم كوفيون إلا عبد الله بن عمرو، وفيه لطيفة ثانية، وهي رواية ثلاثة من الأتباع بعضهم عن بعض: الأعمش، وابن مُرة، ومسروق. الوجه الثالث: مُراد البخاري ﵀ بإيراد هذين الحديثين هنا أنَّ المعاصي تنقص الإيمان كما أَنَّ الطاعات تزيده.

стр. 1127

الوجه الرابع: في بيان ألفاظه ومعانيه: فقوله ﷺ : "آية المنافق" أي علامته، وقد فسَّر البخاري الحديث بالترجمة حيث قَالَ: باب علامات المنافق. والنِّفاق زَعَم ابن سيده أنَّه الدخول في الإسلام من وجه، والخروج عنه من وجه، مُشتق من نافقاء اليربوع، إسلامية، وقد نافق منافقة ونفاقًا، والنَّافقاء والنُّفَقة جحر الضب واليربوع، وقيل: هما موضع يرققه اليربوع من جحره فإذا أُتي من القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فخرج (١). وقال القزاز: يُقال: نافق اليربوع ينافق فهو منافق إذا فعل ذَلِكَ، وكذلك نَفقَ يُنفقُ فهو مُنافق من هذا. وقيل: المنافق مأخوذ من النفق وهو السِّرب تحت الأرض، يراد أنه يتستر بالإسلام كما سُتر صاحب النفق فيه، وجمع النفق: أنفاق، وجاء على فَعال، وأكثر ما يجيء على فِعال ما كان من اثنين، وإنما جاء على هذا عندهم؛ لأنه بمنزلة خادع وراوغ، وقيل: بل؛ لأنه يقابل بقبول الإسلام منه، فإِنْ علم أنَّهُ مُنافق فقد صار الفعل مِنْ اثنين، وسُمِّيَ الثاني باسم الأول مجازًا؛ للازدواج كقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤]. وقال ابن الأنباري: في تسمية المُنافق ثلاثة أقوال: أحدها: لأنه يستر كفره فأشبه داخل النفق للستر. ثانيها: لشبهه باليربوع كما سلف، فالمنافق يخرج من الإيمان من غير الموضع الذي دخل فيه.

стр. 1128

ثالثها: أنَّ اليربوع يخرق الأرض حتى يرق تراب ظاهرها، فإذا رابه أمرٌ رفعه وخرج. فظاهر جحره تراب، وباطنه حفر، فكذلك المنافق باطنه الكفر وظاهره الإيمان، فشبه به. قَالَ مالك فيما حكاه القرطبي: النفاق على عهد رسول الله ﷺ هو الزندقة عندنا اليوم (١). والكذب نقيض الصِّدق، وله مصادر ليس هذا موضع استقصائها. والوعد، قَالَ الفراء: يُقال: وعدته خيرًا، ووعدته شرًّا بإسقاط الألف فإذا أسقطوا الخير والشر قالوا في الخير: وعدته، وفي الشر: أوعدته، وفي الخير: الوعد والعِدَة، وفي الشر: الإيعاد والوعيد، فإذا قالوا: أوعدته بالشر أُثبت الألف مع الباء. وقال ابن الأعرابي: أوعدته خيرًا وهو نادر. وقال الجوهري: تواعد القوم أي: وعد بعضهم بعضًا، هذا في الخير، وأمَّا في الشر فيُقال: اتعدوا، والاتعاد أيضًا: قبول الوعد، وناس يقولون: ائتعد يأتعد فهو مُؤتعد بالهمز. كذا في "الصحاح" (٢)، وقال ابن بري: الصواب ترك الهمزة. وكذا ذكره سيبويه وأصحابه وجميع النحويين. والخيانة: أنْ يؤتمن الإنسان فلا ينصح، قاله ابن سيده (٣). والغدر: ترك الوفاء. قَالَ الجوهري: غَدَر به فهو غادر وَغُدَرُ أيضًا، وأكثر ما يُستعمل هذا في النداء بالشتم (٤). وقال صاحب "المجمل":

стр. 1129

الغدر: نقض العهد وتركه (١). قلت: وفتح الدال من غدَر أفصح من كسرها، وفي المضارع الضم والكسر. ومعنى: (فجر): مال عن الحق وقال الباطل والزور، وأصله: الميل عن القصد، والخصلة: الخلة. كما جاء في مسلم -بفتح الخاء فيها- وأما الخُلة -بضم الخاء- فهي: الصداقة. الوجه الخامس: في فقهه: حصل من مجموع الروايتين أن خصال المُنافق خمس: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، وإن كانت الخصلة الرابعة داخلة في الثالثة؛ لأن الغدر خيانة ممن ائتمن عليه من عهده، ولا مُنافاة بين الروايتين، فإن الشيء الواحد يكون له علامات كل واحدة منها تحصل بها صفته ثم قد تكون تلك العلامة شيئًا واحدًا وقد تكون أشياء. وروى أبو أمامة موقوفًا: وإذا غنم غل وإذا أُمر عصى، وإذا لقي جَبُن (٢). ثم هذا الحديث عَدَّه جماعة من العلماء مشكلًا من حيث أن هذِه الخصال قد توجد في المسلم المصدق الذي ليس فيه شك، وقد أجمعت الأمة على أن من كان مصدقًا بقلبه ولسانه وفعل هذِه الخصال لا يُحكم عليه بكفرٍ، ولا هو مُنافق يُخلَّد في النار؛ قالوا: وقد جمعت إخوة يوسف ﵇ هذِه الخصال ( … ) (٣) لبعضهم بعضها أو كلها وانفصلوا عنه بأوجه:

