← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

وجاء في مسند أبي يعلى (١): فقال: يا رسول الله، كانا فِيَّ أم حَدَثًا؟ قَالَ: "بل قديم". قَالَ: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله. والأناة: بفتح الهمزة مقصور هي: تربصه حتى نظر في مصالحه وهي الأناة، والثانية: الحلم وهي هذِه الأخيرة الدالة على صحة عقله وجودة نظره للعواقب.

стр. 1297

٤١ - باب مَا جَاءَ أَنَّ الأَعْمَالَ بِالنِّيَّةِ وَالْحِسْبَةِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَدَخَلَ فِيهِ الإِيمَانُ، وَالْوُضُوءُ، وَالصَّلَاةُ، وَالزَّكَاةُ، وَالْحَجُّ، وَالصَّوْمُ، وَالأَحْكَامُ. وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤]: عَلَى نِيَّتِهِ. وَقَالَ النبي ﷺ : "ولكن جِهَادٌ وَنِيَّةٌ". [انظر: ١٣٤٩]. ٥٤ - حَدُّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْن مَسْلَمَةَ قَالَ: أَخبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصِ، عَنْ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ". [انظر: ١ - مسلم: ١٩٠٧ - فتح: ١/ ١٣٥]. ٥٥ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْن مِنْهَالٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَى عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ". [٤٠٠٦، ٥٣٥١ - مسلم: ١٠٠٢ - فتح: ١/ ١٣٦] ٥٦ - حَدَّثَنَا الَحكَمُ بْنُ نَافِعٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَامِرٌ بْنُ سَعْدِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاص أنَهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِيّ امْرَأَتِكَ". [١٢٩٥، ٢٧٤٢، ٢٧٤٤، ٣٩٣٦، ٤٤٠٩، ٥٣٥٤، ٥٦٥٩، ٥٦٦٨، ٦٣٧٣، ٦٧٣٣ - مسلم:١٦٢٨ - فتح: ١/ ١٣٦] حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمة نَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ، عَنْ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ

стр. 1298

وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ أمْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ". حَدَّثنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ثنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ نفقة يَحْتَسِبُهَا فَهُي لَهُ صَدَقَةٌ". حَدَّثنَا الحَكَمُ بْنُ نَافِع أَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِم امْرَأَتِكَ". الكلام على ذَلِكَ من وجوه: أحدها: حديث: "ولكن جِهَادٌ وَنِيَّةٌ". علقه هنا بصيغة جزم وقد أسنده في: الحج (١)، والجهاد (٢)، والجزية (٣) كما ستعلمه، أخرجه في الحج عن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس مرفوعًا: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا". وأخرجه مسلم أيضًا في الجهاد (٤). وحديث عمر ﵁ سلف أول الكتاب بتعداد طرقه وهذا ثاني موضع منها.

стр. 1299

وحديث أبي مسعود ﵁ أخرجه هنا كما ترى، وفي المغازي (١) عن مسلم، وفي النفقات (٢) عن آدم. وأخرجه مسلم (٣) في الزكاة عن ابن معاذ، عن أبيه، وعن محمد بن بشار وأبي بكر بن (نافع) (٤)، عن غندر. وعن أبي كريب، عن وكيع كلهم، عن شعبة به. فوقع للبخاري عاليًا خماسيًّا، ولمسلم من جميع طرقه سداسيًّا. وحديث سعد بن أبي وقاص قطعة من حديثه الطويل المشهور، أخرجه البخاري هنا كما ترى، وفي الجنائز (٥) عن عبد الله بن يوسف، عن مالك. وفي المغازي (٦) عن أحمد بن يونس، عن إبراهيم. وفي الهجرة (٧) عن يحيى، عن قزعة، عن إبراهيم. وفي الدعوات (٨) عن موسى، عن إبراهيم بن سعد. وفي الطب (٩) عن موسى بن إسماعيل عن شعيب، وأخرجه مسلم في الفرائض: عن يحيى بن يحيى، عن إبراهيم. وعن قتيبة وأبي بكر، عن

стр. 1300

سفيان. وعن إسحاق، عن عبد الرزاق، عن معمر، كلهم عن الزهري به (١). وأورده البخاري في الفرائض أيضًا مطولًا وفيه: "لن تُخَلَّفَ بعدي فَتَعْمَلَ عملًا تريد به وجه الله إلا ازددت به رفعة ودرجة" (٢). وهو أعم من لفظ النفقة التي أوردها هنا. الوجه الثاني: في التعريف برجاله: أما حديث: "الأعمال بالنيات" فتقدم الكلام على رجاله مفرقًا، وأما حديث سعد فكذلك أيضًا. وأما حديث أبي مسعود فسلف من رجاله شعبة فقط، وأما باقي رجاله فأبو مسعود هو: عقبة (ع) بن عمرو بن ثعلبة بن أَسِيرة -بفتح الهمزة وكسر السين وقيل: بضمها، وقيل: يسيرة بضم أوله بن عَسيرة -بفتح العين وكسر السين- بن عطية بن جِدارة -بكسر الجيم، وقال ابن عبد البر: بكسر الخاء المعجمة- بن عوف بن الخزرج الأنصاري الخزرجي البدري. شهد العقبة مع السبعين وكان أصغرهم، وشهد أحدًا. ثم الجمهور على أنه لم يشهد بدرًا وإنما سكنها، وقال المحمدون: ابن شهاب الزهري وابن إسحاق -صاحب المغازي- والبخاري في "صحيحه": شهدها (٣)، وكذا الحكم بن عتيبة. وقال ابن سعد: قَالَ محمد بن عمر وسعد بن إبراهيم وغيرهما: لم يشهد بدرًا (٤)، وقال الحكم وغيره من أهل الكوفة: شهدها وأهل المدينة أعلم بذلك.

