← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

قَالَ ابن إسحاق: كانت هذِه السرية أول سرية غنم فيها المسلمون، وكانت في رجب (من) (١) السنة الثانية قبل بدر الكبرى، بعثه النبي ﷺ ومعه ثمانية رهط من المهاجرين، وكتب لَهُ كتابًا وأمره ألا ينظر إليه حتَّى يسير يومين، ثمَّ ينظر فيه فيمضي لما أمر به، ولا يستكره من أصحابه أحدًا، فلما سار يومين فتح الكتاب فإذا فيه: "إِذَا نظرت في كتابي هذا فامض حتَّى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها قريشًا وتعلم لنا أخبارهم"، فقال عبد الله وأصحابه: سمعًا وطاعة. فمضوا ولقوا عيرًا لقريمش، فقتلوا عمرو بن الحضرمي في أول يوم من رجب كافرًا، واستأسروا اثنين، وغنموا ما كان معهم. فأنكر عليهم النبي ﷺ وقال: "ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام"، وقالت قريش: قَدْ استحل محمد الشهر الحرام فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] الآية (٢). فهذِه أول غنيمة، وأول أسير، وأول قتيل قتله المسلمون. الثالث: لما ذكر البخاري أولًا قراءة الشيخ ثمَّ تلاه بالقراءة والعرض عليه، وهو يشمل السماع والقراءة، ثمَّ تلاه بالمناولة والمكاتبة، وكل منهما قَدْ يقترن به الإجازة وقد لا يقترن، ولم يصرح بالإجازة المجردة، ويحتمل أنه يرى أنها من أنواع الإجازة، فبوب عَلَى أعلاها رتبة عَلَى جنسها.

стр. 1367

والخطيب الحافظ أطلق اسم الإجازة عَلَى ما عدا السماع، وجعل المناولة والعرض من أنواعها، واستدل عَلَى الإجازة (بعين) (١) ما استدل به البخاري عَلَى المناولة، وهو حديث عبد الله بن جحش، فإنه ﵇ ناوله الكتاب فقرأه عَلَى الناس، ويجوز لهم روايته عن النبي ﷺ ؛ لأن كتابته إليهم تقوم مقامه، وجائز للرجل أن يقول: حَدَّثَنِي فلان كتابة إِذَا كتب إليه (٢). والمناولة المقرونة بالإجازة لها صور: إحداها: أن يدفع الشيخ إلى الطالب أصل سماعه أو فرعًا مقابلًا به، ويقول: هذا سماعي أو روايتي عن فلان فاروه، أو أجزتُ لك روايته عني، ثمَّ يملكه لَهُ أو يأذن له في نسخه ويقابله به. ثانيها: أن يدفع (إليه) (٣) الطالب سماعه فيتأمله وهو عارف به متيقظ، ثمَّ يعيده إليه ويقول: هو حديثي أو روايتي فاروه عني، أو أجزت (لك) (٤) روايته، وهذا سماه غير واحد من أئمة الحديث عرضا. وقد أسلفنا أن القراءة عليه تسمى عرضا أيضًا، فليسم هذا عرض المناولة وذاك عرض القراءة، وهذِه المناولة كالسماع في القوة عند الزهري ومالك وآخرين، والصحيح أنها منحطة عَلَى السماع والقراءة، وهو قول جماعة منهم باقي الأربعة.

стр. 1368

ثالثها: أن يناول الشيخ الطالب سماعه ويجيزه لَهُ ثمَّ يمسكه الشيخ عنه ولا يمكنه منه، وهذا دون ما سبق، ويجوز روايته إِذَا وجده أو فرعًا مقابلًا به موثوقًا بموافقته لما تناوله الإجازة، والمناولة المجردة عن الإجازة بأن يناوله مقتصرًا عَلَى: هذا سماعي، فلا تصح الرواية بها، وجوزها جماعة وذلك كله مبسوط في مختصري في علوم الحديث فراجعه (١)، فإنه يعز نظيره. وأما الكتابة (المعتبرة) (٢) بالإجازة فكالمناولة وكذا الكتابة المجردة عند الأكثرين، وأما الإجازة فالأصح جواز الرواية والعمل بها، وقد أوضحتها بأقسامها في الكتاب المشار إليه، فراجعه (٣). الرابع: معنى (كتب): أمر بالكتابة، وسيأتي الخوض في ذَلِكَ في موضعه إن شاء الله تعالى. قال البخاري ﵀: نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودِ أَنَّ عَبْدَ اللهِ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ بِكِتَابِهِ رَجُلًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيم البَحْرَيْنِ، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ البَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرى، فَلَمَّا قَرَأَهُ مَزَّقَهُ. فَحَسِبْت أَنَّ ابن المُسَيَّبِ قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ.

стр. 1369

الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث من أفراد البخاري عن مسلم أخرجه في مواضع هنا عن إسماعيل: هو الأويسي، عن إبراهيم كما ترى، وفي المغازي (عن إسحاق، عن يعقوب بن إبراهيم) (١) عن أبيه، عن صالح به، وفيه أنه ﷺ بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة السهمي (٢)، وفي خبر الواحد عن ابن بكير، عن ليث، عن يونس (٣)، وفي: الجهاد: عن عبد الله بن يوسف، عن (الليث، عن عقيل) (٤)، عن الزهري به (٥). ثانيها: هذا الرجل هو: عبد الله بن حذافة السهمي كما سقته لك مبينًا، وهو: عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم بن عمرو بن (هصيص) (٦) بن كعب بن لؤي. أخو خنيس بن حذافة، زوج حفصة أصابته جراحة بأحد فمات منها، خلف عليها بعده رسول الله ﷺ ، وعبد الله الذي قَالَ: يا رسول الله من

стр. 1370

أبي؟ قَالَ: "أبوك حذافة" (١). أسلم قديمًا وكان من المهاجرين الأولين، وكانت فيه دعابة، وقيل: إنه شهد بدرًا. ولم يذكره الزهري، ولا موسى بن عقبة، ولا ابن إسحاق في البدريين، أسره الروم في زمن عمر، وأرادوه عَلَى الكفر، وله في ذَلِكَ قصة طويلة، وآخرها أنه قَالَ لَهُ ملكهم: قبل رأسي وأطلقك، قَالَ: لا. قَالَ له: وأطلق من معك من أسرى المسلمين، فقبل رأسه، فأطلق معه ثمانين أسيرًا، فكان الصحابة يقولون له: قبلت رأس علج، فيقول: أطلق الله بتلك القبلة ثمانين أسيرًا من المسلمين، توفي عبد الله في خلافة عثمان (٢). ثالثها: في التعريف برجاله، وقد سلف مفرقًا. رابعها: البحران: تثنية بحر وهو ملك مشهور بين البصرة وعمان (٣)، صالح النبي ﷺ أهله وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي، وبعث أبا عبيدة فأتى بجزيتها (٤).