стр. 1130

أظهرها: أن هذِه خصال نفاق وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذِه الخصال ومتخلق بأخلاقهم، فإن [النفاق] (١) إظهار ما يبطن خلافه وهذا المعنى موجود في صاحب هذِه الخصال، ويكون نفاقه خاصًّا في حق من حدثه ووعده وائتمنه وعاهده وخاصمه من الناس، لا أنه منافق في الإسلام يظهره ويبطن الكفر، فهذا هو المراد لا أنه أراد نفاق الكفار الذي يخلد صاحبه في الدرك الأسفل من النار (٢). وقوله ﷺ : "كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا" معناه: شديد الشبه بالمنافقين؛ بسبب هذِه الخصال، وقد روي عن عمار موقوفًا: ثلاث إذا كن في عبد فلا تتحرج أن تشهد عليه أنه منافق (٣) … ، ومن كان إذا حدَّث صدق، وإذا وعد أنجز، وإذا اؤتمن أدى فلا تتحرج أن تشهد أنه مؤمن (٤). قَالَ الخطابي: وقد روي: "سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ" (٥) وإنما هو كفر دون كفر وفسوق دون فسوق، وكذلك يكون نفاق دون نفاق (٦). قَالَ بعض العلماء: وهذا فيمن كانت هذِه الخصال غالبة عليه، فأما

стр. 1131

من ندر ذَلِكَ منه فليس داخلًا فيه. وقد نقل الترمذي معناه عن العلماء مطلقًا فقال: إنما معنى هذا عند أهل العلم نفاق العمل (١). وأجاب هؤلاء عن قصة إخوة يوسف بأن هذا لم يكن عادة لهم إنما حصل منهم مرة واستغفروا وحللهم صاحب المظلمة. الوجه الثاني: أن المراد: المنافقون الذين كانوا في زمنه ﷺ ، الذين حدثوا بإيمانهم فكذبوا، وائتمنوا على دينهم فخانوا، ووعدوا في النصرة فخالفوا، وفجروا في خصوماتهم، وهذا قول سعيد بن جبير وعطاء، ورجع إليه الحسن بعد أن كان على خلافه. وهو مروي عن ابن عمر وابن عباس، ويروى عنهما مرفوعًا: "ما لكم ولهن إنما خصصت به المنافقين أما قولي: إذا حدث كذب فذلك فيما أنزل الله عليَّ: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١] الآية أفأنتم كذلك؟ " قلنا: لا. قَالَ: "فلا عليكم، أنتم من ذَلِكَ براء، وأما قولي: إذا وعد أخلف فذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ﴾ [التوبة: ٧٥] الآيات الثلاث، أفانتم كذلك؟ " قلنا: لا. قَالَ: "لا عليكم أنتم براء، وأما قولي: إذا ائتمن خان، فذلك فيما أنزله الله عليَّ ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢] الآية، فكل إنسان مؤتمن على دينه، فالمؤمن يغتسل من الجنابة ويصلي ويصوم في السر والعلانية، والمنافق لا يفعل ذَلِكَ إلا في العلانية أفأنتم كذلك؟ " قلنا: لا. قالَ: "لا عليكم أنتم من ذَلِكَ براء" (٢). قَالَ القاضي: وإلى هذا القول مال كثير من أئمتنا (٣).

стр. 1132

الوجه الثالث: أنه وارد في منافق بعينه، وكان ﷺ لا يواجههم بالصريح من القول وإنما يشير إليهم بالإشارة والعلامة. وقال حذيفة: ذهب النفاق، وإنما كان على عهد رسول الله ﷺ ولكنه الكفر بعد الإيمان، فإن الإسلام شاع وتوالد الناس عليه، فمن نافق فهو مرتد (١). رابعها: إنه محمول على من غلبت هذِه الخصال عليه وهذا سلف، فحذر المسلم من اعتياد هذِه الخصال؛ خوفًا من إفضائها إلى النفاق. قَالَ الخطابي: وكلمة (إذا) تقتضي تكرار الفعل (٢). وسُئل مالك ﵀ عمن جرب عليه كذب، فقال: أي نوع من الكذب؟ لعله إذا حدث عن غضادة عيش سلف زاد في وصفه وأفرط في ذكره، أو عما رآه في سفره، فهذا لا يضره، إنما يضر من حدث عن الأشياء بخلاف ما هي عليه عامدًا للكذب. قَالَ الخطابي وقد جاء في حديث: "التاجر فاجر" (٣) و"أكثر منافقي أمتي قراؤها" (٤)، ومعناه: التحذير من الكذب، إذ هو في معنى الفجور

стр. 1133

فلا يوجب أن يكون التجار كلهم فجارًا، والقراء قد يكون من بعضهم قلة إخلاص للعمل وبعض الرياء ولا يوجب أن يكونوا كلهم منافقين (١). فرع: يستحب الوفاء بالوعد بالهبة وغيرها استحبابًا مؤكدًا، ويكره إخلافه كراهة تنزيه لا تحريم؛ لأنه هبة لا تلزم إلا بالقبض، قَالَ الغزالي في "الإحياء": وإخلاف الوعد إنما يكون كذبًا إذا لم يكن في عزمه حين الوعد الوفاء به، أما لو كان عازمًا عليه ثم بدله فليس بكذب.