стр. 1301

روي له عن النبي ﷺ مائة حديث وحديثان، اتفقا منها على تسعة، وللبخاري حديث ولمسلم سبعة. روى عنه: عبد الله بن يزيد الخطمي وابنه بشير وغيرهما. سكن الكوفة ومات بها، وقيل: بالمدينة قبل الأربعين، قيل: سنة إحدى وثلاثين، وقيل: بعد الستين، وقيل: سنة إحدى أو اثنتين وأربعين (١). فائدة: في الصحابة أبو مسعود هذا، وأبو مسعود الغفاري (٢)، قيل: اسمه عبد الله وثالث الظاهر أنه الأول (٣). وأما الراوي عنه فهو أبو موسى عبد الله بن يزيد بن زيد بن حصين بن عمرو بن الحارث بن خطمة -واسمه عبد الله؛ لأنه ضرب رجلًا على خَطمه أي: على مقدم أنفه فسميَّ بذلك -بن جُشَم بن مالك بن

стр. 1302

الأوس أخي الخزرج بن حارثة بن ثعلبة العنقاء -لطول عنقه- بن عمرو بن مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة البهلول بن مازن بن الأزد الأنصاري الخطمي الصحابي. سكن الكوفة وكان أميرًا عليها (في عهد ابن الزبير) (١) شَهِد الحديبية وهو ابن سبع عشرة سنة، وشهد صفين والجمل (والنهروان) (٢) مع علي ﵁، وكان الشعبي كاتبه، وكان من أفاضل الصحابة، وقيل: إن لأبيه يزيد صحبة. روي له عن رسول الله ﷺ سبعة وعشرون حديثًا، أخرج البخاري منها حديثين أحدهما في: الاستسقاء موقوفًا (٣)، وفي المظالم حديث النهي عن النُهْبَى والمُثْلَةِ (٤)، ومسلم أحدهما (٥) وأخرجا له عن البراء (٦) وأبي مسعود (٧) وزيد بن ثابت (٨). مات زمن ابن الزبير قاله الواقدي (٩).

стр. 1303

(وأخرج له أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه) (١). فائدة: في الصحابة عبد الله بن يزيد جماعة هذا أحدهم، وثانيهم: عبد الله بن يزيد القارئ (٢) له ذكر في حديث عائشة أنه ﷺ سمع قراءته (٣)، وثالثهم: عبد الله بن يزيد النخعي (٤)، ورابعهم: عبد الله بن

стр. 1304

يزيد البجلي (١) له حديث: "إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه" أورده ابن قانع (٢). وخامسهم: غلط فيه ابن المبارك (٣) في حديث ابن مربع: "كونوا على مشاعركم" (٤).

стр. 1305

فائدة: هذا الحديث في إسناده من الطرف رواية صحابي عن صحابي. وأما عدي بن ثابت (١) فهو أنصاري كوفي سمع جده لأمه عبد الله بن يزيد الخطمي والبراء بن عازب وغيرهما من الصحابة، وعنه: شعبة والأعمش وغيرهما. قَالَ أحمد: ثقة. وأما الحجاج فهو أبو محمد حجاج بن منهال السلمي مولاهم البصري الأنماطي سمع شعبة وغيره من الكبار، وعنه الأعلام: البخاري وغيره واتفقوا على الثناء عليه، وكان صاحب سنة يظهرها، وُلِد سنة أربعين ومائة، ومات سنة ست عشرة، وقيل: سبع عشرة ومائتين. قَالَ المزي في "تهذيبه": روى له الستة (٢) ولم يعدد أولًا فيمن روى عنه منهم غير البخاري، وقال النووي في "شرحه": روى عنه: البخاري ومسلم (وأبو داود) (٣). وقال شيخنا قطب الدين في "شرحه": روى له البخاري، وروى

стр. 1306

مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه عن رجل عنه (١) (والصواب الأول) (٢). فائدة: ليس في الكتب الستة حجاج بن منهال سواه. الوجه الثالث: فسّر الشاكلة في الآية بالنية. وفسرها الزجاج بالطريقة والمذهب والليث: بما يوافق فاعله، فالكافر ييأس عند الشدة بخلاف المؤمن ويدل عليه قوله: ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٤]. ومعنى: "يحتسبها" يبتغي بها وجه الله. وقوله: "فم" هو: بالميم وروي بحذفها وإثبات الياء وهو أصوب، والأول لغة قليلة. الوجه الرابع: في هذِه الأحاديث أحكام كثيرة نشير إلى بعضها هنا؛ لأنها ستأتي في مواضعها مبسوطة. وأما حديث "إنما الأعمال بالنيات" فسلف الكلام عليه مبسوطًا كما نبهنا عليه. ومنها: الحث على الإخلاص وإحضار النية في جميع (الأعمال) (٣) الظاهرة والخفية.

стр. 1307

ومنها: الرد على قول المرجئة: إن الإيمان إقرار باللسان دون الاعتقاد بالجنان. وهو مراد البخاري بهذا الباب وقد سلف بسط ذَلِكَ، وهو مردود بالنصوص والإجماع في أن المنافقين من أهل الدرك الأسفل من النار. ومنها: أن النفقة على العيال وإن كانت من أفضل الطاعات فإنما تكون طاعة إذا نوى بها وجه الله، وكذا نفقته على نفسه وضيعته ودابته وغير ذَلِكَ إذا نوى بها ذَلِكَ، وإلى ذَلِكَ الإشارة بقوله ﷺ : "حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِم امْرَأَتِكَ" ولو حصل فيه حظ نفس في ضمنه من لذة وغيرها فإن الوضع يكون غالبًا لحظ النفس من شهوة وغيرها، ونبَّه بذلك على الأعلى من كسوة وغيرها.