стр. 1371

خامسها: (عظيم البحرين) لعله المنذر بن ساوى العبدي، فإن النبي ﷺ بعث العلاء بن الحضرمي إليه وكان ملك البحرين فصدق وأسلم (١). سادسها: كسرى -بكسر الكاف وفتحها- قَالَ ابن الجواليقي: والكسر أفصح. وهو فارسي معرب، وهو أنوشروان بن هرمز الكافر، وهو الذي ملك النعمان بن المنذر عَلَى العرب، وهو الذي قصده سيف بن ذي يزن يستنصره عَلَى الحبشة، فبعث معه قائدًا من قواده فنفوا السودان، وكان ملك كسرى سبعًا وأربعين سنة وسبعة أشهر. وذكر ابن سعد أنه ﷺ بعث عبد الله بن حذافة السهمي، وهو أحد الستة الذين بعثوا إلى الملوك كسرى وغيره [يدعوه] إلى الإسلام، وكتب معه كتابًا، قَالَ عبد الله: فدفعت إليه كتاب رسول الله ﷺ فقرئ عليه ثمَّ أخذه فمزقه. فلما بلغ رسول الله ﷺ ذلك قَالَ: "اللهم مزق ملكه"، وكتب كسرى إلى باذان عامله في اليمن أن ابعث من عندك رجلين جلدين إلى هذا الرجل الذي بالحجاز فليأتيا بخبره، فبعث باذان قهرمانه ورجلًا آخر، وكتب معهما كتابًا، فقدما المدينة ومعهما كتاب باذان إلى رسول الله ﷺ ، فتبسم النبي ﷺ ودعاهما إلى الإسلام، وفرائصهما ترعد. وفيه فقال: "أبلغا صاحبكما أن ربي قتل ربه كسرى في هذِه الليلة" لسبع ساعات مضت منها وهي ليلة الثلاثاء لعشر مضين من جمادى

стр. 1372

الأولى سنة سبع، وأن الله سلط عليه ابنه شيرويه فقتله (١). أي: وتمزق ملكه كل ممزق، وزال بدعوة النبي ﷺ ، وذكر ابن هشام: أنه لما مات وِهرز الذي كان باليمن عَلَى جيش الفرس أسر كسرى ابنه يعني: ابن وِهرز، ثمَّ عزله وولى باذان فلم يزل بها حتَّى بعث الله النبي ﷺ . قَالَ: فبلغني عن الزهري أنه قَالَ: كتب كسرى إلى باذان أنه بلغني أن رجلًا من قريش يزعم أنه نبي فسر إليه فاستتبه، فإن تاب وإلا فابعث إليَّ برأسه، فبعث باذان بكتابه إلى رسول الله، فكتب إليه رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى وعدني أن يقتل كسرى في يوم كذا وكذا ومن شهر كذا وكذا"، فلما أتى باذان الكتاب قَالَ: إن كان نبيًّا سيكون ما قَالَ، فقتل الله كسرى في اليوم الذي قَالَ رسول الله ﷺ . قَالَ ابن هشام: قتل عَلَى يدي ابنه شيرويه. قَالَ الزهري: فلما بلغ باذان بعث بإسلامه وإسلام من معه من الفرس (٢). سابعها: قَدْ أسلفنا في الكلام عَلَى حديث هرقل أن كل من ملك الفرس يقال لَهُ كسرى وأولنا حديث: "إذا هَلَكَ كِسْرى فَلَا كِسْرى بَعْدَهُ" (٣)، فراجعه من ثَمَّ. ثامنها: فيه من الفقه ما أسلفناه من الكتابة، وفيه أيضًا الاكتفاء بواحد في حمل كتاب الحاكم إلى حاكم آخر إِذَا لم يشك في الكتاب ولا أنكره،

стр. 1373

واعتماد الحكام الآن عَلَى اثنين للاحتياط، وسيأتي بسط ذَلِكَ في كتاب: الأحكام -إن قدر الله الوصول إليه وشاءه. قال البخاري ﵀: نَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ، أَنَا عَبْدُ اللهِ أَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ كِتَابًا -أَوْ أَرَادَ أَنْ يَكتُبَ- فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إلَّا مَخْتُومًا. فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ. كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِهِ. فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ مَنْ قَالَ نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ؟ قَالَ: أَنَسٌ. الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري في أبواب هنا، والجهاد (١) واللباس عن ابن مقاتل (٢)، عن ابن المبارك (٣). وفي الأحكام عن ابن بشار، عن غندر (٤). وله عنه طرق أخرى. ثانيها: في التعريف برواته: وقد سلف التعريف بهم خلا محمد بن مقاتل، وهو مروزي ثقة صدوق، كنيته أبو الحسن، انفرد به البخاري عن باقي الكتب، روى

стр. 1374

عن ابن المبارك، ووكيع، وعنه مع البخاري أحمد وأبو زرعة وأبو حاتم وغيرهم، مات آخر سنة ست وعشرين ومائتين (١). ثالثها: الخاتم: بفتح التاء وكسرها وفيه أربع لغات أخر خاتام وخيتام وختام وختم. رابعها: في فوائده وأحكامه: الأولى: اتخاذ خاتم الفضة، وهو إجماع (٢)، ولا عبرة بمن شذ فيه من كراهة لبسه إلا لذي سلطان (٣)، ومن كراهته للنساء؛ لأنه من زي الرجال (٤). وأما خاتم الذهب: فقام الأجماع عَلَى تحريمه (٥)، ولا عبرة بقول أبي بكر (بن) (٦) محمد بن عمرو بن حزم أنه مباح (٧). ولا بقول

стр. 1375

بعضهم أنه مكروه (١)، وقد كان ﷺ اتخذ خاتمًا من ذهب، وجعل فصه مما يلي بطن كفه فاتخذ الناس مثله فرماه، وقال: "لا ألبسه أبدًا" (٢) ثمَّ اتخذ الخاتم من فضة فنسخ لبسه. وأما حديث أنس (خ م) أنه رأى في يد رسول الله ﷺ خاتمًا من ورق يومًا واحدًا فطرحه وطرح الناس خواتيمهم (٣) فهو وهم من الزهري، وإن كان رواه عنه خمسة وصوابه من ذهب (٤). الثانية: جواز نقش الخاتم ونقش اسم صاحبه، وجواز نقش اسم الله تعالى عليه، وهو قول مالك (٥) وابن المسيب (٦) وغيرهما، وكرهه ابن سيرين (٧).