стр. 1134

فرع: يستحب أن يعقب الوعد وغيره من الأخبار المستقبلة بالمشيئة؛ ليخرج عن صورة الكذب. فرع: يستحب إخلاف الوعيد إذا كان المتوعد به جائزًا ولا يترتب على تركه مفسدة. فائدة: عن وهب الذماري: صفة المنافق: تحيته لعنة، وطعامه سحت، وغنيمته غلول، صخب النهار، خشب الليل (١). وعن الحسن: المنافق إذا صلى راءى بصلاته، وإذا فاتته لم يأسَ عليها، ويمنع زكاة ماله (٢).

стр. 1135

٢٥ - باب قِيَامُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنَ الإِيمَانِ ٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأعرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". [٣٧، ٣٨، ١٩٠١، ٢٠٠٨، ٢٠٠٩، ٢٠١٤ - مسلم: ٧٦٠ - فتح: ١/ ٩١] حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ أَبنا شُعَيْبٌ نَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري في الصيام مطولًا (١) وأخرجه (٢). ثانيها: في التعريف برجاله: وقد سلف ذكرهم. ثالثها: في ألفاظه: معنى: قوله: ("إيمانًا") أي: تصديقًا بأنه حق فصدق بفضل صيامه وقيامه. وقوله: ("احتسابًا") أي: يريد به وجه الله تعالى بريئًا من رياء وسمعة، فقد يفعل ما يعتقد صدقه لا مخلصًا، بل رياء أو خوفًا من قاهر أو من فوات منزلة ونحو ذَلِكَ.

стр. 1136

رابعها: في فوائده: الأولى: الحث على قيام رمضان، سيأتي بسطه في بابه إن شاء الله. الثانية: الحث على الإخلاص واحتساب الأعمال. الثالثة: وقع هنا فعل الشرط مضارعًا والجواب ماضيًا والنحاة يستضعفونه، ومنهم من منعه إلا في ضرورة الشعر وأجازوا عكسه كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ﴾ [هود: ١٥]، ومن أجاز الأولى احتج بهذا الحديث وشبهه، ومنه: قول عائشة في الصديق: متى يقم مقامك رق (١)، وكذا جاء في بعض طرق الحديث.

стр. 1137

٢٦ - باب: الْجِهَادُ مِنَ الإِيمَانِ ٣٦ - حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنِا عُمَارَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "انْتَدَبَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبيلِهِ -لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي- أَنْ أُرْجعَهُ بمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، أَوْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا قعَدْتُ خَلفَ سَرِيَّةٍ، وَلوَدِدْتُ أنِّي أقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ أحْيَا، ثمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ". [٢٧٨٧، ٢٧٩٧، ٢٩٧٢، ٣١٢٣، ٧٢٢٦، ٧٢٢٧، ٧٤٥٧، ٧٤٦٣ - مسلم: ١٨٧٦ - فتح: ١/ ٩٢] نَا حَرَمِيُّ بْنُ حَفْصٍ نَا عَبْدُ الوَاحِدِ نَا عُمَارَةُ نَا أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرو بْنِ جَرِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ قالَ: "انْتَدَبَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ بِي أَو تَصْدِيقٌ بِرُسُلِي أَنْ أُرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، أَوْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا تخلفت خَلْفَ سَريَّةٍ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أقْتَلُ". الكلام عليه من وجوه: أحدها: أخرج البخاري في الجهاد عن أبي هريرة مرفوعًا: "مَثَلُ المُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ -والله أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ- كَمَثَلِ الصَّائِمِ القَائِمِ، وَتَوَكَّلَ اللهُ لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِهِ بِأَنْ يَتَوَفَّاهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ سَالِمًا مَعَ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ" (١).

стр. 1138

وأخرجه مسلم (١) في الجهاد عن زهير، عن جرير، وعن أبي بكر وأبي كريب، عن ابن فضيل عن عمارة به. وفي لفظ مسلم: "يضمن الله" وفي بعضها: "يكفل الله". الوجه الثاني: ترجم البخاري لهذا الحديث بأن الأعمال من الإيمان؛ أنه لما كان الإيمان هو المُخْرج له في سبيله كان الخروج إيمانًا، تسمية للشيء باسم سببه كما قيل للمطر: سماء لنزوله منها وللنبات: نوء، لأنه ينشأ عنه. الوجه الثالث: في التعريف برواته: أما أبو هريرة فسلف، وأما أبو زرعة فاختلف في اسمه على أقوال أشهرها: هرم، وقيل.: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: عمرو بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي، سمع خلقًا من الصحابة منهم جده، وعنه جمع من التابعين بالاتفاق (٢). وأما عُمارة فهو -بضم العين- ابن القعقاع -بقافين- بن شبرمة ابن أخي عبد الله بن شبرمة الكوفي الضبي ثقة، عنه الأعمش وغيره، وروى عن جماعة (٣). وأما عبد الواحد فهو: أبو بسر، ويقال: أبو عبيدة، عبد الواحد بن زياد العبدي مولاهم البصري؛ سمع جماعات من التابعين وغيرهم، وعنه: أبو داود الطيالسي وغيره، وثقوه، مات سنة سبع وقيل: ست