стр. 1308

٤٢ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "الدِّينُ النَّصِيحَةُ للهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ ". وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١] ٥٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وِايتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِم. [٥٨، ٥٢٤، ١٤٠١، ٢١٥٧، ٢٧١٤، ٢٧١٥، ٧٢٠٤ - مسلم:٥٦ - فتح:١/ ١٣٧] ٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ يَوْمَ مَاتَ الُمغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، قَامَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِاتِّقَاءِ اللهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالْوَقَارِ وَالسَّكِينَةِ حَتَّى يَأْتِيَكُمْ أَمِيرٌ، فَإِنَّمَا يَأْتِيكُمُ الآنَ. ثُمَّ قَالَ: اسْتَعْفُوا لأمِيرِكمْ، فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ العَفْوَ. ثمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ قُلْتُ: أُبَايِعُكَ عَلَى الإِسْلَامِ. فَشَرَطَ عَلَيَّ: "وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ". فَبَايَعْتُهُ عَلَى هذا، وَرَبِّ هذا الَمسْجِدِ إِنِّي لَنَاصِحٌ لَكُمْ. ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَنَزَلَ. [انظر: ٥٧ - مسلم: ٥٦ فتح: ١/ ١٣٩] حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ البجلي قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. حَدَّثَنَا أَبُو النّعْمَانِ نَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَوْمَ مَاتَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَامَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: عَلَيْكُمْ باتِّقَاءِ اللهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالْوَقَارِ وَالسَّكِينَةِ حَتَّى يَأْتِيَكُمْ أَمِيرٌ، فَإِنَّمَا يَأْتِيَكُمُ الآنَ. ثُمَّ قَالَ: اسْتَعْفُوا لأَمِيرِكُمْ، فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ العَفْوَ. ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ،

стр. 1309

فَإِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ قُلْتُ: أُبَايِعُكَ عَلَى الإِسْلَامِ. فَشَرَطَ عَلَيَّ: وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلمٍ. فَبَايَعْتُهُ عَلَى هذا، وَرَبِّ هذا المَسْجِدِ إِنِّي لنَاصِح لَكُمْ. ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَنزَلَ. الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث خرجه البخاري هنا كما ترى، وخرَّجه في كتاب البيوع (١) بلفظ: بايعتُ رسول الله ﷺ على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والسمع والطاعة، والنصح لكل مسلم. وأخرجه مسلم بلفظين: أحدهما كلفظ البخاري الأول (٢)، والثاني بلفظ: بايعتُ رسول الله ﷺ على السمع والطاعة فلقَّنني: "فِيمَا اسْتَطَعْتَ". وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ (٣). الوجه الثاني: في التعريف برجاله: أما الإسناد الأول فمسدد، ويحيى، وهو ابن سعيد القطان، وإسماعيل وهو ابن أبي خالد التابعي فسلف بيانهم. وأما جرير (ع) فهو أبو عبد الله -أو أبو عمرو- جرير بن عبد الله بن جابر وهو الشليل (٤) بن مالك بن نصر بن ثعلبة البجلي الأحمسي -بالحاء والسين المهملتين- الكوفي.

стр. 1310

وبجيلة قبيلة معروفة نسبوا إلى بجيلة بنت (صعب) (١) بن سعد العشيرة. قَالَ ابن إسحاق: جرير سيد قبيلته. يعني: بجيلة. قَالَ: وبجيلة بن أنمار بن نزار بن معد بن عدنان. نزل جرير الكوفة، ثم تحول إلى قرقيسيا (٢) وبها توفي سنة إحدى وخمسين. وقيل غير ذَلِكَ. له مائة حديث اتفقا منها على ثمانية، وانفرد البخاري بحديثٍ ومسلم بستة، كذا في شرح شيخنا قطب الدين، وفي شرح النووي: روي له (مائتا) (٣) حديثٍ، انفرد البخاري بحديثٍ، وقيل: بستةٍ. ولعل صوابه: ومسلم بستةٍ بدل: وقيل: بستة. كان قدومه على رسول الله ﷺ سنة عشر في رمضان، (فبايعه وأسلم وقيل أسلم) (٤) قبل وفاة رسول الله ﷺ بأربعين يومًا، وكان يصلي إلى سنام البعير، وكانت نعله ذراعًا، واعتزل الفتنة، وكان يدعى يوسف هذِه الأمة لحسنه. روى عنه بنوه: عبد الله، والمنذر، وإبراهيم، وابن ابنه أبو زرعة هرم، ومناقبه جمة، ومنها أن وكيله اشترى له فرسًا بثلاثمائة، فتخيل جرير أنها تساوي أربعمائة، قَالَ لصاحبها: أتبيعها بأربعمائة؟ قَالَ:

стр. 1311

نعم. ثم تخيل أنها تساوي خمسمائة قَالَ: أتبيعها بخمسمائة؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فلم يزل كذلك حتى اشتراها منه بثمانمائة وقال: بايعت رسول الله على النصح لكل مسلم (١). فائدة: ليس في الصحابة جرير بن عبد الله البجلي إلا هذا، وفيهم: جرير بن عبد الله الحميري (٢) فقط، وقيل: ابن عبد الحميد. وفيهم جرير بن الأرقط (٣)، وجرير بن أوس الطائي، وقيل: خريم (٤)، وجرير أو أبو جرير، يُروى (حديثه) (٥) عن أبي ليلى الكندي عنه (٦). وأما الراوي عنه فهو أبو عبد الله قيس بن أبي حازم. واسم أبي حازم عبد عوف بن الحارث، ويُقال: عوف بن عبد الحارث بن عوف الأحمسي البجلي الكوفي التابعي المخضرم. أدرك الجاهلية، وجاء ليبايع النبي ﷺ فقُبض وهو في الطريق -ووالده صحابي- سمع خلقًا من الصحابة منهم: العشرة المشهود لهم بالجنة، وليس في التابعين من يروي عنهم غيره. وقيل: لم يسمع عبد الرحمن بن عوف، وعنه جماعة من التابعين، وجلالته متفق

стр. 1312

عليها، وهو أجود الناس إسنادًا كما قاله أبو داود (١). ومن طرف أحواله أنه روى عن جماعة من الصحابة لم يرو عنهم غيره منهم (أبوه، ودكين) (٢) بن سعيد، والصنابحي بن الأعسر، ومرداس الأسلمي ﵃. مات سنة أربع، وقيل: سبع وثمانين، وقيل: سنة ثمان وتسعين (٣). وأما الإسناد الثاني: فالراوي عن جرير زياد وهو: أبو مالك زياد بن عِلاقة -بكسر العين المهملة- بن مالك الثعلبي -بالثاء المثلثة- الكوفي، سمع: جريرًا وعمه قطبة بن مالك وغيرهما من الصحابة وغيرهم، وعنه جماعات من التابعين منهم الأعمش، وكان يخضب بالسواد، وثقوه (٤). وأما الراوي عنه فهو: أبو عوانة -بفتح العين المهملة- الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي سلفت ترجمته واضحة، وكررها النووي، وهي من آخر ما انتهى إليه "شرحه" ﵀. وأما الراوي عنه فهو: أبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي البصري المعروف بعَارِم وكان بعيدًا منه، لأن العرامة: الشراسة والفساد، يُقال: عَرِمَ يَعْرم عَرامة -بالفتح- وصبي عارم أي: شرس، من (العُرَام) (٥) بضم العين. قَاله الجوهري (٦).

стр. 1313

سمع ابن المبارك وخلائق، وعنه: البخاري وغيره من الأعلام. قَالَ أبو حاتم: إذا حدثك عارم فاختم عليه. وكان سليمان بن حرب يقدمه على نفسه إذا خالفه في شيء رجع إلى ما يقول. وقال عبد الرحمن: سمعت أبي يقول: اختلط أبو النعمان في آخر عمره وزال عقله، فمن سمع منه قبل الاختلاط فسماعه صحيح، وكتبتُ عنه قبل الاختلاط سنة أربع عشرة (١). وقد أسلفنا أن البخاري روى عنه بغير واسطة، وروى مرة عنه بواسطة (٢)، وكذا مسلم والأربعة (٣). مات سنة أربع وعشرين ومائتين (٤). الوجه الثالث: ذكر البخاري في الباب ثلاثة أحاديث: حديثين مسندين عن جرير، والثالث حديث: "الدين النصيحة" ذكره معلقًا كما تراه، وقد أخرجه مسلم في "صحيحه" مسندًا من حديث سهيل، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن تميم الداري أن النبي ﷺ قَالَ: "الدِّينُ النَّصِيحَةُ" (ثلاثة) (٥) قلنا:

стр. 1314

لِمن؟ قَالَ: "لله وَبكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ" (١). وليس (لهم) (٢) في "صحيح مسلم" سواه، ولا أخرج البخاري (لهم) (٣) شيئًا، لأن سهيلًا ليس على شرطه. قَالَ الخطابي: ترجم البخاري على حديث: "الدِّينُ النَّصِيحَةُ" ولم يسنده؛ لأن راوي الحديث تميم، وأشهر طرقه سهيل بن أبي صالح وليس من شرطه، وروي أيضًا عن ابن عمر من طرق لا بأس بها (٤). قُلْتُ: فقوي إذن. وقد أخرج له البخاري مقرونًا (٥). وقال البخاري أيضًا: سمعت عليًّا -يعني: ابن المديني- يقول: كان سهيل له أخ (تَوَجَّد) (٦) عليه؛ فنسي كثيرًا من الأحاديث (٧). وقَالَ الحاكم: اجتهد مسلم وأكثر إخراجه (عنه) (٨) في الشواهد مقرونًا في أكثر روايته بحافظ لا يدافع، فسلم بذلك من نسبته إلى سوء الحفظ. وأغرب بعض شيوخنا فقال في تعليقه على هذا الصحيح: حديث جرير في النصح شبيه بحديث تميم المذكور عند ابن