стр. 1376

وأما رواية البخاري فيما سيأتي: "إنِّا اتَّخَذْنَا خَاتَمًا، وَنَقَشْنَا عليه نَقْشًا، فَلَا يَنْقُشْ عَلَيْهِ أَحَدٌ" (١) فالنهي محن نقش مثله خوف حصول المفسدة والخلل، فإنه إنما فعل ذَلِكَ؛ ليختم به كلتب الملوك، فإذا نقش مثله خيف وقوع ذَلِكَ. الثالثة: ختم كتاب السلطان والقضاة والحكام، وهو سنة متبعة، وإنما كانوا لا يقرءون كتابًا إلا مختومًا خوفًا عَلَى كشف أسرارهم وإذاعة تدبيرهم، فصار الختم للكتاب سنة، وقد قيل في قوله: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩]: أنه كان مختومًا (٢). الرابعة: معنى (كَتَبَ): أراد أن يكتب كما سلف. واعلم أن البخاري ذكر أحاديث الخاتم في مواضع من كتابه في كتاب اللباس وغيره كما سنمر عليه -إن شاء الله تعالى-، وهناك يأتي الكلام -إن شاء الله تعالى- في كيف وضع فصه؟ وأنه من داخل، وصفة فصه، وهل يلبسه في يمينه أو في يساره؟ إن شاء الله. واستحب مالك لبسه في يساره وكرهه في يمينه (٣)، والأصح عند الشافعية عكسه، وكان نقش خاتم الإمام مالك: حسبي الله ونعم الوكيل (٤)، وكان نقش خاتم الشافعي: الله ثقة محمد بن إدريس، ونقل الربيع عنه أنه كان يتختم في يساره.

стр. 1377

٨ - باب مَنْ قَعَدَ حَيْثُ يَنْتَهِى بِهِ الْمَجْلِسُ، وَمَنْ رَأَى فُرْجَةً فِى الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا ٦٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ أَبَا مُرَّةَ -مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ- أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِي وَاقِدِ اللَّيْثِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ. فِي الَمسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ، إِذ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اَثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأى فُرْجَةً فِي الَحلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: "أَلا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاَثةِ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَآوى إِلَى اللهِ، فَآوَاهُ اللهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا، فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْة، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ، فَأَغرَضَ اللهُ عَنْهُ". [٤٧٤ - مسلم ٢١٧٦ - فتح: ١/ ١٥٦] لو أخر البخاري هذا الباب ﵀ إلى ما بعد الباب الذي يليه وهو باب قوله ﷺ : "رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ" لكان أولى؛ لأن فيه معنى التحمل عن غير العارف وغير الفقيه. نَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ أَبَا مُرَّةَ -مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ- أخْبَرَهُ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي المَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ، إِذْ أقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرِ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: "أَلا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَآوى إِلَى اللهِ، فَآوَاهُ اللهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا، فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ، فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ".

стр. 1378

الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري هنا كما ترى، وفي الصلاة في باب: الحلق والجلوس في المسجد عن عبد الله بن يوسف (١). وأخرجه مسلم في الأدب عن قتممة كلاهما عن مالك، وعن أحمد بن المنذر، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن حرب (بن) (٢) شداد، عن يحيى بن أبي كثير، وعن إسحاق بن منصور، عن حبان، عن أبان العطار، عن ابن أبي كثير كلاهما عن إسحاق، عن أبي مرة يزيد مولى عقيل، عن أبي واقد (٣). ثانيها: في التعريف برواته: أما أبو واقد فهو -بالقاف- مشهور بكنيته، وفي اسمه أقوال: أصحها: الحارث بن عوف قاله الكلبي، وصححه أبو عمر (٤)، وثانيها: عكسه. ثالثها: الحارث بن مالك -قاله الواقدي- ابن أسيد بن جابر بن عويرة (٥) بن

стр. 1379

عبد مناف (١) بن شجع (٢) بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن علي بن كنانة بن خزيمة الليثي. قَاَل أبو عمر عن بعضهم: شهد بدرًا، ولم يذكر موسى بن عقبة ولا ابن إسحاق فيهم، وذكر بعضهم أنه كان قديم الإسلام. وقال غيره: أسلم يوم الفتح، وأخبر عن نفسه أنه شهد حنينًا، قَالَ: وكنت حديث عهد بكفر، وهذا يدل عَلَى تأخر إسلامه، وشهد اليرموك، ثمَّ جاور بمكة سنة ومات بها ودفن بمقبرة المهاجرين. لَهُ أربعة وعشرون حديثًا اتفقا منها عَلَى هذا الحديث، وليس لَهُ في "صحيح البخاري" غيره، وانفرد مسلم بحديث آخر، وهو ما كان يقرأ به النبي ﷺ في الأضحى (٣). وقيل: إنه ولد في العام الذي ولد فيه ابن عباس، وفي هذِه وشهوده نظر كما قاله الحافظ عبد الغني، مات سنة ثمان وستين عن خمس وسبعين سنة (٤).