стр. 1139

وسبعين ومائة (١). وأما حرمي فهو: أبو علي، حرمي -بفتح الحاء والراء- بن حفص ابن عمر العتكي، القسملي، البصري. روى عن: حماد بن سلمة وغيره، وعنه: المقدمي وغيره، وانفرد به البخاري عن مسلم، وروى أبو داود والنسائي عن رجل عنه، وأطلق النووي في "شرحه" أنهما رويا عنه كما أطلقنا أيضًا قريبًا، مات سنة ثلاث وقيل: ست وعشرين ومائتين (٢). فائدة: القَسْمَلي -بفتح القاف والميم وسكون السين منها- نسبة إلى القساملة قبيلة من الأزد نزلت البصرة فنسبت المحلة إليهم أيضًا، وهذا منسوب إلى القبيلة كذا قَالَ السمعاني: إنها نسبة إلى القساملة؛ واعترض ابن الأثير في "مختصره" (٣) فقال: ليس كذلك؛ فإنها القبيلة وإنما النسبة إلى الجد وهو: قسملة واسمه معاوية بن عمرو بن مالك بن فهر بن غنم بن دوس بن عدنان، ووقع في القطعة التي على هذا الكتاب للنووي أن القسملي -بكسر القاف والميم- وكأنه سبق قلم، وصوابه: فتحهما.

стр. 1140

الوجه الرابع: في ألفاظه ومعانيه: وقد أوضحته في "شرح العمدة" (١) أكمل إيضاح، ونذكر هنا نبذة منه: الأولى: معنى: ("انْتَدَبَ اللهُ"): ضمن وتكفل كما جاء في رواية أخرى وقيل: أجاب رغبته يقال: ندبه لأمر فانتدب. أي: دعاه فأجاب، وقال ابن بطال: أوجب وتفضل أي: حقق وأحكم أن ينجز له ذَلِكَ لمن أخلص (٢)، وقيل: معناه: سارع بثوابه وحسن جزائه. حكاه القاضي (٣). وما ذكرنا أن انتدب -بالنون- هو المشهور في رواية بلادنا، وحكاه القاضي عن رواية أبي داود، وحكي عن القابسي ائتدب بهمزة صورتها باء من المأدبة (٤)؛ يقال: دبه القوم -مخففًا- إذا دعاهم ومنه: "القرآن مأدبة الله في أرضه" (٥) ومعناه: أجاب الله من دعاه إلى غفرانه وكل ذَلِكَ عبارة عن تحقيق هذا الموعود من الله تعالى على وجه التفضل والامتنان.

стр. 1141

وهذا الضمان لعله المشار إليه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١١] الآية، قَالَ بعض الصحابة: ما أبالي قُتلْتُ في سبيل الله أو قَتَلْتُ، ثم تلى هذِه الآية. الثانية: قوله: ("لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي") وهو بالرفع فيهما؛ لأنه فاعل يخرجه والاستثناء مفرغ، وهو في مسلم بالنصب في جميع نسخه ووجهه على أنه مفعول له، التقدير: لا يخرجه المخرج ويحركه المحرك إلا الإيمان والتصديق، ومعناه: لا يخرجه إلا محض الإيمان والإخلاص لله تعالى. الثالثة: معنى قوله: ("إِيمَانٌ بِي") أي: إيمان بوعدي لمجازاتي له بالجنة على جهاده وتصديق رسولي في ذَلِكَ. الرابع: عدوله عن ضمير الغيبة في قوله: إيمان به وتصديق برسوله إلى الحضور يحتاج إلى تقدير كما في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] أي: يقال لهم: أكفرتم؟ ونظائره. الخامس: ("أرجعه") -بفتح الهمزة- أي أرده ثلاثي، وهذيل تقول: أرجع رباعيًا، والنيل: العطاء. السادس: (أو) في قوله "أو غنيمة" للتقسيم بالنسبة إلى الغنيمة وعدمها، فيكون المعنى: أنه يرجع مع نيل الأجر إن لم يغنموا ومعه إن غنموا، ويحتمل أن يكون (أو) هنا بمعنى الواو مع أجر وغنيمة، وكذا وقع بالواو في مسلم (١) في رواية يحيى بن يحيى، و"سنن أبي

стр. 1142

داود" (١). وقد قيل في قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] معناه: ودين، وقيل: من وصية ودين أو دين دون وصية. السابع: قوله: ("أَوْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ") يحتمل دخولها إثر موته كما قَالَ في الشهداء أنهم أحياء عند ربهم يرزقون، وقال رسوله ﷺ : "أرواح الشهداء في الجنة" (٢). ويحتمل أن يكون المراد: دخوله عند دخول السابقين والمقربين لها دون حساب ولا عقاب ولا مؤاخذة بذنب، وأن الشهادة كفارة لذنوبه، كما ثبت في الحديث الصحيح: "القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين" (٣). الثامن: قوله: ("وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا تخلفت خَلْفَ سَرِيَّةٍ"). سبب المشقة صعوبة تخلفهم بعده، ولا يقدرون على المسير معه لضيق حالهم ولا قدرة له على حملهم كما جاء مبينًا في حديث آخر. الوجه الخامس: في فوائده: الأولى: فضل الجهاد وفضل القتل في سبيل الله تعالى. الثانية: الحث على حسن النية.