стр. 1315

خزيمة في كتابه: "السياسة"، ثم ساقه بسياقة مسلم ولا شك أن عزوه إليه أولى. الوجه الرابع: النصح نقيض الغش. نَصَحَ له ونَصَحَه يَنْصَح نُصْحًا ونُصوحًا ونِصاحة ونَصاحة قاله ابن سيده (١)، وقال صاحب "الجامع": النصح: بذل المودة والاجتهاد في المشورة. وقال ابن طريف: نَصُحَ قلبُ الإنسان خَلُصَ من الغش، قَالَ الجوهري: وهو باللام أفصح (٢). وفي "الغريبين": نصحته: صدقته. الوجه الخامس: هذا الحديث عظيم جليل حفيل عليه مدار الإسلام لا كما قيل: إنه ربعه؛ فإن النصيحة كلمة جامعة معناها: حيازة الحظ للمنصوح له، وهو من وجيز الأسماء ومختصر الكلام، ويقال: إنه ليس في كلام العرب كلمة مفردة تستوفي بها العبارة على معنى هذِه الكلمة كما قالوا في الفلاح: ليس في كلام العرب كلمة أجمع لخير الدنيا والآخرة منه. وقيل: النصيحة مأخوذة من نصح الرجل ثوبه إذا خاطه. والنصاح: الخيط، فشبهوا فعل الناصح فيما يتحراه من صلاح المنصوح له بفعل الخياط فيما يسده من خلل الثوب.

стр. 1316

وقيل: إنها مأخوذة من نصحت العسل إذا صفيته من الشمع. شبهوا تخليص القول من الغش بتخليص العسل من الخلط. ومعنى الحديث: عماد الديق وقوامه النصيحة كقوله: "الحج عرفة" (١) أي: عماده ومعظمه، كما يُقال: الناس تميم، والمال الإبل. وإنما استفصلت (الكلمة) (٢)؛ لأنها من باب المضاف فقال: " (لله) (٣) ولكتابه" حلها شائعة في كل سهم من سهام الدين، وفي كل طبقة من طبقات أهله. فأما النصيحة لله فمعناها منصرف إلى الإيمان به ونفي الشرك عنه، وترك الإلحاد في صفاته، ووصفه بصفات الكمال (والجلال) (٤) كلها، وتنزيهه عن جميع أنواع النقائص وصفات المحدث، والقيام بطاعته واجتناب مخالفته، والحب فيه والبغض فيه، وموالاة من والاه ومعاداة من عصاه، وجهاد من كفر به، والاعتراف (بنعمه) (٥) التي لا تُحصى وشكره عليها، والإخلاص له في جميع الأمور، والدعاء إلى جميع هذِه الأوصاف، وحث الناس عليها، والتلطف في جمعهم وإرشادهم إليها، وحقيقة هذِه الإضافة راجعة إلى العبد في نصحه نفسه؛ (فالله) (٦) تعالى غني عن نصح الناصح وعن العالمين.

стр. 1317

وأما النصيحة لكتابه تعالى فالإيمان بأنه كلام الله تعالى وتنزيله، لا يشبهه شيء من كلام (الخلق) (١)، ولا يقدر الإنس والجن لو اجتمعوا على الإتيان بسورة مثله، ثم تعظيمه وتلاوته حقها وتحسينها والخشوع عندها وإقامة ألفاظه، والذب عنه لتأويل الملحدين وتحريف المحرفين وتعرض (الطاعنين) (٢)، والتصديق بما فيه، والوقوف مع أحكامه، وتفهم علومه وأمثاله، والاعتبار بمواعظه، والتفكر في عجائبه، والعمل بمحكمه، والإيمان بمتشابهه، والبحث عن عمومه وخصوصه وناسخه ومنسوخه، والعمل بما اقتضى منه عملًا، ودوام تدبره، والتصديق بوعده ووعيده إلى غير ذَلِكَ. وأما النصيحة لرسوله ﷺ فمعناها تصديقه في إرساله، وقبول ما جاء به ودعا إليه، والطاعة له فيما سن وحكم وشرَّع وبيَّن من أمر الدين، وإعظام حقه، وتوقيره، ومؤازرته، وإحياء طريقته في بث الدعوة، وإشاعة السنة ونفي التهمة عنه فيما قَالَه، فإنه كما قَالَ تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ [النجم: ٣]، وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]. وأما النصيحة لأئمة المسلمين فهم الخلفاء الراشدون ومن بعدهم ممن يلي أمر الأمة ويقوم، ومن نصحهم: بذل الطاعة لهم في المعروف، والصلاة خلفهم، وجهاد الكفار معهم، وأداء الصدقات إليهم، وترك الخروج عليهم بالسيف إذا ظهر منهم سوء سيرة، وتنبيههم عند الغفلة، وألا يغروا بالثناء الكاذب عليهم، وأن يدعى بصلاحهم، وقد يتأول ذَلِكَ في الأئمة الذين هم علماء الدين، ومن

стр. 1318

نصحهم: قبول ما رووا إذا انفردوا، وتقليدهم، ومبايعتهم، وحسن الظن بهم. وأما نصيحة عامة المسلمين: فتعليمهم ما يجهلونه، وإرشادهم إلى مصالحهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، والشفقة عليهم، وتوقير كبيرهم، ورحمة صغيرهم، وتخولهم بالموعظة كما قَالَ تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]، وكقوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ﴾، و ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ [الشعراء: ٧٢] الآيتين. قَالَ الآجري: ولا يكون ناصحًا إلا من بدأ بالنصيحة لنفسه فعلمها؛ ليعلم ويحذر من مكائد الشيطان ويخالف النفس في هواها (١). قَالَ عيسى صلوات الله وسلامه عليه: الناصح لله الذي يبدأ بحقه قبل حق الناس، ويبدأ بأمر الآخرة قبل الدنيا (٢). قَالَ الحسن البصري: مازال لله نصحاء ينصحون الناس في عباده، وينصحون لعباد الله في حق الله (عليهم) (٣)، ويعملون له في الأرض بالنصيحة، أولئك خلفاء الله في الأرض.