стр. 1380

فائدة: في الصحابة من يكنى بهذِه الكنية ثلاثة هذا أحدهم، وثانيهم أبو واقد (١) مولى رسول الله ﷺ (٢)، روى عنه أبو عمر زاذان (٣)، وثالثهم أبو واقد النميري (٤)، روى عنه نافع بن سرجس (٥). وأما الراوي عنه فهو أبو مرة واسمه يزيد كما سلف، مولى عقيل بن أبي طالب كما ذكره البخاري، وقيل: مولى أخيه، وقيل: مولى أختهما أم هانئ، وكان يلزم عقيلا فنسب إلى ولائه، روى عن عمرو بن العاص وأبي واقد وغيرهما، قَالَ ابن منجويه: كان شيخًا قديمًا، وروى عنه زيد بن أسلم وأبو حازم وغيرهما (٦). وأما الراوي عنه فهو: إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة زيد بن

стр. 1381

سهل بن الأسود بن حرام الأنصاري النجاري ابن أخي أنس لأمه. كان يسكن دار جده بالمدينة، وهو تابعي سمع أباه وعمه أنس بن مالك وغيرهما، وثقته متفق عليها، وهو أشهر إخوته وأكثرهم حديثًا وهم: عبد الله، ويعقوب، وإسماعيل، وعمر، وعبد الله، وكان مالك لا يقدم عَلَى إسحاق في الحديث أحدًا، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة (١). وأما الراوي عنه فهو: إسماعيل الأودي وقد سلف. ثالثها: تتبع أسماء هؤلاء الثلاثة فإني لم أظفر بها. رابعها: في ألفاظه: (النفر) -بفتح الفاء- عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة قاله الجوهري (٢). و (الفرجة) -بضم الفاء وفتحها لغتان- الخلل بين شيئين، واقتصر الجوهري وغيره عَلَى الضم (٣). وقد فرج لَهُ في الصف والحلقة ونحوهما بالتخفيف، يفرج -بضم الراء- وأما الفرجة بمعنى الراحة من الغم فهي بفتح الفاء، وحكى الأزهري وغيره تثليثها (٤). وقد أوضحت ذَلِكَ في "الإشارات للغات المنهاج". و (الحلقة) بإسكان اللام عَلَى المشهور، وحكي فتحها، وقوله: "فَآوى إِلَى اللهِ" فهو مقصور، وقوله: "فَآوَاهُ الله" فهو ممدود هكذا

стр. 1382

الرواية، وبه جاء القرآن القصر في اللازم والمد في المتعدي، قَالَ الله تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف: ١٠]، ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ﴾ [المؤمنون: ٥٠]، ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦)﴾ [الضحى: ٦]، وحكى بعضهم فيهما اللغتين القصر والمد، كما حكاه القاضي (١). والمشهور الفرق. وقوله: "فَآوى إِلَى اللهِ، فَآوَاهُ اللهُ" هو من باب المقابلة، وكذا: "فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ"، وكذا: "فَأَعْرَضَ، فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ"، كله من باب المقابلة والمماثلة في اللفظ، ومثله في القرآن: ﴿مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤ - ١٥] ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] والمعنى: جازاهم الله عَلَى أفعالهم، فسمى مجازاتهم بمثل أسماء أفعالهم استعارة ومجازا (٢).

стр. 1383

ومعنى: "فَآوى إِلَى اللهِ" لجا إليه، قَالَ القاضي: وعندي أن معناه: دخل مجلس ذكر الله (١). و"آواه الله" أي: قبله وقربه، أو آواه إلى جنته، وقوله: "فاستحيا" اْي: ترك المزاحمة والتخطي حياءً من الله ورسوله والحاضرين، أو استحياءً منهم أن يعرض ذاهبًا فاستحيا الله منه، أي: رحمه ولم يعاقبه، وقوله: "فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ" أي: لم يرحمه وسخط عليه، وحمله بعضهم عَلَى من ذهب معرضًا لا لعذر، فمن أعرض عن نبيه ﷺ وزهد فيه فليس بمؤمن، وإن كان هذا مؤمنًا وذهب لحاجة دنيوية أو ضرورية فإعراض الله عنه ترك رحمته وعفوه، فلا تثبت له حسنة ولا تمحو عنه سيئة، نبه عَلَى ذَلِكَ القاضي (٢). خامسها: فيه من الآداب جمل مستكثرة منها: حلق العلم والذكر في المسجد، واستحباب القرب من الكبير في الحلقة ليسمع كلامه، واستحباب الثناء عَلَى من فعل جميلًا، وأن الإنسان إِذَا فعل قبيحًا أو مذمومًا وباح به جاز أن ينسب إليه. وفيه أيضًا: أن من جلس إلى حلقة فيها ذكر أو علم فهو في كنف الله (وجواره) (٣) وإيوائه، وهو ممن تضع لَهُ الملائكة أجنحتها. وأن العالم يؤوي المتعلم؛ لقوله ﵇: "فآواه الله" وأن من قصد المعلم ومجالسته فاستحيا من قصده، ولم يمنعه الحياء من التعلم ومجالسة

стр. 1384

العلماء، أن الله يستحي منه ولا يعذبه جزاءً باستحيائه، وقد قالت عائشة ﵂: نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين (١). فالحياء المذموم في الفعل هو الذي يبعث عَلَى ترك التعلم. وفيه أيضًا أن من قصد العلم ومجالسه ثمَّ أعرض عنها فإن الله يعرض عنه، ومن (أعرض) (٢) عنه فقد تعرض لسخطه، ألا ترى قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ١٧٥]، وهذا انسلخ من إيواء الله بإعراضه عنه. وفيه: سد الفُرج في حلق الذكر، وقد جاء في سدها في صفوف الصلاة وفي الصف في سبيل الله توغيب وآثار (٣)، ومعلوم أن حلق الذكر في سبيل الله، وفيه أن التزاحم بين يدي العالم أفضل من أعمال البر، ألا ترى قول لقمان لابنه: يا بني، جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض بوابل السماء (٤).

стр. 1385

وفيه: أن من حسن الأدب أن يجلس المرء حيث انتهى به مجلسه ولا يقيم أحدًا، وقد روي ذَلِكَ عن رسول الله ﷺ (١). وفيه: ابتداء العالم جلساءه بالعلم، قبل أن يسئل عنه. وفيه: مدح الحياء والثناء عَلَى صاحبه. وفيه: ذم من زهد في العلم؛ لأنه لا يحرم أحد عن حلقة رسول الله وفيه خير.