стр. 1143

الثالثة: بيان] (١) شفقته ﷺ على أمته ورأفته بهم. الرابعة: استحباب طلب القتل في سبيل الله. الخامسة: جواز قول الإنسان: وددت كذا من الخير الذي يعلم أنه لا يحصل، وهو أحد التأويلات في قوله: "نيَّةُ المؤمنِ خيرٌ مِنْ عملِه" (٢). السادسة: البداءة بأهم المصلحتين عند التعارض وترك بعض المصالح لمصلحة أرجح منها أو لخوف مفسدة تزيد عليها. السابعة: تمني الشهادة وتعظيم أجرها. الثامنة: عدم نقصان الأجر بالغنيمة؛ فإنها بفضل الله، والأجر على القتال، وأهل بدر أفضل المجاهدين ولم ينقصهم أخذهم الغنيمة. فإن قُلْتَ: فما نعمل في الحديث الآخر الثابت في الصحيح: "ما من غازية أو سرية تغزو وتغنم وتسلم إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجرهم، وما من غازية أو سرية تخفق أو تصاب إلا تم أجورهم" (٣) والإخفاق أن تغزو فلا تغنم شيئًا. قلتُ: عنه أجوبة: أحدها: الطعن في هذا فإن في إسناده حميد بن هانئ (٤) وليس

стр. 1144

بالمشهور لكن أخرج له مسلم في "صحيحه"وكذا الترمذي والنسائي وابن ماجه، وذكره ابن يونس في "تاريخه"، وقال يحيى بن سعيد: حدَّث عنه الأئمة وأحاديثه كثيرة مستقيمة (١). ثانيها: إن التي تخفق تزداد من الأجر بالأسف على ما فاتها من المغنم وتضاعف لها كما تضاعف لمن أصيب بأهله وماله. ثالثها: حمل الأول على من أخلص النية لقوله: "لا يخرجه إلا إيمان بي"، وحمل الثاني على من خرج نيته الجهاد والمغنم. قَالَ القاضي: والأوجه استعمال كل حديث على وجهه، فأجر من لم يغنم أعظم من أجر من غنم (٢). وقال النووي: الصواب أنه لا تعارض بينهما فإن الذي لا يجوز غيره في معنى الحديث أن الغزاة إذا سلموا أو غنموا يكون أجرهم أقل من أجر من لم يسلم أو سلم ولم يغنم. وإن الغنيمة في مقابلة جزء من أجر غزوهم فإذا حصلت فقد تعجلوا ثلثي أجرهم، وهذا موافق للأحاديث الصحيحة عن الصحابة، ومنها قولهم: فمنَّا من مات لم يأكل من أجره شيئًا، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يَهْدِبُها (٣) أي: يجتنيها (٤) فهذا هو الصواب.

стр. 1145

ولم يأتِ حديثٌ صريحٌ يخالف هذا، وقد اختار القاضي معنى هذا بعد حكايته أقوالًا فاسدة فلا تعارض إذًا؛ لأن الحديث الأول لم يقل فيه: إن الغنيمة تنقص الأجر فهو مطلق، والثاني مقيد. وأما الاستدلال بغزوة بدر فليس فيه أنهم لو لم يَغْنموا لكان أجرُهم على قدر أجرهم مع الغنيمة، وكونهم مغفورًا لهم مرضيًّا عنهم لا يلزم منه أن لا يكون فوقه مرتبة أخرى هي أفضل (١). ثم ضعف بقية الأقوال التي حكاها القاضي؛ لمعارضتها لصريح الحديث.

стр. 1146

٢٧ - باب تَطَوُّعُ قِيَامِ رَمَضَانَ مِنَ الإِيمَانِ ٣٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ حُمَيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عوف، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". [انظر: ٣٥ - مسلم ٧٥٩ و ٧٦٠ - فتح ١/ ٩٢] نَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عوف، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولً اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". الكلام عليه من وجوه: أحدها: في التعريف (برواته) (١) وقد سلف خلا حميد بن عبد الرحمن بن عوف وهو: (أبو) (٢) إبراهيم، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عثمان القرشي الزهري المدني، أخو أبي سلمة بن عبد الرحمن، وأمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، أخت عثمان بن عفان لأمه وكانت من المهاجرات. أخرج له البخاري هنا، وفي العلم، وغير موضع، عن الزهري وسعد بن إبراهيم وابن أبي مليكة عنه، عن أبي هريرة وأبي سعيد وميمونة (٣)، وأخرج له (أيضًا) (٤) عن عثمان وسعيد بن زيد (٥) وغيرهما.

стр. 1147

سمع جمعًا من كبار الصحابة منهم أبواه وابن عباس وأبو هريرة، وعنه الزهري وخلائق من التابعين. وثقه أبو زرعة وغيره، وكان كثير الحديث. مات سنة خمس وتسعين بالمدينة عن ثلاث وسبعين سنة، وقيل: سنة خمس ومائة وهو غلط (١). فائدة: روى مالك عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن أن عمر وعثمان كانا يصليان المغرب في رمضان ثم يفطران (٢)، ورواه يزيد بن هارون، عن أبى ذئب، عن الزهري، عن حميد قَالَ: رأيت عمر وعثمان فذكره (٣). قَالَ الواقدي: أثبتها حديث مالك وأن حميدًا لم يسمع من عمر ولا رآه وسنهُ وموته يدلان على ذَلِكَ، ولعله سمع من عثمان؛ لأنه كان خاله لأمه؛ لأن أم كلثوم أخت عثمان، وكان يدخل على عثمان كما يدخل ولده (٤).