стр. 1319

الوجه السادس: مراد البخاري بهذا الباب: وقوع الدين على العمل؛ فإنه سَمى النصيحة دينا وإسلامًا، وبايعه على النصح لكل مسلم كما بايعه على الصلاة والزكاة، فالنصح معتبر بعد الإسلام. وظن ابن بطال في "شرحه" (١) أن مقصود البخاري الرد على من زعم أن الإسلام القول دون العمل، وهو ظاهر العكس؛ لأنه لما بايعه على الإسلام فشرط عليه: "والنصح" فلو دخل في الإسلام لما استأنف له بيعة. السابع: النصيحة فرض على الكفاية لازمة على قدر الطاقة إذا علم الناصح أنه يقبل نصحه ويطاع أمره وأمن على نفسه المكروه، فإن خشي فهو في سعة، فيجب على من علم بالمبيع عيبًا أن يبينه بائعا كان أو أجنبيًّا، ويجب على الوكيل والشريك والخازن النصح. الثامن: قد تكون عامة وقد تكون خاصة، وقد سلف ذَلِكَ عند حديث عبادة إثر باب علامة الإيمان حب الأنصار، وكان المغيرة واليًا على الكوفة لعمر بن الخطاب ثم لمعاوية بعده، ومات بها وهو والٍ عليها سنة خمسين. التاسع: قول جرير: (عليكم بالْوَقَارِ وَالسَّكِينَةِ). أي: الزموهما.

стр. 1320

ويؤخذ منه أن العالم إذا رأى أمرًا يخشى منه الفتنة على الناس أن (يعظهم) (١) في ذَلِكَ ويرغبهم في الألفة وترك الفرقة. ومعنى قوله: ("حَتَّى يَأْتِيَكُمْ أَمِيرٌ") أي: يقوم بأمركم وينظر في مصالحكم. وقوله: ("فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ العَفْوَ") جعل الوسيلة إلى عفو الله بالدعاء بأغلب خلال الخير عليه وما كان يحبه في حياته من العفو عمن أذنب إليه، وكذلك يُجْزى كل أحد يوم القيامة (٢) (بأحسن خلقه وعمله في الدنيا) (٣).

стр. 1321

٣ كِتابُ العِلْمِ

стр. 1322

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٣ - كتاب العلم ١ - باب فَضْلِ العِلْمِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١]. وَقَوْلِهِ : ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]. [فتح: ١/ ١٤٠] استفتح البخاري ﵀ هذا الباب بآياتٍ من القرآن العظيم تبركًا. قَالَ ابن مسعود: مدح الله تعالى العلماء في هذِه الآية أي: يرفع الله الذين آمنوا وأوتوا العلم عَلَى الذين آمنوا ولم يؤتوه درجات في دينهم (١) أي: وفي الآخرة إِذَا فعلوا ما أُمروا به. وقيل: يرفعهم في الثواب والكرامة.

стр. 1323

وقيل: في الفضل في الدنيا والمنزلة، وقيل: إن المراد بالعلم في الآية الثانية القرآن (١). وكان كلما نزل شيء منه ازداد به ﵇ علمًا، وقيل: ما أمر الله رسوله بزيادة الطلب في شيء إلا في العلم، وقد طلب موسى ﵇ الزيادة فقال: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦] وكان ذَلِكَ لما سُئِلَ: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا أعلم، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليها (٢). وجاء في كثير من (الآثار) (٣) أن درجات العلماء تتلوا درجات الأنبياء ودرجات أصحابهم، فالعلماء ورثة الأنبياء (٤) وإنما ورثوا العلم وبينوه للأمة وذبوا عنه وحموه من تحريف الجاهلين و (انتحال) (٥) المبطلين (٦). وقال زيد بن أسلم في قوله تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣] قَالَ: بالعلم (٧).

стр. 1324

وجاء في فضل العلم وآدابه أحاديث صحيحة منتشرة وآثار مشهورة منها: قوله ﷺ : "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ". وسيأتي -حيث ذكره البخاري (١) - قريبًا جملة منها فإنه ذكرها متفرقة فيما سيأتي، وقد أفرده العلماء بالتصنيف كالحافظ أبي بكر الخطيب (٢) وغيره (٣) فلا نطول به.

стр. 1325

٢ - باب مَنْ سُئِلَ عِلْمًا وَهُوَ مُشْتَغِلٌ فِي حَدِيثِهِ فَأَتَمَّ الْحَدِيثَ، ثُمَّ أَجَابَ السَّائِلَ ٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ ح. وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الُمنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن فُلَيْحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ ابْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ فِي مَجْلِسِ يُحَدِّثُ القَوْمَ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحَدِّثُ، فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ، فَكَرِهَ قَالَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ. حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: "أَيْنَ -أُرَاة- السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ؟ ". قَالَ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: "فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ". قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: "إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ". [٦٤٩٦ - فتح: ١/ ١٤١] ثنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانِ، ثنَا فُلَيْحٌ وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، ثنَا مُحَمَّدُ ابْنُ فُلَيْحٍ، ثَنا أَبِي ثنا هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ القَوْمَ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحَدِّثُ، فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ، فَكَرِهَ مَا قَالَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ. حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: "أَيْنَ -أُرَاهُ- السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ؟ ". قَالَ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: "فَإذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ". قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: "إِذَا وُشَدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ". الكلام عليه من وجوه: أحدها: في التعريف برجاله: أما أبو هريرة فسلف، وأما الراوي عنه فكذلك، وهو: عطاء بن يسار وإن كرره شيخنا قطب الدين في "شرحه"، وأما الراوي عنه فهو