стр. 1386

٩ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ "رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ " ٦٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن عَوْنٍ، عَنِ ابن سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ ذَكَرَ النَّبِيَّ ﷺ قعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ -أَوْ بِزِمَامِهِ- قَالَ: "أَيُّ يَوْمٍ هذا؟ ". فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوى اسْمِهِ. قَالَ: "أَليْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ ". قُلْنَا بَلَى. قَالَ: "فَأَيُّ شَهْرٍ هذا؟ ". فَسَكتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. فَقَالَ: "أَليْسَ بِذِي الحِجَّةِ؟ ". قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: "فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا، فِي شَهْرِكُمْ هذا، فِي بَلَدِكُمْ هذا. لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ". [١٠٥، ١٧٤١، ٣١٩٧، ٤٤٠٦، ٤٦٦٢، ٥٥٥٠، ٧٠٧٨، ٧٤٤٨ - مسلم: ١٦٧٩ - فتح: ١/ ١٥٧] نَا مُسَدَّدٌ نَا بِشْرٌ هو ابن المفضل نَا ابن عَوْنٍ، عَنِ ابن سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ أن النَّبِيَّ ﷺ قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ -أَوْ بِزِمَامِهِ- قَالَ: "أَيُّ يَوْمٍ هذا؟ ". فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوى اسْمِهِ. قَالَ: "ألَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ ". قُلْنَا بَلَى. قَالَ: "فَأَيُّ شَهْرٍ هذا؟ ". فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. فَقَالَ: "أَليْسَ بِذِي الحِجَّةِ؟ ". قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: "فَإِنَّ دِمَاءَكمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كحُرْمَةِ يَوْمِكمْ هذا، فِي شَهْرِكُمْ هذا، فِي بَلَدِكُمْ هذا. لِيُبَلِّغِ الشَّاهِذ الغَائِبَ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ".

стр. 1387

الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري هنا كما ترى، وفي العلم (١) والتفسير عن عبد الله بن عبد الوهاب، عن حماد بن زيد، عن أيوب (٢). وفي بدء الخلق (٣)، وحجة الوداع (٤)، والتوحيد عن أبي موسى محمد بن المثنى، عن عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب (٥). وفي الأضاحي عن محمد بن سلام، عن الثقفي، وعن عبد الوارث (٦)، وفي الفتن عن مسدد، عن يحيى القطان، عن قرة (٧). وفي الحج: عن عبد الله بن محمد، عن أبي عامر العقدي، عن قرة (٨). وأخرجه مسلم في الحدود عن أبي بكر بن أبي شيبة، ويحيى بن حبيب ابن عربي، عن عبد الوهاب، عن أيوب، وعن نصر بن علي، عن ابن زريع، عن ابن عون، وعن أبي موسى، عن حماد بن مسعدة، عن ابن عون، وعن محمد بن حاتم، عن يحيى القطان، عن قرة، وعن محمد بن عمر وأحمد بن الحسن بن خراش، عن أبي عامر العقدي، عن قرة كلهم عن محمد بن سيرين، عن عبد الرحمن عن أبيه به (٩).

стр. 1388

وفي حديث العقدي عن قرة، عن محمد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، وحميد بن عبد الرحمن الحميري، عن أبي بكرة (١). وأخرجه البخاري من حديث ابن عباس (٢) وابن عمر (٣) بنحوه، وله طرق تأتي -إن شاء الله تعالى- وذكره ابن منده في "مستخرجه" من حديث سبعة عشر صحابيًا. الثاني: لفظ ترجمة البخاري رواه الترمذي من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه قَالَ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "نضر الله امرأ سمع (منا شيئًا) (٤) فبلغه كما سمع فرب مبلغ أوعى من سامع" ثمَّ قَالَ: هذا حديث حسن صحيح (٥). قُلْتُ: وكأنه لم يعبأ بما قيل في عدم سماع عبد الرحمن من أبيه لصغره، قَال يحيى بن معين: لم يسمع منه. وقال أحمد: مات عبد الله ولعبد الرحمن ابنه ست سنين أو نحوها. وأخرج البخاري لعبد الرحمن، عن مسروق فكان هذا عذر البخاري، حيث جعله في الترجمة (٦) واستشهد لَهُ مما ساقه من قوله: "فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى لَهُ منه".

стр. 1389

وقد أخرج أبو داود والترمذي في "جامعه" وابن ماجه وابن حبان والحاكم في "صحيحهما" من حديث زيد بن ثابت ﵁ قَالَ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "نضر الله امرأً سمع مقالتي فحفظها ووعاها فأداها إلى من لم يسمعها فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه". قَالَ الترمذي: حسن، وقال الحاكم: صحيح عَلَى شرط الشيخين (١). و (نضر) -بالتشديد أكثر من التخفيف- أي: حسن، ويقال: أنضر الله وجهه، و (نضر) بالضم والكسر حكاهما الجوهري (٢). ثالثها: في التعريف برواته: أما أبو بكرة فسلف، وأما ولده عبد الرحمن فهو أبو عمرو الثقفي البصري أخو عبيد الله، ومسلم، وورَّاد وهو أول مولود ولد في الإسلام بالبصرة سنة أربع عشرة، حين بنيت، سمع أباه وعليًّا وغيرهما، وعنه ابن سيرين وغيره، مات سنة ست وتسعين (٣). وأما ابن سيرين فسلف.

стр. 1390

وأما ابن عون فهو: الإمام أبو عون عبد الله (ع) بن أرطبان البصري مولى عبد الله بن مغفل المزني، أحد الأعلام، رأى أنسًا ولم يثبت لَهُ منه سماع، وسمع (أنسًا) (١) وابن سيرين وغيرهما، وعنه الأعلام: شعبة والثوري والقطان وغيرهم، وورعه ودينه مشهور. قال خارجة: صحبته أربعًا وعشرين سنة فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه خطيئة. وقال أبو حاتم: ثقة، وقال الأوزاعي: إِذَا مات ابن عون وسفيان استوى الناس، مات سنة إحدى وخمسين ومائة عن خمس وثمانين (٢). وأما الراوي عنه فهو أبو إسماعيل بشر بن المفضل بن لاحق الرقاشي البصري، سمع ابن عون وغيره، وعنه الإمام أحمد وغيره، وهو ثقة، (كثير) (٣) الحديث كان يصلي كل يوم أربعمائة ركعة ويصوم يومًا. ويفطر يومًا قَالَ أحمد: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث عثمانيا (٤)، مات سنة ست، وقيل: سبع وثمانين (٥) (ومائة) (٦). وأما مسدد فقد سلف.