стр. 1148

فائدة ثانية: أخرج البخاري أيضًا ومسلم لحميد بن عبد الرحمن الحميري (١) البصري، التابعي، الفقيه، ولا يلتبس بهذا، وإن روى هذا عن ابن عباس وأبي هريرة أيضًا وغيرهما فاعلمه. وما جزمت به من كون البخاري أخرج لهذا هو ما جزم به الكلاباذي في كتابه، والمزي في "تهذيبه" (٢)، ونقل شيخنا قطب الدين في "شرحه" عن الحاكم، والحميدي صاحب "الجمع"، وعبد الغني، وغيرهم أنهم قالوا: لم يخرج له شيئًا ولم يخرج مسلم في "صحيحه" عنه عن أبي هريرة غير حديث: "أفضل الصيام بعد رمضان" (٣) الحديث فقط وما عداه فهو من رواية ابن عوف. قَالَ: وقد غَلَّطوا الكلاباذي في دعواه إخراج البخاري له ووهَّموه وقال: ومما يدل على ذَلِكَ أنه لم يعين أين روى عنه كعادته في غيره، بل قَالَ روى عنه محمد بن سيرين وأهل البصرة لم يزد على ذَلِكَ، ولم يذكره أبو مسعود الدمشقي من رواية البخاري. ولما ذكر النووي في "شرحه لمسلم" حديثه عن أبي هريرة قَالَ: اعلم أن أبا هريرة يروي عنه اثنان كل منهما حميد بن عبد الرحمن أحدهما هذا الحميري، والثاني الزهري (٤).

стр. 1149

قَالَ الحميدي في "جمعه": كل ما في البخاري ومسلم حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة فهو الزهري إلا في هذا الحديث خاصة، فإن راويه عن أبي هريرة الحميري وهذا الحديث لم يذكره البخاري في "صحيحه" قَالَ: ولا ذكر للحميري في البخاري أصلًا ولا في مسلم إلا هذا الحديث (١)، هذا كلامه. ودعواه أن البخاري لم يذكره في "صحيحه" قد علمت ما فيه، وقوله: ولا في مسلم إلا هذا الحديث ليس بجيد فقد ذكره مسلم في ثلاثة أحاديث: أحدها: أول الكتاب حديث ابن عمر في القدر، عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن الحميري قالا: لقينا ابن عمر .. وذكر الحديث (٢). ثانيها: في الوصايا عن (عمرو) (٣) بن سعيد عن حميد الحميري عن ثلاثة من ولد سعد أن سعدًا .. فذكر (٤). ثالثها: فيها (٥) عن محمد بن سيرين عنه عن ثلاثة من ولد سعد بن هشام عن عائشة قالت: كان ستر فيه تمثال طير .. فذكر الحديث (٦). ثانيها: هذا الإسناد كلهم مدنيون.

стр. 1150

ثالثها: في فوائده: الأولى: المُراد بالقيام في الحديث صلاة التراويح كذا قاله أصحابنا وغيرهم من العلماء، والتحقيق كما نبه عليه النووي (١) أن يُقال: التراويح محصلة لفضيلة قيام رمضان، ولكن لا تنحصر الفضيلة فيها ولا المراد بها، بل في أي وقت من الليل صلى تطوعًا حصل هذا الغرض، ومحل الخوض في التراويح في وقتها وعددها في بابه، وستمر بك إن شاء الله تعالى واضحة. الثانية: سبق بيان معنى الإيمان والاحتساب قريبًا في باب: قيام ليلة القدر. الثالثة: دل هذا الحديث على غفران ما تقدم من الذنوب بقيام رمضان، ودل الحديث الماضي على غفرانها بقيام ليلة القدر ولا تعارض بينهما، فإن كل واحد منهما صالح للتكفير، وقد يقتصر الشخص على قيام ليلة القدر بتوفيق الله له فيحصل له ذَلِكَ.

стр. 1151

الرابعة: فيه حجة لمن جوز قول رمضان بغير إضافة شهر إليه، وهو الصواب، وستعرف الخلاف فيه في بابه. الخامسة: ظاهر الحديث غفران الصغائر والكبائر، وفضل الله واسع، لكن المشهور من مذاهب العلماء في هذا الحديث وشبهه كحديث غفران الخطايا بالوضوء (١)، وبصوم عرفة ويوم عاشوراء (٢) ونحوه، أن المراد غفران الصغائر فقط، كما في حديث الوضوء "مما لم يؤت كبيرة" (٣)، "ما اجتنبت الكبائر" (٤)، وفي التخصيص نظر، كما قاله النووي (٥). لكن قام الإجماع على أن الكبائر لا تسقط إلا بالتوبة أو بالحد. فإن قُلْتَ: قد ثبت في "الصحيح" هذا الحديث في: قيام رمضان والآخر: في صيامه (٦) والآخر: (في) (٧) قيام ليلة القدر (٨) والآخر: في صوم عرفة أنه كفارة سنتين (٩)، وفي عاشوراء أنه كفارة سنة،

стр. 1152

والآخر: "رمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما، والعمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما" (١)، والآخر: "إذا توضأ خرجت خطايا فيه" إلى آخره (٢)، والآخر: "مثل الصلوات الخمس كمثل نهر" إلى آخره (٣)، والآخر: "مَنْ وافَقَ تأمينه تأمين الملائكةِ كفر له ما تَقدم مِنْ ذنبِهِ" (٤)، وفي أحاديث أخر نحو هذا. فكيف الجمع بينهما؟ فالجواب: أن المراد أن كل واحد من هذِه الخصال صالحة لتكفيرِ الصغائر، فإن صادفتها غفرتها، وإن لم تصادفها فإن كان فاعلها سليمًا من الصغائر لكونه صغيرًا غير مكلف، أو موفقًا لم يعمل صغيرة، أو فعلها وتاب، أو فعلها وعقّبها بحسنة أذهبتها، كما قَالَ تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] فهذا يكتب له بها حسنات، ولرفع له بها درجات. قَالَ بعض العلماء: ويرجى أن يخفف عنه بعض الكبيرة أو الكبائر.