стр. 1326

هلال (ع)، بن أبي ميمونة، وقيل: ابن أبي هلال علي قاله البخاري (١)، وقيل: هلال بن أسامة، نسبة إلى جده الفهري، سمع أنسًا وغيره. قَالَ أبو حاتم: يكتب حديثه وهو شيخ. قَالَ الواقدي: مات في آخر خلافة هشام (٢). وأما الراوي عنه فهو فليح (ع) بن سليمان العدوي مولاهم (المدني) (٣) روى عن نافع وغيره، وعنه ابنه محمد وغيره. قَالَ ابن معين وأبو حاتم والنسائي: ليس بالقوي. وقال ابن عدي: هو عندي لا بأس به (٤). وقد اعتمده البخاري في "صحيحه"، وقال الحاكم: اجتماعه مع مسلم في إخراجهما عنه (في الأصول) (٥) يؤكد أمره ويسكن القلب فيه إلى تعديله، مات سنة ثمان وستين ومائة (٦).

стр. 1327

وأما الراوي عنه فهو: ولده محمد (خ. س. ق) روى عن هشام ابن عروة، وغيره وعنه: هارون بن موسى الفروي وغيره، لينه ابن معين. وقال أبو حاتم: ما به بأس، ليس بذاك القوي (١) مات سنة سبع وتسعين ومائة (٢). وأما الراوي عنه فهو إبراهيم (خ. د. ت. ق) بن المنذر الحزام -بالحاء والزاي- الأسدي أحد العلماء بالمدينة، روى عن ابن وهب وابن عيينة وعدة، وعنه خلق. منهم: البخاري وابن ماجه، وروى البخاري، عن محمد بن غالب عنه، وروى النسائي عن رجل عنه، وأخرج لَهُ الترمذي أيضًا، صدوق، قَالَ النسائي: ليس به بأس، مات سنة ست، وقيل: خمس وثلاثين ومائتين (٣).

стр. 1328

وأما محمد بن سنان (خ. د. ت. ق) فهو: أبو بكر العوقي -بفتح العين المهملة وقبل الياء قاف، ولم يكن من العوقة وهم حي من عبد القيس، وإنما نزل فيهم، كانت لهم محلة في البصرة فنزل عندهم فنسب إليهم. روى عن فليح و (همام) (١) وغيرهما وعنه: البخاري وأبو داود وخلق. قَالَ أبو حاتم: صدوق. وروى أبو داود والنسائي وابن ماجه عن رجل عنه، مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين (٢). ثانيها: هذا الأعرابي لا يحضرني اسمه فليبحث عنه. ثالثها: تأخيره ﵇ جواب السائل إلى أن قضى حديثه يحتمل؛ لأنه قَدْ شرع في جواب سائل سأله متقدم فكان أحق بتمامه ولو قطعه قَدْ لا يحصل للسائل فائدة جوابه أو كانت الحاجة إليه أمس فخاف فوته.

стр. 1329

رابعها: معنى: "إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ" أي: تولاه غير أهل الدين والأمانة ومن يعينهم عَلَى الظلم والفجور، وعند ذَلِكَ يكون الأئمة قَدْ ضيعوا الأمانة التي فرض الله عليهم حتَّى يؤتمن الخائن ويُسْتَخْوَن الأمين وهذا إنما يكون عند غلبة الجهل وضعف أهل الحق عن القيام به، نسأل الله العافية. خامسها: في أحكامه: الأول: أن من آداب المتعلم أن لا يسأل العالم مادام مشتغلًا بحديث أو غيره؛ لأن من حق القوم الذين بدأ بحديثهم أن لا يقطعه عنهم حتَّى يتمه. الثاني: الرفق بالمتعلم وإن جفا في سؤاله أو جهل؛ لأنه ﵇ لم يوبخه عَلَى سؤاله قبل إكمال حديثه. الثالث: وجوب تعليم السائل والمتعلم؛ لقوله ﷺ : "أين السائل؟ " ثم أخبره عن الذي سأل عنه. الرابع: مراجعة العالم عند عدم فهم السائل كقوله: كيف إضاعتها؟ الخامس: جواز اتساع العالم في الجواب، وأن يبقي منه إِذَا كان ذَلِكَ لمعنى.

стр. 1330

٣ - باب مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْعِلْمِ ٦٠ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ عَارِمُ بْنُ الفَضْلِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِيُّ ﷺ فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الصَّلَاة وَنَحْن نَتَوَضَّأ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: "وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ". مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. [٩٦، ١٦٣ - مسلم: ٢٤١ فتح: ١/ ١٤٣] حدثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍ وقَالَ: تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِيُّ ﷺ فِي سفرة سافرناها، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الصَّلَاةُ وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادئ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: "وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ". مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه قريبًا في العلم عن مسدد، وفيه: وقد أرهقنا الصلاة صلاة العصر (١). وفي الطهارة عن موسى، وفيه: فأدركنا وقد أرهقنا العصر (٢)، وأخرجه مسلم في: الطهارة عن شيبان، وأبي كامل عن أبي عوانة به (٣).