стр. 1391

رابعها: (ذو الحجة): -بكسر الحاء أفصح من فتحها-، وذو القعدة -بالعكس-، والخطام والزمام بكسر أولهما، واسم هذا الممسك: (أبو بكرة راوي الحديث) (١). خامسها: عقد البخاري هذا الباب لينبه عَلَى أنه يجوز التحمل من غير فقيه إِذَا ضبط ما يحدث به ويعد في زمرة أهل العلم -إن شاء الله- أو فيه أحكام وفوائد أخر: أولها: جواز القعود عَلَى الدابة وغيرها لحاجة لا للأشر، والنهي عن اتخاذ ظهورها منابر﴾ (٢) مخصوص بغير الحاجة، والحاجة هنا إسماع الناس. ثانيها: البعير: اسم جنس بمنزلة الإنسان من الناس، يقال للجمل بعير وللناقة بعير، وإنما يقال له بعير إِذَا جذع. ثالثها: صون البعير عن اضطرابه وتهويشه عَلَى راكبه بإمساك خطامه أو زمامه. رابعها: وجوب تبليغ العلم وتبيينه، وهو الميثاق الذي أخذه الله عَلَى العلماء ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]. خامسها: أنه قَدْ يأتي في الزمن الأخير من يكون لَهُ فهم في العلم ما ليس لمن يقدمه إلا أنه يكون قليلًا؛ لأن رب للتقليل وعسى (للطمع) (٣) وليست موضوعة (لتحقيق) (٤) الشيء.

стр. 1392

سادسها: تأكيد التحريم وتغليظه بأبلغ ما تجد مرة وثنتين وثلاثًا، كلما فعل ﷺ في قوله: "كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا، فِي شَهْرِكُمْ هذا، فِي بَلَدِكُمْ هذا" ثمَّ اعلم أنه لم يذكر هنا السؤال عن البلد، وقد ذكره في الحج (١) فلعله من تقصير وقع هنا من بعض (الرواة) (٢). وذكره أيضًا من طريق ابن عمر وابن عباس كما ستعلمه في موضعه -إن شاء الله تعالى- لكن في حديث ابن عباس أنهم أجابوه بقولهم: هذا يوم حرام وبلد حرام وشهر حرام (٣)، وهو مخالف للمذكور هنا من حديث أبي بكرة، وحديث ابن عمر أيضًا أنهم سكتوا حتَّى ظنوا أنه سيسميه بغير اسمه (٤)، ويحتاج إلى جمع (متين) (٥) بينهما. وقد يقال: ييحسمل أن تكون الخطبة متعددة، وأجاب في الثانية من علم في الأولى، وسؤاله ﵇ عما هو معلوم وسكوته المراد به: التعظيم والتنبيه عَلَى عظم مرتبة هذا اليوم والشهر والبلد. وقولهم في حديث ابن عباس: قلنا: الله ورسوله أعلم. فيه دلالة عَلَى حسن أدبهم؛ لأنهم علموا أنه ﷺ لا يخفي عليه جواب ما سأل عنه، فعرفوا أنه ليس المراد الإخبار عما يعرفون.

стр. 1393

١٠ - باب الْعِلْمُ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] فَبَدَأَ بِالْعِلْم، وَأَنَّ العُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَرَّثُوا العِلْمَ، مَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ. وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] وَقَالَ: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾ [الملك: ١٠] وَقَالَ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَهِّمْهُ فِي الدِّينِ" و: "إِنَّمَا العِلْمُ بِالتَّعَلُّم". وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: لَوْ وَضَعْتُمُ الصَّمْصَامَةَ عَلَى هذِه -وَأَشَارَ إِلى قَفَاهُ- ثُمَّ ظَنَنْتُ أَنِّي أُنْفِذُ كَلِمَةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا عَلَيَّ لأَنْفَذْتُهَا. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩] عُلَمَاءَ (١) فُقَهَاءَ. وَيُقَالُ: الرَّبَّانِيُّ: الذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ. [فتح: ١/ ١٥٩] الكلام عليه من وجوه: أحدها: في التعريف بالأسماء الواقعة فيه: وقد سلف التعريف بابن عباس وبأبي ذر، وكرره شيخنا قطب الدين.

стр. 1394

ثانيها: الخطاب في قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] للنبي ﷺ ، والمراد به غيره، ويجوز كما قَالَ الواحدي: أن يكون المعنى: أقم عَلَى ذَلِكَ العلم واثبت عليه، ويجوز أن يكون متعلقًا بما قبله عَلَى معنى: إِذَا جاءتهم الساعة فاعلم ذَلِكَ وأنه لا مُلْكَ لأحدٍ إلا له (١). وسئل سفيان بن عيينة عن فضل العلم فقال: ألم تسمع قوله تعالى حين بدأ بـ: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩]، فأمر بالعمل بعد العلم (٢)، وقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨]، ثم قَالَ: ﴿فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤]، وقال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١]، فالنظر الموصل إلى المعارف واجب وهو أول (الواجبات) (٣) ويكفي (فيه) (٤) الاعتقاد الجازم وإن لم يعرف الأدلة عَلَى المختار. ثالثها: قوله: ("وإِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنبِيَاءِ ورَّثُوا العِلمَ فمَنْ أخذه أخَذَ بحظٍ وافِر") هذا حديث مطول أخرجه الترمذي من حديث مَحْمْود بْن خِدَاشٍ، عن مُحَمَّد بْن يَزِيدَ الوَاسِطِيّ عن عَاصِم بْن رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ كَثيرٍ عن أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: "مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يطلبُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّل اللهُ له طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ، وَإِنَّ المَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا

стр. 1395

لِطَالِبِ العِلْمِ رِضَاءً، وَإِنَّ العَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ حَتَّى الحِيتَانُ فِي المَاءِ، وَفَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كفَضْلِ القَمَرِ عَلَى سَائِرِ الكَوَاكِبِ، وإِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا العِلْمَ فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظً وَافِرٍ". ثمَّ قَالَ: كذا حَدَّثَنَاه محمود، وَإِنَّمَا يُرْوى عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ دَاوُدَ (ابن) (١) جَمِيلٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وهذا أَصَحُ ولا يعرف هذا الحديث إلا من حديث عاصم، وليس إسناده عندي بمتصل (٢). وأما ابن حبان: فأخرجه في "صحيحه" من حديث عاصم عن داود به (٣)، وقال في "ضعفائه": روي: "العلماءُ ورثة الأنبياء" بأسانيد صالحة (٤). والتزم الحاكم صحته (٥). وحسنه حمزة مع الغرابة (٦). وأما الدارقطني فضعفه (٧). والحق: أن إسناده مضطرب وقد سقتُ لك بعضه، ورواه الأوزاعي، عن كئير بن قيس، عن يزيد بن سمرة، عن أبي الدرداء، قَالَ الدارقطني في "علله": وليس بمحفوظ (٨).