стр. 1153

٢٨ - باب صَوْمُ رَمَضَانَ احْتِسَابًا مِنَ الإِيمَانِ ٣٨ - حَدَّثَنَا ابن سَلَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". [انظر: ٣٥ - مسلم: ٧٥٩ و ٧٦٠ - فتح: ١/ ٩٢]. نَا ابن سَلَامٍ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، ثنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "منْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". هذا الحديث سلف الكلام عليه، وسلف أيضًا رجاله خلا محمد بن فضيل، وهو أبو عبد الرحمن محمد بن فضيل بن غزوان بن جرير الضبي، مولاهم الكوفي، سمع السبيعي والأعمش وغيرهما من التابعين، وخلقًا من غيرهم، وعنه: الثوري وأحمد وخلق من الأعيان، قَالَ أبو زرعة: صدوق من أهل العلم. مات سنة تسع وخمسين ومائة (١). ومحمد بن سلام هو البيكندي كما أسلفناه وأن الجمهور على تخفيف لامه (٢).

стр. 1154

٢٩ - باب: الدِّينُ يُسْرٌ وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللهِ الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ". ٣١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرِ قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَليٍّ، عَنِ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدِ الغِفَارِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الَمقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الدَّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ". [٥٦٧٣، ٦٤٦٣، ٧٢٣٥ - مسلم: ٢٨١٦ - فتح: ١/ ٩٣] ثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ نَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الغِفَارِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ "إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيء مِنَ الدُّلْجَةِ". الكلام عليه من وجوه: أحدها: التعليق الأول أسنده أحمد من حديث ابن عباس بإسناد لا بأس به (١)، وكذا ابن أبي شيبة في "مسنده" (٢) وأسنده الطبراني بنحوه بإسناد ضعيف من حديث عثمان بن أبي العاتكة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة (٣)، ومن حديث عفير بن معدان، عن

стр. 1155

سليم بن عامر عنه (١). ثانيها: أخرج البخاري طرفًا من الحديث الثاني في الرقاق عن آدم، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة رفعه: "لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ". قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَته، سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاغْدُوا وَرُوحُوا، وَشَيْءٌ مِنَ الدُّلْجَةِ، وَالْقَصْدَ القَصْدَ تَبْلُغُوا". (٢) وله في حديث آخر: "وإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل" (٣). ثالثها: في التعريف برواة الحديث: أما أبو هريرة فسلف. وأما سعيد فهو أبو سعد -بإسكان العين- سعيد بن أبي سعيد، واسمه كيسان المقبري المدني، والمقبري يقال: بضم الباء وفتحها نسبة إلى مقبرة بالمدينة كان مجاورًا لها، وقيل: كان منزله عند المقابر وهو بمعنى الأول، وقيل: جعله عمر على حفر القبور؛ فلذلك قيل له: المقبري، حكاه الحربي وغيره، ويحتمل أنه اجتمع فيه ذَلِكَ كله فكان على حفرها و (كان) (٤) نازلًا عندها، والمقبري صفة لأبي سعيد، وكان مكاتبًا لامرأة من بني ليث بن بكر. سمع جمعًا من الصحابة منهم. أبو هريرة وابن عمر وخلقًا من التابعين منهم أبوه، وعنه يحيى الأنصاري، وغيره من التابعين،

стр. 1156

ومالك، وغيره من الأعلام. قَالَ أبو زرعة: ئقة. وقال أحمد: لا بأس به. وقال (محمد) (١) بن سعد: كان ثقة كثير الحديث، ولكنه كبر وبقي حتى اختلط قبل موته، وقدم الشام مرابطًا وحدث ببيروت. وقال غيره: اختلط قبل موته بأربع سنين. قُلْتُ: فلعل معن بن محمد سمع من سعيد قبل اختلاطه؛ فلذا أخرج البخاري عنه. مات سنة خمس وعشرين ومائة، وقيل: سنة ست وعشرين (٢). وأما معن فهو ابن محمد بن معن بن نضلة الغفاري الحجازي، سمع جمعًا، وعنه جمع منهم: ابن جريج، أخرج له البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه، وذكره ابن حبان في "ثقاته" (٣). وأما عمر فهو أبو حفص عمر بن علي بن عطاء بن مقدم المُقَدَّمِي البصري، سمع جمعًا من التابعين منهم: هشام بن عروة، وعنه خلق من الأعلام منهم: ابنه عاصم، وعمرو بن علي، وهو أخو أبي بكر وكان مدلسًا. قَالَ أحمد: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة يدلس تدليسًا شديدًا يقول: سمعت وحدثنا، ثم يسكت ثم يقول: هشام بن عروة، الأعمش. وقال عفان: كان رجلًا صالحًا، ولم يكونوا ينقمون عليه غير التدليس، ولم