стр. 1331

ثانيها: في التعريف برجاله: أما أبو النعمان: محمد، وأبو عوانة: الوضاح فقد سلفا، وكذا عبد الله بن عمرو. وأما الراوي عنه فهو: يوسف (ع) بن ماهك -بفتح الهاء والكاف، لا ينصرف؛ للعجمة والعلمية فارسي مكي تابعي ثقة، سمع ابن عمر وعائشة وغيرهما، وسمع والده ماهك. واسم أمه: مسيكة. وقال الدارقطني: بل ماهك ويذكر عن أبي داود وعلي بن المديني أن يوسف بن ماهك ويوسف بن ماهان واحد، مات سنة ثلاث عشر ومائة، وقيل: سنة عشر ومائة (١). وأما الراوي عنه فهو أبو بشر جعفر (ع) بن أبي وحشية واسمه إياس، واسطي بصري ثقة، كثير الحديث، لقي من الصحابة عباد بن شرحبيل اليشكري، وهو من قومه، روى عنه: شعبة وهشيم، مات سنة خمس وعشرين ومائة (٢).

стр. 1332

ثالثها: لما ذكر ابن ماجه من حديث جابر: "ويل للعراقيب" (١) قَالَ: هذا أعجب إليَّ من حديث عبد الله بن عمرو (٢)، وهو الذي ذكره البخاري ومسلم. وقد أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة أيضًا أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا لم يغسل عقبه فقال: "وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ" (٣) وقد أخرجه البخاري عنه في الطهارة كما سيأتي (٤). رابعها: هذِه السفرة قد جاءت مبينة في بعض طرق روايات مسلم: رجعنا مع رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة، حتَّى إِذَا كنا في الطريق تعجل قوم عند العصر فتوضئوا وهم عجال فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء، فقال النبي ﷺ : "وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ، أسبغوا الوضوء" (٥).

стр. 1333

خامسها: قوله: (وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الصُّلَاةُ)، هو برفع الصلاة عَلَى أنها الفاعل أي: أعجلتنا؛ لضيق وقتها، وروي: أرهقنا الصلاة (١) بالنصب عَلَى أنها مفعولة أي: أخرنا الصلاة حتَّى كادت تدنو من الأخرى. قَالَ القاضي: وهذا أظهر (٢). قَال صاحب "الأفعال": أرهقت الصلاة: أخرتها، وأرهقته: أدركتْهُ (٣). وقال الخليل: أرهقنا الصلاة: استأخرنا عنها (٤). وقال أبو زيد: رهقتنا الصلاة إِذَا حانت. وقال أبو عبيد: رَهَقْتُ القومَ غشيْتُهم ودنوتُ منهم (٥). وقال ابن الأعرابي: رهقته وأرهقته بمعنى دنوت منه. وقال الجوهري: رهقه -بالكسر- يرهقه رهقا غشيه، قَالَ تعالى: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٦] (٦) وقال أبو زيد: أرهقه عسرا إِذَا كلفه إياه، يقال: لا ترهقني لا أرهقك الله أي: لا تعسرني لا أعسرك الله. وقيل في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ [الكهف: ٧٣] أي: تلحق بي، من قولهم: رهقه الشيء إِذَا غشيه، وقيل: لا تعجلني، ويجيء عَلَى قول أبي زيد: لا تكلفني.

стр. 1334

سادسها: ("ويل") من المصادر التي لا أفعال لها وهي كلمة عذاب وهلاك، وهي مقابل ويح يقال (١) لمن وقع فيما لا يستحقه: ويحه ترحمًا عليه، وعن أبي سعيد الخدري: ويل: واد في جهنم لو أرسلت (عليه) (٢) الجبال لماعت من حره (٣). وقيل: ويل صديد أهل النار (٤). سابعها: ("الأعقاب"): جمع: عقب، وهي مؤخر القدم، وعقب كل شيء: آخره، وهي مؤنثة، وقال الأصمعي: العقب هو: ما أصاب الأرض من مؤخر الرجل إلى موضع الشراك. وقال ثابت: العقب هو: ما فضل من مؤخر القدم إلى الساق. ويقال: عقِب وعقْب بكسر القاف وسكونها. ثامنها: خص ﷺ الأعقاب بالعِقَاب؛ لأنها التي لم تغسل، ويحتمل أن يريد صاحبها، ففيه حذف المضاف، والألف واللام في الأعقاب الظاهر أنها عهدية، ويحتمل أن تكون للعموم.

стр. 1335

تاسعها: هذا الحديث مما ورد عَلَى سبب وفيه كثرة يحتمل إفراده بالتأليف. عاشرها: في أحكامه: الأول: وجوب استيعاب غسل الرجلين، وأن المسح غير كافٍ ولا يجب مع الغسل المسح، وهو إجماع من يعتد به (١). وقد ترجم عليه البخاري في الطهارة، باب غسل الرجلين ولا يمسح على القدمين، ففهم منه أن القدمين لا يمسحان، بل يغسلان، لكن رواية مسلم السالفة: وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء (٢). قَدْ تفسر الرواية هنا: فجعلنا نمسح عَلَى أرجلنا، ولا شك أن هذا موجب للوعيد بالاتفاق وقد يؤول عَلَى أن المراد: لم يمسها الماء للغسل وإن مسها بالمسح، فيكون الوعيد وقع عَلَى الاقتصار عَلَى المسح فقط. وفي "صحيح ابن خزيمة" من حديث عمرو بن عنبسة الطويل: "ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمره الله تعالى" (٣) وهو دالٌّ عَلَى أنّ الله تعالى أمر بغسلهما فلا عبرة إذًا بقول الشيعة: إن الواجب المسح (٤)، ولا بقول ابن جرير، والجُبّائي -من المعتزلة- إنه: مخير بينه وبين الغسل (٥)، ولا بإيجاب بعض الظاهرية الجمع بينهما (٦)، وقراءة الجر في الآية محمولة عَلَى النصب أو من باب عطف الجوار.
следующие страницы →