стр. 1396

وقال ابن عبد البر: لم يقمه الأوزاعي، وقد خلط فيه. وقال حمزة: رواه الأوزاعي، عن عبد السلام بن سليم، عن يزيد بن سمرة وغيره من أهل العلم عن كثير بن قيس. قَالَ ابن عبد البر: وعاصم بن رجاء هذا ثقة مشهور، وقال الدارقطني: عاصم بن رجاء ومن فوقه إلى أبي الدرداء ضعفاء، وقَالَ؟ وداود بن جميل مجهول (١). وقال البزار: لا يعلم إلا في هذا الحديث. وكذا كثير بن قيس، قَالَ: ولا يعلم روى عن كثير غير داود والوليد بن مرة، ولا يعلم روى عن داود غير عاصم (٢). وذكر ابن القطان: أنه اضطرب عاصم فيه فرواه عبد الله بن داود، عن عاصم كما سلف، ورواه أبو نعيم، عن عاصم عمن حدثه، عن كثير، ورواه محمد بن يزيد الواسطي، عن عاصم، عن كثير لم يذكر بينهما أحدا، قَالَ: والمتحصل من علة هذا الخبر هو الجهل بحال راويين من رواته، والاضطراب فيه ممن لم تثبت عدالته (٣). قُلْتُ: وقد رواه عن محمد، عن قيس بن كثير كما سلف، وقيل: الوليد بدل داود، وقيل جميل بن قيس، ذكره ابن عبد البر في "بيان العلم" له، ثمَّ قَالَ: والقلب إلى ما قاله محمد بن يزيد، عن عاصم، عن كثير، أميل (٤). وزعم ابن قانع أن كثير بن قيس صحابي وأنه راوي هذا الحديث

стр. 1397

وتبعه ابن الأثير، وهو غريب فتنبه لذلك كله (١). وسموا ورثة الأنبياء لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢] وسيأتي قريبًا حديث ابن عمر في الرؤيا لأبيه، وأن النبي ﷺ أوله بالعلم (٢). رابعها: قوله: "وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ"، قَدْ علمت أن هذا أول الحديث المذكور، لكنه ثابت في "صحيح مسلم" من حديث أبي هريرة في حديث طويل أوله: "من نفس عن مؤمن كربة .. ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله لَهُ (به) (٣) طريقًا إلى الجنة" (٤). خامسها: معنى (يخشى): يخاف، قَالَ ابن عباس: إنما يخاف الله من خلقه من علم جبروته وعزته وسلطانه، وقال مقاتل: أشد الناس لله خشية أعلمهم به. وقال مسروق: كفئ بخشية الله علمًا، وكفى بالاغترار بالله جهلًا. وقال مجاهد والشعبي: العالم من خاف الله، وقال ابن عباس: من خشي الله فهو عالم، ومعنى قوله: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾

стр. 1398

[العنكبوت: ٤٣] أي: وما يعقل الأمثال إلا العلماء الذين يعقلون عن الله، وروى جابر أنه ﷺ لما تلى هذِه الآية قَالَ: "العالم الذي عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه" (١). ومعنى قوله: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾ [الملك: ١٠] الآية أي: لو كنا نسمع سمع من يعي أو يفكر أو نعقل عقل من يميز وينظر ما كنا من أهل النار، قاله الزجاج. وروى أبو سعيد الخدري مرفوعًا: "إن لكل شيء دعامة، ودعامة المؤمن عقله فبقدر ما يعقل يعبد ربه، ولقد ندم الفجار يوم القيامة فقالوا: " ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾ " (٢) الآية. وروى أنس مرفوعًا: "إن الأحمق يصيب بحمقه أعظم من فجور الفاجر، وإنما يرتفع العباد غدًا في الدرجات، وينالون الزلفى من ربهم عَلَى قدر عقولهم" (٣).

стр. 1399

سادسها: قوله: "إِنَّمَا العِلْمُ بِالتَّعَلُمِ" هذا قد ورد في حديث مرفوع بإسناد منقطع رواه الحافظ أبو بكر الخطيب في كتاب "الفقيه والمتفقه" من حديث مكحول، عن معاوية ولم يسمع منه، قَالَ رسول الله ﷺ : "يا أيها الناس، إنما العلم بالتعلم والفقه بالتفقه" (١). سابعها: قوله: (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَهِّمْهُ فِي الدِّينِ")، هذا التعليق قَدْ أسنده قريبًا من حديث معاوية ﵁ (٢). ثامنها: قوله: (وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: لَوْ وَضَعْتُمُ الصَّمْصَامَةَ) إلى آخره (٣) روشاه من حديث الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن مرثد بن أبي مرثد (٤)، عن

стр. 1400

أبيه قَالَ: جلست إلى أبي ذر الغفاري إذ وقف عليه رجل فقال: ألم ينهك أمير المؤمنين عن الفتيا؟ فقال أبو ذر: والله لو وضعتم (هذِه) (١) الصمصامة عَلَى هذِه -وأشار إلى حلقه- عَلَى أن أترك كلمة سمعتها من رسول الله ﷺ لأنفذتها قبل أن يكون ذَلِكَ. أنبأنيه شيخنا قطب الدين عبد الكريم الحلبي، حَدَّثَنِي الحافظ شرف الدين عبد المؤمن الدمياطي، أنبأنا الحسين الخليلي، أنا ابن كاره، أنا ابن عبد الباقي، عن ابن حيوية، عن ابن معروف، عن الحسين بن فهم، عن محمد بن منيع، عن سليمان، (عن) (٢) عبد الرحمن، عن الوليد به. تاسعها: الصَّمصامة -بفتح الصادين المهملتين-: السيف بحد واحد، قَالَ ابن سيده والجوهري وغيرهما: الصمصامة والصمصمام: السيف الصارم