стр. 1157

أكن أقبل منه حتى يقول: ثنا (١). قَالَ البخاري: قَالَ ابنه عاصم: مات سنة تسعين ومائة. وقيل: سنة اثنتين وتسعين (٢). قُلْت فلعل البخاري ثبت عنده سماع (عمر) (٣) (من) (٤) معن وإن أتى فيه بالعنعنة. وأما عبد السلام (خ. د) فهو أبو ظَفَر -بفتح الظاء المعجمة والفاء- ابن مُطَهَّر بن حسام بن مِصَكّ بن ظالم بن شَيْطان الأزدي البصري، روى عن جمع من الأعلام منهم شعبة، وعنه الأعلام: البخاري وأبو داود. قَالَ أبو حاتم: صدوق. مات في رجب سنة أربع وعشرين ومائتين (٥). فائدة: هذا الإسناد ما بين مدني وبصري. رابعها: في ألفاظه: قوله: ("الدِّينُ يُسْرٌ") أي: ذو يسر. كما قَالَ تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، واليسر -بإسكان السين وضمها: نقيض العسر، ومعناه: التخفيف.

стр. 1158

وقوله: ("وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ إِلَّا غَلَبَهُ") هكذا وقع للجمهور من غير لفظة "أحد"، وأثبتها ابن السكن وهو ظاهر، والدين على هذا منصوب، وأما على الأولى فروي بنصبه، وهو ضبط أكثر أهل الشام على إضمار الفاعل في "يشاد" للعلم به، ورفعه وهو رواية الأكثر كما حكاه صاحب "المطالع"، وهو مبني لِمَا لَمْ يسم فاعله. قَالَ أهل اللغة: المشادة: المغالبة (١)، يقال: شاده يشاده مشادة إذا غالبه وقاواه (ومعنا ٥) (٢): لا يتعمق أحد في الدين ويترك الرفق إلا غلبه الدين، وعجز ذَلِكَ المتعلم وانقطع عن عمله كله أو بعضه. ومعنى "سَدِّدُوا": اقصدوا السداد في الأمور، وهو: الصواب، "وَقَارِبُوا" في العبادة، "وَأَبْشِرُوا": أي بالثواب على العمل وإن قَلَّ، والغدوة: السير أول النهار. قَالَ في "المحكم": الغدوة البكرة، وكذا الغداة (٣). قَالَ الجوهري: (الغدوة) (٤) ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، يُقال: أتيته غدوة غير مصروفة؛ لأنها معرفة مثل سَحَر إلا أنها من الظروف المتمكنة، تقول: سِيْرَ على فرسك غُدوةَ وغُدوةً وغُدوةُ وغدوةٌ فما نُوِّنَ من هذا فهو نكرة، وما لم ينون فهو معرفة، والجمع: غُدًا. والغدو: نقيض الرواح (٥). وفي شرح شيخنا قطب الدين أن الغدو: السير أول النهار إلى الزوال.

стр. 1159

والروحة: آخر النهار؛ وذكر ابن سيده: أنه العشي (١). وقيل: من لدن زوال الشمس إلى الليل، ورحنا رواحًا وتروحنا: سرنا ذَلِكَ الوقت أو عملنا. "والدُّلْجَة" -بضم الدال وإسكان اللام- هكذا الرواية، ويجوز في اللغة فتحها، ويقال: بفتح اللام أيضًا، وهي بالضم: سير آخر الليل، (وبالفتح سير الليل)، وأدلج بالتخفيف: سير الليل كله، وبالتشديد: سير آخر الليل، هذا هو الأكثر، وقيل: يقال (فيهما بالتخفيف والتشديد. قَالَ ابن سيده: الدُّلجة: سير السحر، والدَّلْجة: سير الليل كله، والدَّلَج والدَّلْجة والدَّلَجة -الأخيرة عن ثعلب- الساعة) (٢) من آخر الليل. وأدلجوا: ساروا الليل كله، وقيل: الدلج: الليل كله من أوله إلى آخره، وأي ساعة سرت من الليل من أوله إلى آخره فقد أدلجت على مثال أخرجت. والتفرقة بين أدلجت وادَلَجت قول جميع أهل اللغة إلا الفارسي (٣)، فقد حكى أدْلَجْت وادَّلَجْت لغتان في المعنيين جميعًا (٤).

стр. 1160

وفي "جامع القزاز" (١): الدُّلجة والدَّلجة لغتان بمعنى وهما: سير السحر. وقال قوم: الدُّلجة: سير السحر، والدَّلجَة بالفتح سير (٢) [أول الليل، كلاهما بمعنى عند أكثر العرب، كما تقول: مضت بُرهة من الدهر وبَرهة، وغلَّط ابن درستويه ثعلبًا (٣) في تخصيص ادَّلج بالتشديد بسير أول الليل، وبالتخفيف بسير آخره، قَالَ: وإنما هما عندنا جميعًا: سير الليل في كل وقت، من أوله ووسطه وآخره (٤). خامسها: في معنى الحديث: ومعناه كالأبواب قبله، أن الدين اسم يقع على الأعمال، والدين والإيمان والإسلام بمعنى، والمراد بالحديث: الحث على ملازمة
следующие страницы →