стр. 1401

الذي لا ينثني (١). ومعنى قوله: (قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا عَلَيَّ)، أي: تقطعوا رأسي، أراد ﵁ بذلك الحض عَلَى العلم والاغتباط بفضله، حيث سهل عليه قتل نفسه في جنب ما يرجو من ثواب نشره وتبليغه. ويؤخذ منه: أنه يجوز للعالم أن يأخذ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالشدة ويحتمل الأذى ويحتسبه رجاء ثواب الله، ويباح له أن يسكت إِذَا خاف الأذى كما قَالَ أبو هريرة: لو حدثتكم بكل ما سمعت من رسول الله ﷺ لقطع (مني) (٢) هذا البلعوم (٣). وعنه: لو حدثتكم بكل ما في جوفي لرميتموني بالبعر (٤). قَالَ الحسن: صدق. وكأنه أراد والله أعلم عنى به ما يتعلق بالفتن مما لا يتعلق بذكره مصلحة شرعية. عاشرها: قوله: (وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩] عُلَمَاءَ (٥) فُقَهَاءَ)، هذا التعليق رواه الحافظ أبو بكر الخطيب في كتاب "الفقيه والمتفقه" بإسناد صحيح عن أبي بكر الجيري، (ثنا) (٦) أبو محمد

стр. 1402

حاجب بن أحمد الطوسي، (ثنا) (١) عبد الرحيم بن منيب، (نا) (٢) الفضيل بن عياض، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عنه (٣). ورواه ابن أبي عاصم في كتاب "العلم" عن المقدمي، (ثنا) (٤) أبو داود عن معاذ، عن سماك، عن عكرمة، عنه. الحادي عشر: الرباني: المتأله العارف بالله تعالى، قاله الجوهري وغيره (٥)، وربيت القوم: سستهم أي: كنت فوقهم. وقال أبو نصر: من الربوبية أي: معرفتها، كما قاله صاحب "العين" (٦). وقال الإسماعيلي: منسوب إلى الرب كأنه الذي يقصد قصد ما أمره الرب، وقال أحمد بن يحيى: إنما قيل للعلماء: الربانيون؛ لأنهم يربون العلم، أي: يقومون به، وقيل: لأنهم أصحاب العلم وأربابه، وزيدت الألف والنون للمبالغة. وقيل: أصله من رب الشيء إِذَا ساسه وقام به ثمَّ زيد ياءً. وقيل: من معنى التربية، كانوا يربون المتعلمين بصغار العلم قبل كباره وهو ما حكاه البخاري، وقال ابن الأعرابي: لا يقال للعالم رباني حتَّى يكون عاملًا معلمًا (٧). وفي موضع آخر: هو العالي الدرجة في العلم. وقال مجاهد فيما

стр. 1403

حكاه الخطيب في كتاب "الفقيه والمتفقه": الربانيون: الفقهاء وهم فوق الأحبار (١). وقال أبو عبيد: أحسب الكلمة ليست بعربية وذلك أن أبا عبيدة زعم أن العرب لا تعرف الربانيين، سمعت وجلًا عالمًا بالكتب يقول: الربانيون: العلماء بالحلال والحرام. وفي "جامع القزاز" الرِّبي: والجمع الربيون هم: العباد الذين يصحبون الأنبياء ويصبرون معهم، وهم الربانيون، نسبوا إلى عبادة الرب . وقيل: هم العلماء الصُبَّر. وقال القزاز: وأنا أرى أن يكون عربيًا. الثاني عشر: مقصود البخاري ﵀ فيما ترجمه أن العمل لا يكون إلا مقصودًا به معنى متئقدمًا وهو العلم بما يفعله وما يترتب عليه من الثواب، فعند ذَلِكَ يخلص فيه ويقصد به الثواب، ومتى خلى العمل عن ذلكَ فليس بعمل.

стр. 1404

١١ - باب مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُهُمْ بِالْمَوْعِظَةِ وَالْعِلْمِ كَىْ لَا يَنْفِرُوا ٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابن مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوعِظَةِ في الأيًّامِ، كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَينَا. [٧٠، ٦٤١١ - مسلم: ٢٨٢١ - فتح: ١/ ١٦٢] ٦٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ، عَن أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تنفِّرُوا". [٦١٢٥ - مسلم: ١٧٣٤ - فتح: ١/ ١٦٣] ذكر فيه حديث ابن مسعود وحديث أنس. أما حديث ابن مسعود فقال في سياقته: نَا مُحَمَّدُ بْن يُوسُفَ، نَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابن مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الأَيَّامِ، كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا. الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه (إثر) (١) الباب الذي بعده، عن عثمان بن أبي شيبة، (نا) (٢) جرير، عن منصور، عن أبي وائل (٣). وأخرجه في الدعوات عن عمر بن حفص، عن أبيه، عن الأعمش به (٤).

стр. 1405

وأخرجه مسلم في التوبة، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع وأبي معاوية وعلي بن نمير، عن أبي معاوية، وعن الأشج، عن (ابن) (١) إدريس، وعن منجاب، عن علي بن مسهر، وعن إسحاق بن إبراهيم، وابن خشرم، عن (يونس) (٢)، وعن ابن أبي عمر، عن سفيان، (كلهم) (٣) عن الأعمش، زاد الأعمش (٤) في رواية ابن مسهر: وحَدَّثَنِي عمر بن مرة، عن (شقيق) (٥)، عن عبد الله مثله (٦). ثانيها: في التعريف برواته: وقد سلفوا غير محمد بن يوسف، وهو الإمام الثقة أبو عبد الله محمد (ع) بن يوسف بن واقد الفريابي (الضبي) (٧)، مولاهم سكن قيسارية من ساحل الشام (٨). أدرك الأعمش وروى عنه، وعن السفيانين وغيرهم، وعنه: أحمد والذهلي وغيرهما، أكثر عنه البخاري، وروى في الصداق عن إسحاق غير منسوب عنه، وروى مسلم والأربعة عن رجل عنه.
следующие страницы →